مسألة «الإيمان» وبيان حقيقته
ومعاصيهم، وإيمانُهم وكفرُهم، كلُّ ذلك واقعٌ بمشيئةِ الله وقدرتِهِ وتدبيرِهِ الحكيم، فله الحكمة البالغة في كل ما يُقَدِّرُه ويَقْضِيهِ.
وقوله ﵀: «سُبْحَانَه عَنْ أَنْ يُعَجِّزَهُ الرَّدِي» لعله يريد ب «الرَّدِي» الكافر مثَلًا؛ لأن مقتضى كلام المعتزلة - كما تقدم - أنَّ الله شاء من الكافر الإيمان، وشاء الكافر الكفر، فَغَلَبَت مشيئةُ الكافرِ مشيئةَ الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، بل الله تعالى يضلُّ مَنْ يشاء ويهدي مَنْ يشاء، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس].
وينبغي أن يُعلَم أنَّ مشيئةَ اللهِ للكفرِ والمعاصي مع بغضه لها وكراهتها راجعٌ إلى حكمته البالغة، وهذا هو الجاري على مذهب أهل السنة، فإنهم يُثبِتُون عموم المشيئة، ويثبتون الأمر والنهي، وأنَّه تعالى إنما يأمر بما يُحِبُّ ويَرضى، وينهى عن كلِّ ما يُسْخِطُه ويُبْغِضُه، وأنَّه سبحانه حكيمٌ في شرعه وقَدَرِه، وبهذا يَخْلُص مذهب أهل السنة عن كلِّ باطلٍ تضمنته مذاهب المخالفين لهم من الجبرية والمعتزلة والأشاعرة.
قال الناظمُ ﵀:
٣٠ - قَالُوا: فَمَا الإِيمانُ؟ قُلتُ مُجَاوِبًَا: … عَمَلٌ وَتَصْدِيقٌ بِغَيرِ تَبَلُّدِ (^١)
انتقل الناظم ﵀ في هذا البيت إلى مسألةٍ أخرى من مسائل الاعتقاد وهي مسألة: «الإيمان».
_________________
(١) قوله: «عَمَلٌ وَتَصْدِيقٌ» بالرفع، وهو الصحيح، وهو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، تقديره: (الإيمانُ عملٌ وتصديقٌ)، وأما ما وقع في بعض النسخ: (عَمَلًا وَتَصْدِيقًا) بالنصب، فلا وجه له كما أفاده الشارح، وقوله: «بِغَيرِ تَبَلُّدِ» وقع في بعض النسخ: (بِغَيرِ تَرَدُّدِ) ومعناهما واحد.
[ ١٠٦ ]
مذاهب المخالفين في مسمى «الإيمان»
مذهب أهل السنة والجماعة في مسمى «الإيمان»
عناية أهل العلم قديما وحديثا بمسألة «الإيمان»، ومصنفاتهم في ذلك (حاشية)
ومسألة «الإيمان» من المسائل التي وقع فيها اختلاف بين الناس، وافترقت فيها الأمة على مذاهب متعدِّدةٍ.
فالجهميَّة يقولون: الإيمانُ هو المعرفة.
والأشاعرة يقولون: هو التصديق.
والمرجئة يقولون: هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان.
والكَرَّامِيَّة يقولون: هو الإقرار باللِّسان فحسب، من غير اعتبارٍ لتصديقِ القلب.
وأهل السنة والجماعة يقولون: هو قولٌ وعملٌ.
وبتعبيرٍ آخر: هو اعتقادٌ بالجَنَان، وإقرارٌ باللِّسان، وعملٌ بالأركان (^١).
فقوله: «قَالُوا: فَمَا الإِيمانُ؟» يعني: ما مُسَمَّى الإيمانِ عندك؟
ثم أجاب الناظم ﵀ عن هذا السؤال بقوله: «عَمَلٌ وَتَصْدِيقٌ» يعني: أنَّ الإيمانَ عملٌ وتصديقٌ.
_________________
(١) مسألة «الإيمان» وما يتعلق بها من بيان حقيقته ونحو ذلك، تُعدُّ من أهم مسائل الاعتقاد، ولذا عُني بها أهل العلم قديمًا وحديثًا، فقلما يخلو كتابٌ من كتب العقائد من ذكر هذه المسألة، بل أفردها بعضهم بمصنَّفٍ خاصٍّ، منهم: أبو عُبيد القاسم بن سلَّام، وابنُ أبي شيبة، وابنُ مَنْدَه، وغيرُهم، ثم تلاهم شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ فصنَّف فيه مصنَّفَيْن حافلين بديعين، هما: «الإيمان الكبير» و«الإيمان الأوسط»، بيَّن فيهما حقيقة الإيمان عند السلف، وذَكَرَ مذاهب المخالفين، وفَنَّدَ شبهاتهم بكلامٍ رصينٍ، وتحقيقٍ متينٍ، تقرُّ به عيون الموحِّدِين، فرحمه الله وسائر علماء المسلمين رحمةً واسعةً، وجزاهم عن السنة وأهلها خير جزاءٍ وأوفاه.
[ ١٠٧ ]