بداية الشروع في ذكر المسائل العقدية وأجوبتها
مِنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣)﴾ [آل عمران]، وأمرهم بالمنافسة فقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون (٢٦)﴾ [المطففين].
وقوله: «إِلَى العُلَا» أي: إلى المنازل العالية والرتب الرفيعة، وذلك بالأعمال الصالحة النافعة، وبالجهود المخلصة الصادقة.
وقوله: «وَالسُّؤدَدِ» أي: السيادة، ولا ريب أن من آمن واتقى نال السعادة والسيادة، ولا ريب كذلك أن تحصيل العلم النافع من أعظم أسباب السيادة.
فهذه هي سيرة هذا الصِّنْفِ من أهل العلم وطُلَّابِه.
فالناظمُ ﵀ يستثير في هذه الأبيات هِمَمَ طلاب العلم، ويستنهض همم المبتدئين منهم أو المتقاعسين لتحصيل ما سيذكره من مسائل، وما سيقرره من تأصيل.
فهو يستثير هممهم بوصف هذا النوع من طلاب العلم بالجد والاجتهاد وطلب المعالي، والصبر والمصابرة وسهر الليالي.
قال الناظمُ ﵀:
١١ - قالوا: بِمَا عَرَفَ المكَلَّفُ رَبَّهُ؟ … فَأَجَبْتُ: بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُرْشِدِ
هذا أول الشروع في المقصود، وقد ذكر الناظمُ ﵀ المسائلَ التي قصد بيانها بطريقة السؤال والجواب، فكل بيت فيه سؤال وجواب.
[ ٥٢ ]
بم يعرف المكلف ربه؟
الأصل أن «ما» الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر تحذف ألفها
معرفة الله تحصل بطرق ثلاث: بالفطرة، والعقل، والوحي
قوله: «قالوا: بِمَا عَرَفَ المكَلَّفُ رَبَّهُ؟»، «بِمَا» لعل الإشباع هنا للوزن، وإلا فالأصل أن «ما» الاستفهامية إذا دخل عليها حرفُ الجَرِّ - كاللام أو الباء مثلًا - تُحْذَف أَلِفُهَا، فيقال: «بِمَ» و«لِمَ».
و«المُكَلَّف» في اصطلاح الأصوليين هو: الإنسانُ العاقلُ البالغُ.
وهذا الذي ذكره الناظمُ ﵀ هنا هو من جنس قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في «الأصول الثلاثة»: (إذا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بآياتِه ومخلوقَاتِه).
ولَمَّا ذكر الناظمُ ﵀ السؤال عقَّبه بذكر الجواب فقال: «فَأَجَبْتُ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُرْشِدِ»، أي: عَرَفَ المكَلَّفُ رَبَّه بالنظر الصحيح المرشِد، وحَذَفَ النَّاظِمُ جملةَ (عَرَفَ المكَلَّفُ رَبَّه) من الجواب اكتفاءً بورودها في السؤال.
وقوله: «بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُرْشِدِ»، أي: بنظر العقلِ المستقيمِ المرشِد إلى المطلوب، وذلك بالتفكر في مخلوقات الله ﷿، ولا شك أن النظر والتفكر في مخلوقات الله طريقٌ إلى معرفة الله ﷿.
فمعرفة الله ﷿ تحصل بثلاثةِ طُرُق:
١ - بالفطرة.
٢ - وبالعقل، وذلك بالنظر والتفكر في مخلوقات الله ﷿.
٣ - وبالوحي.
[ ٥٣ ]
«النظر الصحيح» طريق صحيح إلى معرفة الله ﷿
معرفة الله نوعان: إجمالية، وتفصيلية
لكنَّ المعرفة الحاصلة بالفطرة وبالعقل هي معرفةٌ إجماليةٌ، فالعبدُ يعرفُ رَبَّه بمقتضى الفطرة، فهو مفطورٌ على أنه لا بد له من خالقٍ، بل لا بد لهذا العالم كله من خالق، وهذا أمرٌ فِطْرِيٌّ.
ثم إنَّ النظر في السماوات والأرض والتفكر فيهما مما تحصل به معرفة الله ﷿، فهذا العالم لا بد له من خالقٍ وصانِعٍ، وصانِعُه قادرٌ وحكيمٌ وعليمٌ وهكذا.
ف «النظرُ الصحيحُ» طريقٌ من طُرُقِ المعرفةِ، لكنَّ الطريقَ الأعظم لمعرفة الله معرفةً تفصيليةً هو بمعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأفعاله الحكيمة المتضمنة للحكمة والعدل والرحمة.
وهذه المعرفة طريقُها الوحي الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيب (٥٠)﴾ [سبأ]، ولهذا سمَّى اللهُ الوحيَ الذي بعث به محمَّدًا نورًا ورُوْحًا؛ لأنه هو الذي به الإبصار التام، قال الله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٢)﴾ [الشورى].
فقوله: «بِالنَّظَرِ» هذا صحيحٌ، فإنَّه بالنَّظَر والتفكُّر يُعْرَفُ الله ﷿، لكنه ليس هو الطريق الوحيد لمعرفته سبحانه.
وهذه المسألة التي ذكرها الناظم غير مسألة: «أَوَّلُ وَاجِبٍ هو النَّظَرُ» (^١)، فنحن وإن قلنا: إنَّ «النَّظَرَ الصَّحِيحَ» طريقٌ إلى معرفة الله
_________________
(١) الناظمُ ﵀ وعفا عنه - من القائلين بأنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ على المكلَّف هو النَّظَر، وقد أفصح عن هذا في كتابه «التمهيد» كما في (٤/ ٣٠٠ - ٣٠١). =
[ ٥٤ ]