ذكر معاوية بن أبي سفيان ﵁
عليٍّ ﵁، وهو - ولا شكَّ - إمامٌ، ولكن الإمامة في الدِّين لا تختص به، بل هي متحققة له ولغيره من الخلفاء الراشدين وسائر علماء الصحابة ﵃ أجمعين.
وقوله: «وَمَنْ لَهُ بَينَ الأَنَامِ» أي: بين الخَلِيقَة، «فَضِائِلٌ» جمعُ فضيلة، وهو من صيغ منتهى الجموع التي لا تنصرفُ ولا تُنَوَّنُ، ونُوِّنَت هنا من أجل استقامة النظم، وهذا جائزٌ في الشعر.
وقوله: «لم تُجْحَدِ» أي: لا سبيل إلى جَحْدِهَا وإنكارها، ومن فضائله التي لا تجحد ما تقدَّمت الإشارة إليه، وأيضًا فقد جمع الله له بين فضل الإيمان، والهجرة، والنصرة والجهاد، والصحبة العظيمة الطويلة من صغره ﵁ حتى توفي رسول الله ﷺ، وهو صاحبُه وصِهْرُه وقرِيبُهُ ﵁ وأرضاه، ورزقنا حُبَّهُ وحُبَّ جميع الصحابة والقرابة.
قال الناظمُ ﵀:
٤١ - وَلإبْنِ هِنْدٍ في الفُؤادِ مَحَبَّةٌ … وَمَوَدَّةٌ فَلَيَرْغَمَنَّ مُفَنِّدِي
لما فرغ الناظمُ ﵀ من ذِكْر الخلفاءِ الرَّاشدين وما لهم من المناقب والفضائل أعقَبَهُم بذكرِ معاويةَ بنَ أبي سفيان ﵁، فقال: «وَلإبْنِ هِنْدٍ» قطع همزة «ابن» للوزن، ونَسَبَهُ النَّاظمُ لأُمِّهِ هند بنتِ عُتْبَةَ ﵂، وأما أبوه فهو أبو سفيانَ صَخْرُ بنُ حَرْبٍ سيِّدُ قريشٍ.
وهندُ بنتُ عُتْبَةَ امرأةٌ فاضِلةٌ عاقِلَةٌ، وهي التي قالت لرسول الله ﷺ لما بايعَ النساءَ على ألَّا يُشْرِكن بالله شيئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ: «أَوَتَزْنِي
[ ١٢٩ ]
الحُرَّةُ؟»، وهي أيضًا التي سألت رسول الله ﷺ فقالت: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي من النَّفَقَةِ ما يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إلا ما أَخَذْتُ من مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذلك من جُنَاحٍ؟ فقال رسول اللهِ ﷺ: «خُذِي من مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ ما يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ» (^١).
ومعاوية ﵁ من الذين أسلموا بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة، بخلاف أبيه ﵁ فإنَّه لم يُسْلِم إلا في فتح مكة.
وقد اشتهر ﵁ بجملةٍ من المناقبِ والأخلاقِ الفاضلةِ، فقد استَكْتَبَه النبي ﷺ واتخذه أحدَ كُتَّابِ الوحي، وأمَّرَه عمرُ ﵁ على الشام، فكان أميرًا على الشام عشرين سنة حتى آل إليه أمرُ الخلافة سنة ٤٠ هـ، فصار أميرًا للمؤمنين عشرين سنة، فكانت مدة إمارته الخاصة والعامة أربعين سنة.
وقوله: «ولإبنِ هِنْدٍ في الفُؤادِ» يعني: في القلب، «مَحَبَّةٌ وَمَوَدَّةٌ» المحبة والمودَّة معناهما واحدٌ أو متقاربٌ.
وقوله: «فَلَيَرْغَمَنَّ» اللام هنا لام القسم، يعني: فوالله لَيَرْغَمَنَّ من «الرَّغَام» الذي هو التُّراب.
وقوله: «مُفَنِّدِي» (^٢) يعني: من يُنْكِرُ عليَّ، ويَعِيبُني على محبتي لمعاوية ﵁، ووقع في نسخةٍ: «فَلَيَرْغَمَنَّ المُعْتَدِي» وهي قريبةٌ في
_________________
(١) متفقٌ عليه من حديث عائشة ﵂، أخرجه البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (١٧١٤).
(٢) الفَنَدُ - بالتحريك: الخَرَفُ وإِنكارُ العَقْلِ لِهَرَم أَوْ مَرَضٍ، والفَنَدُ: الخَطَأُ في القولِ والرَّأْيِ، والفَنَد: الكَذِبُ، يقال: فَنَّدَه تَفْنِيدًا: إذا كَذَّبَهُ وعَجَّزَهُ وخَطَّأ رَأْيَهُ وضَعَّفَهُ. ينظر: «لسان العرب» (٣/ ٣٣٨)، و«تاج العروس» (٨/ ٥٠٥ - ٥٠٦).
[ ١٣٠ ]
سبب تخصيص الناظم معاوية ﵁ بالذكر دون سائر الصحابة ﵃
الروافض يبغضون خيار الأمة وهم الصحابة الكرام ﵃
الصحابة الكرام ﵃ ليسوا بمعصومين من الخطأ والزلل
منهج أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة ﵃ يتلخص في أمرين
المعنى من سابقتها، فالمُفَنِّدُ للنَّاظِم على حُبِّهِ ومودتِه لمعاويةَ ﵁ هو معتدٍ في تفنيده له، وهو أيضًا معتدٍ في بغضِه لمعاويةَ ﵁، وكأنَّ الناظم ﵀ يشير بهذا إلى الرافضة؛ لأنَّهم يبغضون معاوية ﵁ بسبب غلوِّهم في عليٍّ ﵁.
فالناظمُ ﵀ عَمَدَ إلى التنْصِيصِ على فضل الخلفاء الرَّاشدين، ثم فضل معاوية ﵁، وفي هذا إرغامٌ ومُرَاغَمَةٌ للرَّافِضَة التي تُضْمِرُ العِدَاء والكيد والبغض لأصحاب رسول الله ﷺ، ثم لكلِّ مَنْ جاء بعدهم ممن سَارَ على أَثَرِهِم وسلك سبيلَهُم من أهلِ السنَّة والجماعة.
فهؤلاء الرَّوَافض يُبغِضُون خِيَارَ الأُمَّةِ أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وسائرَ الصَّحَابَة ﵃، ولذا فبُغضهم لمعاوية ليس أمرًا خاصًا به، لكنَّ بعض الشيعة من غير الرافضة يُبغِضُ معاويةَ أيضًا وإن كان لا يُبْغِضُ أبا بكرٍ وعُمَرَ؛ وذلك لما كان بين معاوية وعلي ﵄ من خِلافٍ، فهم يُبغِضُون معاويةَ بسبب غلوهم في حُبِّ عليٍّ ﵁، والواجب العدل، فمعاوية ﵁ صحابيٌّ جليلٌ، لكنه ليس بمعصومٍ من الخطأ والزلل، بل ولا أحد من الصحابة كذلك، بل كلهم تجوز عليهم الذنوب، لكن لهم من الحسنات ما يُرجى أن تكون ذنوبهم مغمورةً فيها.
فالواجبُ هو معرفةُ فضلهِم وإنزالهم منزلتهم، والتماس العذر لهم فيما صدر منهم، وهم في ذلك إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطؤون، هذا هو منهج أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة الكرام ﵃، فهو يتلخص في أمرين:
[ ١٣١ ]
نقل نفيس عن شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المعنى (حاشية)
أولًا: الكف عن الخوض فيما شجر بينهم.
والثاني: التماسُ العذر لهم، وإذا كان هذا واجبًا في حق جميع المسلمين فهو في حقِّ صحابة رسول الله ﷺ آكَدُ وأَوجَبُ (^١).
_________________
(١) ومن جميل ما يُسَطَّرُ في هذا المقام ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في: «العقيدة الواسطية» حيث قال - متحدِّثًا عن منهج أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃: (ويتبرأون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زِيد فيه ونُقص، وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطؤون. وهم - مع ذلك - لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصومٌ عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يُوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يُغفر لهم من السيئات ما لا يُغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنهم خير القرون، وأن المُدَّ من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم، ثم إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنبٌ فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غُفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتُلي ببلاء في الدنيا كُفِّر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المُحقَّقة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور. ثم القَدر الذي يُنكَر من فعل بعضهم قليل نَزْر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله ﷺ، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح. ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما منَّ الله عليهم به من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله جل شأنه). انتهى.
[ ١٣٢ ]