مسألة «الخلافة» وذكر الخلفاء الراشدين والإشارة إلى بعض فضائلهم
مسألة «الصحابة» تعد من أهم القضايا التي وقع فيها النزاع بين الأمة
وجواب الناظم هنا مطابقٌ لمعتقد أهل السنة والجماعة، يعني: أنَّ الإيمان عملٌ بالجوارح - ومنها اللِّسان - وتصديقٌ بالجَنَان، فالإيمان على هذا قولٌ وعملٌ، وهذا من أحسنِ ما وَرَدَ في هذه المنظومةِ وأوضحِه.
وقوله: «بِغَيرِ تَبَلُّدِ» يعني: بغير تَحَيُّرٍ ولا تَرَدُّدٍ ولا شكٍّ.
وهذه الجملة يحتمل أن تكون حالًا من قوله: «فَقُلتُ مُجَاوِبًا»، فهي إما حالٌ من الضمير المتَّصِل في قوله: «فَقُلتُ»، أو حال من الضمير المُسْتَكِنِّ في قوله: «مُجَاوِبًا»؛ أي: قُلتُ مُجَاوِبًا من غير تَبَلُّدٍ مني ولا تَحَيُّرٍ ولا ترددٍ في ذلك.
ويحتمل أن تكون صفةً ل «التصديق»؛ أي: تصديقٌ بلا تَرَدُّدٍ ولا شكٍّ.
فالجارُّ والمجرور إما حالٌ من الضميرِ المتَّصِل أو المستَكِنّ في قوله: «مُجَاوِبًا»، أو هو صفةٌ ل «التصديق».
قال الناظمُ ﵀:
٣١ - قَالُوا: فَمَنْ بَعْدَ النَّبِيِّ خَلِيفَةٌ؟ … قُلتُ: المُوَحِّدُ قَبْلِ كُلِّ مُوَحِّدِ
بعد أن فرغ الناظمُ ﵀ من ذكر بعض المسائل المتعلِّقة بصفات الله ﷿، وذكر ما يتعلق بالقدر والإيمان، انتقل في هذه الأبيات إلى ما يتعلق بالصحابة الكرام ﵃.
وهذه القضايا التي عرض لها الناظمُ ﵀، وهي: «الصفات»، و«القدر»، و«الإيمان»، و«الصحابة» تُعَدُّ من أهمِّ القضايا التي وقع فيها النِّزَاع وافترقت فيها الأُمَّةُ فِرَقًا متعدِّدة.
[ ١٠٨ ]
الرافضة يبغضون جمهور الصحابة، ويطعنون فيهم ويسبونهم
الخوارج يطعنون في أهل البيت، بل ويكفرون عليا ﵁
من مذهب الرافضة الباطل طعنهم في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃
أهل السنة والجماعة وسط بين الروافض والخوارج في هذا الباب
وأصحابُ رسول الله ﷺ انقسم النَّاسُ فيهم، وافترقت فيهم الأُمَّةُ فرقًا.
فالرَّافضةُ يبغضون جمهور الصحابة، ويطعنون فيهم ويسبونهم، ومنهم من يكفرهم كلَّهم إلا نفرًا قليلًا منهم، مثل: سلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري ﵃، وكذلك من يغلون فيهم من أهل البيت.
ويقابلهم الخوارج وخصوصًا في موقفهم من أهل البيت، وبالأخص في علي ﵁ فإنهم يكفرونه.
ومن مذهب الرافضة الباطل طعنهم في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، وطعنهم في خلافتهم.
فالرافضة منهم من يكفّر الشيخين ويكفّر جمهور الصحابة، ومنهم من يسب أبا بكر وعمر ويصفهما وسائر الصحابة بالظلم، وأنهم ظلموا عليًا ﵁ واغتصبوا حقه.
وأما أهل السنة والجماعة فهم بين هؤلاء وهؤلاء، هم وسط بين الرافضة والخوارج النَّواصب الذين ينصِبُون العَدَاوة لأهل البيت.
فالناظمُ ﵀ يريد أن يبين في هذه الأبيات مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ، وخصوصًا الخلفاء الراشدين.
فقال ﵀: «قَالُوا: فَمَنْ بَعْدَ النَّبِيِّ خَلِيفَةٌ؟» يعني: من هو المستحق للخلافة بعد النبيِّ ﷺ؟
[ ١٠٩ ]
أحق الناس بالخلافة بعد رسول الله ﷺ هو أبو بكر الصديق ﵁
مذهب الرافضة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁
ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن خلافة أبي بكر ثبتت حكما بالنص، وثبتت فعلا بالاختيار
فأجاب: بقوله: «قُلتُ: المُوَحِّدُ قَبْلِ كُلِّ مُوَحِّدِ» ويعني به خليفةَ رسولِ الله ﷺ أبا بكر الصديق ﵁.
وفي هذا الجواب إشارةٌ إلى سَبْقِ أبي بكرٍ ﵁ إلى الإسلام، وأنَّه أول مَنْ آمن بالرَّسول ﷺ، وأول مَنْ دخل في الإسلام من الرجال كما قيل.
فأبو بكر ﵁ هو الخليفةُ بحقٍّ بعد رسول الله ﷺ.
وأما الرَّافضةُ فيقولون: هو الخليفةُ بعد رسولِ الله ﷺ لكن بغير حقٍّ، وهو ظالم مغتَصِبٌ هو ومَن بايعه، فالأحقُّ بالخلافةِ - عندهم - هو عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁، وكلُّ مَنْ وليَ الخلافةَ قبلَهُ فهو معتَدٍ وظالمٌ، فهذه هي عقيدةُ الرَّوافض في خلافةِ الخلفاءِ الثلاثة ﵃.
وأما أهل السُّنَّة فعندهم أن أبا بكر هو الخليفةُ بحقٍّ بعد رسولِ الله ﷺ، فهو أحقُّ النَّاس بالخلافةِ وولايةِ الأمرِ بعد الرَّسول ﷺ.
واختلف أهل السنة في خلافة أبي بكرٍ ﵁ هل ثبتت بالنصِّ الجلي، أم بالنصِّ الخفي والإشارة، أم بالاختيار.
فذهب شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أنها ثبتت حُكمًا بالنص على أبي بكرٍ، لكن قد يكون ذلك بالنص الجلي، أو بالنص الخفي والإشارة، وثبتت فعلًا بالاختيار، وذلك بمبايعة الصحابة من المهاجرين والأنصار لأبي بكرٍ في سقيفةِ بني سَاعِدَة، فصارَ خليفةً فعلًا بمبايعة الصحابة له (^١).
_________________
(١) ينظر: «منهاج السنة» (١/ ٤٨٦ - ٥٣٢)، و«مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٤٧ - ٤٩).
[ ١١٠ ]