ذكر الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁
الإشارة إلى فضيلة عثمان ﵁ لما بايع عنه النبي ﷺ بيده الشريفة في «بيعة الرضوان»
نشر الإسلام، وتجهيز الجيوش لأجل ذلك، حتى إنَّه قد جاء عنه أنَّه كان يجهزُ الجيوش وهو في الصلاة (^١)، يجهزها بفكره وعقله، ففكره وعقله ﵁ مشحونٌ بهموم المسلمين وعزِّ الإسلام وأهله، ولعل هذا مما يُبَيِّنُ قول الناظم: «سَنَدُ الشَّرِيْعَةِ بِاللِّسَانِ وَبِاليَدِ».
قال الناظمُ ﵀:
٣٥ - قَالُوا: فَثَالِثُهُمْ؟ فقُلتُ مُجَاوِبًا: … مَنْ بَايَعَ المُخْتَارُ عَنْهُ بِاليَدِ
انتقل الناظمُ ﵀ في هذا البيت إلى الإشادةِ بثالثِ الخلفاءِ الرَّاشدين عثمان بن عفان ﵁، والثناء عليه، فقال: «قَالُوا: فَثَالِثُهُمْ؟» أي: مَنْ ثالث الخلفاء الراشدين؟
فأجاب ﵀ بقوله: «فقُلتُ مُجَاوِبًا: مَنْ بَايَعَ المُخْتَارُ عَنْهُ بِاليَدِ» «المختار» هو الرسول ﷺ.
والناظمُ ﵀ يشيرُ بهذا إلى ما وقع في «بيعة الرِّضْوَان» عام صلح الحُدَيْبِيَة، يوم أرسل النبيُّ ﷺ عثمانَ بنَ عفَّان ﵁ إلى أهل مكة يخبرهم بمقصودهم، وأنهم ما جاءوا لحربٍ وقِتَالٍ، وإنما جاءوا معتَمِرِين قاصدين بيتَ الله، فبلغ النبيَّ ﷺ أنَّ عثمانَ ﵁ قد قُتِلَ،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٩٧٥١) بإسنادٍ صحيحٍ، وأخرجه البخاريُّ تعليقًا مجزومًا به كما في «صحيحه» كتاب الصلاة: بَاب يُفْكِرُ الرَّجُلُ الشَّيْءَ في الصَّلَاةِ. ينظر: «فتح الباري» (٣/ ٩٠)، و«تغليق التعليق» (٢/ ٤٤٨). وأخرج ابن أبي شيبة رقم (٧٩٥٠)، من طريق عروة بن الزبير عن عُمَرَ ﵁ قال: «إنِّي لَأَحْسِبُ جِزْيَةَ الْبَحْرَيْنِ وأنا في الصَّلَاة»، وإسناده صحيحٌ أيضًا.
[ ١١٦ ]
فطلبَ الرسولُ ﷺ من أصحابِه ﵃ أن يبايعوه على الموت - أو على ألا يفروا - على اختلاف الروايات في ذلك، فبعضهم يقول: «بايعنا رسولَ الله ﷺ على الموت» (^١)، أي: على القتال حتى الموت، وبعضهم يقول: «بايعناه على ألَّا نَفِرَّ» (^٢)، فبايعه الصحابةُ ﵃، وتنافسوا في هذه البيعة، حتى إنَّ منهم من يُبَايِع ويخرج ليُبَايِعَ مرةً أخرى، وهذه البيعة هي «بيعة الرضوان» التي أشار الله ﷿ إليها بقولِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح]، فبايع الصحابةُ رسولَ الله ﷺ، وكان عثمانُ غائبًا، فلما جاءت نَوْبَةُ عثمان ﵁ قال النبيُّ ﷺ: «وهذه لعثمان» (^٣)، ثم وضع يده الشريفة ﷺ على الأخرى، وهذه والله فضيلة لعثمان وأيُّ فضيلة، أَنْ بايعَ الرَّسُولُ ﷺ عنه بيدِهِ الكَرِيمَة.
_________________
(١) «المبايعة على الموت»: جاءت من حديث سلمة بن الأكوع ﵁، أخرجه البخاري (٢٨٠٠)، ومسلمٌ (١٨٦٠)، ومن حديث عبد الله بن زيد ﵁ أيضًا، أخرجه البخاري (٢٧٩٩)، ومسلمٌ (١٨٦١).
(٢) «المبايعة على عدم الفرار لا على الموت»: جاءت من حديث جابر بن عبد الله ﵄، أخرجه مسلمٌ (١٨٥٦)، ومن حديث معقل بن يسار ﵁ أيضًا، أخرجه مسلمٌ (١٨٥٨). قال النووي في «شرح مسلم» (١٣/ ٣) بعدما ذكر اختلاف الروايات: (وفي رواية عن ابن عمر في غير «صحيح مسلم» البيعة على الصبر، قال العلماء: هذه الرواية تجمع المعاني كلها، وتبين مقصود كل الروايات، فالبيعةُ على أن لا نَفِرَّ معناه: الصبر حتى نظفر بعدونا، أو نقتل، وهو معنى البيعة على الموت، أي: نصبر وإن آل بنا ذلك إلى الموت، لا أن الموت مقصودٌ في نفسه). وينظر أيضًا كلام الحافظ ابن حجر في: «فتح الباري» (٦/ ١١٧ - ١١٨).
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٩٥).
[ ١١٧ ]