القول في «القرآن»
القرآن كلام الله ﷿
جواب الناظم يتضمن الرد على الجهمية والمعتزلة القائلين بأن القرآن مخلوق
انتقاد الشارح لجواب الناظم وما فيه من الإجمال
كل الطوائف متفقون على أن «القرآن كلام الله» ولكنهم عند التفصيل مختلفون
قال الناظمُ ﵀:
٢٥ - قَالُوا: فَمَا القُرْآنُ؟ قُلتُ: كَلَامُهُ … لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ مُوَحِّدِ
يقول الناظم ﵀: «قَالُوا: فَمَا القُرْآنُ؟» يعني: ما الذي تعتقده في القرآن؟، وهذا السؤال أخصَّ من السؤال السابق.
فأجاب ﵀ بقوله: «قُلتُ: كَلَامُهُ» أي: إنَّ القرآنَ كلامُ الله، وهذا كلامٌ سديدٌ وجيِّدٌ، لكنَّه لا يظهرُ به مذهبُ أهل السنة والجماعة بشكلٍ واضحٍ مع تعدُّدِ المذاهب في كلام الله ﷿، فغاية ما في هذا الجواب أنَّه يتضمَّن الرَدَّ على الجهمية والمعتزلة الذين يقولون: (القرآنَ مخلوقٌ)، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: (القرآنَ كلام الله، مُنَزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ).
فجوابُ الناظم هنا مقتضبٌ وفيه إجمالٌ، وكثيرٌ من أجوبته في هذه القصيدة مقتَضَبَةٌ وموجَزَةٌ ومجمَلَةٌ لا يتضح بها مذهبُه على وجهِ التحديد.
فقوله: «قُلتُ: كَلَامُهُ» هذا حقٌّ، فالقرآن كلام الله، لكنه في الحقيقة جوابٌ مجملٌ من غير تفصيل، فكل الطوائف يقولون: (القرآن كلام الله)، لكنهم عند التفصيل لكل واحدٍ من تلك الطوائف مذهبٌ.
[ ٩٣ ]
مذهب الجهمية والمعتزلة
مذهب الأشاعرة والكلابية
مذهب السالمية
فالجهمية والمعتزلة يقولون: القرآن كلام الله، لكن إضافته إلى الله - عندهم - من إضافة المخلوق إلى خالقه، لا من إضافة الصفة إلى الموصوف.
وأما الأشاعرة والكلَّابية فيقولون: القرآن كلام الله، لكنَّ كلامَ الله هو معنًى نفسي، فيقولون: إن هذا القرآن المكتوب هو عبارةٌ عن كلامِ الله، فكلام الله - عندهم - هو المعنى القائم بذات الرب ﷿، فهو عبارةٌ أو حكايةٌ عن كلام الله، فتسميتهم للقرآن بأنه كلام الله هو على جهة المجاز، فكلام الله حقيقة هو المعنى النفسي، وهذا القرآن المسموع المتلو المكتوب هو كلام الله؛ لأنَّه عبارة عن هذا المعنى النفسي.
ومن طوائف المتكلِّمين أيضًا: السالِمِيَّة، ومذهبهم في كلام الله أنَّه حروفٌ وأصواتٌ لكنَّها كلَّها قديمةٌ لا يتقدَّم بعضُها على بعضٍ، فليست الباءُ قبل السينِ، ولا السينُ قبل الميمِ في «البسملة»، ولذلك يُعرَفُون ب «الاقترانية».
ومعنى هذا: أنَّ الله لم يزل متكلِّمًَا بكلِّ كلامٍ يُضاف إليه، فلم يزل قائلًا: يا موسى، أو يا آدم، وهذا ظاهرُ الفسادِ عقلًا وشرعًا.
فظهر بهذا أنَّه لا يمكن أن يتبيَّن مذهب الشخص إلا بالتفصيل.
فمن عُرِف بالسُّنَّة المحْضَةِ حُمِلَ كلامُه المجْمَل على ما هو معروفٌ من مذهبه.
ومن عُرِفَ بالبدعة حُمِلَ كلامُه على ما هو معروفٌ من مذهبه.
[ ٩٤ ]
عود الشارح لانتقاد جواب الناظم لما فيه من الإجمال الذي لا يتبين به مذهبه على وجه الدقة
الإشارة إلى اختلاف النسخ في ذكر الشطر الثاني من البيت، وأثر ذلك في تحديد مذهب الناظم
وأما من لم يعرف مذهبه على وجه التحديد فيصبح كلامه مجملًا يحتاج إلى بيان، وذلك بالنظر في سائر كلامه، أو بالنظر في مواضع أخرى له يمكن أن يُعرَف من خلالها حقيقةُ مذهبِهِ، ومن أيِّ الطوائِفِ هو في هذه المسألة.
وقوله: «لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ مُوَحِّدِ» أي: إنَّ كلَّ من يؤمن بالله وكتابِه فعنده أنَّ القرآنَ كلامُ الله لا شك في ذلك ولا ريب فيه.
وهذا الكلام فيه من الإجمال ما فيه، وغايته أنَّ كلَّ واحدٍ يقول: (القرآنُ كلامُ الله) لكن على أيِّ وجهٍ؟
ووقع عند ابن الجوزي في «المنتَظَم» مكان الشطر الثاني: «مِنْ غَيرِ مَا حَدَثٍ وَغَيرِ تَجَدُّدِ»، وهذا التعبير أوضح وأصرح، ففيه أنَّ الناظم يقول: إنَّ القرآنَ كلامُ الله، وإنَّه قديمٌ، فالشطر الثاني فيه تتمَّةٌ للجواب، فكلام الله قديمٌ عنده، فالقرآن بهذا قديمٌ.
وهذا يتفق مع ما أطلقه فيما مضى من أنَّ صفاتَ الله كذاتِه قديمةٌ لم تَتَجَدَّد، وقد سبق بيان ذلك، وتقدم أيضًا مناقشةُ الناظم في حكمه على جميع الصفات بالقِدَم، وهذا الإطلاق يقتضي أنَّ الناظم يقولُ بقِدَمِ كلامِ الله؛ يعني: أنَّ كلامَ الله قديمٌ، فالقرآن أيضًا قديمٌ.
فاللفظ الذي ورد عند ابن الجوزي يتفق مع ما ذكره الناظم في سائر الصفات من أنها قديمة غير متجدِّدَة، وهذا هو مذهب الأشاعرة من أن كلام الله معنى نفسي واحدٌ قديمٌ.
[ ٩٥ ]