تصريح الناظم بمذهبه وأنه من المتبعين لمذهب الإمام أحمد
قال الناظمُ ﵀:
٣ - وَاسمَعْ مَقَالِي إِنْ أَرَدْتَ تَخَلُّصًا … يَومَ الحِسَابِ وَخُذْ بِهَذَا تَهْتَدِي
بدأ الناظمُ ﵀ بتقديم النصائح لقارئ هذه المنظومة فقال: «وَاسمَعْ مَقَالِي» أي: اسمع سَمَاعَ قَبُولٍ واستجابةٍ لما سأقوله وأُبَيِّنُه لك.
«إِنْ أَرَدْتَ تَخَلُّصًا يَومَ الحِسَابِ» أي: إن أردت النجاة يوم الحساب من العذاب، ومن شدائد يوم القيامة فاسمع مقالي وأصغ لما سأقوله لك.
وقوله: «وَخُذْ بِهَذَا تَهْتَدِي» وفي نسخة: «وَخُذْ بِهَدْيِي تَهْتَدِي» وكلٌّ منهما له وجهٌ، فنسخة: «خُذْ بِهَذَا» يعني: خذ بهذا القول الذي سأقوله لك في هذه المنظومة، وأمَّا نسخة: «خُذْ بِهَدْيِي» يعني: خُذْ بما سأقدِّمُه لك من دلالةٍ وإرشادٍ تهتدِ إلى الصواب وطريق الحق، فهذه أيضًا نصيحةٌ من النصائح.
فمعنى هذا أنه صَدَّرَ هذه المنظومة بنصائح لكل مسلم، ولا سيما طالب العلم.
قال الناظمُ ﵀:
٤ - وَاقصِدْ فَإِنِّي قَدْ قَفَيْتُ مُوَفَّقًا … نَهْجَ ابنِ حَنْبَلٍ الإِمَامِ الأَوْحَدِ
قوله: «اقصِدْ» أي: اقصِدْ بقلبِك وسعيك وجِدِّك نهجَ الإمامِ أحمدَ ابنِ حنبل ﵀، فكأنه يقول: اقصد ما قصدتُ وما قَفَيتُ من مذهب الإمام أحمد ومنهجه.
[ ٤٣ ]
ثناء الناظم على الإمام أحمد ﵀
وقوله: «وَاقصِدْ فَإِنِّي قَدْ قَفَيْتُ»، وقع في نسخةٍ: «وَاقصِدْ فَإِنِّي قَدْ قَصَدْتُ»، وكلا النسختين مؤداهما متقارِبٌ، فإنَّ مَنْ قَفَا وتَبِعَ إمامًا فإنَّه يتبعه بقصده وبموافقته.
وقوله: «مُوَفَّقًا» هي حالٌ من الفاعل، يعني: حال كوني موَفَّقًا، ويحتمل أن تكون حالًا من ضمير الفاعل في «اقْصِدْ»، وهو المخاطَب.
وهذا إمَّا أن يكون من باب الرجاء، يعني: أرجو أن أكون مُوَفَّقًا، وإما أن يكون لبيان أنَّ ما سلكه من عقيدة الإمام أحمد حقٌّ وصوابٌ، فإن الإنسان إذا سار على طريق الحق والصواب فلا ضير أن يقول: إني - ولله الحمد - مُوَفَّقٌ حيث سلكتُ هذا الطريق.
وقوله: «نَهْجَ ابنِ حَنْبَلٍ»، أي: منهجه وسبيله الذي سار عليه في اعتقاده وفي سيرته ﵀ ورضي عنه.
و«ابنُ حَنْبَلٍ» هو الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل، وهو مشهورٌ بهذه النسبة، فإذا قيل: «ابنُ حَنْبَل» فلا ينصرف إلَّا إلى الإمام أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ حنبل الإمام الشهير.
وقوله: «الإِمَامِ» هذا صحيحٌ، فإنه ﵀ كان إمامًا في زمانه، حتى صار قدوةً لمن بعده.
وقوله: «الأَوْحَدِ» هو أفعل تفضيل من «الوَحْدَة» و«التَّوَحُّد»؛ لأنه صار فريدًا في زمانه، وهذا مِثْلُ قولهم: «فَريدُ مِصْرِه، وَوَحِيدُ عَصْرِه».
فالإمامُ أحمدُ ﵀ أوحدُ من غيره وأكثر تفردًا من غيره، وهذا ما يقتضيه أفعل التفضيل التي عبَّرَ بها الناظمُ.
[ ٤٤ ]