إثبات صفة «الكلام» لله ﷿
وليس بجامد، ف «الله» أصلها «الإله»، قيل: حُذفت الهمزةُ، وأُدغِمَت اللام في اللام مع التفخيم فصار «الله»، فهو يدل على الألوهية، فالله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، كما قال ابنُ عبَّاسٍ ﵁ (^١).
وهذا الجواب من الناظم ﵀ يتبين منه أنه يُثبت الاسم والصفة، فهو سبحانه عليمٌ بعلمٍ، وقد أحسن في هذا ﵀ وأصاب الصواب فجزاه الله خيرًا.
قال الناظمُ ﵀:
٢٤ - قَالُوا: تَصِفْهُ بِأَنَّه مُتَكَلِّمٌ؟ … قُلتُ: السُّكُوتُ نَقِيْصَةٌ بِالسيِّدِ
يقول الناظم ﵀: «قَالُوا: تَصِفْهُ» بسكون الفاء لضرورة الوزن، وإلا فالأصل أنه مرفوعٌ؛ لأنه فعلٌ مضارعٌ تجرَّد من النَّاصِب والجَازِم، ووقع في «المنتَظَم»: «قَالُوا: فَيُوصَفُ أَنَّه مُتَكَلِّمٌ؟».
هذا هو السؤال؛ أي: هل الله متكلِّمٌ؟ وهل هو موصوفٌ بالكلام؟
فأجاب الناظم ﵀ عن هذا السؤال بقوله: «قُلتُ: السُّكُوتُ نَقِيْصَةٌ بِالسيِّدِ»، ويفهم من هذا الجواب أنَّ الله متكلِّمٌ، خلافًا للجهمية والمعتزلة القائلين بأنَّه تعالى غيرُ متكلِّم، ولا يقوم به الكلام، بل لا تقوم به أيُّ صفةٍ من الصفات - تعالى الله عن قول الظالمين والجاهلين والمفترين علوًا كبيرًا - ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم (١٦)﴾ [النور].
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١/ ٥٤).
[ ٨٨ ]
«الخرس» صفة نقص وعيب ينزه عنها الرب ﷿
تعبير الناظم ب «السكوت» محتمل لأحد أمرين
الفرق بين «الخرس» و«السكوت»
«السكوت» ذاته ليس عيبا على الإطلاق، بخلاف «الخرس»
انتقاد الشارح لجواب الناظم
فعدم القدرة على الكلام نَقِيصَةٌ وأيُّ نَقِيصَة، والله ﷿ قد احتجَّ على بني إسرائيل وبَيَّنَ لهم بطلان إِلهيَّة العِجْل بأنَّه لا يتكلَّم، والذي لا يتكلم يكون ناقصًا، والناقص لا يصلح أن يكون إلهًا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِين (١٤٨)﴾ [الأعراف]، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِي (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه]، فالكلام ضده الخَرَس، والخَرَس عيبٌ وأيُّ عيبٍ، فالجهمية عطَّلُوه سبحانه عن صفات الكمال، ومنها الكلام.
وتعبير الناظم ﵀ ب «السكوت» هنا إما أن يكون أراد به الخَرَس، لكنه لجأ إلى التعبير بالسُّكُوت لأجل النظم، إذ لم يسعفه التعبير بالخَرَس، وإما أن يكون ممن يذهب إلى أن الله تعالى لا يوصف بالسكوت.
وثَمَّةَ فَرْقٌ بين الخَرَسِ والسكوت، ف «الخَرَس» هو العَجْزُ وعدمُ القدرة على التكَلُّم، فالأخرس كالأبكم، وأمَّا «السكوت» فهو ترك الكلام ممن هو قادرٌ عليه، فالقادر على الكلام يتكلَّم إذا شاء ويَسْكُت إذا شاء.
فالسكوتُ ذاتُه ليس عيبًا على الإطلاق، وإنما العيب سكوت الأخرس وعدم تكلمه، فإذا كان السكوت بسبب العجز عن الكلام فهو عيب ونقص بلا ريب، وأما إذا كان السكوت عن اختيار ومشيئة فهذا لا يُعَدُّ عيبًا ولا نقصًا.
فكان الأجدر بالناظم أن يُعَبِّرَ بغير السكوت، ولكن لا ريب أن مقصوده ب «السكوت» السكوتُ عن عَجْزٍ لا عن مشيئةٍ واختيارٍ.
[ ٨٩ ]
إذا كان «الكلام» صفة كمال في المخلوق، فالخالق سبحانه أولى وأحرى بها
«السيد» اسم من أسماء الله ﷿
مذاهب الناس في كلام الله ﷿
مذهب الجهمية والمعتزلة
مذهب الكلابية والأشاعرة
توضيح مذهب الأشاعرة
قوله: «نَقِيصَةٌ» أي: خَصْلَةٌ ذَمِيمَةٌ، فالعجز عن الكلام يعدُّ نقصًا في المخلوق فكيف بالخالق؟
فإذا كان الكلام صفة كمال في المخلوق، فالله تعالى أولى وأحرى أن يكون متكلِّمًا.
وقوله: «بالسَّيِّدِ» «السَّيِّدُ»: هو الله ﷿، وهو اسمٌ من أسمائِه سبحانه (^١).
هذا، وقد اختلفَ النَّاسُ في كلامِ الله ﷿:
فذهبت الجهمية والمعتزلة إلى نفي الكلام عن الله تعالى كسائر الصفات.
وذهبت الكُلَّابية والأشاعرة إلى أنَّ كلامَ الله معنى واحدٌ نفسيٌّ، أو هو أربعة معاني، لكن كلامه ليس بحرفٍ ولا صوتٍ، فكلامه لا يُسْمَع منه، بل هو أمرٌ معنويٌّ، قائمٌ بنفسِه.
فالأشاعرة يقولون: كلام الله هو معنى نفسيٌّ واحِدٌ قديمٌ.
فقولهم: «هو معنى نفسيٌّ»: يعني ليس بحرفٍ ولا صوتٍ.
وقولهم: «واحدٌ»: يعني ليس فيه تَعَدُّد.
_________________
(١) أخرج أبو داود في «سننه» (٤٨٠٦) - واللفظ له، والنسائي في «الكبرى» (١٠٠٧٤ و١٠٠٧٦)، وأحمد في «المسند» (١٦٣٥٠) و(١٦٣٥٩)، جميعهم من طُرُقٍ عَنْ مُطَرِّفِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الشخِّيْرِ قَالَ: قَالَ أَبي: انْطَلَقْتُ فِى وَفْدِ بَني عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللهُ ﵎»، قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٥/ ١٧٩): (رجالُه ثقاتٌ، وقد صَحَّحَه غيرُ واحدٍ).
[ ٩٠ ]
بيان حقيقة مذهب أهل السنة والجماعة
الله تعالى يتكلم إذا شاء، بما شاء، كيف شاء
كلامه ﷿ قديم النوع حادث الآحاد
وقولهم: «قديْمٌ»: يعني ليس بمشيئته ﷾، بل هو لازمٌ لذاته كحياته.
وفي المسألة مذاهب أخرى، وكل هذه المذاهب الكلامية فيها حقٌّ وباطلٌ، والمذهبُ الحقُّ الخالصُ من الباطلِ هو مذهب أهل السنة والجماعة، فحقيقة مذهبهم أنَّ الله تعالى لم يزل يتكلَّم إذا شاء بما شاء كيف شاء، فكلامه ﷿ قديمُ النَّوع حادِثُ الآحاد، فالله سبحانه نادى الأبوين آدم وحواء (^١)، ونادى كليمه موسى ﵇ (^٢)، ونادى خاتم رسله وخيرة خلقه نبينا محمد ﷺ (^٣)، وهو سبحانه ينادي ملائكته أو من شاء من ملائكته (^٤)، وأخبر سبحانه أنه ينادي المشركين مُوبِّخًا لهم يوم القيامة، فقال
_________________
(١) كما في قوله تعالى: ﴿… فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِين (٢٢)﴾ [الأعراف].
(٢) كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِين (١٠)﴾ [الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٩)﴾ [النمل]، وغيرهما.
(٣) كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [في مواضع، ومنها: التحريم: ١ و٩]، و﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١ و٦٧].
(٤) كما أخرج مسلمٌ في «صحيحه» (٢٠٢) من حديث عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللهِ ﷿ في إِبرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم (٣٦)﴾ [إبراهيم]، وقال عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (١١٨)﴾ [المائدة]، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وقال: «اللّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي» وَبَكَى، فقالَ الله ﷿: يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ ما يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رسولُ الله ﷺ بِمَا قال - وهو أَعْلَمُ، فقالَ الله: يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ ولا نَسُوءُكَ.
[ ٩١ ]
كلام الله صفة قائمة به، تابعة لمشيئته
الله ﷿ يتكلم بصوت يسمعه من شاء من خلقه
كلام الله ﷿ ليس ككلام البشر أو أحد من الخلق
ما ورد في نسبة «السكوت» إلى الله ﷿
تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُون (٦٢)﴾ [القصص: ٦٢ و٧٤]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِين (٦٥)﴾ [القصص].
فأهل السنة عندهم أنَّ كلام الله صفةٌ قائمةٌ به، تابعةٌ لمشيئته، فهي صفةٌ ذاتِيَّةٌ فعليَّةٌ، وأنَّه سبحانه يتكلَّم بصوتٍ يسمعُه مَنْ شاء ﷾، فموسى كلَّمَه ربُّه فسَمِعَ كلامَ ربِّه منه إليه بلا واسطة، ولكن من وراء حجاب، وليس كلام الله ككلام البشر أو أحدٍ من الخلق، كسائر صفاته ﷾، وهذا مذهبُ أهلِ السُنَّة والجَمَاعَة في صفة كلام الله ﷿.
وإذا كان الله ﷿ يتكَلَّم إذا شاء كيف شاء، فهذا يقتضي أنَّه سبحانه يتكلَّم إذا شاء ولا يتكلَّم إذا شاء، وهذا هو السكوت، ومما ورد في نسبة «السكوت» إلى الله ﷿ قولُ النبيِّ ﷺ: «إنَّ الله فَرَضَ فرائضَ فلا تضيِّعُوها، وحَدَّ حدودًا فلا تَعْتَدُوها، وسَكَتَ عن أشياء رحمةً بكم غير نِسيَان فلا تسألوا عنها» (^١).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٥٨٩)، وفي «مسند الشاميين» (٤/ ٣٣٨) رقم (٣٤٩٢)، والدارقطني في «سننه» (٤٣٥٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٧)، والبيهقي في «الكبرى» (١٠/ ١٢ - ١٣)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٩) جميعهم من طريق مكحول عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ مرفوعًا، وهذا إسنادٌ منقَطِعٌ، فإنَّ مكحولًا لم يصحَّ له سماعٌ من أبي ثعلبة، كما قاله غير واحد من الحفاظ. إلا أنَّ للحديث شاهدًا حَسَنًا من حديثِ أبي الدَّرْدَاء ﵁، أخرجه البزَّار في «مسنده» (١٠/ ٢٦) رقم (٤٠٨٧) وقال: إسناده صالحٌ، والدارقطني في «سننه» (٢/ ١٣٧)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٣٧٥) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي في «الكبرى» (١٠/ ١٢) رقم (١٩٥٠٨). =
[ ٩٢ ]