القول في أفعال العباد، ومذاهب الناس في ذلك
مذهب الجبرية
مذهب المعتزلة
قال الناظمُ ﵀:
٢٧ - قَالُوا: فَأَفْعَالُ العِبَادِ؟ فَقُلتُ: مَا … مِنْ خَالِقٍ غَير الإِلهِ الأَمْجَدِ
قوله ﵀: «قَالُوا: فَأَفْعَالُ العِبَادِ؟» يعني: ما تقول في أفعال العباد؟
ومسألة «أفعال العباد» من المسائل التي وقع فيها اختلاف بين الناس.
فالجبرية يقولون: إنَّ العبدَ لا فِعْلَ له أصلًا، فأفعاله - عندهم - كصفاتِه، كطوله ولونه وشكله، فهي أفعالٌ مخلوقةٌ لله، وليس للعبد فيها مشيئةٌ ولا اختيارٌ ولا قدرةٌ، بل هو مضطرٌ إليها، كحركة المرْتَعِش والنَّائِم، وحركة الرِّيشَة في مهبِّ الرِّيح.
فهذه طريقةُ الجَبْرِيَّة الَّذِين يقولون: إنَّ العبدَ مجبورٌ على أفعاله، ليس له فيها مشيئةٌ ولا اختيارٌ بل ولا قدرة، فأفعاله إنما هي حركاتٌ آليَّةٌ، مثل حركة الآلة التي هي جمادٌ ليس لها إرادةٌ ولا مشيئةٌ، وإنما تتحرك بحسب ترتيب من صَنَعَها.
فهؤلاء يقولون: إنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله، وهذا حقٌّ، أما قولهم: إنها ليست أفعالًا للعبد حقيقة، وأنَّ إضافتَها ونسبتَها إليه نسبةٌ مجازيَّةٌ، وأنَّ العبدَ لا مشيئةَ له ولا اختيار، فهذا باطلٌ.
ويقابل الجبريةَ المعتزلةُ، فإنَّ المعتزلةَ ينفون القَدَرَ، فيُخْرِجُون أفعال العباد عن أن تكون بمشيئة الله وقدرتِه وخلْقِهِ، فأفعالُ العِبَادِ عندهم ليست واقعةً بمشيئةِ الله ولا بقدرتِه، ولا هي خَلْقٌ من مخلوقات الله، فيُخْرِجُون أفعال العباد عن مُلْكِ الله وعن خلقه.
[ ٩٩ ]
مذهب المعتزلة يتضمن تعجيز الرب، وأنه يقع في ملكه ما لا يريد
مذهب الأشاعرة
المراد ب «كسب الأشعري» وبيان أنه أحد الثلاثة التي لا حقيقة لها
مذهب الأشاعرة في هذه المسألة قريب جدا من مذهب الجبرية
فالمعتزلةُ «نفاةُ القَدَر» عندهم أنَّ أفعال العباد خارجةٌ عن مُلْكِ الله وقدرتِه ومشيئتِه، بل العبدُ عندهم هو الذي يخلُقُ فِعْلَ نفسِه بمشيئةٍ هو فيها مستَقِلٌّ عن مشيئَةِ الله، فالعبدُ يشاءُ ولو لم يشأ اللهُ.
وعلى مذهبهم الباطل فإنَّ الله ﷿ لا يقدر على أن يجعل المطيع عاصيًا، ولا العاصي مطيعًا، ولا الكافر مؤمنًا، ولا المؤمن كافرًا، فمذهبهم يتضمن تَعْجِيزَ الرَّب، وأنه غيرُ قادرٍ، وأنَّه يقع في ملكِه ما لا يريد، فهذان المذهبان على طرفي نقيض.
وأما الأشاعرةُ فالمشهور من مذهبهم أنَّ أفعالَ العِبَادِ مخلوقةٌ لله، كما يقول الجبرية، بل وكما يقول أهل السنة أيضًا؛ لأنَّ أهل السُّنَّة يقولون: هي مخلوقة لله، لكن الأشاعرة لا يقولون: إنها أفعال للعباد بل هي كسبٌ منهم، وهذا هو المراد ب «كَسْبِ الأَشْعَري» وهو أحدُ الثلاثةِ التي لا حقيقة لها - وهي: «كَسْبُ الأشعريِّ»، و«أحوالُ أبي هاشِمٍ»، و«طَفْرَةُ النَظَّامِ» (^١).
فالأشاعرة يقولون: إنَّ (أفعال العباد مخلوقة لله)، وهذا كلامٌ طَيِّبٌ، و(كسبٌ من العِبَاد)، وهذا كلامٌ فيه من الإجمال ما فيه، وتفسير «الكَسْبِ» عندهم أنَّه وقوعُ الفعل مقارنًا للقدرة الحادثة، فيكون العبد له قدرة، ولكنها قدرةٌ لا تأثيرَ لها في أفعالِه، بل غايةُ الأَمرِ أن تكون القدرةُ علامةً على الأفعال، كما هو مذهبهم في الأسباب، فالأسباب عندهم غير مؤثِّرَةٍ في مسبَّبَاتها، لكنَّها أماراتٌ، وهم بذلك يقتربون جِدًّا من مذهب الجبريَّة.
_________________
(١) للوقوف على معاني هذه المصطلحات يُنظَر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٢٨)، و«منهاج السنة» (١/ ٤٥٩) و(٢/ ٢٧٩)، و«شفاء العليل» (ص ٥٠ و١٢٢).
[ ١٠٠ ]
بيان حقيقة مذهب أهل السنة والجماعة في المسألة
الفعل بالمعنى المصدري إنما يقوم بالفاعل
كثيرا ما يطلق «المصدر» ويراد به اسم المفعول
أما أهلُ السنَّة والجماعة فيقولون: إن أفعال العباد هي أفعالٌ لهم حقيقة، وهي واقعةٌ منهم بقدرتِهم ومشيئتِهم، وأنَّ مشيئة العباد تابعةٌ لمشيئةِ الله ﷿ على حَدِّ قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين (٢٩)﴾ [التكوير].
فالله تعالى خالقُ العباد وخالقُ قدرتِهم وخالقُ أفعالهم، فأفعال العباد هي أفعالهم حقيقة، ولكنَّها في الوقت نفسه هي مفعولةٌ، وفرقٌ بين الفعلِ والمفعولِ، فأفعالُ العبادِ هي مفعولةٌ لله؛ أي: مخلوقةٌ لله، لكنَّها ليست أفعالًا لله، فإنَّ الفعلَ بالمعنى المَصْدَرِي إنما يقوم بالفاعل، فالكلام - بالمعنى المَصْدَرِي - يقوم بالمتكَلِّم، والخَلْقُ يقوم بالخالِق، والضرب يقوم بالضارب، وهكذا.
والأصل في هذا أنَّ المصدر في اللغةِ العربيَّة كثيرًا ما يطلق ويراد به اسم المفعول، مثل: الفعل والخلق والردّ، فهذه مصادر تطلق ويراد بها المفعول والمخلوق والمردود، فأنت تقول مثلًا: (هذا خَلْقُ الله) تشير بذلك إلى بعض المخلوقات كالسماوات والأرض وغيرهما، فقولك: (هذا خَلْقُ الله) يعني: مخلوقٌ لله، وتقول: الخلق من صفات الله، وهذا حقٌّ، فإن الخلق صفةٌ من صفات الله ﷿ وفعلٌ من أفعاله القائمة به سبحانه.
فأفعالُ العبادِ هي أفعالٌ لهم قائمةٌ بهم، لكنَّها في نفسِ الوقتِ هي مفعولةٌ ومخلوقةٌ لله ﷿.
[ ١٠١ ]