مواصلة الناظم الثناء على الإمام أحمد
الذي يتخلص به من هذا البلاء مع أنَّ له به فُسْحَة، لكنَّه صَبَرَ وصَابَرَ وصَدَعَ بالحق، فبذلك ذاع صِيتُه، وجعلَ الله له بهذا الصبر لِسَانَ صِدْقٍ في الأُمَّة، وصار قدوةً لمن جاء بعده، وكما قيل: «بالصبر واليقين تُنَالُ الإمامةُ في الدِّين».
وقوله: «إِمَامِ كُلِّ مُوَحِّدِ»: هذا تعبير عن كون الإمام أحمد إمام أهل السنة، فهو إمامُ كلِّ موحِّدٍ من أهلِ عصرِه ومن جاء بعدهم.
والمُوَحِّد: هو كل من وَحَّدَ الله بأسمائه وصفاته وربوبيته وألوهيته ﷾.
قال الناظمُ ﵀:
٦ - ذِي العِلْمِ وَالرَّأْيِ الأَصِيلِ وَمَنْ حوَى … شَرَفًا عَلَا فَوقَ السُّهَا وَالفَرْقَدِ
هذا هو البيت الثالث في الثناء على الإمام أحمد ﵀.
قوله: «ذِي العِلْمِ» أي: صاحبِ العلم الواسع بالكتاب والسنة وآثار الصحابة والفقه في الدين.
وقوله: «وَالرَّأْيِ الأَصِيلِ» أي: وصاحب الرأي المكين في السداد والصواب.
وقوله: «وَمَنْ حَوَى شَرَفًا» هذه الجملة معطوفة على قوله: «ذِي العِلْمِ» يعني: والذي حوى شرفًا.
[ ٤٦ ]
المراد ب «السها» و«الفرقد»
قوله: «فَوقَ السُّهَا وَالفَرْقَدِ» وفي نسخة: «فَوقَ السَّمَا وَالفَرْقَدِ» وكأنَّ ذكر «السُّهَا» أنسب؛ لأنه كثيرًا ما يُقْرَنُ بين السُّهَا والفَرْقَدِ، وهما نجمان معروفان، يعرفهما أهل الشأن، ويقال لهما من باب التغليب: «الفَرْقَدَان».
و«السُّهَا» يُقالُ: إنَّه نجمٌ خَفِيٌّ، وأمَّا «الفَرْقَد» فهو نجمٌ نَيِّرٌ واضحٌ، يعرفه المهتمُّون بالنجومِ ومنازلِها (^١).
ويحتمل أنَّ يكون قوله: «وَمَنْ حَوَى شَرَفًا» كلامًا مستأنفًا يُبيِّن به النَّاظمُ أنَّ مَنْ حوى شَرَفًا فقد عَلَا فوق السُّهَا، يعني: علا قَدْرُهُ وارتفعت منزلتُه، والإمامُ أحمدُ كذلك حوى شرفًا عظيمًا؛ شرف العلم والتقى، وشرف الجهاد والصبر، فلا غَرْوَ حينئذٍ أن يَتَبَوَّأَ ﵀ هذه المنزلةَ العظيمةَ.
ولعل هذا التوجيه هو الأقرب، وهو اعتبار أن هذه الجملة مستأنَفَة.
_________________
(١) السُّهَا: بضم السين المهملة، هو كوكبٌ خَفِيٌّ في بنات نَعْشٍ الكبرى، والنَّاسُ يمتحنون به أبصارهم؛ لخفائه، وفي المثل: «أُرِيهَا السُّهَا وَتُرِيني القَمَرَ». وأما الفَرْقَد: بفتح الفاء وإسكان الراء وفتح القاف، واحِدُ الفَرْقَدَين، والفَرْقَدَان: نجمان لا يَغْرُبَان ولكنهما يَطُوفَان بالجَدي، وقيل: كوكبان قريبان من القطب، وقيل: كوكبان في بنات نعش الصغرى، وربما قالت لهما العرب: الفرقد. و«الفرقدان» يضرب بهما المثل في طول الصحبة والتساوي والتشاكل، ومن ذلك قول القائل: وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخوهُ … لَعَمْرُ أَبِيْكَ إِلَّا الفَرْقَدَانِ ينظر: «صبح الأعشى» (٢/ ١٨١)، و«لسان العرب» (٣/ ٣٣٤) و(١٤/ ٤٠٨)، و«تاج العروس» (٨/ ٤٩١).
[ ٤٧ ]