نفي التجسيم عن الله ﷿
وقد قال بعض أهل السنة: «من شَبَّه الله بخلقه كَفَر، ومن جَحَدَ ما وَصَفَ الله به نفسه فقد كَفَر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ تشبيهٌ» (^١).
قال الناظمُ ﵀:
١٦ - قالوا: فَأَنْتَ تَرَاهُ جِسْمًا؟ قُلْ لَنَا … قُلتُ: المُجَسِّمُ عِنْدَنَا كَالمُلْحِدِ
قوله: «قالوا: فَأَنْتَ تَرَاهُ جِسْمًَا؟ قُلْ لَنَا»، وفي نسخةٍ: «جِسْمًا مِثْلَنَا»، أي: هل أنت ممن يقول ويعتقد بأن الله جِسْمٌ؟ «قُلْ لَنَا» أي: بَيِّن لنا.
ثم أجاب الناظم ﵀ عن هذا السؤال بقوله: «قلتُ: المُجَسِّمُ عِنْدَنَا كَالمُلْحِدِ»، وظاهرٌ من جوابه أنَّه ينفي أن يكون اللهُ جِسْمًا، وأن من قال: إنَّ الله جسمٌ فإنَّه كَالمُلْحِدِ، هذا جوابه.
ووَصْفُ الله ﷿ بأنَّه جِسمٌ أو ليس بجسمٍ هو مما لم يتكلم به السلف، ولم يرد في كتاب الله ﷿، ولا في سنة رسوله ﷺ ذكر هذا اللفظ، لا نفيًا ولا إثباتًا، وهكذا أهل السنة لم يتكلموا في ربّ العالمين بمثل هذا، فلم يقولوا: إنَّ الله تعالى جِسْمٌ، ولا إنَّه ليس بجسمٍ، ولا يرتضون إطلاق هذا اللفظ في النفي ولا في الإثبات، وذلك لأمرين:
_________________
(١) القائل هو: نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ الخُزَاعيُّ - شيخُ البخاريِّ. ومقولته هذه أخرجها ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٢/ ١٦٣)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٢/ ٥٣٢)، والذهبي في «العلو» (ص ١٢٦)، وفي «العرش» (٢/ ٢٣٨)، وفي «السير» (١٠/ ٦١٠) وقال (١٣/ ٢٩٩): (وما أحسن قول نعيم بن حماد الذي سمعناه بأصحِّ إسنادٍ) ثم ذكره.
[ ٦٢ ]
«الجسم» لفظ مجمل يحتمل معاني كثيرة، فيها الحق وفيها الباطل
المراد ب «الجسم» عند المتكلمين
موقف أهل السنة والجماعة من الألفاظ المبتدعة وإطلاقها على الله ﷿
أولًا: لأنه لم يرد وصف الله ﷿ بهذا اللفظ، لا نفيًا ولا إثباتًا، وهم يقفون مع النصوص.
ثانيًا: لأن لفظ «الجسم» لفظٌ مُجْمَلٌ، يحتمل معاني كثيرة، منها ما هو حقٌّ يمكن إضافته إلى الله ﷿، ومنها ما هو باطلٌ لا تجوز إضافته إلى الله ﷿.
ف «الجسم» له معنىً لغويٌّ، وهو الجسد والبدن، كما يقولون: الجسم والروح، قال تعالى عن طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
وله أيضًا معانٍ اصطلاحيَّةٌ عند المتكلِّمِين، منها: الموجود، والقائم بنفسه، والمركَّب من الجواهر المفردة.
وعلى هذا فلفظ: «الجسم» لفظٌ مجملٌ (^١)؛ ولهذا قال أهل السنة: إن من أضاف هذا اللفظ إلى الله ﷿ نافيًا أو مُثْبِتًا، يقال له: ماذا تريد بلفظ «الجسم»؟ فإن أراد حقًا قُبِلَ، وإن أراد باطلًا رُدّ، وإن أراد حقًا وباطلًا وُقِف اللفظُ وفُسِّر، وأُثْبِت ما يجبُ إثباتُه، ونُفِيَ ما يجبُ نَفيُه (^٢).
_________________
(١) ينظر: «العقيدة التدمرية» (ص ٥٢ - ٥٣)، و«درء التعارض» (١/ ١١٩)، و«منهاج السنة» (٢/ ١٣٤ - ١٣٥ و١٩٨ - ٢٠٣ و٥٣٠ - ٥٣٢).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٩٦ و٣٠٧ - ٣٠٨) و(١٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، و«منهاج السنة النبوية» (٢/ ١٣٤ - ١٣٥ و١٩٢ و١٩٨ - ٢٠٠ و٥٢٧)، و«بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٥٠٥ - ٥١١)، و«الرسالة التدمرية» (ص ١٣٥ - ١٣٦)، و«الصواعق المرسلة» (٣/ ٩٣٩ - ٩٤٩).
[ ٦٣ ]
منهج أهل السنة والجماعة عدم إطلاق لفظ «الجسم» على الله ﷿ لا إثباتا ولا نفيا
ذكر مذاهب المتكلمين في إطلاقهم هذا اللفظ على الله ﷿
مذهب الأشاعرة قائم على التناقض والتذبذب والتلفيق
إذًا فنحن لا نطلق هذا اللفظ، ولا يجوز أن نقول: إنَّ الله جسمٌ، ولا إنه ليس بجسمٍ، هذا هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا اللفظ وأمثاله من الألفاظ المبتَدَعَة.
وأما طوائف المتكلِّمين فجمهورهم كالجهمية والمعتزلة، بل والأشاعرة أيضًا، كلهم ينفون أن يكون الله جسمًا، فهم يطلقون هذا اللفظ على سبيل النفي، وكلام الناظم هنا جارٍ على هذا المسلك.
وعند المعتزلة أن جميع الصفات تستلزم الجسمية؛ ولذلك ينفون جميع الصفات؛ لأنه لو قامت به الصفات لكان جِسْمًا.
وأما الأشاعرة فعندهم تفصيلٌ في ذلك، فهم يقولون: إن بعض الصفات تستلزم الجسمية، وبعضها لا يستلزم ذلك، فالصفات التي ينفونها تستلزم التجسيم عندهم، وأما الصفات التي يثبتونها فلا تستلزم التجسيم، وهذا من التناقض الذي يقوم عليه مذهبهم، فإن مذهب الأشاعرة قائمٌ على التناقض والتذبذب والتلفيق.
ويقابل هؤلاء كلهم الكَرَّامِيَّة، فإنهم يُثبِتُون لفظ «الجسم» لله ﷿، ويقولون: «إنَّ اللهَ جِسْمٌ».
وكلُّ هؤلاء - النافي والمُثْبِت - مُبتَدِعٌ، فقول الناظمِ ﵀ وعفا عنَّا وعنه -: «قلتُ: المُجَسِّمُ عِنْدَنَا كَالمُلْحِدِ» لا ندري ماذا تحته، هل يعني ب «المُجَسِّم» مَنْ يُطلق هذا اللفظ على الله ويقول: «إن الله جِسْمٌ» كالكَرَّامِيَّة، أو يعني به مَنْ يصف الله ﷿ بصفاتٍ هو يرى أن إثباتها تجسيمٌ؟
[ ٦٤ ]