الحمدُ لله الكبيرِ المتَعَال، المُتنَزِّه عن الشُّرَكاء والأَندَاد والأمثال، أحمده سبحانه وأشكره بلسان الحال والمقال، وأصَلِّي وأسلِّم على نبينا محمَّدٍ المنعوتِ بشريفِ الخِصَال، والهادي إلى سبيل الرَّشَاد وجميل الفِعَال، وعلى آله وأصحابه خير صحبٍ وآل، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم المآل.
أما بعدُ:
فإِنَّ أفضلَ العلومِ، وأَوْلاها بالعِنَايةِ والرِّعَاية «علمُ الاعتِقَاد»، إذ هو أصل الأصول، ورأس العلوم، وهو رُكنُ الإِسلامِ الأَعظَم، وَقَاعِدَتُه الأَهَمّ، ولذا كان تقرير التوحيد من الموضوعات المهمة التي تواترت بها نصوص الشرع، فكانت العناية بتقريره، وتوضيحه، وبيانه، والتحذير من نواقضه، ونواقصه، ومبطلاته، أصلٌ أصيلٌ في الدعوة إلى الله ﷿، وعليه قامت دعوة الأنبياء والرسل، وسار على منهاجهم في ذلك التابعون لهم بإحسان من الصحابة الكرام وأئمة الإسلام، فصُنِّفَت فيه المصنَّفَاتُ وأُنشِئَت فيه القصائدُ والمنظوماتُ.
ومن تلك القصائد والمنظومات هذه القصيدةُ الوجيزةُ، والتي تعتبر من عيون القصائد عند الحنابلة، جَادَت بها قريحةُ إمامٍ من أئمةِ المذهب
[ ٥ ]
المشاهير، ألا وهو أبو الخطَّاب محفوظٌ الكَلْوَذَانيُّ (ت ٥١٠ هـ) ﵀، نظم فيها معتقده، مقتفيًا فيه منهجَ الإمامِ المبَجَّلِ أحمد بنِ حنبَلِ - على حدِّ قولِهِ -.
وهذه القصيدة - على وَجَازَتِهَا - قد اشتملت على طائفةٍ مباركةٍ من مسائلِ أصولِ الدِّيْن، وما يتعلَّقُ بتوحيدِ ربِّ العالمين، صَاغَهَا ناظمُها على طريقةِ السؤال والجواب - وهي من الطرائق المعتبرة في التعليم - تقريبًا للأذهان، وجَذْبًا للنفوس، وأرسلها في قالبٍ شِعْرِيٍّ، وذلك لما للشِّعْرِ - بجَرْسِهِ وَوَزْنِهِ - من أثرٍ في نفسِ السامع.
وقد قام شيخنا العلَّامة عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه اللهُ بالتعليق على هذه القصيدة في مجلسين علميين، وذلك ضمن دروس الدورة العلمية في المتون المختصرة، والمقامة بجامع الأميرة نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز، بالرياض، وكان ذلك يومي السبت ١٥ والأربعاء ١٩ من شهر شعبان عام ١٤٢٤ هـ (^١).
ولقِصَرِ المدَّة الزَّمَنِيَّة للدَّورَة، فقد اكتفى شيخُنا بالتعليق المختصر المفيد على أبيات القصيدة، إلا أنه رغم اختصاره حوى جملة من
_________________
(١) لا يفوتني في هذا المقام أن أشكر - بعد شكر الله ﷿ إمام الجامع ابن العم الشيخ الدكتور عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر، فله عليَّ - وفقه اللهُ - أيادٍ مشكورة، منها حرصه ومتابعته المستمرة على ظهور هذا الشرح، فشاركني فيه الهمَّ والعمل، وأفدتُ من مشورته ونقده، فبارك الله له في علمه وعمله. كما أشكر أخي الفاضل الشيخ عبد الرحمن بن صالح السُّديس، فقد أوقفني على بعض الملحوظات، وزودني ببعض المقترحات مما كان له بالغ الأثر في خروج هذا الشرح على هذا النحو، فلهما مني جزيل الشكر وصادق الدعاء.
[ ٦ ]
الفوائد العلمية، والتعقبات العَقَدِيَّة، مما سيراه القارئ الكريم في أثناء هذا الشرح.
ولأهمية هذا الشرح، ولمكانة شيخنا وعظيمِ حَقِّهِ علينا، فقد سَمَت الهِمَّةُ إلى إخراجه لعالم المطبوعات، ونقله من كونه مسموعًا إلى كونه مقروءًا.
فقمتُ بتفريغ الشرح وتهذيبه وترتيبه، ثم قرأتُه على شيخنا حرفًا حرفًا، فصَوَّبَ وعدَّلَ، وأضافَ وحَذَفَ، وبَقِيَتْ في القصيدةِ أبياتٌ لم يشرحها شيخنا ابتداءً؛ لخلُوِّ النُّسخَةِ المقرَّرة في الدَّورة العلمية منها (^١)، مع أنها مثبتةٌ في عامَّة النسخ، وثمَّة أبياتٌ أخرى اختصر شيخُنا الكلامَ عليها اختصارًا؛ لضيق الوقت والمقام، فعرضتُ على شيخنا فكرة إعادة شرح هذه الأبيات؛ ليتكامل البنيان، ويتناسق الشرح، فوافق مشكورًا، فقرأتُها عليه بيتًا بيتًا، فشرحها شرحًا مسهبًا متناسقًا مع بقية الأبيات، فزاد هذا الشرح المقروء عمَّا في الأشرطة نحو الثُّلُث، وهذا فضلٌ من الله ومِنَّةٌ.
وأوليتُ هذه القصيدة شيئًا من العناية، فَضَبطتُ نَصَّها، وشَكَلْتُ مُشْكِلَها، وترجمتُ لناظِمِهَا، سائلًا المولى ﷿ القَبول في الدنيا
_________________
(١) والنسخة المقررة هي التي أوردها الشيخ محمد بن مانع ﵀ ضمن رسالته: «القول السديد فيما يجب لله تعالى على العبيد» (ص ١٥ - ١٧)، وفيها بعض النقص والمخالفة - في الكلمات وفي الأبيات - لما في النسخ الأخرى.
[ ٧ ]
والآخرة، وأن يجزي شيخنا خير الجزاء على جهوده، وأن ينفع به وبعلمه، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه.
وكتبه
ياسر بن سعد به بدر العسكر
الرياض، ٢٢/ ٥/ ١٤٢٩ ه
[ ٨ ]
ترجمةُ الناظمِ (^١)
اسْمُه وَنَسَبُه:
هو العلَّامةُ الفقيهُ الحنبليُّ أبو الخطَّاب محفوظُ بنُ أحمدَ بنِ حسنِ بنِ أحمدَ الكَلْوَذَانيُّ (^٢) البغداديُّ.
تَأرِيخُ مَولِدِهِ:
ولد ﵀ في الثاني من شهر شوال سنة ٤٣٢ هـ.
جَمْهَرَةُ شُيُوخِهِ:
تتلمذ ﵀ على يدِ عددٍ من كبار علماء عصره.
_________________
(١) تُنظر ترجمته في: «المنتَظَم في تاريخ الملوك والأمم» لابن الجوزي (٩/ ١٩٠)، و«المطلع» للبعلي (٤٥٣ - ٤٥٤)، و«سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٩/ ٣٤٨)، و«البداية والنهاية» لابن كثير (١٢/ ١٦٠)، و«الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب (١/ ٩٧)، و«المنهج الأحمد» للعليمي (٢/ ٨٨ - ٨٩)، و«المستفاد من ذيل تاريخ بغداد» للدمياطي (٢٢٦ - ٢٢٨)، و«شذرات الذهب» لابن العماد الحنبلي (٤/ ٢٧)، و«خريدة القصر» لعماد الدين الأصفهاني (٣/ ١/ ٣٨ - ٤٧)، و«الأعلام» للزركلي (٦/ ١٧٨).
(٢) الكَلْوَاذَانِيّ: بفتح الكاف وسكون اللام وفتح الواو والذال المعجمة بين الألفين وفي آخرها النون، وهذه النسبة إلى «كلواذان»، وهي قريةٌ من قرى بغداد، على خمسةِ فراسخَ منها، والنسبة إليها (كَلْوَاذَانِي، وكَلْوَذَانِي). ينظر: «الأنساب» للسمعاني (٤/ ٦٤٢)، و«معجم البلدان» للحموي (٤/ ٤٧٧ - ٤٧٨)، و«تاج العروس» للزَّبِيدي (٩/ ٤٦٣).
[ ٩ ]
فسمع الحديث من: أبي محمَّدٍ الجوهري، وأبي طالبٍ العُشَاري، وأبي عليٍّ الجَازِرِي، وأبي الفضل بن الكوفي، وأبي جعفر بن المُسْلِمَة القرشي، وأبي الحسين بن المهتدي، وأبي عبد الله الدَّامَغَاني، وغيرهم.
ودرس الفقه على: القاضي أبي يعلى شيخ الحنابلة في زمانه، ولزمَهُ ملازمةً تامَّةً حتى توفي، وأكثرَ من الأخذِ عنه حتى بَرَعَ في المذهب والخلاف، وقرأ عليه بعض مصنَّفَاتِه.
ودرس أيضًا على: أبي حامد الغزالي - الفقيه الشافعي، صاحب التصانيف - لمّا قَدِمَ بغداد.
وقرأ الفرائض على: الفَرَضِيِّ البَارِعِ أبي عبد الله الوَنِّي، وبَرَعَ فِيهَا أيضًا.
فهؤلاء هم أبرز شيوخه الذين أفاد منهم وتخرَّج بهم.
جَمْهَرَةُ تَلَامِيذِهِ:
تصدَّى ﵀ للتعليم والتدريس والإفادة، فانتفع الناس به أيَّما انتفاع، وتتلمذ عليه جماعةٌ من الشيوخ الكبار، منهم: عبد الوهاب بن حمزة المعدَّل، وأبو بكر ابن أبي الفتح الدِّيْنَوَرِيُّ أحدُ الفقهاء الأعيان وأئِمَّة المذهب، وأبو علي بن شَاتِيْل أحد فقهاء الحنابلة وقضاتهم.
وأبو الفضل بن ناصر السَّلَامِيُّ المحدِّث اللُّغَوِي البارع، وأبو طالب بن خضير البغدادي، وأبو محمد عبد القادر الجيلاني الزَّاهد، وأبو الحسن سعد الله بن الدَّجَاجِيُّ تفقَّه على أبي الخطَّاب حتى برع، وروى عنه كتابه «الهداية» وقصيدته «الدَّاليَّة» وغيرهما، وروى عنه أبو
[ ١٠ ]
الفرج ابنُ كُلَيبٍ بالإجازة، وعُمِّرَ طويلًا، حتى انتهى إليه علو الإسناد في عصره.
فهؤلاء هم أبرز من استفادوا من أبي الخطاب وتتلمذوا عليه، فرحمه الله من عالِمٍ نفعَ الناسَ بعلمِه.
مُدَوَّنَةُ مُصَنَّفَاتِهِ:
صنَّف ﵀ مصنَّفاتٍ جليلة، كثيرة الفوائد، عظيمة النفع، جُلُّها بل كُلُّها في الفقه، أصوله وفروعه، فقد كان ﵀ (فقيهًا عظيمًا، كثير التحقيق، وله من التحقيقِ والتدقيقِ الحسنِ في مسائلِ الفقه وأصولِه شيءٌ كثيرٌ جدًا) (^١)، ومن مصنفاته التي وقفتُ عليها، وذَكَرَهَا مُتَرجِمُوهُ:
١ - «التمهيد في أصول الفقه» (مطبوع):
وهو من أجلِّ ما صنَّفه الحنابلةُ في هذا الفن، بل هو من أوائل مصنفاتهم، فهو الكتاب الثاني عند الحنابلة بعد كتاب «العُدَّة» لشيخه أبي يعلى، وهو كتابٌ مُهمٌّ، اهتمَّ به المصنِّفون في المذاهب، ونقلوا منه كثيرًا، وفيه علمٌ غزيرٌ يشهد بطول باعه، وحسن جمعه وتنسيقه.
٢ - «الانتصار في المسائل الكبار»، ويقال له: «الخلاف الكبير» (مطبوع) (^٢):
وهو من أعظم كتبه، وقد صنَّفَه أبو الخطَّاب انتصارًا لمذهب الإمام أحمد، وقد عرض فيه مسائل فقهية خلافية، ذكر فيها آراء الأئمة
_________________
(١) «ذيل طبقات الحنابلة» (١/ ٩٨).
(٢) مطبوعٌ بعضه في ثلاثة مجلدات كبار، وهي تشتمل على كتاب الطهارة والصلاة وشيءٍ من مسائل الزكاة.
[ ١١ ]
وأدلتهم، وناقش أدلة كل واحد منهم، وفي نهاية المسألة يُرِجِّحُ مذهبَ الإمامِ أحمد، ويستَدِلُّ له.
٣ - «رؤوس المسائل»، ويقال له: «الخلاف الصغير» (مطبوع) (^١):
وقد نقل عن أبي البركات ابن تيمية صاحب «المحرَّر» أنه كان يقول: ما ذكره أبو الخطَّاب في «رؤوس المسائل» هو ظاهر المذهب.
٤ - «الهداية» (مطبوع):
وهو كتابٌ مختصرٌ جليلٌ، مجرَّدٌ من الدليل والتعليل، يذكر فيه المسائل الفقهية والروايات عن الإمام أحمد، فتارة يجعلها مرسلة، وتارة يبين اختياره، وبالجملة فقد حذا فيه حذو المجتهدين في المذهب المصحِّحين لروايات الإمام أحمد.
٥ - «التهذيب في الفرائض والوصايا» (مطبوع).
٦ - «العبادات الخمس» (مطبوع):
وهو كتابٌ مختصرٌ جدًا في الفقه الحنبلي، جرَّده من الخلافات وذكر الروايات، يبحث في أحكام العبادات الخمس، ابتدأه بكتاب الطهارة وختمه بكتاب الحج.
_________________
(١) مطبوعٌ نصفه الثاني؛ من أثناء كتاب البيع إلى نهاية الكتاب، وهو القدر الموجود منه، ومطبوع في مجلدين.
[ ١٢ ]
٧ - «مناسك الحج»:
وهذا الكتاب كما هو ظاهر من عنوانه متعلِّقٌ بمناسك «الحج» وما يتعلق به من أحكام، ولست أدري أقَصَرَ مسائِلَهُ على فقه الحنابلة، أم عرض فيه للمذاهب الأخرى وجعله من قبيل الفقه المقارن؟
وهذا الكتاب لم أقف عليه مطبوعًا، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم (٧٦)﴾ [يوسف].
هذا ما أمكنني الوقوف عليه من تصانيف أبي الخطاب الكلوذاني، وهي ما ذكرها مترجموه، وتواطؤوا على نسبتها إليه.
٨ - «قصيدتُه الدَّالِيَّة»:
وهي التي بين يديك أيها القارئ الكريم.
أَخلَاقُهُ وَثَناء العُلَمَاء عَلَيه:
كان ﵀ صالحًا ورعًا دَيِّنًا، يتحلى بالأخلاق الكريمة، والآدابِ الرَّفيعة، إضافةً إلى تمتُّعِهِ بالعلمِ الواسعِ الغزيرِ والذكاءِ، وقد أطبق مترجموه على مدحه والثناء عليه، وعبارات المديح والثناء التي قيلت فيه تدل دلالة واضحة على ما له من المكانة العالية والشأن الرفيع، وإليك شذرات من تلك العبارات:
- قال ابن الجوزي: (كان ثقة ثبتًا، غزير الفضل والعقل) (^١).
_________________
(١) «المنتظم» (٩/ ١٩٠).
[ ١٣ ]
- ونعته الذهبي ب: (الشيخ الإمام العلامة الورع شيخ الحنابلة)، وقال عنه: (كان من محاسن العلماء، خيّرًا صادقًا، حسن الخلق، حلو النادرة، من أذكياء الرجال) (^١).
- وقال ابن رجب الحنبلي: (وكان حسن الأخلاق، ظريفًا، مليح النادرة، سريع الجواب، حاد الخاطر، وكان مع ذلك كامل الدين، غزير العقل، جميل السيرة، مرضي الفعال، محمود الطريقة) (^٢).
- وقال ابن عماد الحنبلي: (كان إمامًا علامة، ورعًا صالحًا، وافر العقل، غزير العلم، حسن المحاضرة، جيد النظم) (^٣).
- وقال أبو بكر بن النقور: (كان إِلْكِيَا الهَرَّاسي إذا رأى أبا الخطَّاب قال: قد جاء الفقه) (^٤).
- وقال السِّلَفِي: (كان من أئمة أصحاب أحمد، يفتي على مذهبه ويناظر، وكان عَدْلًا رَضِيًّا ثقةً) (^٥).
أَدَبُه وشِعْرُه:
كان له ﵀ مشاركاتٌ جيِّدةٌ في الشِّعْر والأدب، فكانَ يقولُ الشِّعْرَ اللَّطِيفَ، وشعره لا بأس به، وقد ذكر طائفةً منه بعضُ من ترجم له، كابن الجوزي في «المنتظم» (٩/ ١٩٣)، والعماد الأصفهاني في «خريدة
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٣٥٠).
(٢) «الذيل على طبقات الحنابلة» (١/ ٩٨).
(٣) «شذرات الذهب» (٤/ ٢٧).
(٤) «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٣٤٩)، و«الذيل على طبقات الحنابلة» (١/ ٩٨).
(٥) المرجع السابق.
[ ١٤ ]
القصر» (٣/ ١/ ٤٤، ٤٥)، وابنُ تَغْرِي بَرْدِي في «النجوم الزاهرة» (٥/ ٢١٢)، وغيرهم.
ومما يدل على شاعريته هذه «القصيدة الدالية» التي بين يديك، وهي من أشهر قصائده.
وبالجملة فَنَظْمُهُ نَظْمُ فَقِيهٍ - كما يقال -، وشعره ليس في الذروة العليا، ولا يرقى به إلى درجة الشعراء المُجِيدِين المطبوعين.
مَذْهَبُهُ الفِقْهِيُّ وَالعَقَدِيُّ:
كان ﵀ حنبليَّ المذهب في الأصول والفروع.
أما في الفروع فهو من أئمة الحنابلة، ومن فقهاء المذهب المشاهير، وقد أطبق مترجموه على وصفه بالإمامة والتمكُّن والتبحُّر في معرفة المذهب، ومصنفاته الفقهية أوضح دليلٍ وأصدقُ شاهِدٍ على ذلك، ولم أرَ من شكَّك في حنبليَّته، أو ذكر أنه تحوَّل لمذهبٍ آخرَ، بل هذا هو مذهبه الذي نشأ ومات عليه، وهذا في نظري أوضح من أن يستدل على إثباته، ويكفيكَ شاهِدًا عليه تَرَدُّد اسمه في كُتبِ الحنابلة إلى عصرنا هذا.
وأما في الأصول - أعني أصول الدين - فهو معدودٌ من أهل السنة والجماعة في الجملة، فهو سلفي المعتقد، حسن الطريقة، محمود المنهج، مقتفيًا منهج الإمام أحمد وطريقته.
ومن نظر في قصيدته هذه التي نظم فيها معتقده يلحظ هذا، فقد عَرَضَ فيها لجملةٍ من مسائلِ الاعتقاد: من إثباتِ وحدَانِيَّةِ الله ﷿، وعُلُوِّهِ على خلقِه، واستوائِه على عرشِه، من غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ
[ ١٥ ]
ولا تجسيمٍ، وكذا إثباتُ سائرِ الصِّفَات من العِلمِ، والكلامِ، والنزولِ، ومسألةِ رؤيةِ الله ﷿، وأنه خالقٌ لأفعال العباد، وأن الإيمان تصديق وعمل، وختمها بذكر الصحابة الكرام، ومدحهم والثناء عليهم، ولزوم محبتهم والترضي عنهم.
ولكنه ﵀ مع هذا لم يسلم من دَوَاخِل دخلت عليه، ومسائل كلامية سَرَت إليه، ظنَّها من منهج السلف الصالح وليست عند التحقيق منه في شيء، بل هي آراء بدعية كلامية، وعذره في هذا أنها دخلت عليه عن حُسْنِ نِيَّةٍ، وطيبِ قَصْدٍ، وتحرٍّ وصِدْقٍ، وحالُه في هذا كحال بعض أهل العلم ممن زلَّت به القَدَمُ في بعض المناهج الكلامِيَّة الفَلْسَفِيَّة، وكم مريدٍ للخير لم يُصِبْهُ.
وقد بيَّن شيخنا العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه اللهُ في أثناء شرحه وتعليقه على هذه القصيدة جملةً من المسائل التي خالف فيها الناظم ﵀ منهجَ أهل السنة والجماعة، فأجاد وأفاد وبيَّنَ الصوابَ في ذلك وفَّقه الله ونفع به.
تَأرِيخُ وَفَاتِهِ:
توفي ﵀ ببغداد، يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شهر جُمادى الآخرة سنة عشر وخمسمائة (٢٣/ ٦/ ٥١٠ هـ)، عَنْ عُمْرٍ يُنَاهِزُ (٧٨) الثامنة والسبعين عامًا، ودُفن بجانب قبر الإمام أحمد ﵀، وكانت جنازتُه جنازة مشهودة، حضرها الجمعُ الغفير، والجُنْدُ الكثير، فَرِحِمَهُ الله رحمة واسعة.
* * *
[ ١٦ ]
التعريفُ بالمنظومةِ
تحرير عنوانها:
لم أقف على تسميةٍ صريحةٍ لهذه المنظومة، ولعلَّ السبب في ذلك هو قِلَّةُ أبياتها، ثم إنَّ ناظمها لم يقصد بها التصنيف العلمي المعهود، بدليل أنه لم يستوعب المسائل العقدية، وإنما أشار إلى بعضها إشاراتٍ مقْتَضَبَةٍ مختَصَرَةٍ.
وأما اشتهار هذه المنظومة ب «المنظومة الداليَّة»، أو «داليَّة الكَلْوَذَاني»، فلأجل رَوِيِّها (^١) الذي خُتِمَت به وهو حرفُ (الدَّال).
وتسميةُ القصائد بناءً على الرَّوِيِّ المختومةِ به منهجٌ معروفٌ، وجادَّةٌ مسلوكةٌ عند أهل العلم، كما في قولهم: «تائِيَّة الشَّنْفَرَى»، و«حائِيَّةُ ابن أبي داود»، و«نونِيَّةُ القحطاني»، و«نونِيَّةُ ابن القَيِّم»، و«سِيْنِيَّةُ البُحْترِي»، وغيرها كثير، وهذه المنظومة واحدة من تلك المنظومات والقصائد التي اشتهرت بِرَوِيِّها.
_________________
(١) الرَّوِيُّ: هو آخرُ حرفٍ أصليٍّ في الكلمة الأخيرة من البيت.
[ ١٧ ]
توثيق نسبتها لناظمها:
نسبة هذه المنظومة لأبي الخطاب الكلوذاني أشهر من نار على عَلَم، فقد تتابع أهل العلم قديمًا وحديثًا على نسبتها إليه من غير نكير أو تشكيك.
فممَّن نسبها إليه: ابن الجوزي في «المنتظم»، بل ورواها عنه بالإسناد العالي المتصل، ونسبها إليه أيضًا: ابنُ رَجَبٍ في «ذيل طبقات الحنابلة»، والذهبيُّ في «السير»، وابنُ كثير في «البداية والنهاية»، والعُلَيْمِيُّ في «المنهج الأحمد» وغيرهم.
بل قد ورد التصريح فيها بنسبة ناظمها، وذلك في قوله في خاتمتها:
قَالُوا: أَبَانَ الكَلْوَذَانِيُّ الهُدَى
قلتُ: الَّذِي فَوقَ السَّمَاءِ مُؤيِّدِي
وهذا كُلُّه مما يؤكِّدُ أنَّ هذه المنظومة مما جادَت بها قريحةُ أبي الخطَّاب، وفاضت بها شاعِريَّته.
تأريخ نظمها:
ليس بين يديَّ ما يمكن معه معرفة التاريخ الذي نظم فيه أبو الخطاب هذه القصيدة، غير أنه وردت في مطبوعة «المنتَظَم» خمسة أبيات لم أقف عليها في مصدرٍ آخَرَ غيرِه، يمكن أن يؤخذ منها التاريخ التقريبي الذي نُظِمَت فيه هذه القصيدة، وهذه الأبيات هي قوله:
[ ١٨ ]
ولعمِّ سَيِّدِنَا النَّبيِّ مَنَاقِبٌ … لَو عُدِّدَتْ لَمْ تَنْحَصِرْ بِتَعَدُّدِ
أَعْنِي أَبا الفَضْلِ الَّذِي اسْتَسْقَى بِهِ … عُمْرٌ أَوَانَ الجَدْبِ بَيْنَ الشُّهَّدِ
ذَاكَ الهُمَامُ أَبُو الخَلَائِفِ كُلِّهِمْ … نَسَقًا إلى المُسْتَظِهِرِ بْنِ المُقْتَدِي
صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مَا هَبَّتْ صَبَا … وَعَلَى بَنِيهِ الرَّاكِعِينَ السُّجَّدِ
وَأَدَامَ دَوْلَتَهُمْ عَلَيْنَا سَرْمَدًا … مَا حَنَّ في الأَسْحَارِ كُلُّ مُغَرِّدِ
فقوله: «المُسْتَظِهِرِ بْنِ المُقْتَدِي» يعني به الخليفة العباسي أبو العباس أحمد «المستظهر بالله» بن عبد الله «المقتدي بأمر الله»، وقد ولد في شوال سنة ٤٧٠ هـ، وبويع بالخلافة بعد أبيه في منتصف محرم سنة ٤٨٧ هـ وله من العمر حينئذ ١٦ سنة وشهرين، وتوفي في شهر ربيعٍ الآخِر سنة ٥١٢ هـ، وكانت مدة خلافته ٢٤ سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يومًا.
وهذا يدلُّ على أن أبا الخطاب نظمَ قصيدته هذه في زمن «المستظهر بالله»، أي في أواخر حياته ﵀، ذلك أنَّ المستظهر بالله لَمَّا ولي الخلافة كان سِنُّ أبي الخطَّاب آنذاك ٥٥ عامًا تقريبًا، وهذا على افتراض أن يكون أبو الخطَّاب نظم قصيدته هذه أول زمن خلافة المستظهر.
[ ١٩ ]
وهذا الذي ذكرته موقوفٌ على صحة نسبة هذه الأبيات لهذه القصيدة، فخلو كثيرٍ من المصادر من هذه الأبيات يثير في النفس شكوكًا في صحة نسبتها إليها، وأخشى أن تكون ملحقة بالقصيدة وهي ليست منها، والله أعلم.
مَنْهَجُ النَّاظِمِ، وموضُوعُ القَصِيدَةِ:
النَّاظِرُ في القصيدة يظهر له أنَّ النَّاظِم ﵀ لم يَجْرِ فيها على نسقٍ مؤتلفٍ، وترتيبٍ مُطَّرِدٍ في عرض المسائل، بل كان يوردها وِفْقَ ما يَرِدُ على خاطِرِه، غير أنه التزم وصل المسألة بما يناسبها من المسائل متى وجدت.
وقدَّم بين يدي مقصوده بمقدِّمةٍ اشتملت على بعض التوجيهات النافعة والنصائح الغالية من الحثِّ على ترك التعلُّق بالدنيا وما يتبع ذلك من تذَكُّر الأوطانِ والخِلَّان والنِّساءِ الحِسان، وأن الواجب على العاقل أن لا يُشغِلَ قلبَه بتَذكُّر ذلك، وأنَّ السعادة الحقيقيَّة إنما هي في الإقبال على الله والدار الآخرة.
ثم أردف ذلك ﵀ ببيان مذهبه، وأنَّه متَّبعٌ لمذهب الإمامِ أحمدَ في أصول الدين وفروعه، ثم استطرد في مدح الإمام أحمد ﵀ والثناء عليه، ونعتَه بجملةٍ من النعوت والأوصاف، وذَكَرَ ما كان عليه ﵀ من إمامةٍ في الدِّينِ، وتمسُّكٍ بالسنَّةِ، وأصالةٍ في العلم، وسدادٍ في الرأي.
ثم بيَّن ﵀ أنه قد نظم هذه القصيدة وما اشتملت عليه من المسائل نصحًا لإخوانه المسلمين، وأنَّه قد بذل وسعه في النُّصحِ والبَيَان، غير
[ ٢٠ ]
مقصِّرٍ في ذلك، وغير مقلِّدٍ فيها لأحدٍ بعينه، بل مقصوده بيان الحق وإيضاحه.
ثم ذكر ﵀ أنه قد أجاب في هذه المنظومة عن سؤالِ كلِّ مهذَّبٍ حَسَنِ الأخلاق، قَوِيِّ المناظرة، ذي قدرةٍ تامَّةٍ على الاستدلالِ والاعتراضِ، وهو مع هذا عالي الهمة، لا يستلذ بمَرْقَدٍ، ولا يهنأ بعيشٍ، بل عَيشُه وطعامُه مدارسةُ العلم ومذاكرتُه، والسعي في تحصيله، وبذل الغالي والنفيس في سبيل ذلك، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم من الهمة العالية في تحصيل العلم، لا سيما ما كان في باب الاعتقاد الذي هو أصل العلم وقاعدته، والذي هو موضوع هذه القصيدة.
ثم شرع الناظم ﵀ في المقصود من هذا النظم، فعرض لجملةٍ مباركةٍ من مسائل العقيدة، وأوردها على هيئة سؤالٍ وجوابٍ، لما في السؤال من جذب الانتباه، وأوقع له في قلب السامع.
وقد اشتملت القصيدة على عشرين سؤالًا في مختلف مسائل الاعتقاد، ومن أبرز المسائل العقدية التي عرض لها الناظم ﵀ ما يلي:
- الطريق إلى معرفة الله ﷿.
- إثبات وحدانية الله ﷿.
- إثبات الصفات لله ﷿، وهل هي قديمة كذاته سبحانه أم لا؟
- نفي الشبيه عن الله ﷿.
- نفي التجسيم عن الله ﷿.
[ ٢١ ]
- إبطال قول الحُلُوليِّين من أن الله ﷿ في كل مكان، حالٌّ في مخلوقاته.
- إثبات صفة «الاستواء على العرش» لله ﷿.
- إثبات صفة «النزول» لله ﷿.
- إثبات رؤية الله ﷿ يوم القيامة.
- إثبات أنَّ «القرآن» كلام الله ﷿.
- تقرير أن أفعال العباد مخلوقة لله ﷿، والبرهان العقلي على ذلك.
- هل فعْلُ العبادِ للقبيحِ من الأفعال مرادٌ لله ﷿؟
- مسألة «الإيمان» وبيان حقيقته.
- مسألة «الخلافة» وذكر الخلفاء الراشدين حسب ترتيبهم في الفضل والخلافة، والإشارة إلى بعض فضائلهم ﵃.
- ذكر معاوية بن أبي سفيان ﵁، والإشارة إلى بعض فضائله.
هذه أبرز الموضوعات العقدية التي اشتملت عليها القصيدة.
شروحها:
لم أقف على شروحٍ متَقَدِّمَةٍ لهذه المنظومة، وغاية ما وقفتُ عليه من ذلك جهودٌ مباركة معاصِرَة، وقد وقفتُ على ثلاثةٍ منها، وهي:
[ ٢٢ ]
الأول: «إتمامُ المِنَّة بشرح اعتقادِ أهل السُّنَّة» للدكتور إبراهيم بن محمد البريكان ﵀، وهو شرحٌ متوسِّطٌ مفيدٌ، ويقع في (٢٢٥) صفحة تقريبًا، وهو من منشورات دار السنَّة، سنة ١٤١٨ هـ.
الثاني: «شرح عقيدة الكلوذاني» للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين ﵀، وهو شرحٌ نافعٌ موسَّعٌ، يقع في (١٦٠) صفحة تقريبًا، وطبع بعناية الدكتور طارق بن محمد الخويطر، ونشرته دار كنوز إشبيليا بالرياض، سنة ١٤٢٩ هـ.
الثالث: شرح الشيخ هاني بن عبد الله بن جُبير وفقه اللهُ، وهو شرح متوسط، ونشرته مكتبة الرشد بالرياض سنة ١٤٣١ هـ.
* * *
[ ٢٣ ]
ترجمةُ الشارح
اسمُهُ ونَسَبُه:
عبد الرحمن بن ناصر بن براك بن إبراهيم البراك، ينحدر نسبه من بطن العُرَيْنات من قبيلة سُبَيع.
مِيلادُه ونَشْأتُه:
ولد الشيخ في بلدة «البكيرية» من منطقة «القصيم» في شهر ذي القعدة سنة ١٣٥٢ هـ.
وتوفي والده وعمره سنة، فنشأ في طفولته في بيت أخواله مع أمه، فتربى خير تربية.
ولما بلغ الخامسة من عمره سافر مع أمه إلى «مكة»، وكان في كفالة زوج أمه محمد بن حمود البراك.
وفي «مكة» التحق الشيخ بالمدرسة «الرحمانية»، وهو في السنة الثانية الابتدائية قدَّر الله أن يصاب بمرض في عينيه تسبب في ذهاب بصره، وهو في العاشرة من عمره.
طَلَبُه لِلعِلمِ وَمَشَايخُه:
عاد من «مكة» إلى «البكيرية» مع أسرته، فشرع في حفظ القرآن على عمه عبد الله بن منصور البراك، ثم على الشيخ عبد الرحمن بن سالم الكريديس ﵏، فحفظ القرآن وعمره عشر سنين تقريبًا.
[ ٢٤ ]
وفي حدود عام ١٣٦٤ - ١٣٦٥ هـ بدأ في حضور الدروس والقراءة على العلماء، فقرأ على الشيخ عبد العزيز بن عبد الله السبيل ﵀ جملة من كتاب «التوحيد»، و«الآجرومية»، وقرأ على الشيخ محمد بن مقبل ﵀ «الأصول الثلاثة».
ثم سافر إلى «مكة» مرة أخرى في عام ١٣٦٦ هـ تقريبًا، ومكث بها ثلاث سنين، فقرأ في «مكة» على إمام المسجد الحرام الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي ﵀ في «الآجرومية».
وهناك التقى بعالم فاضل من كبار تلاميذ العلامة محمد بن إبراهيم ﵀، وهو الشيخ صالح بن حسين العلي العراقي ﵀، وكان من أصدقاء العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀، فجالسه واستفاد منه، ولما عُيِّن الشيخ صالح مديرًا للمدرسة «العزيزية» في بلدة «الدلم» أحب الشيخ صالح أن يرافقه الشيخ عبد الرحمن حفاوة به، فصحبه لطلب العلم على الشيخ ابن باز حين كان قاضيًا في بلدة «الدلم»، فرحل معه في ربيع الأول من عام ١٣٦٩ هـ، والتحق بالمدرسة «العزيزية» بالصف الرابع، وكان من أهم ما استفاده في تلك السنة الإلمام بقواعد «التجويد» الأساسية.
وفي نفس السنة سافر مع جمع من الطلاب مع الشيخ ابن باز إلى الحج، وبعد عودته ترك الدراسة في المدرسة «العزيزية»، وآثر حفظ المتون مع طلاب الشيخ ابن باز، ولازم دروسه المتنوعة، فقد كان يُقرأ عليه ﵀ في «الأصول الثلاثة»، و«كتاب التوحيد»، و«عمدة
[ ٢٥ ]
الأحكام»، و«بلوغ المرام»، و«مسند أحمد»، و«تفسير ابن كثير»، و«الرحبية»، و«الآجرومية».
ومكث في «الدلم» في رعاية الشيخ صالح العراقي، فقد كان مقيمًا معه في بيته، ودَرَس عليه علم «العَروض».
وحفظ في «الدلم»: «الأصول الثلاثة»، و«كتاب التوحيد»، و«الآجرومية»، و«قطر الندى»، و«الرحبية»، وقدرًا من «ألفية ابن مالك» في النحو، و«ألفية العراقي» في علوم الحديث.
وبقي في «الدلم» إلى أواخر عام ١٣٧٠ هـ، وكانت إقامته هناك لها أثر كبير في حياته العلمية.
ولما فتح «المعهد العلمي» في الرياض في محرم ١٣٧١ هـ التحق الشيخ به في القسم الثانوي، وكانت مدة الدراسة الثانوية أربع سنوات، فتخرج فيه عام ١٣٧٤ هـ، ثم التحق ب «كلية الشريعة» بالرياض، وتخرج فيها سنة ١٣٧٨ هـ.
ودرس في المعهد، والكلية على مشايخ كثيرين من أبرزهم:
العلامة عبد العزيز ابن باز، والعلامة محمد الأمين الشنقيطي، ودرسهم في «المعهد»: «التفسير»، و«أصول الفقه»، والعلامة عبد الرزاق عفيفي، ودرسهم «التوحيد»، و«النحو»، و«أصول الفقه»، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد، والشيخ عبد الرحمن الأفريقي، والشيخ عبد اللطيف سرحان في النحو، وغيرهم، ﵏ جميعًا.
[ ٢٦ ]
وكان في تلك المدة يحضر بعض دروس العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ في المسجد.
وأكبر مشايخه عنده، وأعظمهم أثرًا في نفسه العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀ فقد أفاد منه أكثر من خمسين عامًا بدءًا من عام ١٣٦٩ هـ إلى وفاته في عام ١٤٢٠ هـ، ثم الشيخ صالح العراقي الذي استفاد منه حب الدليل، ونبذ التقليد، والتدقيق في علوم «اللغة» من «نحو»، و«صرف»، و«عَروض».
الأعمالُ التي تَوَلَّاها:
عُيِّن الشيخ مدرسًا في «المعهد العلمي» في مدينة الرياض سنة ١٣٧٩ هـ وبقي فيه ثلاثة أعوام، ثم نُقل إلى «كلية الشريعة» بالرياض، وتولى تدريس العلوم الشرعية، ولما افتتحت «كلية أصول الدين» عام ١٣٩٦ هـ نقل إليها في قسم «العقيدة والمذاهب المعاصرة»، وتولى تدريس العقيدة في الكُليتين إلى أن تقاعد عام ١٤٢٠ هـ، وأشرف خلالها على عدد كبير من الرسائل العلمية.
وبعد التقاعد رغبت «الكلية» التعاقد معه؛ فعمل مدة ثم تركه، كما طلب منه الشيخ ابن باز ﵀ أن يتولى العمل في الإفتاء مرارًا؛ فتمنَّع، ورضي منه شيخه أن ينيبه في «رئاسة الإفتاء» في الرياض في فصل الصيف حين ينتقل المفتون إلى مدينة «الطائف»، فأجاب الشيخ حياءً؛ إذ تولى العمل مرتين، ثم تركه.
[ ٢٧ ]
وبعد وفاة العلامة ابن باز ﵀ طلب منه المفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أن يكون عضو إفتاء، وألح عليه في ذلك؛ فامتنع، وآثر التفرغ للدعوة والتعليم.
جُهُودُه في نَشرِ العِلمِ:
جلس الشيخ للتعليم في «مسجد الخليفي» بحي الفاروق مع توليه لإمامته، ومعظم دروسه فيه، وقرئ عليه عشرات الكتب في شتى الفنون؛ كالفقه، وأصوله، والتفسير وأصوله، والحديث والمصطلح، والنحو، والعقيدة، وغيرها، كما أن له دروسًا في بيته مع بعض خاصة طلابه، وله دروس في مساجد أخرى في «مدينة الرياض».
وله كذلك مشاركات متعددة في الدورات العلمية المكثفة التي تقام في الصيف، كما ألقى عدة دروس عبر الهاتف لطلاب العلم في «اليمن»، و«بريطانيا»، و«أوكرانيا»، وغيرها، إضافة لإلقائه كثيرًا من المحاضرات في موضوعات متنوعة، وكذا الكلمات الدعوية في مختلف المناسبات، كما تُعرَض على الشيخ بعض الأسئلة من عدد من المواقع الإسلامية في الشبكة العالمية، ويجيب عليها.
طُلَّابُه:
بدأ الشيخ في تعليم العلم قبل نصف قرن تقريبًا، ودرس عليه أمم من طلاب العلم يتعذر على العاد حصرهم، ومنهم أكثر أساتذة جامعاتنا الشرعية، وقضاة المحاكم، والدعاة المعروفين، وبعد أن يسَّر الله جملة من الوسائل الحديثة؛ ك «الشبكة العالمية»، تمكن كثير من طلاب العلم
[ ٢٨ ]
في خارج بلادنا من متابعة دروس الشيخ مباشرة عن طريق الشبكة العنكبوتية.
احْتِسابُه:
للشيخ جهود كبيرة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومناصحة المسؤولين والكتابة لهم، والإصلاح بين الناس، وتحذير الناس من البدع وسائر الانحرافات والمخالفات، وله في ذلك فتاوى ومقالات كثيرة، وله مشاركة مع بعض المشايخ في عدد من البيانات والنصائح الموجهة لعموم المسلمين.
اهْتِمامُهُ بأُمُورِ المُسْلِمين:
للشيخ حفظه اللهُ اهتمام بالغ بأمور المسلمين في جميع أنحاء العالم، فيتابع أخبارهم ويحزن ويتألم لما يحدث لهم من نكبات، وفي أوقات الأزمات يبادر بالدعاء لهم، والدعاء على أعدائهم، ويبذل النصح والتوجيه لهم، وللمسلمين فيما يجب نحوهم.
إنتَاجُه العِلمِيُّ:
انصرف الشيخ عن التأليف مع توفر آلته، وبذل معظم وقته في تعليم العلم، والإجابة عن الأسئلة، وقد قرئت عليه عشرات الكتب في مختلف الفنون، وقد سُجل بعضها وما لم يسجل أكثر، ودروسه قائمة اليوم كما كانت سابقًا.
وقد صدر للشيخ من المطبوعات: «شرح الرسالة التدمرية»، و«جواب في الإيمان ونواقضه»، و«موقف المسلم من الخلاف»، و«التعليقات
[ ٢٩ ]
على المخالفات العقدية في فتح الباري لابن حجر»، و«توضيح مقاصد العقيدة الواسطية»، و«شرح العقيدة الطحاوية»، و«توضيح المقصود بنظم ابن أبي داود»، و«الفوائد المستنبطة من الأربعين النووية»، «والتعليق على القواعد المثلى»، و«شرح القصيدة الدالية» وهو كتابنا هذا، و«شرح القواعد الأربع، والأصول الثلاثة، ونواقض الإسلام، وكشف الشبهات»، و«إرشاد العباد إلى معاني لمعة الاعتقاد»، و«التوضيحات الجلية في شرح الفتوى الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية»، و«التعليقات على المسائل العقدية في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي»، و«التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين: الفاتحة والبقرة»، و«العدة في فوائد أحاديث العمدة»، و«الجامع لفوائد بلوغ المرام»، و«توضيح مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية»، و«شرح كلمة الإخلاص»، و«التوضيح للمسائل العقدية في مقدمة الرسالة القيروانية لابن أبي زيد القيرواني»، و«أحكام وفوائد جزء عمَّ»، و«أحكام وفوائد جزء تبارك»، و«أحكام وفوائد جزء قد سمع»، و«أحكام وفوائد جزء الذريات»، و«أحكام وفوائد جزء الأحقاف»، وهناك كتب أخرى في طريقها إلى الطبع إن شاء الله.
وفي حياة الشيخ جوانب كثيرة مشرقة أعلم أنه يكره ذكرها، أسأل الله أن يبارك في عمره، ويمد فيه على طاعته، وينفع بعلمه المسلمين، إنه سميع قريب.
* * *
[ ٣٠ ]