الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من الرسائل المهمة في باب الاعتقاد، وقد كتبها جوابًا لمن سأله من أهل تدمر، وقد تضمنت الكلام في أصلين شريفين من أخص أصول الديانة، وهما: توحيد الله تعالى وصفاته، ومقام الشرع والقدر. وقد تكلم ﵀ عن هذين الأصلين لبيان المنهج الحق والعقيدة الصحيحة التي كان عليها سلف الأمة في هذين الأصلين، والتي يجب أن يعتقدها كل مسلم، ولأن كثيرًا من الفرق الضالة قد ضلوا في هذين الأصلين، وخاضوا فيهما بغير علم، فضلوا وأضلوا، فقصد إلى الرد عليهم بالدلائل الواضحة البينة من الكتاب والسنة ومن كلام سلف الأمة، كما رد عليهم أيضًا بالدلائل العقلية البينة الواضحة.
[ ١ ]
مقدمة شرح القواعد السبع من التدمرية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذه الرسالة لـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهي المسماة بـ (الرسالة التدمرية)، وسبب هذه التسمية بيِّنٌ من جهة النسبة، فإنها رسالة كتبها جوابًا لمن سأله من أهل تدمر -وهي بلدة في الشام-.
وقد تضمن ما ذكره في هذه الرسالة كلامًا في أصلين شريفين من أخص أصول الديانة؛ بل هما أخص أصول الديانة، وهما: توحيد الله ﷾ وصفاته، ومقام الشرع والقَدَر.
كما تضمنت هذه الرسالة قواعد وأصولًا في مقام الصفات، وطرق الرد على المخالفين.
وعندما تكلم عن الأصل الثاني ذكر القاعدة الشرعية في مقام الشرع ومقام القدر، والتحقيق الذي بعث به الرسل عليهم الصلاة والسلام في الجمع بين مقام الشرع والقَدَر.
ولك أن تقول: إن الجمع بين الشرع والقَدَر هو بمعنى قولك: التحقيق لتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فإن شهود مقام القدر هو شهود لمقام ربوبية الله ﷾، وشهود مقام الشرع هو شهود لمقام عبودية الله ﷾، فمن حقق الجمع بين الشرع والقدر فقد حقق توحيد الله ﷾ في مقام ربوبيته، وفي مقام ألوهيته وعبوديته؛ لأن أخص أصول الشرع وأشرفها وأولاها هو أمره ﷾ بعبادته وحده لا شريك له، فإن الشرع إذا ذكر قصد به الأمر والنهي، وأخص الأمر الذي أمر الله به سائر العباد هو أمره ﷾ بإفراده بالعبادة، كما أن أخص النهي الذي نهى الله ﷾ عنه العباد هو نهيهم عن الإشراك به.
ولهذا إذا ذكر الشرع تضمن توحيد الألوهية، وإذا ذكر القدر فإن مقام القدر من أخص مقامات الربوبية.
[ ٢ ]
ظهور المدارس الفقهية
قال المصنف ﵀: [بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام، مفتي الأنام، أوحد عصره، وفريد دهره، ناصر السنة، وقامع البدعة، تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية الحراني ﵁ وأرضاه].
هذه الرسالة معروفة بأنها لـ شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، وهو من علماء الحنابلة -من جهة الأصول الفقهية- هو وأهل بيته، فإنهم كانوا من شيوخ المذهب الحنبلي، وإن كان شيخ الإسلام عُرِف بعنايته بالتحقيق، وعدم التقيد بمسألة التقليد على المذهب الحنبلي أو غيره من المذاهب، ولذلك لا يعد حنبليًا على معنى التقليد.
ومن هنا نقول: إن من انتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة هم الغالب من أهل العلم بعد طبقة القرون الثلاثة الفاضلة، وقد ظهرت جملة من المدارس، وإن كان الذي استقر منها خمس مدارس، وهي:
١ - المدرسة الحنفية.
٢ - المدرسة المالكية.
٣ - المدرسة الشافعية.
٤ - المدرسة الحنبلية.
٥ - المدرسة الظاهرية.
فهذه المدارس الخمس من المدارس الفقهية المعروفة هي التي استقرت وبقيت، إلا أن كان المذهب الظاهري كان ضعيفًا، ثم نشره وبسطه أبو محمد ابن حزم.
وأصول هذه المدارس الخمس أصول سلفية، وأئمتها كلهم من الأئمة المعروفين بالتحقيق وصحة الاعتقاد، وإن كان قد أخذ على أبي حنيفة مسألة في الإيمان، وهي مسألة لا تعد من بدع العقائد الكبرى، وإنما هي -كما ذكر الإمام ابن تيمية وغيره- من بدع الأقوال، وكذلك داود بن علي الظاهري أخذت عليه مسائل يسيرة لفظية ليست من أصول الاعتقاد، وله كلمات تعقبه عليها جملة الإمام أحمد في بعض كلماته، لكن أصوله -أعني: داود بن علي الظاهري - هي أصول أهل السنة والجماعة.
فهؤلاء الأئمة أصولهم واحدة من حيث الاعتقاد، ثم اختلفوا من حيث المذاهب، وثمة قدر من الوفاق فيما بينهم، ولاسيما بين الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، فهؤلاء أكثر توافقًا من جهة الأصول، ثم يليهم الإمام أبو حنيفة، ثم داود بن علي؛ فإن له أصولًا اختص بها في بعض المسائل، وإن كان يقال: إن داود بن علي ﵀ لم يشرح سائر هذه الأصول شرحًا مستفيضًا، بمعنى أنه تكلم بجمل، ثم جاء أبو محمد ابن حزم وبسط هذه الجمل.
فلا يلزم أن يكون سائر ما أضافه ابن حزم إلى المذهب الظاهري منضبطًا في كلام داود بن علي، فإنه متقدم عنه كثيرًا، ولم يفصح بكثير من هذه التفصيلات.
ولا يقال عن مذهب من هذه المذاهب الخمسة: إنه أصح المذاهب، فإن هذا لا يقوله إلا مقلد متعصب لمذهبه.
وإنما الصواب أن يقال: إن هذه المذاهب الخمسة في كلام الفقهاء، أو حتى ما يضاف إلى أحد من الأئمة المتقدمين، وأخصهم أصحاب رسول الله ﵌، ومن بعدهم من التابعين ومن بعدهم، فإن أي قول من الأقوال الفقهية يضاف لإمام متقدم -سواء كان هذا الإمام أحد هؤلاء الخمسة، أو من قبلهم، أو من عاصرهم- فإنه يكون قولًا له وجهه، وينظر في دليله من جهة الكتاب والسنة والإجماع، وأصول الاستدلال المعروفة.
إذًا: لا يصح الانتصار المطلق لمذهب من المذاهب الفقهية، وإن كان لا يُمنع من التأصيل على مذهب من هذه المذاهب الأربعة، وثمة فرق بين مسألة التأصيل على مذهب واحد، كما هو شأن المحققين من أصحاب الأئمة الأربعة، وبين التقيد بسائر فروع المذهب وفتاواه ومحتملاته، وما إلى ذلك مما يفصله فقهاء المذاهب، فمن التزم بسائر الفروع فهذا لا ينبغي إلا أن يكون مقامًا لمقلد، سواء كان عاميًا أو مبتدئًا في العلم، فهذا هو الذي قد يسعه هذا المقام، وأما من بان له الدليل على خلاف مذهب فقهي -وهو أهل للنظر في الدليل- فإنه يلزمه أن يكون متبعًا لصريح الدليل أو ظاهره، أو ما دل عليه الدليل بحسب درجات الاستدلال.
فالمقصود: أن شيخ الإسلام ابن تيمية أصوله -في الجملة- حنبلية، مع أنه لم يتعصب أو يلتزم المذهب الحنبلي في جميع فروعه ومسائله.
وقد ضمن شيخ الإسلام هذه الرسالة أصولًا من أصول أهل السنة والجماعة، كما ضمنها أصولًا من أصول الرد على المخالفين.
وبالمناسبة: فإن ما كتبه علماء السنة والجماعة في الاعتقاد يقع على أحد وجهين:
الوجه الأول: أن يكون تقريرًا للمعتقد.
الوجه الثاني: أن يكون ردًا على المخالف.
وهذه الرسالة تضمنت هذا وهذا في مقام الشرع والقدر، وفي مقام التوحيد والصفات.
[ ٣ ]
ظهور الفرق في الإسلام
قال المصنف ﵀: [الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فقد سألني من تعيَّنت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر].
لقد كان المصنف ﵀ في عصر اختلطت فيه كثير من المقالات، فإنك إذا نظرت -مثلًا-: إلى الجيل الأول وهم جيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ فإنك تجد أن خلافة أبي بكر ﵁ انتهت، ثم جاءت خلافة عمر ﵁، إلى أن قتل ولم يحدث في الإسلام بدعة.
ثم لما جاءت خلافة عثمان ﵁ لم تظهر البدع في أول خلافته، وإنما ظهرت جملة من الفتن، وكانت هذه الفتن التي ظهرت مقدمة لظهور شيء من البدع.
[ ٤ ]
ظهور الخوارج
في آخر خلافة الخلفاء الأربعة الراشدين ظهر الخوارج الذين حدَّث النبي ﵌ بشأنهم، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من نحو عشرة أوجه، وجاء أيضًا في صحيح البخاري، فالحديث متفق عليه من غير وجه، وهو مخرج في الصحاح والسنن والمسانيد، وقد قال الإمام أحمد: "صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه".
وقد ظهروا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وكان ابتداء إخباره ﵌ بظهورهم لما جاءه ذهب من اليمن فقسمه ﵊ بين أصحابه، فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: (اعدل يا محمد فإنك لم تعدل! فقام خالد بن الوليد -وفي رواية في الصحيح: فقام عمر بن الخطاب - وقال: دعني أضرب عنقه، فقال النبي ﵊: لعله أن يكون يصلي، قال: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال ﵊: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم، ثم نظر إليه النبي ﵌ وقد ولى الرجل، فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر -أي: الرامي- إلى نصله فلا يجد فيه شيئًا، ثم ينظر إلى قذذه فلا يجد فيه شيئًا، قد سبق الفرث والدم).
وفيه إخباره ﵌ بقتالهم ..
وما إلى ذلك.
وقد ظهر هؤلاء في خلافة علي بن أبي طالب وكفروا المسلمين بالكبائر؛ بل بما يرونه من الكبائر، فقد زعموا أن علي بن أبي طالب ﵁ أتى كبيرة فكفروه بها، وكلا المقدمتين باطلة؛ فإن عليًا لم يأت كبيرة، ثم لو فرض أنه أتى كبيرة من الكبائر فإن الكبيرة في الشريعة لا توجب كفر صاحبها.
ثم بعد ذلك حصل الاقتتال، وقاتلهم الصحابة بإمارة علي بن أبي طالب، وكان قتالهم -أعني: الخوارج- مشروعًا بالنص والإجماع، ليس لكفرهم، وإنما دفعًا لصولهم وعدوانهم على المسلمين بالدماء، فإنهم أهل سيف، وإلا فإن في أهل البدعة المخالفين للصحابة رضي الله تعالى عنهم من هو شر منهم من جهة البدع، ولكن الخوارج إنما شرع قتالهم وأجمع الصحابة على قتالهم لما عندهم من السيف والصول على المسلمين؛ فإن الذي عليه جمهور السلف- وهو ظاهر مذهب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما نص على ذلك الإمام ابن تيمية وانتصر له انتصارًا واسعًا في منهاج السنة وغيره- أن الخوارج الأول الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ليسوا كفارًا، وإنما هم من أهل البدع والبغي، وقتالهم من باب دفع صولهم وليس من باب كفرهم، وهذا هو ظاهر سنة علي بن أبي طالب ومن معه من الصحابة، فإنهم ما جروا في قتالهم على سنة قتال الكفار، فإنه من المعلوم أن قتال الكفار يشتمل على السبي، والإجهاز، وما إلى ذلك من الأمور المعروفة في الجهاد مع الكفار، فالصحابة لم يستعملوا هذه السنن عندما قاتلوهم، فدل ذلك على أن عليًا وغيره من الصحابة وإن أجمعوا على قتالهم إلا أنهم لا يرون كفرهم؛ ولكنهم من أهل البدع والعدوان والضلال، وقد ذمهم النبي ﵌، وذكر مروقهم من الدين، وما يتعلق بذلك من انحرافهم عن أصول الحق والسنة والجماعة.
[ ٥ ]
ظهور الشيعة والقدرية والجبرية
ثم بعد ذلك ظهر التشيع، وكانت الشيعة على مقامات ثلاثة معروفة.
ثم بعد خلافة الخلفاء الراشدين، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبين بني أمية، ظهر القول بنفي القدر.
ثم ظهرت مقالة الجبرية المقابلة لمقالة القدرية.
[ ٦ ]
ظهور التعطيل والتشبيه في صفات الله ﷿
ثم بعد عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم -أي: بعد وفاة سائر الصحابة- ظهر القول بنفي الصفات.
ثم ظهر القول بالتشبيه.
وهكذا تسلسلت البدع على هذا النحو.
والذي كان شائعًا زمن القرون الثلاثة الفاضلة أو من أدرك بقية عصر الصحابة، ثم القرن الذي بعده، والقرن الذي بعده -كان شائعًا امتياز السنة عن البدعة، بمعنى: أن أصحاب البدعة لم يكن أحد منهم ينتحل مذهب أهل السنة والجماعة؛ بل كان المعتزلة متحيزين ببدعتهم، لا ينتسبون إلى السنة والجماعة، وكانت الخوارج أيضًا لا تنتسب إلى طريقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ..
وهَلُمَّ جَرّا.
[ ٧ ]
ظهور متكلمة الصفاتية
ثم لما جاء عبد الله بن سعيد بن كلاب، وجماعة من المتكلمين وبعض المتصوفة؛ كـ الحارث بن أسد المحاسبي؛ صار هؤلاء ينتسبون إلى مذهب أهل السنة والجماعة، مع إظهارهم لشيء من البدع؛ إما في مقام الصفات، أو في مقام القدر، أو غير ذلك، فحصل من هذا التاريخ الذي توافق فيه عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهو أخص من تكلم في مسائل الصفات الفعلية وهو ينتسب إلى السنة والجماعة- حصل من كلام عبد الله بن سعيد ومن شاركه في هذا الكلام من متكلم أو متصوف ظهور قوم ينتسبون إلى مذهب أهل السنة والجماعة، ويعظمون جُمَلَهُمُ العامة، ويعظمون أسماء أئمتهم؛ ولكنهم وقعوا في كثير من البدع المخالفة لإجماع أئمة السنة والجماعة المتقدمين من الصحابة ومن بعدهم.
ولكن هؤلاء هم أقرب إلى السنة والجماعة من أهل البدع الذين لم يكن أحد منهم ينتسب إلى السنة والجماعة.
ولذلك يقول ابن تيمية ﵀: "أهل البدع المغلظة لا ينتحلون مذهب أهل السنة والجماعة".
فالغالب؛ بل الأصل العام في هذه البدع المغلظة أن أصحابها لا ينتسبون إلى السنة والجماعة وطريقة الأئمة، بل هم متحيزون ببدعهم، وعندهم من الطعن في أئمة السنة والجماعة ما هو معروف.
ولعله يُذْكَر ما شاع في التاريخ من موقف أئمة المعتزلة من الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة؛ حتى إنهم أفتوا بقتل أئمة السنة لما رأوا من السلطان ميلًا لهم إذ ذاك.
وهذا يبين لنا عدل أهل السنة والجماعة: أنهم يقضون بين الناس بالحق، ولا يقابلون الأمر بالأمر؛ فضلًا عن أن يبغوا على أحد، فإن السلطان كان موافقًا لمذهب أئمة السنة والجماعة في جملة الدولة الأموية والدولة العباسية فضلًا عما قبل ذلك، ومع ذلك لم ينقل أن أحدًا من أئمة السنة والجماعة قصد إلى قتل سائر المخالفين بالسيف، بخلاف المعتزلة عندما كان المأمون العباسي مائلًا إلى طريقتهم ومنتصرًا لها، ثم جاء بعده المعتصم العباسي، وأفتى من أفتى من أئمة المعتزلة بقتل الأئمة الذين لا يقولون بخلق القرآن.
أما عبد الله بن سعيد بن كلاب وبعض أفراد طبقته من متكلم أو متصوف، فقد انتسبوا لأهل السنة والجماعة، ولذلك فإن ابن كلاب إذا ذكر بعض المقالات يقول: وقول أهل السنة الذي نقول به.
وأحيانًا يذكر لأهل السنة قولين، وفي الحقيقة ليس لهم إلا قول واحد.
إذًا: هؤلاء انتسبوا لأهل السنة والجماعة، وأيضًا وافقوا أهل السنة والجماعة في مسائل لم تكن المعتزلة أو غيرها يوافقونهم فيها، ولكنهم مع موافقتهم لهم في بعض المسائل، ومع انتسابهم للسنة والجماعة، إلا أنهم خالفوا السنة في مسائل كثيرة، إما في الصفات، أو في القدر، أو في غير ذلك.
ثم جاء بعد ذلك إمامان مشهوران، وهما: أبو الحسن الأشعري، وأبو منصور الماتريدي الحنفي، وقد كانا في عصر واحد؛ لكن الأشعري كان في بلاد العراق وما إليها، والماتريدي كان في بلاد ما وراء النهر.
وبعد رجوع الأشعري عن مذهب المعتزلة انتسب هذان الرجلان لأهل السنة والجماعة، وصارا من جنس عقيدة عبد الله بن سعيد بن كلاب.
فتحصل من هذا: أن أقوامًا يخالفون طريقة الأئمة المتقدمين في مسائل أصول الدين؛ في التوحيد، أو في الإلهيات ..
في الصفات، أو في القدر، أو في غير ذلك، ويوافقونهم في مسائل أخرى، وينتسبون إلى الأئمة؛ ولكنهم ليسوا على علم مفصل بكلام الأئمة، ولعل هذا أخص الأسباب في عدم تحقيقهم لأقوال السلف الأول، وهو أنهم لم يكونوا على علم مفصَّل بأقوالهم.
أضف إلى ذلك: أن الأشعري والماتريدي جاءا في عصر استقرت فيه المدارس الفقهية، وكثر الانتساب لأحد هذه المدارس: إما الشافعية، أو الحنفية، أو المالكية، أو الحنبلية، أو ما إلى ذلك.
فلأجل هذا الجامع الفقهي بين العلماء في أكثر موارد التاريخ بعد عصر الأئمة، ولكون هؤلاء ينتسبون إلى السنة والجماعة؛ لم يكن هناك في كثير من الأحوال قدر من التمييز لما كان من الأقوال صوابًا، وما كان من الأقوال خطأً.
بمعنى: أن الفقهاء الذين ينتسبون للأئمة الأربعة، أتباع الإمام مالك، وأتباع أبي حنيفة، وأتباع الشافعي، وأتباع أحمد، من هؤلاء من هو على عقيدة إمامه على التحقيق؛ كـ أبي عمر ابن عبد البر من أصحاب مالك مثلًا، ومنهم من اختلط عليه الأمر، بمعنى: أنه تأثر بجمل من جمل الأئمة، وتأثر بجمل من جمل هؤلاء المتأخرين الذين اختلطت عندهم السنة بالبدعة.
فلهذا السبب صار عند هؤلاء -أتباع الأشعري، والماتريدي، فضلًا عن أتباع ابن كلاب، ومن يشارك هؤلاء من متكلم، أو متصوف، أو فقيه، أو مستعمل لطريقة أهل الحديث؛ كـ البيهقي مثلًا- صار عندهم أخطاء في مسائل، وصواب في مسائل، وتعظيم لطريقة أهل السنة والأئمة من جهة الانتساب والانتصار، والرد على أهل البدع المغلظة من أصول المخالفين المتقدمة.
لقد جاء الإمام ابن تيمية ﵀ في هذا العصر، وهو عصرٌ الشيوع والغلبة في كلام الفقهاء إذ ذاك لمثل هذا النوع؛ ولذلك حصل له مناظرات مع فقهاء وقضاة من الشافعية، والمالكية، والحنفية، ناظروه وتكلموا معه لأنهم كانوا على أصول أبي الحسن الأشعري، ولم يكونوا أيضًا محققين لأصول أبي الحسن الأشعري؛ بل كانوا مائلين إلى الطريقة المتأخرة التي ركَّبها أبو المعالي الجويني من أصحاب الأشعري، وطريقة الأشعري خير من طريقة متأخري أصحابه.
ومما سبق نعلم أن العصر الذي أدركه الإمام ابن تيمية ﵀ هو العصر الذي انتشرت وشاعت فيه المقالات التي ينتسب أصحابها للسنة والجماعة، وقد يصيبون في مقام، ولكنهم يخلطون ويخطئون ويخرجون عن السنة في مقامات كثيرة؛ سواء في مسائل الصفات، أو في مسائل القدر، أو غيرها.
ولذلك إذا قرأنا في كلام شيخ الإسلام لا نجد له تفصيلًا واسعًا في تتبع بعض المقالات، مثل مقالة الجبرية الغالية؛ لأن هذه المقالة حتى من كان يخالفه من معاصريه كانوا مخالفين لها، وإنما عُنِي ﵀ ببيان امتياز طريقة الأئمة المتقدمين عن بعض الطرق المتأخرة التي خلط أصحابها الحق بشيء من الباطل، فكان مقصوده هذا التمييز مع عنايته ﵀ بمقام العدل؛ ولذلك لم يكن يكفر المخالفين المنتسبين للسنة والجماعة، وإن كان عندهم بدع شديدة في بعض المسائل؛ كالعلو مثلًا، فإنه ناظر بعض المتكلمين في مسألة العلو، ومعلوم كلام السلف في هذه المسألة؛ ولكنه كان يلتزم بالأصل المعروف وهو: أن ثمة فرقًا بين المقالة وبين قائلها، وأنه لا يلزم من الحكم على المقالة أن يكون الحكم مطردًا على جهة التسلسل واللزوم فيمن قال هذه المقالة؛ بل لا بد من مقدمات، ومن قيام حجة ..
إلى غير ذلك.
[ ٨ ]