ذكر شيخ الإسلام ﵀ في خاتمة كلامه عن توحيد الصفات سبع قواعد نافعة جامعة في إثبات صفات الله تعالى، وفي الرد على المخالفين من النفاة والمعطلين والمؤولين ونحوهم، والقاعدة الأولى هي: أن الله تعالى موصوف بالإثبات والنفي، فالإثبات كالعلم والقدرة والسمع والبصر ونحوها، وهي متضمنة للكمال المطلق، والنفي يتضمن إثبات الكمال لله تعالى، كنفي الظلم، فإنه يتضمن إثبات كمال العدل المطلق لله ﷾.
[ ١٤ / ١ ]
القواعد السبع في صفات الله تعالى
قال المصنف ﵀: [فصل: وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة].
سبق أن قال المصنف ﵀: (وهذا يتبين بأصلين شريفين، ومثلين مضروبين، وبخاتمة جامعة فيها قواعد نافعة)، فهذه القواعد السبع التي ذكرها المصنف في هذا الفصل هي تمام لما قدمه في تقريره لمسألة الصفات، وقد سبق أن المصنف ابتدأ بتقرير: أن هذا الباب باب خبري، وأنه باب معتبر بالدليل السمعي الذي هو الكتاب والسنة، وبين مقام الدليل العقلي في هذا المورد، وبين مذهب السلف، ثم ذكر أصول المذاهب التي انحرفت عن سبيلهم، ثم ذكر الأصل الكلي الذي أشكل على عامة هؤلاء، وبين أنه أصل مجاب عنه بمتواتر الشريعة، وبضروري العقل، بأصلين ومثلين سبق ذكرهما.
ثم انتقل المصنف إلى بيان هذه القواعد السبع، وهي تمام في هذا الباب، وهي كذلك رد لشبهات المخالفين، وتقرير لدلائل من العقل، وتفصيل لبعض مقاصد أئمة السنة والجماعة في مذهبهم في باب الصفات.
فهي قواعد مجملة في هذا الباب، قصد المصنف منها الإحكام لهذا المذهب الذي ذكره في مقدمة رسالته، فإنه لما ذكر مذهب أهل السنة والجماعة جعل هذه القواعد السبع من باب الإحكام لهذا المذهب؛ إما إحكام في تفصيل بعض المراد به، وإما إحكام في تقرير بعض دلائله، وإما إحكام في الجواب عما قد يعارض به المعارض، فهذه القواعد ليست وجهًا واحدًا من هذه الأوجه الثلاثة أو ما يشاكلها، إنما هي مادة مشتركة بين هذه الأوجه.
ولذلك فليس بالضرورة أن يكون بين هذه القواعد قدر من التسلسل الضروري؛ ككونه جملة من الأدلة، أو جملة من الردود، أو جملة من التفصيل؛ لأن المقصود منها هو الإحكام للمذهب، والإحكام للمذهب يكون تارةً بتقرير دليل، وتارة بالجواب عن شبهة، وتارة بتفصيل مجمل من القول أو المعنى.
[ ١٤ / ٢ ]
القاعدة الأولى: أن الله ﷾ موصوف بالإثبات والنفي
قال المصنف ﵀: [القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي، فالإثبات كإخباره أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك، والنفي كقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]].
هذه هي القاعدة الأولى، وهي من أشرف القواعد، وهي: أن الله ﷾ موصوف بالإثبات والنفي، وإن كان المصنف قد نص على هذه الجملة بل على أكثر منها فيما تقدم من كلامه، فإنه قد ذكر في مذهب أهل السنة والجماعة أن الله موصوف بالإثبات والنفي، وذكر أن الله بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل.
وهذا قد سبقت الإشارة إليه.
وإنما فصله المصنف هنا كقاعدة ابتدأ بها القواعد من باب الإحكام للمذهب؛ لأن الكمال من جهة العقل فضلًا عن الشرع، لا يمكن أن يكون بتقرير الإثبات وحده، كما أن الكمال لا يمكن أن يكون بتقرير النفي وحده، فكما تقدم وكما سيذكر المصنف أن النفي المجرد عن الإثبات ليس كمالًا، فكذلك يقال: إنه يمتنع تحقق إثبات لا يتضمن نفيًا؛ لأن إثبات أحد المتقابلين يستلزم نفي الآخر، فعندما وُصف الله بالعلم؛ لزم من ذلك أن يتضمن هذا الإثبات نفي الجهل.
وقد أجمع المسلمون على أن الله تعالى مستحق للكمال، ومنزه عن النقص، والكمال في حكم العقل فضلًا عن حكم الشرع لا يمكن أن يكون إلا بإثبات هذين الأصلين: أن الله موصوف بالإثبات، والإثبات لا بد أن يتضمن نفيًا، وهو نفي المقابل، وهو ما يدخل في مادته من النقص.
وكذلك نقول: إن النفي يتضمن إثباتًا.
فهذه القاعدة أشار بها المصنف إلى التحقيق، كما أنه أشار بها إلى الوسطية، فإن النبي ﷺ قد ذكر حال الطائفة المنصورة من هذه الأمة الناجية، وقد بين المنصف كثيرًا أن أهل السنة وسط بين الطوائف، ومن وسطيتهم في هذا الباب: أنهم يحققون الإثبات على وجهه الشرعي العقلي، كما أنهم يحققون النفي على وجهه الشرعي العقلي، بخلاف من غلا في مقام النفي؛ كجمهور النفاة، أو غلا في مقام الإثبات؛ كجمهور المائلين إلى التشبيه والتجسيم ونحو ذلك.
فيكون التحقيق لمقام الإثبات والنفي هو تحقيق الوسطية، وأما من لم يحقق الإثبات والنفي -بمعنى: أنه لم يستعمل إلا النفي وحده، أو لم يستعمل إلا الإثبات وحده، أو استعمل إثباتًا على وجه من الغلو، أو نفيًا على وجه من الغلو، أو ما إلى ذلك- فإن هذا ليس وسطيًا في تقريره.
[ ١٤ / ٣ ]
صفات النفي تتضمن إثبات الكمال
قال المصنف ﵀: [وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل: ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا.
ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال].
الكمال يتعلق بالأمور الوجودية؛ لأن الكمال صفة ثبوتية، فالكمال وجه من الثبوت، فلا بد أن يتعلق بأمر وجودي وليس بأمر عدمي، فإن قيل: إنه جاء في القرآن ما هو من وصف العدمي، أي: الوصف السلبي، أو وصف النفي.
قيل: كل ما ذكر مفصلًا في القرآن من النفي في مقام الصفات، فإنه لا بد أن يكون متضمنًا لصفة ثبوتية؛ بل أكثر من ذلك.
فإن قيل: هل النفي المفصل من حيث حكم العقل يستلزم أمرًا ثبوتيًا، أم أن النفي المفصل لا يستلزم أمرًا ثبوتيًا؟ قيل: من جهة حكم العقل فإن النفي المفصل لا يستلزم أمرًا ثبوتيًا في بابه المطلق في حق غير الله ﷾، فإذا وصفت شيئًا من الأشياء بنفي، فلا يلزم أن يكون هذا من باب تحقيق الإثبات له.
لكن عندما جاء ذكر شيء من نفي صفات النقص عن الله تعالى على وجه التفصيل؛ فإن كون هذا السياق مضافًا إلى رب العالمين ﷾ هو من باب تحقيق الكمال، فإن الله لما نفى عن نفسه الظلم؛ دل ذلك على كمال عدله.
فإن قيل: فما هي الحاجة إلى أن نقول: إن قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] تضمن إثبات العدل؟ لماذا لا نقول: إنه يدل على نفي الظلم؟ قيل: الدلالة على نفي الظلم وحده دون تحقيق العدل ليس مدحًا؛ لأن الأشياء التي لا تقبل الظلم ولا تقبل العدل توصف بأنها لا تظلم.
فهذا هو مقصود المصنف: أن كل نفي مفصل في القرآن يتضمن أمرًا ثبوتيًا، وهو كمال الضد، وما لحقه من المعاني المناسبة.
وقوله: (ولأن النفي المحض) أي: المجرد عن إثبات المقابل، فالنفي المحض هو الذي لم يتضمن أمرًا ثبوتيًا، والشيء المحض هو ما يسمى بالشيء الخالص، أو الشيء المجرد عن التعلق بغيره، أو عن تعلق غيره به.
[ ١٤ / ٤ ]
آيات قرآنية تدل على أن النفي يتضمن إثبات الكمال
قال المصنف ﵀: [فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من نفي متضمنًا لإثبات مدح، كقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى قوله: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥]].
إن النفي المفصل المتضمن أمرًا ثبوتيًا يرد في القرآن في سياق مناسب له، فإن الله نفى عن نفسه السنة والنوم بعد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فصار التقديم بالإثبات دليلًا على أن هذا النفي ليس نفيًا محضًا.
وعليه: فكل نفي مفصل في القرآن فإنه يدل على إثبات كمال الضد، فإن قيل: فمن أين دل على إثبات كمال الضد؟ قيل: دل على ذلك من حيث القاعدة العامة أنه في حق الله، وما كان في حق الله فلابد أن يكون كذلك، ودل من جهة السياق، فإنك إذا نظرت في سائر السياقات، وفي سائر الآيات التي ذكرت نفيًا مفصلًا؛ تجد أنها مسوقة مساق الكمال، وإثبات صفات الكمال.
وقد جاء عن كثير من السلف -بل فيها آثار مرفوعة- أن الحي القيوم هو الاسم الأعظم، وهذا ليس فيه نص بين الصحة، لكنه مما ينبغي أن يجتهد في القصد إليه؛ لشرف هذه الآية، فإنها أعظم آية في كتاب الله، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره.
[ ١٤ / ٥ ]
صفات الله تعالى تستلزم الكمال المطلق بخلاف صفات المخلوقين
قال ﵀: [وكذلك قوله: (وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيب في قوته].
وهذا من الفروق بين صفة المخلوق وصفة الخالق وإن اشتركا في الاسم، فإن القدرة في أصلها صفة كمال، لكن كل ما أُضيف إلى المخلوق من الصفات فلا بد أن يكون ناقصًا؛ لأن المخلوق ناقص أصلًا، والصفة تبع لموصوفها، فإن المخلوق ممكن، وصفته تكون ممكنة، والإمكان نفسه يكون نقصًا.
وقد يقول قائل: كيف نسلسل مسألة النقص على صفة المخلوقين؟ فيقال: إن النقص يلحقها من أوجه، لكن هناك وجه عام في كون صفات المخلوقين فيها نقص، وهو: أن كل ما فُرض من صفات المخلوقين فهو ممكن، وهذه القاعدة العامة من النقص مطردة في سائر صفاتهم، فإنه يقال: إن العلم المضاف إلى المخلوقين -الذي يكتسبونه ويحصلونه- علم ناقص، فهو علم ممكن وليس علمًا واجبًا، ولذلك فضل الله ﷾ رسله عليهم الصلاة والسلام بأن علمهم ليس من باب الاكتساب الذهني والتتبع، كما يحصل لغيرهم من أتباعهم أو من غير أتباعهم، إنما علمهم من باب الوحي الذي أوحى الله به إليهم.
[ ١٤ / ٦ ]
التفصيل في مقام النفي لتحقيق كمال الإثبات
قال المصنف ﵀: [وكذلك قوله تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٣] فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السماوات والأرض].
ولذلك فإن هذا النفي لما جاء في هذا السياق دل على كمال الإثبات، وعلى تحقيق الإثبات وتفصيله، وقد سبق أن قدم المصنف أن الله بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل، لكن بعض مقامات الصفات يناسب في سياقها أن يُفصل في مقام النفي من باب تحقيق الكمال، ومن باب تحقيق سياق الكمال.
ولذلك فإن ما ذكره بعضهم من أن النفي المفصل في القرآن لا يستعمل إلا في نفي ما ادعاه المكذبون للرسل، أو ما إلى ذلك من الأوجه؛ كأن فيه شيئًا من الحصر؛ لأن الاستقراء للقرآن فيما فصل لا يلزم منه أن يكون كذلك ..
صحيح أن ما يذكره الباري ﷾ من تنزيهه عن السنة والنوم، وعن عزوب شيء في السماوات والأرض عنه، ونحو ذلك، لا شك أنه رد على من يشكك أو يجحد ما هو من ذلك، أي: مما يليق به، أو يصفه بما لا يليق به ﷾، فلا شك أن القرآن بهذا السياق يتضمن ردًا، لكن أن يكون هذا هو الموجب، وأنه لولا هذا المحرك لما حصل هذا، فليس بالضرورة أن يكون ذلك صحيحًا؛ فإن السياق إذا كان كذلك كان هذا أتم في كماله سبحانه، فعندما قال الله سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ثم قال: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] علم أن قوله: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) أتم في تحقيق الكمال من السياق لو كان مختصرًا على المقام الأول وحده، وإن كان المقام الأول فيه تحقيق للكمال.
إذًا: إنما يذكر ذلك من باب تحقيق كماله ﷾، وهذا التحقيق يكون متضمنًا للرد على من خالف هذا من وجه آخر لا إشكال في ثبوته.
قال المصنف ﵀: [وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] فإن نفي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة، ونهاية القوة، بخلاف المخلوق الذي يلحقه من النصب والكلال ما يلحقه].
لأن هذا السياق من القرآن من باب قطع الوهم، وليس بالضرورة أنه رد على قوم معينين، فإنه من باب قطع الوهم الذهني الذي قد يعرضه الشيطان لبعض نفوس بني آدم.
وقد سبق أن خلق الله ﷾ يكون على أحد وجهين -على ما ذُكر في القرآن- فإما أن يكون خلقًا على جهة الفعل الذي هو الأمر المحض منه ﷾، وهو المذكور في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] وإما أن يكون من باب الخلق الذي هو توسط السبب في وجود المُسَبّبَ، ويكون الله ﷾ هو الخالق للسبب والمسبب.
[ ١٤ / ٧ ]
الكلام على قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)
قال المصنف ﵀: [وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء].
قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] هذه الآية من كتاب الله هي من نصوص التفصيل في مقام النفي لتحقيق كمال الإثبات، وقد استدل نفاة الرؤية من المعتزلة وغيرهم بهذه الآية على أن الله ﷾ لا يُرى.
وهذه الآية إذا تأملت فيها وجدت أن الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ومعلوم أن الإدراك للأشياء -سواء كان إدراكًا بصريًا، أو إدراكًا علميًا، أو ما إلى ذلك من أوجه الإدراك- ليس هو أصل المعنى السابق له، فإنه إذا قيل لك: هل تعلم أن الله ﷾ هو الخالق الرازق .. إلخ؟
فإن الجواب سيكون: نعم.
فإننا نعلم من شأن الله ﷾ وفعله وصفاته شيئًا، والعباد يعلمون ربهم، ولولا أنهم يعلمون ربهم، ويعلمون ربوبيته ووجوده وألوهيته إلخ؛ لما أمكنهم أن يعبدوه وأن يعرفوه، فهل هذا العلم الذي يُقر به المسلمون وغير المسلمين ممن يقر بالربوبية -هل استلزم عند المسلمين بسائر طوائفهم الإحاطة به سبحانه؟
الجواب: لا.
وهذا أمر مستقر، فإذا تحقق أنه يمكن أن يثبت الشيء ولا يثبت الإحاطة به، فكذلك الذي نفي في القرآن هنا هو الإدراك فقط؛ ومعلوم أن الإدراك قدر زائد على أصل رؤية الشيء، وهذا أمر معروف بحكم العقل الضروري المبني على الاطراد الحسي، فإنه مستقر عند بني آدم من المسلمين وغير المسلمين، من العرب وغير العرب- أن رؤية الشيء ليست هي الإدراك له، كما أنه يُعلم أن من رأى شيئًا لا يلزم أن يكون مدركًا له.
فهذا أمر مستقر عند أهل اللسان العربي وغير العربي من جهة المعاني، وإن كان أهل العربية يقصدون بهذه الكلمة هذا المعنى، فإن هذا لا يلزم أن يكون على اللسان المعبر، فكل من عبر بلسانه فإن هذا المعنى يكون ثابتًا عنده؛ لأنه معنى معلوم بالاطراد الحسي، وهو دليل قاطع.
فلما قال الحق سبحانه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] فإن الآية نفت القدر الزائد على الرؤية، وهنا يقال: إن الآية دليل على إثبات الرؤية، ووجه ذلك: أن يقال: إن تخصيص القدر الزائد بالنفي وحده دليل على أن ما دونه يكون ثابتًا؛ لأن ما دونه -وهو أصل الرؤية- لو كان منفيًا أو ممتنعًا؛ لما كان هناك قصد إلى تخصيص القدر الزائد بالنفي، فلما خُص القدر الزائد وحده بالنفي؛ دل على أن ما تحته وما دونه داخل في الإثبات، ومن هنا يقول أهل العلم: إن هذه الآية دليل على إثبات الرؤية، وليست دليلًا على نفيها، ومن المعلوم أن مذهب الأئمة ﵏أي: مثبتة الرؤية- أن الله سبحانه يراه المؤمنون ولكنهم لا يحيطون به.
فهذا من تحقيق الإثبات عندهم.
ولم يقل أحد من الأئمة من السلف ونحوهم: إن المؤمنين يرون ربهم ويحيطون به إبصارًا؛ بل إنهم متفقون على أن قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: لا يحاط به مع رؤيته؛ ولذلك فإنه لكماله ولتعذر أن يُحاط به ﷾، فإن الخلق لا يمكنهم لا في الدنيا ولا في الآخرة -حتى عندما يراه المؤمنون في دار كرامته- لا يمكن أن يحيطوا بذاته ﷾، أو أن تكون أبصارهم مدركة له إدراكًا على التفصيل.
[ ١٤ / ٨ ]
نفي الرؤية لا يتضمن كمالًا لله تعالى
قال المصنف ﵀: [ولم ينف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يرى، وليس في كونه لا يرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا].
يذكر المصنف هنا أن الآية إذا فسرت كما تفسرها المعتزلة بأن قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: لا تراه الأبصار، فإن هذا ليس من باب المدح؛ بل إنه من باب النفي المجرد، وقد عُلم بالعقل فضلًا عن الشرع أن النفي المجرد -وهو النفي المحض- ليس مدحًا، وليس كمالًا؛ لأنه لو كان المقصود بقوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: لا تراه الأبصار؛ لعدم إمكان رؤيته ليس إلا؛ فإن الأشياء المعدومة والأشياء الممتنعة تتصف بهذه الصفة في كونها لا ترى، أو لا يمكن أن ترى.
قال ﵀: [وإنما المدح في كونه لا يحاط به وإن رئي، كما أن لا يحاط به وإن علم].
وهذا وجه اختصاصه عن خلقه، ولك أن تقول: هذا وجه اختصاصه عن غيره.
وبهذا يُعلم أن طريقة الأئمة هي لتحقيق الكمال، فإن ما أثبتوه له في هذا المقام يتحقق به اختصاصه عن غيره؛ سواء كان هذا الغير مخلوقًا، أو شيئًا ممكنًا، أو شيئًا معدومًا، ولكنه ليس من باب الممكن، بل من باب الممتنع، فإن غير الله ﷾ إما أن تمتنع رؤيته؛ كالمعدوم والممتنع أيضًا، فإن رؤيته تكون ممتنعة، وإما أن تكون رؤيته غير ممتنعة عند وجوده؛ كالأشياء التي تُرى وتكون مدركة، وهي الأشياء القائمة، وإما أنه يرى ولا يدرك.
فإن قال قائل: إن في مخلوقات الله ﷾ ما يرى ولا يدرك، كالسماء، فإن كل بني آدم يرون السماء، ومع ذلك لم يدرك أحد سائر أنحائها واتساعها وامتدادها، وما إلى ذلك، فكيف قيل: إن من اختصاصه عن خلقه أنه يرى ولا يدرك، مع أن في أعيان مخلوقاته القائمة المشاهدة أنها ترى ولا تدرك؟
فالجواب: أن يقال: إن كل مخلوق يُرى ولا يدرك فإنه ممكن الإدراك، بخلاف الباري ﷾، فإن الإدراك له ممتنع، فإن السماء لا يدركها أحد، ولكن هذا الإدراك غير ممتنع، فإنه من الممكن أن يخلق الله ﷾ مخلوقًا يدرك أبعاد السماء، وهذا غير مستحيل في حقه ﷾، فإدراك المخلوقات إدراك ممكن، وإن لم يكن حاصلًا في كثير من الأحيان، بخلاف إدراك الخالق ﷾ من جهة أن من أبصره أدركه، فإن هذا إدراك ممتنع.
إذًا: قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) لامتناع إدراكها، ولعدم إمكان إدراكها له، بخلاف قولنا: لا تدرك الأبصار السماء، فإن ذلك لعدم ثبوت الإدراك، وإن كان الإدراك في نفس الأمر ممكنًا.
قال ﵀: [فكما أنه إذا علم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رئي لا يحاط به رؤية].
وعليه فقد يقول قائل: إن في مخلوقات الله ما يعلم ولا يحاط به، كالروح مثلًا، فإننا نعلم منها شيئًا، ولكننا لا نحيط بها علمًا.
فيقال: إن الإحاطة بالروح علمًا ممكن، وإن لم يحصل، ولم يقدر الله أنه يحصل لأحد، ولكنه ممكن، بخلاف الإحاطة بالباري ﷾، فإنه ممتنع.
قال المصنف ﵀: [فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها].
قوله: (مع عدم الإحاطة)، أي: مع عدم الإدراك، وهذا هو معنى الإدراك (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: لا تحيط به، وهذا معنى معروف في الأذهان، وذلك كقولك: رأيتُ السماء، وأنت لم تدركها.
وقوله: (وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها):
هو الحق، وهو أيضًا الكمال عقلًا وشرعًا، أما إذا نفيت الرؤية فلا يكون كمالًا، وإذا أُثبتت الرؤية مع إثبات الإحاطة والإدراك، فإن هذا أيضًا لا يكون كمالًا، إنما الكمال هو إثبات الرؤية مع نفي الإدراك والإحاطة.
[ ١٤ / ٩ ]
كل نفي لا يستلزم ثبوتًا فليس من صفات الله
قال المصنف ﵀: [وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا؛ بل ولا موجودًا].
الذين لا يصفون الله تعالى إلا بالسلوب المحضة التي لا تتضمن أمرًا ثبوتيًا، يقول عنهم المصنف: هؤلاء لم يصيبوا القرآن لا في مجمله، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ولا في مفصله، كقوله تعالى: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ)؛ لأن كل نفي في القرآن فإنه تضمن إثباتًا، سواء كان هذا الإثبات إثباتًا مفصلًا، أو إثباتًا مجملًا؛ بل حتى المجمل من النفي، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فإنه يتضمن التنزيه ويتضمن إثبات الكمال؛ لأن الله تعالى لم يقل: ليس كخلقه شيء؛ بل قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذا مما يختص به عن غيره، فكذلك قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، سواء كان هذا الشيء مخلوقًا قائمًا، أم مخلوقًا غائبًا عن المشاهدة، أم كان معلومًا ولكنه ممكن، أم كان متخيلًا، أم كان ممتنعًا، فكل ما يعرض عن غير مقامه ﷾ فهو داخل في هذا النفي، ولذلك يكون النص -كما سبق- محقق للإثبات كما أنه محقق للتنزيه.
والذين يصفون الله تعالى بالسلوب المحض هم المتفلسفة كـ ابن سينا وأمثاله.
[ ١٤ / ١٠ ]
مذهب المتكلمين الأوائل كالجهمية في نفي الصفات
قال المصنف ﵀: [وكذلك من شاركهم في بعض ذلك، كالذين قالوا: إنه لا يتكلم، أو لا يرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي مستلزمة صفة ثبوت، ولهذا قال محمود بن سبكتكين لمن ادعى ذلك في الخالق: ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم].
هذا هو مذهب أئمة المتكلمين من أئمة الجهمية الأولى، الذين ينفون سائر الصفات، ولهذا قال المؤلف: (من شاركهم في بعض ذلك) أي: شارك المتفلسفة في هذه الطريقة، وإن كان هؤلاء قد ظهروا وتكلموا بكلامهم قبل ظهور ابن سينا وأمثاله، لكن المادة مستقاة من جوهر واحد، إلا أن ابن سينا وأمثاله أفصح بالفلسفة، وهؤلاء قد أجملوا وركبوا ما حصلوه من الفلسفة تحت مقدمات مجملة؛ إما من العقل، وإما من الشرع، وهو ما سمّوه بعلم الكلام.
هذه طريقة أئمة الجهمية نفاة الصفات، الذين يقولون: إنه لا يتكلم، ولا يرى، وليس فوق العالم ولا تحته
إلخ، وربما عبروا بعبارات كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، وهذا من باب رفع النقيضين، بمعنى: أن طريقتهم هذه مخالفة للعقل؛ لأن رفع أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر، فقولهم: إنه لا يتكلم، يستلزم نقصًا، ولزم أن يكون متصفًا بضد ذلك، والله تعالى منزه عن الضد بإجماع المسلمين.
ومن الأدلة على أن الإله الحق المعبود قابل للصفات: أنه لو كان الأصل في العقل، أو في الفطرة، أو في دلائل العقل الكلية، أن الإله المعبود لا يكون قابلًا للصفات؛ لما أبطل الله ﷾ ألوهية العجل بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] لأن أصحاب العجل قد يكون جوابهم: إن الإله الحق ليس قابلًا للصفات، كما تزعم المعتزلة، فإنهم يقولون: إن الله لا يتكلم، ولا يلزمنا أن يكون الله ﷾ موصوفًا بالخرس، فإن قيل: فكيف ذلك؟ قالوا: لأن الله ليس قابلًا، فيقال: هذا خلاف حكم العقل، وخلاف حكم الشرع، فإن الله قابل للصفات، والإله الحق لا بد أن يكون قابلًا؛ ولذلك قال إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم:٤٢] فلو كان الإله الحق ليس قابلًا؛ لما قال إبراهيم ذلك لأبيه.
وقوله: (ولهذا قال محمود بن سبكتكين لمن ادعى ذلك في الخالق: ميز لنا بين هذا الرب الذي تعبده وبين المعدوم):
أي: أن هذا المذهب يستلزم القول بالعدم، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوه في الحقيقة إلها محمودًا ولا موجودًا، وهذا من باب لوازم المذهب.
[ ١٤ / ١١ ]
نفي الصفات عن الله تعالى ليس فيه مدح ولا كمال
قال المصنف ﵀: [وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال؛ بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجماد أو الناقص].
قوله: (بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات)؛ لأن العقل نفسه -فضلًا عن الشرع- يدل على كمال الرب في صفاته، ومن صفاته: الكلام، فإثبات الكمال لله ﷾ معلوم بالسمع، ومعلومٌ أيضًا بالعقل، والإله الذي لا يتكلم لا يكون إلهًا حقًا، كما قال الله تعالى عن عبدة العجل.
[ ١٤ / ١٢ ]
شبهة حول الحوادث
وقول المصنف: (وكذلك كونه لا يتكلم أو لا ينزل ..): قد يقول قائل: هل من لازم الإله الحق أن يكون متصفًا بالنزول؟ أليست هذه الصفة صفة خبرية سمعية لم يثبتها العقل ابتداء كصفة العلم والكلام ونحوها؟
والجواب: أن يقال: إن نفاة الصفات التي تسمى: الصفات الخبرية، أي: التي نطق بها القرآن أو السنة، والعقل لم يدل عليها ابتداء، ولكنه لا ينافيها، وذلك كصفة النزول، نفاة هذا النوع من الصفات لا ينفونها لذات الصفة وحدها، ولذلك فلو كانت العلة عندهم أن حديث النزول آحاد، وسلمنا جدلًا أنه من الآحاد، وسلمنا جدلًا أن الآحاد لا يحتج به في العقيدة، فماذا يقولون في صفة الإتيان والمجيء الذي ذكره الله في القرآن؟! فهم -إذًا- يضطربون في النفي والتأويل، فهذا يردونه لكونه آحادًا، وهذا يتأولونه، إلى غير ذلك.
فالإشكال عندهم ليس لأن هذا النص في ذاته مشكل، ولكن الإشكال عندهم هو في القاعدة التي بها ينفون الصفات، وهي ما يسمونها: (حلول الحوادث)، ولتقريب المعنى نقول: ما يسمونه بمسألة الحركة، فأي صفة تتضمن في المعنى العام ما هو بمعنى الحركة فلا يكون عندهم صفة ثابتة.
ولذلك فإن الإمام الدارمي ﵀ في رده على الجهمية ذكر إثبات الحركة لله ﷾، مع أن القرآن الكريم لم يذكر كلمة الحركة، وكذلك الرسول ﷺ، وهذه الكلمة ليست من الكلمات التي تعرض ابتداءً، إنما الذي يعرض هو الأفعال المفصلة في القرآن، لكن في تفصيل الرد على المخالف لابد من إبانة مثل هذه المعاني، ولذلك فقد عرضت هذه الكلمة لبعض الأئمة، واستعملوها على هذا الوجه، وقد جوز الإمام ابن تيمية الاستعمال على هذا الوجه من المناسبة، وذكره عن الإمام الدارمي، وهو موجود في رده على الجهمية، وذكره عن جماعة آخرين.
فالمقصود: أن هؤلاء ينفون مسألة الحركة التي سموها باصطلاح علم الكلام: حلول الحوادث.
وهذا المعنى هو في حقيقته يرجع إلى المعاني الفلسفية القديمة التي كان أصحابها لا يثبتون الفعل في حق الإله ﷾، فهي نزعة مشتقة من الفلسفة.
والغريب في الأمر: أن أبا الحسن الأشعري لما رجع عن الاعتزال قال: "إن دليل الأعراض الذي بنت المعتزلة عليه قولها في صفات الله تعالى هو متلقى من الفلسفة".
وهذا أمر مهم جدًا، فإن القائل لهذا الكلام ليس هو ابن تيمية أو بعض العلماء من أئمة السنة؛ بل إنه أبو الحسن الأشعري، وقد كان إمامًا في مذهب المعتزلة سابقًا، وإمامًا من أئمة المتكلمين، ولم يزل على هذا العلم مع انتسابه في آخر أمره إلى أهل السنة والجماعة، فقد نص على أن دليل الأعراض الذي بنت المعتزلة عليه القول في الصفات متلقى من الفلسفة.
والعجب أن الأشعري قال هذا الكلام ولم يسقط هذا الدليل؛ بل استعمله، ولكنه عدل فيه شيئًا، وأثبت بهذا التعديل أصول الصفات؛ كالحياة، والكلام، والسمع والبصر، ونحو ذلك، ونفى صفات الأفعال التي سماها: حلول الحوادث، فنفيه لما سماه: حلول الحوادث، بقية بقيت عليه من دليل المعتزلة ومن مذهبها، وقد نص على أن دليل المعتزلة دليل فلسفي، فيلزم من هذا -كنتيجة علمية- أن يكون الأشعري قد بقي عليه بقية من هذا الدليل الفلسفي، وبقي عليه بقية من نتيجته، وهي ما سماها بمسألة: حلول الحوادث، أي: نفي مسألة الحركة.
ولذلك نجد أنهم يتأولون الاستواء على العرش، والأشعري يثبت الاستواء، لكنه لا يثبته على بابه من الفعل المعروف في الإثبات عند الأئمة، ونجد أنهم يتأولون النزول والمجيء والإتيان، وإذا تكلموا في إرادة الله قالوا: إن هذه إرادة واحدة، وعندما تكلم الأشعري وابن كلاب عن صفة الكلام قالوا: إن الله يتكلم لأن الكلام صفة عقلية ضرورية، لكن عندما قيل: إنه يتكلم بحرف وصوت، عرضت لهم مسألة حلول الحوادث، فلزم أن يكون هذا على تقديرهم من باب حلول الحوادث، فرجع ابن كلاب وتبعه الأشعري في ذلك، فقالوا: إن الكلام هو معنى يكون في النفس واحد، ليس بحرف ولا صوت.
وقد أتوا بهذه الفلسفة في تعريف الكلام -وهي فلسفة لم يعرفها الناس، لا من أهل اللسان العربي، ولا من أهل العقل، ولا غير ذلك- ليتخلصوا من مشكلة نفي صفة الكلام، وهي صفة عقلية كمالية بينة، فأثبتوا صفة من صفات الكلام لضرورة إثباتها، ولكنهم فسروها هذا التفسير ليتخلصوا مما سموه: حلول الحوادث، وهو: كل ما أوجب حركة.
والمقصود بالحركة هنا هو معناها الفلسفي، وليس المعنى اللغوي العربي، فالمقصود بكل ما يتضمن حركة هو المعنى الفلسفي التي كان يقصد أرسطو طاليس وأمثاله كـ ابن سينا، فإنه في كثير من تعبيره ينص على أن الإله الحق مجرد عن الحركة، ويفسر الحركة تفسيرًا فلسفيًا.
ولسنا نقول: إن الأشعري مثل ابن سينا ..
كلا! فإن الأشعري رجل عظم السنة وانتسب إليها، وهو رجل له علم وديانة، وقصد لأهل السنة والجماعة، وإن كان على بدعة وأغلاط، ولكن دين الإسلام لا يرجع فيه إلى رجل أو أهل بيت، أو طائفة من الطوائف، فإن النبي ﵊ قد عظم أهل بيته، وقال: (والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرئ الإيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي)؛ ولكنه لم يوجب على المسلمين أن يرجعوا في دينهم وفي معتقدهم، أو في أصولهم إذا أشكل عليهم شيء أن يرجعوا إلى أحد من أهل بيت النبوة؛ بل إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
إذًا: مسألة التعصب يجب على الأمة أن تنفك عنها في أي واد كان هذا التعصب، سواء كان تعصبًا فقهيًا، أم تعصبًا لرجل في الاعتقاد، أو غير ذلك.
فالمقصود: أن هذه الإشكالات التي دخلت على الأشعري وعلى غيره، وشوشت على أمرهم، مادتها مادة جاءت بمثل هذا التدرج.
إذًا: ابن سينا -كما مر- يتكلم عن مسألة تجريد الله عن الحركة على هذا المعنى الفلسفي، أي: تجريده عن الفعل ونحو ذلك، ولذلك قال: إن العالم تولد عن العقول العشرة، والنفوس التسعة، ونحو ذلك، ويحقق نفي الحركة نفيًا فلسفيًا فيقول: أن الباري يعلم الأشياء ليس بعلم جزئي وإنما بعلم كلي.
وهو يقول هذا الكلام ليتخلص -بزعمه- من مسألة الحركة.
وحقيقة هذا التخلص الفلسفي أنه يقود إلى تعطيل الله عن صفات الفعل؛ سواء ما سمي بالفعل اللازم، أو بالفعل المتعدي، ولذلك فإن أساطين الفلسفة الأوائل -أي: قبل الإسلام- لم يكونوا يثبتون أن الله أو أن الإله عندهم هو الخالق للعالم؛ لأن هذا من معاني الحركة التي هم يقصدون إلى تجريد الإله منها، وهذا الذي كان عليه أرسطو طاليس وأمثاله.
إذًا: هذه نزعات تأثر بها هؤلاء من أهل القبلة، كـ الأشعري وغيره.
[ ١٤ / ١٣ ]
رفع النقيضين وجمعهما ممتنع
قال المصنف ﵀: [فمن قال: لا هو مباين للعالم، ولا مداخل للعالم، فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له].
وذلك لأن هذا من باب رفع النقيضين، وهي جملة: لا هو مباين للعالم -أي: منفك عنه وخارج عنه- ولا هو داخل العالم.
وهذه من طرق إثبات العلو بالعقل، أن يقال: إن رفع النقيضين ممتنع، وإن جمعهما ممتنع، فإما أن يكون الخالق ﷾ داخل العالم، وإما أن يكون خارجه.
ولا شك أن الله ﷾ يمتنع أن يكون داخل خلقه، فلزم أن يكون خارجًا عن خلقه، وإن كان خارجًا فإما أن يكون موصوفًا بالعلو على الخلق، أو بعلو الخلق عليه، أو محايدتهم له، ولا شك أن علو الخلق عليه أو محايدتهم له من باب النقص، إذًا لابد أن يكون موصوفًا بالعلو؛ لأن ذلك من تمام كماله سبحانه.
وقد يقول قائل: هل نحن بحاجة إلى مثل هذا الاستدلال على إثبات العلو مثلًا؟
فنقول: نعم، فإنه لما ظهر قوم ينفون العلو ويقولون: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، احتيج لمثل هذا الكلام وهذا الدليل العقلي على إثبات علو الله ﷾، وقد استدل به الإمام أحمد ﵀ في بعض مناظراته، وذكره أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب في كتاب الصفات في ذكره لمسألة العلو، وذكره أبو الحسن الأشعري، فهو من أدلة المثبتين للعلو من أئمة أهل السنة والمنتسبين إليها من أعيان المتكلمين المائلين إلى السنة والجماعة؛ كـ أبي محمد ابن كلاب، وأبي الحسن الأشعري وأمثالهما.
[ ١٤ / ١٤ ]
يلزم من نفي صفة الكمال عن الله وصفه بما يقابلها
قال المصنف ﵀: [ومن قال: إنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم؛ لزمه أن يكون ميتًا أصم أعمى أبكم].
وذلك لأن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر، وهذا لا ينفك عنه هؤلاء إلا بجواب سيشير إليه المصنف هنا إشارة، كما أشار إليه سابقًا، وسيفصله في القاعدة السابعة.
وقد اعترض هؤلاء على هذه القاعدة -وهي: أن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر- اعترضوا عليها باعتراض مشهور، وهو قولهم: إن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر في القوابل، أما في غير القوابل فلا يلزم.
وقد أجاب المصنف عن هذا الإيراد وهذا الإشكال بعدة أجوبة كما في الفقرة التالية:
[ ١٤ / ١٥ ]
قول النفاة أن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر فيما يقبل والرد عليه
قال المصنف ﵀: [فإن قال: العمى عدم البصر عما من شأنه أن يقبل البصر، وما لا يقبل البصر كالحائط لا يقال له: أعمى ولا بصير].
فإذا قالوا هذا يقال لهم ابتداءً: لماذا نفيتم أن الله موصوف بالكلام أو بالرؤية أو بالبصر؟ فسيقولون: إن هذا النفي من باب التنزيه عن التشبيه، فيقال لهم: أي تشبيه هذا؟ فسيقولون: التشبيه بمخلوقاته التي توصف بتلك الصفات، فيقال: وما ليس قابلًا هو أيضًا من مخلوقاته، فإن الجبل ونحوه مما ليس قابلًا هي من مخلوقات الله، ومعلوم أنه يقصد تنزيهه عن سائر مخلوقاته؛ بل يقصد تنزيه الباري ﷾ عن غيره؛ أيًا كان ذلك الغير، فإن الله ﷾ ليس كمثله شيء، فلا مانع إذًا -على حد قولهم- أن يقال: إنه لا يرى؛ لأن المخلوق موصوف بذلك، أو إنه لا يتصف بهذه الصفات؛ لأن المخلوق كذلك.
ولذلك فإنهم يعلمون أن الإله الحق لا بد أن تثبت له هذه المعاني، فإن المعتزلة -مثلًا- الذين لا يثبتون الصفات، هل معنى ذلك أنهم لا يصفون الله تعالى بمعنى العلم، فيصفونه بالجهل، أو أن الله لا يوصف بإدراك المبصرات والمسموعات؟ لا.
بل إنهم يثبتون ذلك، ولذلك إذا قيل للمعتزلي مثلًا: هل الله ﷾ يدرك مكاننا هذا الإدراك السمعي والإدراك البصري؟ فسيقول: نعم، فإنه لا يخفى عليه شيء من خلقه؛ لا من حركاتهم، ولا من أفعالهم، ولا من أصواتهم، ولا من أفكارهم، ولا غير ذلك، ولكنه لا يسمع بسمع، بل هو سميع بذاته، وبصير بذاته ..
ويفسرون السمع والبصر بالإدراك، وليس بأنه صفة تقوم بذات الرب على المعنى المعروف.
إذًا: فهم يثبتون ما يتعلق بحكم الصفة، ولم يستطيعوا أن ينفوه؛ لأن هذا من الإلحاد في حقه ﷾، لكنهم لم يقولوا: إن لله تعالى سمعًا وبصرًا يقوم بذاته ..
وغير ذلك.
[ ١٤ / ١٦ ]
الوجه الأول: أن غير القابل يمكن وصفه بالموت والصمم والعمى ونحو ذلك
قال المصنف ﵀: [قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام، يمكن وصفه بالموت والصمم والعمى والخرس والعجمة].
هذا هو الوجه الأول في الرد عليهم، وهو أن يقال: إن هذا اصطلاح، ولغة العرب واسعة، ولاسيما أن الذين يتكلمون بهذه الاصطلاحات -من أئمة المعتزلة مثلًا- هم الذين يتكلمون بمسألة الحقيقة والمجاز، ولسان العرب واسع في باب المجازات.
فيقول المصنف: إن هذه الأشياء -أي: الجمادات- يمكن أن توصف، وقد ورد في كلام العرب، بل وفي القرآن أن الله تعالى وصف بعض الجمادات ببعض صفات الأحياء، كمثل قول الله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] فقد وصف الله الجدار بأنه يريد أن ينقض، وسواء قلتم: إن هذا من باب المجاز، أو من باب الحقيقة، فإن هذا وجه آخر، لكن المهم أن هذه الصفة ترد حتى في حق الجمادات.
وهذا الرد لك أن تقول: إنه رد اصطلاحي لفظي من باب اللغة، وليس هو بالضرورة الرد المحكم اللازم.
[ ١٤ / ١٧ ]
الوجه الثاني: أن كل موجود يقبل الاتصاف بهذه الصفات وما يقابلها
قال المصنف ﵀: [وأيضًا: فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإن الله قادر على جعل الجماد حيًا، كما جعل عصا موسى حية ابتلعت الجبال والعصي].
هذا هو الوجه الثاني في الرد، وهو رد عقلي، يقول فيه المصنف: إنكم تقولون: إن ثمة من الموجودات ما لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات، كالجمادات، فإنها لا توصف بالسمع ولا بالبصر، وليست قابلة لها، فلو سلمنا أنها لا توصف بذلك في كلام العرب، فهل عدم قبولها لها يدل على أن هذه الصفات ممتنعة عليها، أم أن هذه الصفات ممكنة في حقها؟
يقول المصنف: إن كل مخلوق يمكن أن تقوم به صفة من الصفات، ولا يلزم من هذا القيام أن تنقلب حقيقته، وضرب لذلك مثلًا بعصا موسى، وهذا مثال صحيح، ولكن لو مثل بمثال أقرب إلى التحقيق العقلي لهذا الرد لكان أولى، وهو أن يقال: لقد ثبت في الصحيح من حديث جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: (إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث)، فهل انقلب هذا الحجر وقت السلام على النبي ﷺكما انقلبت عصا موسى- إلى شخص يسلم ثم يرجعه الله حجرًا، أم أنه يصدر هذا الصوت وهو على حجريته؟
الجواب: أنه يصدر هذا الصوت وهو على حجريته.
والله تعالى يقول عن السماوات والأرض: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] فما هو هذا التسبيح؟ هل هو شيء مدرك أم غير مدرك؟
لو كان ظاهرًا لنا كسير السحاب مثلًا، وثبوت الجبال، وما إلى ذلك؛ لكان شيئًا مدركًا.
فيقال إذًا: إن الله وصفها بصفة لا ندركها، مما يدل على أن هذه الصفة تقوم بها، وأنها تسبح تسبيحًا خارجًا عن ظواهرها؛ كحركة السحاب وثبوت الجبال، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] مما يدل على أن هذه الصفات ممكنة في حق الجمادات؛ بل إن التحقيق: أن هذه الجمادات التي تسمى جمادات وهي متحركة حركة تناسبها، أو قائمة قيامًا يناسبها، أنها تقوم بها صفات، ومن الصفات التي تقوم بها -ولا تزال قائمة بها قيامًا حقيقيًا لا يقبل الإدراك- تسبيحها، فإن الله تعالى قال ولم يستثن شيئًا: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء:٤٤].
إذًا: قول المتكلمين وغيرهم: إن هذه ليست قابلة، ليس بصحيح؛ بل هي قابلة، بل إنها تقوم بها بعض الصفات، وإذا قامت بها صفة واحدة وهي أنها تسبح لله، فإن هذا يكفي حتى نحكم عليها أنها من القوابل.
فتكون النتيجة: أن سائر المخلوقات من باب القوابل، إما قوابل حقيقة قائمة، وإما قوابل من جهة إمكانها.
ولو قال قائل: إن كل المخلوقات قابلة لصفات ما يخلقها الله ﷾ فيها قيام قبول على الحقيقة، لم يكن بعيدًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] والتسبيح هو صفة لا بد أن يكون عن قيام صفة تنتج هذه الصفة الثانية، فإن الصفة الأولى هي فرع عن صفة سابقة لها، والفعل يتسلسل إلى فعل آخر ..
وهكذا.
فالمصنف يريد أن يصل إلى أنه لا يوجد في الموجودات إلا شيء تكون الصفات قائمة به، أو يقبل قيام الصفات به.
وأنتم تقولون -أي: المخالفون- إن الإله ليس قابلًا، أي: تمتنع عليه الصفات، فيقول: إنه يمتنع أن يكون هناك شيء موجود ويقال فيه: إنه تمتنع عليه الصفات؛ بل لا بد من ثبوت الصفات، إما ثبوت تحقق، وإما ثبوت إمكان.
فإذا استقرت هذه القاعدة، وهي أن كل موجود إما أن يكون موصوفًا بالصفات، أو قابلًا لها؛ فإن ما كان في حق الله ﷾ فإنه من باب الواجب؛ لأن ما أمكن له وجب، ولذلك فإن صفات الكمال صفات واجبة له، وإذا كانت الأشياء الممكنة تقبل هذه الصفات، فكيف بواجب الوجود، الذي لا معنى لوجوب وجوده إلا أنه متصف بربوبيته ﷾، وأنه الخالق وما سواه مخلوق، وأنه موصوف بالكمال، وأنه المعبود بحق، وما إلى ذلك من الصفات، وهذا هو معنى التوحيد.
وهذا وجه شريف وقوي من جهة الدليل العقلي.
[ ١٤ / ١٨ ]
الوجه الثالث: أن الذي لا يقبل الصفات أعظم نقصًا ممن يقبل الصفات ونقائضها
قال المصنف ﵀: [وأيضًا: فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا ممن يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا العمى، ولا الكلام ولا الخرس، أعظم نقصًا من الحي الأعمى الأخرس].
هذا هو الوجه الثالث في الرد، وهو من باب التسليم الجدلي.
فيقول المصنف: لو سلمنا جدلًا بصحة الاصطلاح، وسلمنا جدلًا بصحة المعنى -أي: أن الموجودات قوابل وغير قوابل، أي: يمتنع عليها القبول- لو سلمنا بذلك، فأيهما أكمل في العقل: الأشياء القابلة أم غير القابلة؟ لا شك أن القوابل أكمل من غير القوابل، فيقول: أنتم فررتم من تشبيهه بشيء من مخلوقاته -على حد زعمكم- فشبهتموه بشيء من مخلوقاته أنقص منها، وقطعًا في حكم العقل أنها أنقص منها، وهي الأشياء غير القابلة للصفات، فإن غير القابل أنقص من القابل عقلًا.
وقد يقول قائل: هل معنى هذا أن أهل العلم ومن نظر في باب الصفات لا يستطيعون الانفكاك إما عن التشبيه بالقوابل أو بغير القوابل؟
والجواب: لا.
إنما هؤلاء عندما لم يحسنوا تفسير التشبيه الذي نفته النصوص، ونفاه العقل، ونفته الفطرة؛ وقعوا في هذه المضايق وهذه الإشكالات؛ لأنهم لم يفهموا معنى التشبيه الذي نفته النصوص، وظنوا أن التشبيه الذي نفته النصوص هو الاشتراك في الاسم المطلق، فذهبوا يهربون هذه المهارب، فوقعوا في نظير ما فروا منه؛ بل في شر منه، وإلا فلو فقهوا التشبيه الذي نفته النصوص لما لزم منه أن يكون الله ﷾ مشابهًا لشيء؛ لا لما يسمونه قابلًا، ولا لما يسمونه غير قابل.
قال المصنف ﵀: [فإذا قيل: إن الباري ﷿ لا يمكن اتصافه بذلك، كان في ذلك من وصفه بالنقص أعظم مما إذا وصف بالخرس والعمى والصم ونحو ذلك، مع أنه إذا جعل غير قابل لهما، كان تشبيهًا له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منهما، وهذا تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات، فكيف ينكر من قال ذلك على غيره ما يزعم أنه تشبيه بالحي؟!].
مع أن التحقيق الشرعي والعقلي أن الله لا يوصف لا بهذا ولا بهذا، ولكن المصنف يقول: إن من نفيت عنه صفة وهو قابل لها، فهو أكمل في العقل ممن نفيت عنه صفة لكونها ممتنعة عليه.
وبعبارة أخرى: إذا نفيت صفة الكمال عن معين وهو قابل لها، فإن هذا أكمل مما إذا نفيت عن معين وهو غير قابل لها.
ثم يذكر المصنف أنهم يقولون: إن أئمة السنة قد شبهوا الله تعالى بالمخلوقات، فشبهوه ببني آدم ونحوهم الذين يتكلمون، ويسمعون، ويبصرون، ويعلمون ..
إلخ، وتقوم بهم هذه الصفات، فيقول المصنف: إذا كان هذا هو مفهوم التشبيه عندكم، فإن قولكم: إنه لا يتكلم، ولا يوصف بالسمع، ولا بالبصر، ولا بغير ذلك من الصفات، يعتبر تشبيهًا له بالجمادات، فلماذا كان ذلك التشبيه -بزعمكم- شناعةً على الأئمة، وهذا التشبيه الذي هو شر منه لم يكن شناعة عليكم؟
فإن قيل: فما المخرج؟ قيل: المخرج أن عندهم إشكالًا في تفسير التشبيه الذي نفته النصوص، فإنهم لم يفقهوه، وإلا فلو فقهوه لما لزم لا هذا ولا هذا، فإن الله منزه عن مشابهة سائر مخلوقاته.
[ ١٤ / ١٩ ]
الوجه الرابع: أن نفي الصفات نقص وإثباتها كمال
قال المصنف ﵀: [وأيضًا: فنفس نفي هذه الصفات نقص، كما أن إثباتها كمال، فالحياة من حيث هي، هي -مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها- صفة كمال].
هذا هو الوجه الرابع في الرد، يقول المصنف: إننا أثبتنا صفة العلم من باب أن عدم إثباتها يستلزم الجهل، وهذا دليل عقلي على أن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر، فعندما علم بالعقل أن الله منزه عن الجهل؛ دلَّ العقل ضرورة على أن الله متصف بالعلم.
هذا هو وجه الإثبات، لكن هل الإثبات بحكم العقل فضلًا عن حكم الشرع يقتصر على ذلك؟ نقول: لا.
فهناك أوجه وأدلة من العقل تقضي بهذه الصفات، ومن هذه الأوجه ما ذكره المصنف في الوجه الرابع، وهو أن هذه الصفات -كالحياة، والكلام، والسمع، والبصر، ونحوها- هي صفات كمال إذا كانت مطلقة ولم تضف لا إلى الله ولا إلى المخلوق، وهذا الكمال الذي هو كمال ضروري للموجود لا بد أن يكون واجب الوجود متصفًا به.
ومعلوم أن بني آدم حينما وصفوا بأنهم يعلمون ويسمعون ويبصرون؛ دل ذلك على كمالهم؛ لأن هذه صفات كمال، فكيف تصفون المخلوق بهذا الكمال وتعطلون الخالق عنه؟! سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا!
إذًا: من الأدلة على إثبات هذه الصفات: أن هذه الصفة بتجريدها عن الإضافة صفة كمال، والله تعالى أولى بأن يوصف بالكمال؛ ولذلك فقد سبق أن الله تعالى يذكر الصفات المطلقة على الإطلاق، وهي الكماليات المطلقة، وذلك كصفة العلم، فإن الله تعالى قد ذكرها مطردة مطلقة، بخلاف صفة الكيد والمكر، فإن الله تعالى لم يذكرها إلا مقيدة، كما قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] وغير ذلك من الآيات.
قال المصنف ﵀: [وكذلك العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والفعل ونحو ذلك، وما كان صفة كمال فهو ﷾ أحق بأن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به؛ لكان المخلوق أكمل منه].
قوله: (لكان المخلوق أكمل منه):
وهذا غلط من جهة العقل وغلط من جهة الشرع؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] ولذلك فإن المحققين من المتكلمين -كـ ابن كلاب والأشعري وأمثالهم- مهما كان عندهم من الميل عن السنة والجماعة من المسائل، إلا أنهم أثبتوا جملة من الصفات وسموها: الصفات العقلية، وقد سبق أن قال المصنف: إن من يثبت الصفات السبع لو روجع فيها وقيل له: لماذا أثبتها ولم تثبت غيرها؟ لقال: لأنه دل عليها العقل، أي: أنها صفات لازمة من حيث الضرورة العقلية.
وقوله: أنها لازمة من حيث الضرورة العقلية، كلام صحيح؛ لكن من الصحيح أيضًا أن هناك جملة أخرى من الصفات لازمة من حيث الضرورة العقلية، وأن ما لم يثبته العقل لم يثبت في الشرع.
[ ١٤ / ٢٠ ]
مقارنة بين من ينفون عن الله النقيضين وبين من يصفونه بالنفي فقط
قال المصنف ﵀: [واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين، حتى يقولوا: ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي.
ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول، كالجمع بين النقيضين].
قوله: (الجهمية المحضة كالقرامطة):
فإن جهمًا ظهر قبل ظهور القرامطة، والقرامطة منزع غير منزع المتكلمين، والجهمية المحضة هم الغلاة من نفاة الصفات، ولذلك ربما قال ابن تيمية: "وابن سينا وأمثاله من الجهمية الغلاة"، مع أن ابن سينا جاء بعد الجهم بن صفوان، وهو يرى أن الجهم بن صفوان ليس على جادة محكمة.
فالمقصود بكلمة التجهم على هذا التقرير: الغلاة من نفاة الصفات، كما أنهم ربما استعملوا كلمة التجهم على معنى الوقوع في شيء من نفي الصفات، وربما استعملوها على معنى الغلو، وربما استعملوها على معنى القصر، أي: أن ما وقع من نفي الصفات سموه تجهمًا، أو سموا مقالته: من أقوال الجهمية، ولذلك يقول الإمام أحمد: "من قال: إن القرآن مخلوق فهو جهمي"، والمقصود أن هذه المقالة جهمية، لا أن من قالها فهو جهمي محض، وإن كان منتسبًا للسنة.
قال المصنف ﵀: [وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليس بحي ولا سميع ولا بصير، وهؤلاء أعظم كفرًا من أولئك من وجه، وأولئك أعظم كفرًا من هؤلاء من وجه].
قوله: (وآخرون وصفوه بالنفي فقط):
أي: بالسلوب المحضة، وربما زادوا على مسألة السلوب فتكلموا بما يسمونه: الإضافات، وقد سبق أن ذكر ابن تيمية عن ابن سينا وغيره أنهم يصفونه بالسلوب والإضافات، كقولهم: إنه مبدأ العالم، أو علة العالم، وما إلى ذلك.
وقوله: (وهؤلاء أعظم كفرًا من أولئك من وجه):
أي: الذين هم على طريقة ابن سينا وأمثاله، الذين يصفونه بالنفي، ولا يصفونه بسلب النقيضين.
وإذا اعتُبرت الحقائق المتناهية فإن مقالة رفع النقيضين -وهي مقالة غلاة الباطنية- أشد مناقضة من مقالة ابن سينا وأمثاله، وإن كانت كلا المقالتين مخالفة للعقل والنقل.
لكن قوله: (وهؤلاء أعظم كفرًا من أولئك من وجه)؛ وذلك لأنهم يتكلمون بالنفي، والنفي وحده يقود إلى العدم، بخلاف من يستعمل رفع النقيضين؛ فإنه يعارض نفيه برفعه.
ومن هنا صارت المقالة الثانية من هذا الوجه شرًا من المقالة الأولى، ثم يقول بعد ذلك: (وأولئك -أي: الباطنية- أعظم كفرًا من هؤلاء من وجه)؛ وذلك لأن مخالفة طريقة الباطنية لأوائل العقول أظهر من مخالفة ابن سينا بما يسميه بالسلوب والإضافات، فهؤلاء أعظم كفرًا من وجه، وأولئك أعظم كفرًا من وجه، لكن من حيث الحقائق المتناهية فإن طريقة الباطنية أبعد عن الشرع والعقل من طريقة ابن سينا وأمثاله.
قال المصنف ﵀: [فإذا قيل لهؤلاء: هذا يستلزم وصفه بنقيض ذلك؛ كالموت والصمم والبكم.
قالوا: إنما يلزم لو كان قابلًاَ لذلك.
وهذا الاعتذار يزيد قولهم فسادًا].
قوله: (يزيد قولهم فسادًا)؛ لأنه أولًا: ممنوع لفظًا، وثانيًا: يلزمهم أن يقعوا في شر مما فروا منه.
مقالة: أنه ليس بداخل العالم ولا خارجه:
قال ﵀: [وكذلك من ضاهى هؤلاء، وهم الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه]
الذين يقولون: ليس هو بداخل العالم ولا خارجه، هم نفاة العلو، لكن هذه الكلمة كلمة فلسفية، أي: تكلم بها المتفلسفة كـ ابن سينا وأمثاله، وتكلم بها غلاة المتكلمين، ولما جاء من تأثر بهم من متأخري متكلمة الصفاتية؛ كـ محمد بن عمر الرازي وأمثاله، عدلوا قليلًا في العبارة فقالوا: (ولا يقال: أنه داخل العالم ..)، وحاولوا التفريق بين مقالتهم وبين مقالة المتفلسفة بمثل هذا الاستثناء، فإن ابن سينا يصرح فيقول: ليس بداخل العالم ولا خارجه، والرازي يقول: ولا يقال أنه داخل العالم ولا خارجه.
والفرق بينهما قد يكون له مقصود عام، لكنه عند التحقيق فرق لفظي فقط.
إذًا: فالمتأخرون من متكلمة الصفاتية كـ محمد بن عمر وأمثاله من نفاة العلو قد شاركوا المعتزلة، أما المقتدمون منهم؛ كـ أبي الحسن الأشعري، وأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، والقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني، وأبي علي الثقفي، وأمثال هؤلاء المتقدمة من أصحاب الأشعرية، كانوا مثبتة لعلو الله ﷾، وحتى من مال منهم إلى التصوف والسلوك كـ الحارث بن أسد المحاسبي وغيره.
[ ١٤ / ٢١ ]
الرد على قول النفاة: إن العلو لا يكون إلا للمتحيز
قال المصنف ﵀: [إذا قيل لهم: هذا ممتنع في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث، ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره، قالوا: هذا إنما يكون إذا كان قابلًا لذلك، والقبول إنما يكون من المتحيز، فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين النقيضين].
وهذا هو الممتنع: أن ما ليس بداخل العالم ولا خارج العالم، لا يكون إلا شيئًا معدومًا أو شيئًا ممتنعًا، أما ما كان موجودًا -ولا سيما إذا قيل: إنه موجود قائم بنفسه- فهذا لا بد أن يكون متصفًا بحقيقة الوجودية، وهذا ليس له صلة بالعلم بالكيفيات؛ بل يعتبر من العلم بأوائل الكليات العقلية، أن الموجود لا بد أن يقال: إنه داخل العالم، أو إنه خارج عنه؛ لأن هذا من باب النقيضين، وهو كقولنا: إما أن يكون موجودًا، وإما أن يكون معدومًا.
لكنهم يعترضون على هذا بمسألة القابلية، فيقولون: إن هذا في المتحيز، فإنه يقال عن الإنسان أو عن الجبل مثلًا: إما أن يكون داخل العالم، وإما أن يكون خارج العالم.
فيقال: إن هذا الوصف يصح للمتحيز، لكنه ليس وصفًا للمتحيز فقط، وإنما قبله المتحيز -على تسميتكم- لكون المتحيز موجودًا، فالآدمي قابل لهذا المعنى لأنه موجود، وهو إما أن يكون خارج العالم أو داخل العالم، ولما علم امتناع كونه خارج العالم؛ دل على أنه داخل العالم.
إذًا: هذا الوصف يصح للآدمي لكونه موجودًا؛ لأن كل ما سوى الله تعالى سيكون داخل العالم، والعالم هو كل ما سوى الله تعالى، وكل شيء موجود مهما كانت طريقة قيامه أو صفته أو ما إلى ذلك لا بد أن يكون داخل العالم، فعلم من ذلك اختصاص الباري ﷾ بأنه بائن عن خلقه.
لكن هذا التعبير -وهو قولهم: داخل العالم وخارج العالم- لا يوجد في القرآن؛ لأن الله تعالى قد عبر في القرآن بأشرف السياقات المذكورة في قول الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ولا شك أن العلو تحقيق للمباينة على معنىً فاضل؛ لأن المباينة قد تكون على معنى ناقص، وهو أن يكون الخلق أعلى منه، أو ما إلى ذلك، ولذلك وصف الله تعالى نفسه بالعلو، وبالفوقية، وأنه في السماء ..
إلى غير ذلك.
[ ١٤ / ٢٢ ]
المراد بلفظ التحيز
قال المصنف ﵀: [فيقال لهم: علم الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين هو علم مطلق، لا يستثنى منه موجود، والتحيز المذكور إن أريد به كون الأحياز الموجودة تحيط به، فهذا هو الداخل في العالم].
قوله: (فهذا هو الداخل في العالم):
والله تعالى منزه عن ذلك باتفاق المسلمين، أي: منزه عن أن يكون داخل العالم.
ويستفاد من هذا السياق -خاصة في المناظرات- أن كل دليل عقلي يستعمله نفاة العلو، فهو إذا أمكن صدقه دل على نفي أن يكون الله ﷾ داخل العالم، ولا شك أن هذا النوع من الدليل إذا صدق على هذا الوجه صار دليلًا على إثبات العلو؛ لأن من الأغاليط التي وقع فيها من وقع، وفرعوا عليها: أنهم ظنوا أن مفهوم قول الأئمة: (إن الله في السماء) هو من جنس قول المسلمين: (إن الملائكة في السماء)، ولذلك فإنهم يقولون: إذا قيل: إنه في السماء؛ لزم أن يكون في جهة، ثم يسلسلون مسألة الجهة، وأن الجهة أكبر منه، وما إلى ذلك من الفلسفة.
وهذا كله فرع عن غلط في الفهم؛ لأن قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] لا يعني أن الله في السماء مثل قولك: إن الملائكة في السماء، أو إن عيسى في السماء، فإن قولك: إن الملائكة في السماء، هو بمعنى قولك: إن بني آدم في الأرض، أما قولنا: إن الله في السماء، فليس المقصود بالسماء هي السماوات السبع المخلوقة، وأن الله فيها كظرفية وحلول الملائكة فيها وما إلى ذلك؛ بل السماء هنا بمعنى العلو، أي: أن الله فوق سماواته، ولذلك ذكر الله الكرسي فقال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فما بالك بعرشه الذي هو أعظم من ذلك؟! وما بالك بما يتعلق بذاته ﷾؟! فإنه لا يقدر أحد من الخلق قدر عرشه، فضلًا عن أن يقدر قدر ذاته جل وعلا.
إذًا: فهم عندما فهموا فهمًا خاطئًا ذهبوا ينفونه، وظنوا أن هذا هو ظاهر القرآن، ولهذا قالوا: كيف يقال: إنه في السماء؟ وقالوا: إنه يلزم من ذلك التحيز، وأن تكون الجهة مخلوقة مع الله؛ لأن السماء مخلوقة، مع أنه لا يقصد بالسماء الشيء المخلوق أن الله فيه، كما يقال: إن الملائكة في السماء، ونحو ذلك.
قال ﵀: [وإن أريد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي: مباين لها، متميز عنها، فهذا هو الخروج].
وهذا لا دليل من العقل على نفيه، ولذلك قلنا سابقًا: إن كل ما يذكره المتكلمون أو المتفلسفة من دليل على نفي العلو، فإنه إذا تحقق وصدق يدل على نفي أنه داخل العالم، وهذه حقيقة بدهية، لم يكن هناك حاجة إلى دفعها، ولم يكن أحد يقول بها.
ولذلك فإن الرازي يقول: "اعلم أن المسلمين أجمعين لم يذهبوا إلى أن الله داخل العالم إلا الحنابلة والكرامية"، وهذا من عدم إدراك محمد بن عمر الرازي لحقيقة الأقوال والمذاهب، ولذلك يقول ابن تيمية وغيره: "إن أئمة المقالات هم من أكثر الناس علمًا بمقالات بني آدم، لكنهم من أجهل الناس علمًا بحقيقة أقوال أئمة السنة والجماعة"، وهذا بين، فمثلًا: كتاب الملل والنحل للشهرستاني، نجد أنه يذكر أقوال البراهمة، وأقوال الفرس، وأقوال المتفلسفة الأوائل، وغير ذلك، ويذكر أقوال الطوائف الإسلامية؛ كالمعتزلة وأصناف المعتزلة، ومفصل أقوال أصناف الشيعة، وغير ذلك، لكن عندما يأتي إلى حقيقة أقوال السلف يضطرب في تقريره اضطرابًا شديدًا.
ولذلك فإن الحاذق منهم إذا أراد أن يعرف قول الأئمة، إما أن يعرفه معرفة مجملة؛ كشأن أبي الحسن الأشعري، فقد عرف جملًا من كلامهم، مع أنه قصد الانتصار لهم والتعظيم لشأنهم، لكن القارئ في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) -مع أنه يعد من أجود كتب المقالات، ومصنفه يعد من أعدل المصنفين في المقالات- يلاحظ أنه كتب عن المعتزلة كثيرًا، وفصل في حقائق مذهبهم، مع أنه ليس بمعتزلي عندما ألف الكتاب، وكذلك كتب عن طوائف الشيعة كثيرًا، وعن طوائف المرجئة، ونحوهم، لكن عندما ذكر مقالة أهل السنة والحديث ذكرها مجملة، وربما أدخل عليها جملًا ليست منها.
إذًا: من أكبر الإشكالات عند علماء الكلام والنظار: أنهم لم يفهموا حقيقة المذهب الذي عليه أئمة السنة؛ بل فهموه فهمًا خاطئًا، وربما فهموه على وجهه في مسائل ولكنهم لم يقتدوا ولم يعتبروا به، ولا سيما في مسائل الإيمان وأصول التشريع، فإن هذا الباب أقرب إلى الإدراك والانضباط في فهمهم من باب الإلهيات.
قال ﵀: [فالمتحيز يراد به تارة ما هو داخل العالم، وتارة ما هو خارج العالم، فإذا قيل: ليس بمتحيز، كان معناه أنه ليس بداخل العالم ولا خارجه].
ولذلك يقال: إن الفاضل منهم إذا أراد أن يعرف مذهب الأئمة، إما أن يعرف مجمله، وإما أن يعرفه بأنه تفويض عام، كشأن إمام الحرمين الجويني، فإنه صنف كتبًا؛ كالشامل، والإرشاد الذي سماه: الإرشاد إلى قواطع الأدلة، وانتصر في هذه الكتب انتصارًا صريحًا لمذهبه، ثم بعد ذلك بان له الغلط في هذا الطريق، وصنف الرسالة النظامية، ولكنه زعم أن طريقة الأئمة هي التفويض، وهذا التفويض الذي ينسبه إلى الأئمة المتقدمين، أو يقول: إنه مذهب للسلف، لا يفهم منه الجويني أكثر من كونه ليس تأويلًا، فيقول: إن باب الصفات إما أن فيه تأويلًا، وهو يعلمه علمًا مفصلًا، ثم تبين له في الأخير أن التأويل خطأ، فرجع من التأويل إلى التفويض، وربما أن أقرب ماهية للتفويض عنده أنه تركُ التأويل، وعدم الدخول في تفصيل المعاني، ويرى أن أي تحقيق للمعنى يعود إلى مسألة التأويل.
إذًا: هذا النقص في العلم سببٌ لهذا الاضطراب الذي وقع فيه هؤلاء النظار من المسلمين الذين خرجوا عن السنة إلى طرق من طرق الابتداع في الدين.
قال المصنف ﵀: [فهم غيروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنىً آخر، وهو المعنى الذي علم فساده بضرورة العقل، كما فعل أولئك في قولهم: ليس بحي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل].
إذًا: قولهم: إن إثبات العلو يستلزم التحيز، يقال: ما المقصود بالتحيز؟ فإن قصدتم أن إثبات العلو يستلزم التحيز، أي: أن يكون الله ﷾ داخل المخلوقات، فهذا لا يلزم، وليس هو المقصود بإثبات العلو؛ لأن إثبات العلو هو بمعنى إثبات مباينة الله وعلوه على خلقه، وإن أردتم أنه يستلزم التحيز، أي: أن الله منحاز عن الخلق، وأنه منفك عنهم مباين لهم، فهذا لا ينفيه العقل؛ بل إن من ينفي هذا فإنه لم يحقق ربوبية الله؛ لأنه يلزمه إذا لم يقل بمباينة الله لخلقه أن يدعي مداخلة الباري للخلق، وهذا هو النقص.
إذًا: كلمة (التحيز) من الكلمات المجملة، وسيذكر المصنف في القاعدة الثانية بعض الكلمات التي فيها إجمال، وسيذكر القاعدة في شأنها.
إذًا: هذه هي القاعدة الأولى، وقد قصد المصنف منها إلى تفصيل معنى من معاني السلف، وتقرير بعض دلائلهم، والرد على شبه المخالفين لهم.
[ ١٤ / ٢٣ ]