هناك ضوابط في باب الصفات لابد من مراعاتها في مقام الإثبات، وفي مقام الرد على نفاة الصفات، من تلك الضوابط: أن الاحتجاج على نفي النقائص عن الله تعالى بنفي التجسيم أو التحيز لا يفيد شيئًا؛ ولا يحصل به المقصود، ومنها: أن الاكتفاء في الإثبات بمجرد نفي التشبيه خطأ، وكذلك الاعتماد في النفي على عدم مجيء السمع خطأ أيضًا، والصواب في ذلك كله هو إثبات لله تعالى ما كان كمالًا لائقًا به سبحانه مع الدليل عليه، وتنزيهه سبحانه عن كل ما ضاد الكمال اللائق به ﷾.
[ ٢٠ / ١ ]
الاحتجاج على نفي النقائص بنفي التجسيم أو التحيز لا يحصل به المقصود
قال المصنف ﵀: [فصل: وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزهه عنه مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، والذين يقولون بإلهية بعض البشر، وأنه الله.
فإن كثيرًا من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم أو التحيز ونحو ذلك، ويقولون: لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسمًا أو متحيزًا، وذلك ممتنع].
قوله: (فإن كثيرًا من الناس):
أي: كثيرًا من المتكلمين، الذين بنوا هذا الباب على مسألة نفي التشبيه والتجسيم، حتى إنه من ضيق حالهم إذا أرادوا أن يردوا على من قال: إن الله بكى ممن كفر به ﷾، فإنهم يقولون: إنه لا يوصف بالحزن والبكاء؛ لأن هذا يستلزم التجسيم والتشبيه، فيقول المصنف: إن تنزيه الله ﷾ عن هذا لا ينبغي أن يعبر عنه من هذه المشكاة؛ لأن هناك من الألفاظ والمعاني والمدارك ما هو أكثر بيانًا وأكثر تحقيقًا للامتناع، وهو النقص الذي وصف بعض الواصفين -ممن كفر بالله ﷾- به الخالق، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا!
فمن نفى النقص لأن الله منزه عن التجسيم، يقال له: أرأيت لو غلبك مغالب، وجوز التجسيم جدلًا، فإن حجتك تنقطع، فمن يجعل مبنى إبطال هذا الكلام من الكفار أو من قوم من الكفار على أن الله منزه عن التجسيم، فيقال له: فيلزم عندك أن من جوز التجسيم، أو إطلاق التجسيم كما هو شأن ابن كرام -وإن كان ابن كرام لا يقول: إن الله جسم كالأجسام، بل يقول: إنه جسم لا كالأجسام، ويجعل كلمة (جسم) من جنس (سمع) أو (بصر)، من حيث الاشتراك- فيلزم أن لا يفهم أن ابن كرام ممثل لله بخلقه التمثيل المطرد المطلق.
قال ﵀: [وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة نفاة الأسماء والصفات، فإن هذه الطريق لا يحصل بها المقصود لوجوه].
قوله: (لا يحصل بها المقصود)؛ لأنها قد تنقل، وقد يغلب غالب، كما فعل ابن كرام؛ لأنه غالب المتكلمين -وليس المراد أنه انتصر بحجة صحيحة- ولكن المقصود أنه غالبهم فقال: لا بأس أن يقال: إن الله جسم، لكن نقول: لا كالأجسام.
[ ٢٠ / ٢ ]
الوجه الأول: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص أشد فسادًا من نفي التحيز والتجسيم
قال المصنف ﵀: [أحدها: أن وصف الله تعالى بهذا النقائص والآفات أظهر فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم، فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والدليل معرِّف للمدلول، ومبين له، فلا يجوز أن يستدل على الأظهر الأبين بالأخفى؛ كما لا يفعل مثل ذلك في الحدود].
قوله: (أظهر فسادًا من نفي التحيز والتجسيم)؛ لأن كلمة (التحيز) و(التجسيم)، كلمات فيها اشتراك وإجمال، وربما أن بعض العامة لا يستطيع أن يفهم ما المقصود بالتحيز أصلًا إلا إذا فسر له ببسائط من المعاني.
وهؤلاء كما يقال: (صنعوا زحمة في التاريخ!!)، وإلا فما كانت هذه المسائل تحتاج إلى كل هذا الكلام، فإن مسائل الصفات -كما سبق كثيرًا- مسائل كانت واضحة للمسلمين في زمن النبوة؛ بل وحتى المشركين الذين كانوا يسمعون القرآن ولم يصدقوا به لم يكونوا يستعملون من طرق عدم التصديق أن فيه ذكرًا لهذه الصفات والأفعال، لكن لما دخل هذا العلم (علم الكلام) وهو علم -كما أسلفت كثيرًا- مبني على مقدمات فلسفية، أو مرتب من جملة مواد فسلفية، فلما دخل جاءت هذه الإشكالات، وهذه الفرضيات، وهذا التناقض بين أصحابه، ولذلك فإن المتكلمين لم يتفقوا على حكم واحد في باب الصفات؛ بل منهم من نفى الصفات، ومنهم من نفى بعضًا وأثبت بعضًا، ومنهم من أثبت الصفات وأثبت التجسيم، فإن الكرامية متكلمة، ومحمد بن كرام متكلم، وكذلك المعتزلة متكلمة، والكلابية والماتريدية وأمثالهم من متكلمة الصفاتية متكلمة؛ فتبين بذلك أن علم الكلام يستلزم التناقض، وأصحابه قد حصلوا به نتيجة مختلفة متناقضة.
[ ٢٠ / ٣ ]
الوجه الثاني: أنه يمكن من يصفون الله بالنقائص أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز
قال المصنف ﵀: [الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الآفات يمكنهم أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز، كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم، فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة صفات الكمال].
قوله: (أن هؤلاء الذين يصفونه) المقصود بهم: الكفار، وليسوا من المتكلمين.
فيقول المصنف: إنهم قد يقولون: إذا انتهى الإشكال في مسألة التجسيم، فإن هذه صفات تجوز مع نفي التجسيم، كما أن المثبتة من أهل السنة قالوا: إنه تثبت صفات الكمال مع نفي التجسيم، وحتى بعض المتكلمين أثبتوا جملة من الصفات -كالصفات العقلية عند متكلمة الصفاتية- مع نفي التجسيم، وهذه الحجة ليست بلازمة على هذا الاطراد؛ لا عند المتكلمين، ولا عند أهل السنة.
قال ﵀: [فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال وصفات النقص واحدًا، ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد].
أي: أنه يلزم أن يكون الطريق إلى تكذيب الباطل أو نفي ما هو حق طريقًا واحدًا، وهذا غاية التناقض والفساد.
[ ٢٠ / ٤ ]
الوجه الثالث: أن المعتمدين على نفي التجسيم ينفون عن الله صفات الكمال بهذه الطريقة
قال المصنف ﵀: [الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه بصفات الكمال واجب، ثابت بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلًا على فساد هذه الطريقة].
وهذا من الأدلة على فساد هذه الطريقة: أن هؤلاء الذين يردون على هؤلاء القوم من الكفار بحجة نفي التجسيم قد نفوا صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، فإذا ما أبطل نفيهم لصفات الكمال؛ فإنه يلزم أن بطلان الدليل يستلزم الاطراد، فإنه إذا بطل في مقام، نظر في المقام الآخر لما كان المناط واحدًا.
وهذا لا شك أنه غاية في الامتناع، وغاية في التناقض.
[ ٢٠ / ٥ ]
الوجه الرابع: أن أصحاب هذه الطريقة متناقضون
قال المصنف ﵀: [الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي، فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع البصر، إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسمًا.
قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجودًا حيًا عالمًا قادرًا إلا جسمًا، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن].
فلذلك لا بد من التمييز بين هذا وهذا، والتمييز على هذا الاصطلاح عندهم ممتنع، فتكون النتيجة: أن قولهم يكون فاسدًا، والموجب لفساده: أنهم متناقضون، ومعلوم أن الأقوال إذا دخلها التناقض فإن هذا غاية في فسادها العقلي؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين.
قال ﵀: [وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيًا عالمًا قادرًا، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، وهذا تناقض يعلم بضرورة العقل].
ومعنى ذلك: أنهم يقولون -أي: نقاة الصفات-: إن من كان حيًا بحياة، سميعًا بصيرًا بسمع وبصر؛ لزم أن يكون جسمًا موجودًا، فيلزم النفي، ويقولون: من كان حيًا بلا حياة، سميعًا بصيرًا بلا سمع ولا بصر؛ لزم أن يكون شيئًا معدومًا؛ لأن ما يسمى كذلك ولم تقم الحقائق بذاته، فإن هذا لا يكون إلا شيئًا يتخيله الذهن.
قال المصنف ﵀: [ثم هؤلاء المثبتة إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء، أو بالوجه واليد ونحو ذلك -إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم؛ لأنا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم.
قالت لهم المثبتة: فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، وهذا هكذا، فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم، فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك، فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين].
هؤلاء الذين يثبتون الرضى والغضب هم أهل السنة والجماعة، فإنه يحصل منازعة بينهم وبين متكلمة الصفاتية الذين ينازعون في هذه الصفات، أي: الذين ينفون الرضى والغضب ونحوها، ومما ينبه إليه: أن ابن كلاب كان يثبت الغضب والرضى والمحبة كما يثبت الإرادة، لكنه لا يفسر الرضى والمحبة والغضب بالإرادة، بل يجعلها صفات واحدة، كما أنه يجعل الكلام واحدًا.
أما الذين فسروا المحبة بالرضى، والرضى بالإرادة، فهم: الأشعري والمتقدمون من أصحابه؛ بل وعامة أصحابهم.
[ ٢٠ / ٦ ]
طريقة السلف والأئمة عدم الخوض في الجسم والجوهر والتحيز
قال المصنف ﵀: [ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقًا فاسدًا؛ لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد في حق الله تعالى بالجسم لا نفيًا ولا إثباتًا].
كما قال أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة: "وأجمعوا على أن الله ليس بجسم"، وهذا الإطلاق اللفظي من كلامه ليس محكمًا، وليس معنى هذا: أنهم يقولون بأنه جسم؛ بل يقال: إن هذا اللفظ لم يتكلم به السلف، لا نفيًا ولا إثباتًا، وإنما الذي تكلموا به أن الله موصوف بالكمال منزه عن النقص، وأما الألفاظ المجملة الحادثة المخترعة، فليس من المحكم عقلًا وشرعًا أن يتكلم بها إطلاقًا؛ سواء في الإثبات أو في النفي.
قال ﵀: [ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة، لا تحق حقًا، ولا تبطل باطلًا، ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع؛ بل هذا هو من الكلام المبتدع الذي أنكره السلف والأئمة].
أي أن الإبطال للآلهة المعبودة من دون الله -كما حصل في أصحاب العجل- لم يكن لأن الصفات قامت به، ولا يوصف بهذه الصفات إلا جسم مركب
إلخ؛ بل كان الإبطال في المقام الثاني، وهو لأنه لم يتصف بصفات الكمال؛ إذ قال الله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] فعلم أن عدم ثبوت الصفات هو النقص.
[ ٢٠ / ٧ ]
خطأ الاكتفاء في الإثبات بمجرد نفي التشبيه
قال المصنف ﵀: [فصل: وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضًا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه؛ إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف الله ﷾ من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه].
ولذلك فإن من حكى عن أهل السنة وزعم أنهم يصفون الله تعالى بالصفات، ولكنهم يقولون: بلا تشبيه، كـ ابن الجوزي وبعض أصحابه، فإنهم يقولون: إنهم -أي: أهل السنة- يصفون الله بالنقائص ويقولون: بلا تشبيه؛ فإن هذا نوع من التحكم عليهم، وإن كان بعض الحنابلة قد غلطوا في الإثبات وزادوا فيه، فهذا مقام آخر، لكن المعتقد الذي كان عليه الأئمة ﵏ لم يكن بهذه الطريقة؛ بل إنهم يصفون الله بما يليق به، مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ، ولكن من تحقيقهم أنهم إذا ذكروا ما وصف به نفسه قالوا: بلا تشبيه ولا تمثيل.
مع أنه من حيث الاقتضاء العقلي الأول أن مجرد إثبات الكمال للرب ﷾ يعني أنه منزه عن النقص، وقد سبقت الإشارة إلى أن أدلة الإثبات تدل على الإثبات وتدل على التنزيه، كما أن أدلة التنزيه والتشريف له ﷾ عن خلقه تدل على التنزيه، وتدل على لزوم ووجوب الإثبات.
قال ﵀: [كما لو وصفه مفترٍ عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه، وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم، حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله ﷿ عنه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا!].
وهذا التفصيل لم يقل به أحد من أهل القبلة، وإنما ذكره من ذكره مضافًا إلى بعض المذاهب: إما أنه أضيف إلى مذهب أهل السنة من مخالفيهم، وزعموا أنهم يقولون بمثل هذا الكلام، وهذا كذب عليهم، أو أن بعض من رد من المتأخرين على بعض المجسمة -كالكرامية من الحنفية- ربما أضاف إليهم في رده أنهم يقولون بهذا، فإن هذا من مفهوم التجسيم عندهم، مع أنه إذا ذكرت الأقوال فلا بد أن تذكر على حقائقها، ويفرق بين ما كان من الأقوال حقيقة عند صاحبه وما كان لازمًا له.
فإن قال قائل: فإن الأئمة قد ذكروا في وصف مذاهب بعض أهل البدع ما كان لازمًا لهم.
قيل: ذكره هنا ينبغي أن يفقه على ما ذكر أنه من باب اللازم، فإن قيل: لماذا ذكروه وهو ليس من قولهم؟ قيل: ذكروه لكونه لازمًا، ومعلوم أن اللازم إذا كان معلوم الفساد بديهة، عرف به أن القول في أصله معلوم الفساد، فإن الحكم على اللازم يلزم في ملزومه.
فمثلًا: من أقوال مرجئة الفقهاء: أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، ويقولون: إن الإيمان واحدٌ من كل وجه، لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ويقولون: إن إيمان جبريل وأبي بكر كإيمان الفساق، فالجملة الثالثة - وهي قولهم أن إيمان جبريل وأبي بكر كإيمان الفساق- تسمى من باب اللوازم، وإلا فلا يوجد أحد من الفقهاء أو المرجئة أو عامة من يتكلم بهذا يقول بذلك، إنما هذا يقوله بعضهم في رده على حماد بن أبي سليمان وغيره.
إذًا: لو أن أحدًا من النظار بنى مسألة الإثبات على نفي التشبيه، فإنه يجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: هو ما قرره المصنف، وهو أن الطرق الشرعية يمكن أن يستعمل فيها ما هو أفصح وأصدق من هذه المادة.
الوجه الثاني: أن يقال: لو سلم أن هذا صحيح -مع أنه صحيح من وجه، وهو إذا كان مفسرًا أو مقترنًا- لأمكن أن يوصف بالأكل والشرب مع نفي التشبيه؛ ولكن هذا اللازم لا يلزم من قال: إن الإثبات مبني على نفي التشبيه لزومًا صادقًا، بمعنى: أنه حتى لو قال: إن باب الإثبات مبني على نفي التشبيه، فإن هذا يمكن أن يفسر على المعاني الصحيحة، وأما أن يقال: إن هذا يلزم منه أن يوصف بالأكل والشرب مع نفي التشبيه، فإنه يجاب عنه بأن وصفه بالأكل والشرب مع نفي التشبيه تناقض؛ إذ كيف يقال: إنه يوصف بالأكل والشرب، ثم يقال: مع نفي التشبيه؟! وهذا هو كقول القائل: يوصف بالأكل والشرب مع نفي ذلك عنه، فإن هذا تناقض، فكذلك إذا قال: يوصف بالأكل والشرب مع نفي التشبيه كان متناقضًا؛ لأن صفة الأكل والشرب هي وجه من أوجه التشبيه والنقص.
ومما ينبه إليه: أنه لا ينبغي لأحد أن يستطرد فهمه في مسألة التشبيه ليظن أنها مسألة لا توجد قدرًا من الصواب، إنما المصنف يسوقها على نوع من الاختصاص في التعبير، والاختصاص في المراد، فمن قرأها أو شرحها فلابد أن يفهم مراده في معناها، ولا بد أن يكون مدركًا لطريقة سياق كلامه وموجبه.
قال ﵀: [فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الإثبات؟ فلابد من إثبات فرق في نفس الأمر].
وهذا من باب الإلزام في الحجة: أنه إذا نفى بعض الصفات وأثبت بعضًا على هذه المادة، فإنه يكون متناقضًا؛ لأنه لا فرق بينهما، ولا بد عليه أن يثبت الفرق وإلا كان متناقضًا.
[ ٢٠ / ٨ ]
خطأ الاعتماد في النفي على عدم مجيء السمع
قال المصنف ﵀: [فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يجئ به السمع.
قيل له: أولًا: السمع هو خبر الصادق عما هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبَر عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع إذا لم يكن قد نفاه].
بين المصنف أن عدم الدليل السمعي حقيقته هو عدم الدليل المعين، وعدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول؛ لأنه يمكن أن يثبت بغيره، بمعنى: أنه لو سلم جدلًا أن الدليل السمعي دل على هذه وحدها، فإن عدم الدليل المعين ليس دليلًا على عدم الدليل من كل وجه، وهذا يقال لمثبتة الصفات الخبرية، كما يقال لمثبتة الصفات السبع، كما ذكر المصنف سابقًا فقال: (قولهم: إن الدليل على تخصيص هذه السبع في الإثبات هو العقل.
يجاب عنه من وجوه، منها: أن عدم الدليل العقلي ليس علمًا بعدم الدليل)، فإنه لو لم يدل العقل إلا على هذه وحدها -جدلًا- فإن: غيرها قد ثبت بدليل السمع.
مع أنه معلوم أن الدليل السمعي لم يدل على هذه الصفات السبع، أو على الصفات التي تسمى بالصفات الخبرية وحدها، كالوجه واليدين؛ بل إنه قد دل على المحبة، والرضى، والغضب، وغيرها من الصفات التي يعلم أنها ذكرت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
قال ﵀: [ومعلوم أن السمع لم ينف كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة، فلا بد من ذكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها، كما لا يجوز إثباتها.
وأيضًا فلا بد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفى عنه، فإن الأمور المتماثلة في الجواز والوجوب والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض بالجواز والوجوب والامتناع، فلابد من اختصاص المنفي عن المثبت بما يخصه بالنفي، ولا بد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت].
المصنف هنا يعالج أصولًا للمذاهب، فإن من أثبت ما يسمى بالصفات الخبرية كالوجه واليدين، فإن هذا الإثبات لا شك أنه حق ويحمد لهم، لكن المصنف ينظر إلى الأصول التي يثبتون بها هذا الإثبات، فيقول: إن من يعلق إثباته للوجه واليدين ونحوها من الصفات الخبرية على حجة أن هذه ورد السمع بها، فلما ورد السمع بها تعذر عليه نفيها، فلزم أن يثبتها من غير تشبيه، فمن كان من هؤلاء لا يشهد فرقًا بين صفة اليدين وبين صفة الأكل والشرب، إلا أن صفة اليدين جاء بها السمع، وصفة الأكل والشرب لم يأت بها السمع من كان هذا هو مقام إثباته ونفيه فقد وقع في الغلط؛ لأنه يجوز في نفس الأمر أن تكون صفة الأكل والشرب مما أثبته السمع، ولذلك فلا علة لنفيها عنده إلا أن السمع لم يأتِ بها، ولا سيما أن هذا التعليل يأتي إذا ضاق عليه الأمر وسئل: بم أثبت صفة الوجه واليدين؟ قال: بالسمع، فكأن المسألة لا دخل لها بالكمال ولا بالنقص، والحقيقة أن صفة اليدين جاء بها السمع، لكنها صفة كمال، بخلاف صفة الأكل والشرب، فإنها لم يأتِ بها السمع، لكنها صفة نقص.
ومعلوم أن تفصيل النفي لم ينطق به السمع في الجملة إلا في مقامات مختصة سبقت الإشارة إليها.
إذًا: مراد المصنف ﵀ أن المخالفين ينقسمون إلى قسمين: إما مخالف في أصل إثبات، بمعنى: أنه ينفي ما هو من الصفات، وإما قوم أثبتوا ما أثبتوه من الصفات، واشتركوا مع أئمة السنة في الإثبات؛ لكنك إذا راجعت أصولهم في الإثبات وأصولهم في النفي؛ وجدت أنها أصول مضطربة متناقضة، فهو يريد أن يعالج المسألة من جهتين:
الجهة الأولى: جهة النفاة نفيًا صريحًا، أو المخالفين مخالفة صريحة في الدلائل والمسائل.
الجهة الثانية: هم القوم الذين يشاركون أهل السنة في جملة من النتائج، ولكنك إذا رجعت إلى المقدمات عندهم؛ وجدت أنها مقدمات ليست منضبطة.
قال ﵀: [وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لا بد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله تعالى، كما أنه لا بد من أمر يثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافيًا كان مخبرًا عما هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟
فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر، فإذا علم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القدم -علم امتناع العدم والحدوث عليه، وعلم أنه غني عما سواه].
وهذا مقام عرض لبعض متكلمة الصفاتية، ولا سيما الذين غلب عليهم تعظيم السنة والأئمة، فإنهم لما كان بعضهم مائلًا إلى المعتزلة، ثم اشتغلوا بالرد عليهم لما ظهرت السنة، وانفكت بعض الممانعات التي كانت متبناة من قبل بعض السلاطين -صار هؤلاء يقصرون الإثبات على محض السمع، بمعنى: أن ما يثبتونه لا يكون إلا سمعيًا من حيث الدلائل، أو من حيث المسائل، أو يقال: يجعلون المقدمة سمعية والنتيجة سمعية، ويجعلون هذا وجهًا فاضلًا في مفارقة المعتزلة، فإذا قيل لهم: فالوجه واليدين؟ قالوا: نثبتها خلافًا للمعتزلة، فالنتيجة أنهم أثبتوها بخلاف المعتزلة، فإذا قيل لهم: فما موجب إثباتها؟ قالوا: لأن السمع جاء بها.
وهذا الكلام سياقه ليس فيه اطراد، فلا يفهم أحد اطرادًا في هذا الكلام؛ لا في كلام المصنف، ولا في هذا الشرح.
وهذا الكلام من حيث الجملة كلام صحيح، وهو قولهم: نثبت الوجه واليدين، هذا لا اعتراض عليه، فإن قيل: ما الدليل على إثباته؟ قالوا: السمع، وهذا الكلام أيضًا صحيح لا إشكال فيه.
لكن فرق بين أن يأتي هذا السياق ضمن مفهوم صحيح من مسألة النفي والفرق بين النفي والمنفي، وبين أن يأتي على باب أن هذا نطق به السمع، وأن ثمة صفات أخرى لو نطق بها السمع لسلمنا بها.
فإن قيل لهم: ما الفرق بين اليدين وبين الأكل والشرب ونحوها؟ لم يكن عندهم فرق إلا أن هذه جاء بها السمع، وهذه لم يأت بها السمع، وقد فات أصحاب هذه الطريقة أنهم لم يحققوا ويفقهوا حقائق الكمال اللائقة بالله ﷾، وحقائق النقص والعيب التي ينزه الله ﷾ عنها، فهم يثبتون ما يثبتونه لا لكونهم فقهوا أنه كمال، وإنما لكون النص جاء به، وينفون ما ينفونه لا لكونهم فقهوا أنه ليس بكمال، أو أنه نقص ينزه الله عنه، وإنما لعدم مجيء النص به.
[ ٢٠ / ٩ ]
ينفى عن الله تعالى ما ضاد صفات الكمال
قال المصنف ﵀: [فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه نفسه ليس هو موجودًا بنفسه؛ بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه، فلا يوجد إلا به، وهو ﷾ غني عن كل ما سواه، وكل ما نافى غناه فهو منزه عنه، وهو ﷾ قدير قوي، فكل ما نافى قدرته وقوته فهو منزه عنه، وهو سبحانه حي قيوم، فكل ما نافى حياته وقيوميته فهو منزه عنه].
هذه طرق شرعية وطرق عقلية، فيقال: إن الأكل والشرب ينفى عن الله لا لعدم مجيء السمع به؛ بل لكونه نقصًا؛ ولذلك فهو منافٍ لحياة الله وقيوميته، ومنافٍ لكونه الأول الذي ليس قبله شيء، وهذا أصل شرعي في نفي الصفات التي لا تليق بالله تعالى.
قال ﵀: [وبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه المثل والكفء، فإن إثبات الشيء نفي لضده ولما يستلزم ضده، والعقل يعرف نفي ذلك، كما يعرف إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه].
ولذلك لم تصرح النصوص بتفصيل النفي؛ لأنه إذا ثبت أحد المتقابلين لزم نفي الآخر.
قال ﵀: [فطرق العلم بما ينزه عنه الرب متسعة، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم، كما فعله أهل القصور والتقصير، الذين تناقضوا في ذلك وفرقوا بين المتماثلين، حتى إن كل من أثبت شيئًا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه].
لأن هذا يوجب الاضطراب والتناقض عندهم من جهة، ويوجب عدم التحقيق لمباني الإثبات والنفي من جهة أخرى، وإنما كان الأمر كذلك لأن هذا اللفظ (التشبيه والتجسيم) لفظ صار فيه إجمال واشتراك كثير، ولا سيما إذا حقق المتكلم من هذا الوجه المجرد مراده على طريقة غلط؛ كقولهم: إن الفرق بين هذا وهذا: أن هذا جاء به السمع، وهذا لم يأت به السمع، دون أن يفقهوا أن ما جاء به السمع فإنه يكون كمالًا، وما لم يأت به السمع فإنه يكون نقصًا، فإن تجويز النقص ولو لم يوصف به الباري -أي: فرض قبول إمكان الرب له- هو بحد ذاته نقص، فإن من قال مثلًا: إن الله لا يوصف بالأكل والشرب؛ لأنه لم يصف نفسه بذلك، وإن كان قابلًا أو يجوز عليه هذا الأمر؛ فإن هذا قد أتى بابًا من أبواب التشبيه والنقص.
قال ﵀: [وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور، حتى نفوا النفي، فقالوا: لا يقال: موجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي؛ لأن ذلك تشبيه بالموجود أو المعدوم، فلزمهم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعًا، ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات أعظم مما فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين، فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا].
وهذا سبق بيانه، ولا حاجة إلى التعليق عليه هنا.
وقوله: (فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا):
كأن هذه الجملة تفسر ما أراده المصنف بهذه الطريقة التي استعملها فيما سبق من كلامه، لما واجه مصطلح التشبيه من هذا الوجه، ولكن يقال: إن مسألة التشبيه نطق بها أهل العلم، وكذلك المصنف نفسه في كتبه ورسائله، فقد نطقوا بأن الله منزه عن التشبيه، وهذه مسألة لا يجادل فيها أحد من حيث هي، لكن حينما تكون هي المبنى في الإثبات والنفي، ويقصر الإثبات والنفي على هذا المبنى وحده، ويفسر تفسيرًا غلطًا، ثم يلتزم له بلوازم خاطئة، فيجعل الفرق بين الكمال والنقص: أن هذا نطق به السمع، وهذا لم ينطق به السمع؛ فهذا لا شك أنه هو المقصود عند المصنف في إبطاله لهذه المادة من هذا الوجه.
ومعلوم أن الإبطال لطريقة الاعتماد على نفي التشبيه في الإثبات من وجه لا يلزم أن يكون إبطالًا لها من كل وجه، ولذلك إذا قيل: إن المصنف منع استعمالها هنا، فأيضًا نقول: إنه من المعلوم أن المصنف استعملها في مقام آخر، لكن ثمة فرق بين الوجه الذي منعه، والوجه الذي استعمله، وذلك عندما استعمل مادة التشبيه في مسائل التشبيه، أو في مسائل التقرير، أو في مسائل الرد.
فهو يقرر أن ما أثبت لله ﷾ يكون مثبتًا له مع تنزيهه عن التشبيه، أو أنه ينفي بعض التفسيرات لكونها وجهًا من التشبيه، وهو يجعل كل ما يثبت لله ﷾ من باب الإثبات الذي لا يقارنه وجه من التشبيه والنقص، كما يجعل كل ما نفي عن الله ﷾ فهو وجه من التشبيه والنقص.
[ ٢٠ / ١٠ ]
النفي المجرد لا مدح فيه ولا كمال
قال المصنف ﵀: [وقد تقدم أن ما يُنفى عنه ﷾يُنفى لتضمن النفي الإثبات؛ إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال، فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجود، وليس هذا مدحًا له؛ لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلق، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه ينزه عن الرب ﷾].
فمثلًا: من قال: إنه لا يوصف بالأكل والشرب؛ لعدم ذكر السمع لذلك، فإن هذا -لو فرض جدلًا- من باب النفي المجرد، والنفي المجرد لا كمال فيه، بخلاف من قال: إنه لا يوصف بالأكل والشرب؛ لكون هذا منافيًا لقيوميته وكماله، وما سواه من المعاني، فإن النفي بهذه الطريقة يتضمن أمرًا ثبوتيًا، ولما تضمن النفي في هذا المقام أمرًا ثبوتيًا؛ تبين أن وجه نفي هذه الصفات عنه هو لكونها منافية لكماله، وليس لأن السمع لم يأت بها، وإن كان يقال: إن كل ما نافى كماله فإنه يمتنع أن يأتي به السمع، وفرق بين أن يقال: إن السمع لم يأت به، وبين أن يقال: إنه يمتنع أن يأتي به السمع.
فقول المصنف: إننا لا نعلل ذلك بأن السمع لم يأت به، ليس معناه أنه يفرض ذلك؛ بل معناه: أن هذه الصفات تنفى عنه لكونها منافية لغناه عما سواه، ولكونها منافية لقيوميته ﷾، وما نافى غناه عما سواه وكذلك قيوميته ﷾؛ امتنع أن يجيء به السمع.
[ ٢٠ / ١١ ]
تنزيه الله تعالى عن كل ما ضاد الكمال
قال المصنف ﵀: [والنقص ضد الكمال، وذلك مثل أنه قد علم أنه حي، والموت ضد ذلك، فهو منزه عنه، وكذلك النوم والسنة ضد كمال الحياة، فإن النوم أخو الموت، وكذلك اللغوب نقص في القدرة والقوة، والأكل والشرب ونحو ذلك من الأمور فيه افتقار إلى موجود غيره].
فهذه المادة تنفى عنه ﷾وإن كان المصنف لم يفصل نفيها- لأن العلم بنفيها علم واجب؛ فإنه لما استقر في العقل والشرع والفطرة أن الله ﷾ غني عما سواه، فإن كل صفة تنافي غناه عما سواه؛ فإنه ينزه عنها، وذلك كصفة الأكل والشرب؛ فإنها تتضمن الاحتياج إلى المأكول والمشروب، وهذا شيء آخر، فيلزم من تجويزها هذا اللازم، بخلاف صفة اليدين؛ فإنها لا تتضمن أنه يحتاج إلى غيره، ولا تنافي غناه عما سواه؛ لأن اليدين ليست سواه؛ بل إنها صفة من صفاته، بخلاف المأكول والمشروب؛ فإنه لابد أن يكون سوى الله ﷾، فإذا قيل: إنه يأكل ويشرب -تعالى الله عن ذلك- علم أن هذا من باب النقص الممتنع عليه ﷾.
[ ٢٠ / ١٢ ]
معنى الصمد
قال المصنف ﵀: [كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد به ونحو ذلك يتضمن الافتقار إليه والاحتياج إليه، وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته أو أفعاله ..
فهو مفتقر إليه ليس مستغنيًا بنفسه، فكيف من يأكل ويشرب، والآكل والشارب أجوف، والمصمت الصمد أكمل من الآكل والشارب، ولهذا كانت الملائكة صمدًا لا تأكل ولا تشرب].
من معاني الصمد -كما قال ابن عباس وغيره-: (الصمد السيد)، ومن معانيه: أن الصمد هو المصمت، بمعنى: أنه ليس بأجوف، وقد ذكر المصنف أن الملائكة صُمُد؛ لأنهم لا يأكلون ولا يشربون، ولأن التجويف نوع من الافتقار إلى المادة التي يحتاجها هذا التجويف، ولذلك لما خلق الله آدم -كما في الصحيح- جعل إبليس يطوف به، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقًا لا يتمالك.
[ ٢٠ / ١٣ ]
تنزيه الله تعالى عن صفة الأكل والشرب لأنها صفة نقص
قال المصنف ﵀: [وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك، والسمع قد نفى ذلك في غير موضع كقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] والصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهذه السورة هي نسب الرحمن، وهي الأصل في هذا الباب.
وقال في حق المسيح وأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] فجعل ذلك دليلًا على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى].
من الأدلة على تقرير مسألة الربوبية لله وحده: أنه لما ألَّه أهل الكتاب عيسى بن مريم وأمه، قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] والدليل في هذه الآية على عدم ألوهيته وربوبيته: أنه يأكل الطعام، والإله الحق لا يأكل الطعام، وهذا من بسائط الاستدلال، وقال الله لأهل العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] وقال إبراهيم لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم:٤٢] فعلم أن مادة الكمال من النتائج المهمة.
والأنبياء والرسل كانوا يخاطبون قومهم، وهم مشركون كفار، ينازعون في مقام الربوبية -كانوا يخاطبونهم بمثل قول الله تعالى: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم:٤٢] وقوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] فعلم بذلك أن ثمة استقرارًا عقليًا عند المخاطبين أن عدم الكلام نقص، وأن الأكل والشرب نقص، وأن عدم السمع والبصر نقص، ولكن هذا الباب قد اضطرب على قوم من أهل القبلة، لما استعملوا ما استعملوه من الطرق الباطلة، وهي الطرق الفلسفية، التي ليس فيها تحقيق للحق ولا إبطال للباطل، ولا إبقاء لمدارك العقول على أصلها واستقرارها الأول.
فإن قال قائل: فكيف كان هؤلاء المشركون أكثر استقرارًا في هذا الباب؟ قيل: كانوا أكثر استقرارًا في هذا الباب لأنهم لم يستعملوا طرقًا توجب إفساد المادة العقلية؛ فضلًا عن المادة الفطرية، بخلاف الطرق التي دخلت على قوم من المسلمين.
وإن كان هؤلاء المسلمون -بلا شك- خيرًا من أولئك من أهل الكتاب وغيرهم، فإن هؤلاء المسلمين الأصل فيهم الإسلام، وإن كانوا قد وقعوا في أخطاء؛ بخلاف أولئك فإنهم ليسوا بمسلمين، ولا يدينون بدين الإسلام، لكن الحقائق والمعاني قد يكون عند بعض الكفار بعض المعنى الصحيح الذي يفوت بعض المسلمين، ولا نقول: إنه يفوت المسلمين، ولا نقول: إنه ليس في الإسلام، فإن ما كان غلطًا امتنع أن يكون من الإسلام، وما كان غلطًا امتنع أن يكون عليه المسلمون.
ولذلك قال النبي ﷺ: (من تشبه بقوم فهو منهم)، فدل على أن مادة التشبه تدخل على المسلمين، فربما تشبه بعض المسلمين ببعض طرق قوم من غير المسلمين، ويكون هؤلاء الذين تُشُبه بهم من شر طوائف الكفر، ويوجد في الكفار من هو أقرب منهم إلى الحق، كما يوجد ذلك في كتاب الله، فإن الله لما ذكر أهل الكتاب بين أنهم أقرب إلى الحق في الجملة من عبدة الأوثان، ولما ذكر أهل الكتاب بين أن بعضهم أقرب إلى الحق من البعض الآخر.
قال ﵀: [والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك، بخلاف اليد، فإنها للعمل والفعل، وهو ﷾ موصوف بالعمل والفعل؛ إذ ذلك من صفات الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل].
هذا وجه من أوجه التفريق بين صفة اليدين وبين الأكل والشرب، وهناك وجه آخر أبسط منه، وهو يقود إلى هذا الوجه، وهو أن يقال: إن اليدين صفة قائمة بالرب ﷾، فلا يرد عليها أنه محتاج إلى ما سواه؛ لأن ما كان صفة للموصوف كان داخلًا في اسم ذاته، أي: في حقيقة وماهية الذات.
[ ٢٠ / ١٤ ]
تنزيه الله تعالى عن الصاحبة والولد
قال المصنف ﵀: [وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد، وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم للضعف والعجز الذي ينزه الله عنه، بخلاف الفرح والغضب، فإنه من صفات الكمال، فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البكم؛ فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن، وبالضحك دون البكاء، ونحو ذلك].
لقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أن بعض أهل الكتاب نسبوا إليه ﷾ الولد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] ولكن القرآن الكريم لم يفصل كثيرًا في الجواب عن هذه الفرية العظيمة، إنما أجاب عنها في كثير من الموارد إجمالًا، كقوله ﷾: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٢] وسياق (ما ينبغي) إذا جاء في القرآن فإنه يكون في الأمور الممتنعة، فهو من أخص موارد النفي: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٢] أي: إن هذا أمر ممتنع في حقه؛ لأنه الرحمن، وهو الإله المعبود وحده، وهو الرب سبحانه، فما ينبغي له أن يتخذ ولدًا.
قال ﵀: [وأيضًا فقد ثبت في العقل ما أثبته السمع، من أنه ﷾ لا كفء له، ولا سمي له، وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات].
ولهذا كانت طريقة من ضل من أهل الكتاب طريقة متناقضة، فإنهم إذا قالوا: إن عيسى ابن الله، وجعلوا له مقامًا من الإلهية؛ كان هذا من باب التناقض؛ لأن الإله لابد أن يكون قديمًا؛ لأنه إذا كان مستحقًا للعبودية، فإنه استحقاقه للعبودية يطرد في سائر بني آدم، وإذا قالوا: إنه إله عند خلقه، أو عند وجوده، أو عنده تخلصه الروحاني، أو ما إلى ذلك من هذيانهم، فإنه يرد عليهم أنه قبل وجوده هل كان الإله الحق موجودًا أو ليس موجودًا؟ وإذا كان موجودًا فهل كان وجوده وجودًا كاملًا؟ وهم يسلمون بأن الإله الحق كان موجودًا، فهل كان وجوده وجودًا كاملًا أم ناقصًا؛ فإن كان وجودًا كاملًا في ألوهيته وربوبيته امتنع أن تدخله الزيادة، وإن كان وجوده الأول وجودًا ناقصًا؛ فإن هذا نفي للربوبية والألوهية؛ لأنه لا يوجد في معنى الربوبية والألوهية ربوبية أو ألوهية نسبية؛ بل إما ربوبية أو عدم ربوبية، وإما ألوهية -أي: استحقاق للعبادة- أو عدم ألوهية، وهذا من باب تقابل السلب والإيجاب، فإما أن يوجد هذا المعنى وإما أن ينفى.
وهذه من طرق المناظرة مع أهل الكتاب الذين ظلوا في عيسى ﵊ ومجادلتهم.
فالمقصود: أن الطرق العقلية التي يسلكها الأئمة ﵏ هي أصدق الطرق؛ خلافًا لطرق مخالفيهم، وهي متضمنة في كتاب الله ﷾؛ خلافًا لمن يقول: إن القرآن لم يذكر الدلائل العقلية، كما سيعلق على ذلك المصنف لاحقًا.
[ ٢٠ / ١٥ ]
مباينة حقيقة الخالق لحقيقة المخلوقين
قال المصنف ﵀: [فيعلم قطعًا أنه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة، ولا السماوات، ولا الكواكب، ولا الهواء، ولا الماء، ولا الأرض، ولا الآدميين، ولا أبدانهم ولا أنفسهم، ولا غير ذلك؛ بل يعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر].
وهذا هو معنى قول الحق سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ولذلك فكل صفة لا يقبلها الله ﷿، فإنها تكون مما ينزه الله ﷾ عنها من جهة حقيقتها وماهيتها اللائقة بالمخلوق، وأما الاشتراك في اسمها، أو في المعنى الكلي والذهني، فهذا باب آخر.
قال ﵀: [فإن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما وجب لها، وامتنع عليها ما امتنع عليها، فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدث المخلوق من العدم والحاجة، وأن يثبت لهذا ما يثبت لذاك من الوجود والغنى، فيكون الشيء الواحد واجبًا بنفسه غير واجب بنفسه، موجودًا معدومًا، وذلك جمع بين النقيضين.
وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بصر كبصري، ويد كيدي، ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.].
قوله: (وهذا جمع بين النقيضين)؛ لأنه إذا ثبتت صفة عن جهة التماثل بين الخالق والمخلوق، فيلزم على ذلك عقلًا أحد وجهين:
الوجه الأول: دخول مسألة الإمكان على الخالق، أي: عدم وجوب الوجود، أو عدم الربوبية.
الوجه الثاني: دخول مادة من الربوبية على المخلوق.
فمن أثبتها بطريقة تناسب الرب ﷾، فيلزم إذا جعل هذا من باب التماثل أن يكون المخلوق موصوفًا بما هو من مقام الربوبية، وإذا فسرها على معنى يناسب المخلوقين، وجعلها للخالق؛ لزم أن يكون الخالق متصفًا بصفات المخلوقين على جهة التشابه والتماثل في الخصائص والإضافات، وهذا إسقاط لمقام ربوبيته ﷾.
قال المصنف ﵀: [وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له، وما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك؛ لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه، وما سكت عنه السمع نفيًا وإثباتًا، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه، فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته، والله ﷾ أعلم].
هذه هي الخاتمة للقاعدة السادسة، وقد بين فيها نوعًا من الاحتراز في كلامه، أي: أنه لا يفهم على غير وجهه ومراده، وبين أنه لم يقصد التنبيه إلى الطرق المفصلة، وإنما اشتغل بطريقة فيها إجمال، والطرق التي استعملت في هذا المقام ثلاث طرق:
الطريقة الأولى: هي الطريقة الصحيحة المفصلة المحكمة؛ كمسألة: أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص، وعن مماثلة غيره؛ فإن هذه طريقة محكمة عقلًا وشرعًا، ومحكمة بين المسلمين أجمعين.
الطريقة الثانية: هي الطرق الباطلة، وهذه لم يتكلف المصنف كثيرًا في هذا المقام بذكرها على التفصيل؛ لكون المقام لا يسع ذلك، ولكونها بينة البطلان.
الطريقة الثالثة: وهي الطرق المجملة، كمسألة التشبيه والتجسيم، فإن هذه الطريقة قد استعملت في مقام الإثبات والنفي، وهي طريقة إذا كانت وحدها مجردة وصفت بأنها طريقة مجملة، وجمهور مادة هذا الإجمال الذي دخلها هو من المتكلمين أنفسهم، والدليل على ذلك: أن كل ما نفوه من الصفات التي أثبتها أهل السنة يجعلون الموجب لنفيها: أن إثباتها يستلزم التشبيه والتجسيم، فهي طريقة دخل فيها الإجمال، وإن كان جمهور هذا الإجمال إنما جاء بسببهم.
ومن هنا صارت طريقة غير محكمة إذا ما ذكرت مجردة، ويزيد الأمر سوءًا إذا ما فسرت تفسيرًا باطلًا، فإن القصور في التقرير إما أن يكون قصورًا في الألفاظ، وإما أن يكون قصورًا في المعاني، فمن عبر بها وحدها ففسرها تفسيرًا صحيحًا قيل: تفسيره صحيح، ولكنه لو قرنها بالتفسيرات المفصلة لكان أحكم، بخلاف من استعملها وحدها وفسرها تفسيرًا غلطًا؛ فإن هذا يكون قد قصر لفظًا ومعنى.
[ ٢٠ / ١٦ ]
ما سكت عنه السمع ولم يثبته العقل ولم ينفه سكتنا عنه
وقوله: (وما سكت عنه السمع نفيًا وإثباتًا، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه، سكتنا عنه، فلا نثبته ولا ننفيه).
فمثلًا: ما يتعلق بالأكل والشرب، فهل سكت عنه السمع أو لم يسكت عنه؟
الجواب: أنه إذا قصد اللفظ فإنه سكت عنه، وسكوت السمع عنه بذكر لفظه بالتفصيل هو من كمال السمع، أي: من كمال القرآن في تحقيق الإثبات، وفي تحقيق التنزيه، وأما أنه سكت عنه من حيث المعنى فلا؛ فإن الله لما ذكر مقامه ﷾ من الربوبية؛ علم غناه عما سواه، ومما سواه ما يتعلق بالمأكول والمشروب ونحو ذلك.
إذًا: فما يتعلق بالصفات اللازمة؛ فإن هذه صفات في الجملة يكون شأنها بينًا، لكن ما يتعلق بمفصل الأفعال التي سكت السمع عنها، والعقل لا ينفيها ولا يثبتها، فإن هذه يجب السكوت عنها.
فمثلًا: أخبر النبي ﷺ أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فهذا فعل معين مختص، وأخبر الله تعالى في القرآن أنه يجيء لفصل القضاء، وهذا فعل مختص، ولا شك أن أفعالًا كثيرة مختصة لم ينطق بها السمع على التعيين، فإذا ما فرضت قيل: إن هذا مما لا يمنعه العقل، فلا يجوز نفيه، وما لم ينطق به السمع بالتصريح فلا يجوز إثباته؛ لأنه قد يكون ليس كذلك، ليس لعدم قابلية الرب له، وإنما لعدم ذكر السمع له بالتصريح.
إذًا: ما يتعلق بأفعال الرب ﷾، كإخباره بأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر:٢٢] فإن هذه أفعال تثبت؛ لأن السمع جاء بها، وهي صفات كمال، وما كان من نوع هذه الأفعال ولكن السمع لم يذكرها على التخصيص، كفعل مفرد من أفعاله، فلو فرضه فارض فإنه لا يثبت؛ لأن السمع لم يأت به، ولا ينفى؛ لأن العقل لم يدل على نفيه.
وقد يقول قائل: لماذا لم يدل العقل على نفيه؟ فيقال: إما أن يكون الشيء منفيًا لعدم مجيء السمع به، وهذا وجه، لكن قد يكون الشيء واقعًا في نفس الأمر، ولكنك لم تستطع العلم بوقوعه لأن الله لم يخبر بوقوعه، وقد يكون هذا الفعل ليس واقعًا في نفس الأمر، فيكون نفيه لعدم مجيء السمع به، ولعدم وقوعه في نفس الأمر، وإن كان العلم بعدم وقوعه علمًا ممتنعًا، لكن عدم الوقوع ليس لعدم قابلية الرب له، وإنما لعدم إرادته ومشيئته.
[ ٢٠ / ١٧ ]
اعتراض لنفاة الصفات الفعلية والجواب عنه
لذلك أورد نفاة الصفات الفعلية -كالنزول والمجيء ونحوها- أوردوا إشكالًا لابد من الجواب عليه، فقالوا: إن النزول والمجيء ونحوها من الصفات إذا لم تفسر بالتأويل على طريقتهم يلزم من ذلك إما أن يكون كمالًا، وإما أن يكون نقصًا، فإن قلتم: إنه نقص، فالله منزه عنه، وإن قلتم: إنه كمال؛ لزم أن يكون هذا الكمال قد فاته قبل حدوث هذا الفعل المعين، وفوات الكمال نقص.
وهناك عدة أجوبة عن هذا الإشكال، وهناك أجوبة صحيحة ولكنها ليست ملزمة، وهناك أيضًا أجوبة صحيحة ولكنها ليست محكمة.
ومن طرق الجواب أن يقال: إن هذه الصفات ذكرت على نوع من الحدوث، وما كان حادثًا امتنع أن يكون قديمًا في العقل، فإن الحدث ينافي القدم، والشيء إذا وصف بأنه حادث امتنع أن يوصف بأنه قديم، فيقال هنا: إن هذه الصفات ذكرت على معنى الحدوث، أي: أنها متعلقة بمشيئة الرب، وما كان حادثًا امتنع أن يكون قديمًا، وما كان ممتنعًا لم يكن عدمه نقصًا؛ لأن النقص هو فوات الكمال الممكن، وليس هو فوات الممتنع، فما كان ممتنعًا فإنه يمتنع أن يكون فواته نقصًا؛ لأنه ممتنع، والكمال يتعلق بالأمور الوجودية.
وهذا جواب محكم من جهة العقل.
وهناك جواب من جهة القياس: وهو أنه يستلزم التناقض عندهم، فإنه يمكن أن يقلب عليهم هذا الباب بطريقة بسيطة في الإدراك، وهي قوية من جهة الحكم أيضًا، فيقال: إن هذا يلزمكم في خلق السماوات والأرض، فإن الله هو الخالق للسماوات والأرض، فإما أن تقولوا: إن خلقه لهما كمال، وإما تقولوا: إنه نقص.
فسيقولون: إنه كمال، وحينئذ فما كان جوابهم عن خلقه للسماوات والأرض، فهو الجواب عن نزوله، وإن قالوا: إن النزول إذا قيل: إنه كمال؛ لزم أن يكون قد فاته من قبل، وفوات الكمال نقص.
قيل: فخلقه للسماوات والأرض أزلًا ممتنع؛ لأن ما كان مخلوقًا امتنع أنه يكون أزليًا، فإن الله هو المختص بالأولية المطلقة، فما كان حادثًا امتنع أن يكون قديمًا.
وهذا من سفسطة العقل.
وهذا الدليل هو الدليل المحكم لنفي الصفات الفعلية، وهو ما يذكره محمد بن عمر الرازي ويسميه: الدليل المركب، ومعلوم أن أصحابه هم الذين ينفون أو يتأولون الصفات الفعلية، وهي ما يسميها أصحاب أبي الحسن الأشعري: حلول الحوادث، فجاء الرازي -ولا سيما في آخر أطواره- وقال: إن ما عمل به أصحابنا في التأويل لهذا الباب فهي علل منقوصة، وجاء بعلل أصحابه، ثم أجاب عنها، ورد عليها، وإذا لم يرد على الحجة فربما اكتفى بإيراد السؤالات عليها، فقال: "إن سائر ما ذكروه إما أن يرد عليه الجواب، أو يرد عليه سؤال"، ثم قال: "وإن الحجة الصحيحة الاعتماد في هذا على الدليل المركب"، وقد ذكر أن أصحابه اعتمدوا على الدليل العقلي، وقالوا: أما الاعتماد على السمع وحده فلا؛ لأن السمع في آيات كثيرة ظاهره الإثبات لما هو من حلول الحوادث.
ثم قال: "وحججهم في هذا إما مجاب عنها، وإما عليها سؤالات"، فهو عطل الحجة السمعية وحدها، والحجة العقلية وحدها، وقال: "إنما المعتبر في نفي حلول الحوادث هو الدليل المركب من السمع والعقل"، ثم جاء بالدليل المركب، فجعل مادة العقل لها السبق في هذا الدليل، وأما مادة السمع فقد قال: "إننا نقول: إن كانت ناقصًا، فإن الله منزه عن النقص بالإجماع"، فجعل كلمة (الإجماع) هي الوجه السمعي في دليله، فإن الإجماع كلمة سمعية وليست عقلية.
وهذا من خطئه، فإن تنزيه الله عن النقص يعلم بالعقل، وإن كان بالضرورة يعلم بالسمع أو بالإجماع ونحو ذلك.
[ ٢٠ / ١٨ ]