طريقة السلف الصالح رحمهم الله تعالى في صفات الله تعالى هي: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته.
[ ٤ / ١ ]
طريقة السلف الصالح في إثبات الأسماء والصفات
قال المصنف رحمه لله: [وقد عُلم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها: إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل]
[ ٤ / ٢ ]
المقصود بالسلف الصالح
(وقد عُلم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها):
المقصود بالسلف من جهة اللغة: التقدم، فإن السالف هو الشيء المتقدم.
والمقصود بالسلف هنا: هم أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة الذين أثنى عليهم النبي ﵌، كما في حديث عمران بن حصين الثابت في الصحيحين، وأئمة السلف هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم بعد عصر الصحابة من اتبعهم بإحسان، فهؤلاء هم أئمة السلف من القرون الثلاثة الفاضلة، ومن بعدهم فإنه يكون مقتديًا بهم، وبطريقتهم وبشأنهم.
ومن المسائل اللفظية أن يقال: من بعدهم من القرون -إذا كان على معتقدهم- هل يسمى من السلف، أم يقال: من أتباع السلف؟
الجواب: إذا قُصد الزمان والتقدم، فإنه يكون متبعًا لهم، وإذا قصدت الحقائق العلمية بالاسم فإنه يسمى من السلف.
وهذه مسألة لفظية لا ينبغي أن يعاضل فيها كثيرًا، إنما المهم أن يُفْقَه أن المقصود بالسلف هم: الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا شك أن الصحابة هم أضبط الطبقات في هذه الأمة، ولذلك لما ذكرهم الله تعالى ذكرهم بصيغة الإطلاق في رضاه عنهم، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ولما ذكر من اتبعهم قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] فقيد من ابتع الصحابة أن يكون متبعًا لهم بإحسان.
[ ٤ / ٣ ]
معنى التكييف في صفات الله
قال ﵀: (إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف):
المقصود بالتكييف: هو حكاية كيفية الصفة، وقد نفى المصنف هنا التكييف، أي: أن يُحكى عن صفة من صفات الله أن لها كيفية من الكيفيات، فيقال مثلًا: إن كيفية هذه الصفة -كالنزول، أو الإتيان، أو غيرها من الصفات- كذا وكذا.
فالمصنف يذكر أن طريقتهم -أي: الصحابة ومن اتبعهم بإحسان- إثبات الصفات من غير تكييف.
وهذا النفي للتكييف نفي علم وليس نفي وجود، وإلا فإن صفات الله وأفعاله ﷾ لها كيفية؛ كنزوله، وإتيانه ﷾، واستوائه على العرش، وغيرها من الصفات، هذه لها كيفيات؛ ولكنه ﷾ لا يحاط به علمًا؛ ولذلك قال الإمام مالك وغيره من السلف والأئمة: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"، وفي رواية عن مالك قال: "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول".
فقوله: (والكيف غير معقول) أي: أن العقل البشري يمتنع عليه أن يحيط علمًا بكيفية صفة من الصفات، فإن الله ﷾ لا يحاط به علمًا.
فالنفي هنا نفي علم، وليس من باب نفي الوجود.
[ ٤ / ٤ ]
معنى التمثيل
قال ﵀: (ولا تمثيل):
التمثيل: هو ذكر مثيل لصفة الله ﷾ من مخلوقاته.
وهذا النفي من باب نفي الوجود، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء، كما قال ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] سواء كان هذا الشيء موجودًا، أو متخيَّلًا ومتصورًا في الذهن، وإن كان قد لا يستطيع الذهن أن يكون متصورًا له على التمام، فليس كمثله شيء في سائر موارد الإطلاق.
وهذا النفي للتمثيل إنما ذكره المصنف رحمه الله تعالى لأن الله تعالى قد ذكره في كتابه في غير موضع، كقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وغير ذلك من الآيات المبيِّنة لتنزيهه ﷾.
[ ٤ / ٥ ]
أدلة تنزيه الله تعالى عن المثلية
وتنزيه الباري سبحانه عن المثلية معلوم بالسمع، والعقل، والفطرة:
أما الدليل السمعي: فإنه يراد به الكتاب والسنة.
وأما الدليل العقلي فإنه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون معتبرًا بالمجردات العقلية.
القسم الثاني: أن يكون مركبًا من القياس على المشاهدات الحسية، فإذا كان مركبًا من القياس على المشاهدات الحسية فقد سماه البعض دليلًا حسيًا، والصحيح أنه دليل عقلي، أي: حكم من العقل معتبر بحكم المشاهدات والحسيات.
وأما إذا كان الدليل العقلي مبنيًا على المجردات العقلية -وهو القسم الأول- فإن هذه المجردات العقلية تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تكون من كليات العقل الضرورية، وهذا هو الدليل العقلي الضروري القطعي.
القسم الثاني: أن تكون هذه المجردات العقلية -أي: غير الحسية- من قياسات العقل ونظره، وهذا هو الدليل العقلي الظني النظري.
وعليه: فقد يكون الدليل العقلي قطعيًا إذا اعتبر بالكليات واليقينيات، وقد يكون ظنيًا إذا اعتبر بقياسات محتملة.
وهنا سؤال وهو من مسائل النزاع في مقدمات الأدلة عند النظار: هل الدليل العقلي القطعي هو المعتبر بالكليات العقلية المجردة، أم أنه قد يكون قطعيًا وهو معتبر بالحسيات؟
والجواب: يقول كثير من النظار: إنه لا يكون معتبرًا عقليًا قطعيًا إلا إذا كان معتبرًا بالكليات العقلية القطعية المجردة، وهذا غير صحيح؛ بل يكون عقليًا قطعيًا إذا اعتبر بالحسيات المطردة، فإن الحس إذا كان مطردًا أخذ حكم القطع، ودل على مناسب له من الحكم.
وعليه: فيكون الدليل العقلي له أربعة أوجه:
الأول: أن يكون قطعيًا مبنيًا على المجردات العقلية، وهي الكليات العقلية في الذهن.
الثاني: أن يكون عقليًا ظنيًا مبنيًا على المجردات العقلية.
الثالث: أن يكون حسيًا قطعيًا مبنيًا على الاطراد الحسي.
الرابع: أن يكون عقليًا ظنيًا مبنيًا على المحتملات الحسية القياسية.
الفرق بين الدليل العقلي والدليل الفطري:
والفرق بينهما: أن الدليل العقلي: هو الدليل الاعتباري المبني على الاعتبار والنظر، سواءً اعتمد على مقدمات قطعية، أو مقدمات ظنية.
أما الدليل الفطري: فهو ابتداء من الله ﷾ في نفوس العباد، أي: أن الله تعلى كما خلق العباد على صورة من الشكل الجسماني الجسدي المعروف، فكذلك خلق الإنسان وهو مبتدأ بهذه الحكمة الأولى وهي الفطرة، فهي مما استودعه الله في الإنسان عند ابتداء خلقه؛ ولذلك قال النبي ﵌ كما في الصحيحين: (كل مولود يولد على الفطرة)، مع أن المولود عند ولادته لا يكون متمتعًا بمسألة القياس والنظر والعقليات، ولا يفقه شيئًا.
إذًا: الدليل الفطري: هو ما استودعه الله من الحكمة الأولى في نفوس بني آدم، وهي قول النبي ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة)، وهي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] وأيضًا مثالها بيِّن من جهة الفقه لها، فكما خلق الله الإنسان ناطقًا متكلمًا، خلقه كذلك فاقهًا لهذه الحكمة الأولى، أي: مؤمنًا ومقرًا بها؛ ولكنه إقرار وإيمان مجمل لا بد له من تفصيل، وهذا التفصيل هو الذي يقع في كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولذلك قال الله تعالى لنبيه ﵊: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢]
وإذا ثبت أن كل مولود يولد على الفطرة، فإن نبينا محمدًا ﷺ هو أولى الناس بهذه الفطرة فضلًا عما له من الامتياز في غير مقام الفطرة وما هو زائد عليها.
إذا ثبت ذلك فكيف قال الله تعالى في كتابه: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢].
والجواب: أن المقصود بالإيمان هنا هو تفصيله وليس أصله.
وهذه الفطرة قد ينحرف الإنسان عنها بما يزينه له الشيطان، قال النبي ﷺ كما في حديث عياض بن حمار: (قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم)، فالله تعالى خلق الناس وهم مقرون بالحنيفية وهي التوحيد، وهذا هو معنى دليل الفطرة.
[ ٤ / ٦ ]
معنى التحريف
قال رحمه الله تعالى: (ومن غير تحريف):
ذكر المصنف التحريف مع أنه لا يوجد من أهل القبلة -أي: من المسلمين- من يصرح بتحريف كلام الله وصفاته المذكورة فيما أنزله الله على نبيه محمد ﵊، وإنما ذكره المصنف لأن الله تعالى لما ذكر من انحرف من أهل الكتاب ذكر سبحانه أنهم محرفون لكتابه، فلكون هذا الاسم من الأسماء الشرعية في ذم من خرج عن السنة والهداية النبوية ذكره المصنف من هذا الوجه، وبذلك علل ابن تيمية في مناظرته في الرسالة الواسطية، فقال: "إني ذكرت التحريف؛ لأنه مذكور في القرآن فيمن انحرف عن الحق"، والمصنف هنا قصد إلى الألفاظ والأسماء الشرعية.
[ ٤ / ٧ ]
نوع التحريف الذي وقع فيه بعض أهل القبلة
والتحريف الذي وقع فيه من وقع من أهل القبلة في مقام صفات الباري ﷾: هو تحريف في المعاني وليس تحريفًا في الحروف والكلمات، وهذا التحريف -الذي في المعاني- لا يسمونه تحريفًا، وإنما يسمونه تأويلًا، وإن كان حقيقته أنه تحريف؛ لكن هناك فرق بين تسميتهم له تحريفًا وبين ما لو سموه تأويلًا.
وهذا الفرق من جهة الحكم عليهم، فإنهم لما سموه تأويلًا كان هذا موجبًا لنوع من الحكم، ولو سموه تحريفًا لكان موجبًا لنوع آخر من الحكم، فالحكم على المتكلم بذلك يختلف باختلاف ما يستعمله من الأسماء، فإن كلمة (التحريف) في كتاب الله جاءت مذمومة، وأما التأويل فإنه جاء في القرآن على سياق الإقرار في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] فهو نوع من الإقرار، ولا سيما إذا قرئت الآية على الوصل.
[ ٤ / ٨ ]
معنى التعطيل وأنواعه
وقوله: (ولا تعطيل):
التعطيل: هو تفريغ الصفات عن حقائقها، إما بنفي ما هو من كلماتها؛ لعدم ثبوته، كنفي بعض الأحاديث بحجة أنها من الآحاد، أو مما لا يصح، وإما بتفريغ معانيها عن حقائقها الشرعية الدالة عليها.
وهذا الاسم -أي: التعطيل- ليس من الأسماء المذكورة في القرآن؛ ولكن المصنف ذكره لأنه وصف يدل دلالة بينة على حقيقة هذه المذاهب، فكأن المصنف يريد أن يقول: إن هذه المذاهب التي استعملها من استعملها من المتكلمين نتيجتها التعطيل لصفات الله ﷾، وإلا فلا أحد من المسلمين يقول: إنه معطل لصفات الله؛ لكن هذا المذهب الذي هو نفي معاني الصفات، ونفي قيام الصفات بالذات، وما إلى ذلك، حقيقته أنه تعطيل للرب عن كماله؛ فإن من خرج عن محكم آيات الكتاب والسنة فإنه يكون معطلًا للرب ﷾ عن كماله؛ ولذلك ذكر المصنف هذا التعبير الذي نقول: إنه تعبير وصفي عن حقيقة هذا المذهب.
وهذا التعبير الوصفي -وهو التعطيل- هو الذي سماه ابن سينا في كتبه: (التجريد)، ولذلك تجد في كتب ابن سينا عبارة التجريد الإلهي، وهو يَقصد بالتجريد الإلهي: نفي الصفات اللائقة بالله ﷾، فلكلٍ استعمالٌ من النظار والمتفلسفة والمتكلمين؛ ولكن درج الأئمة المتقدمون من أهل السنة والجماعة على أن يسموا هذا تعطيلًا؛ ولذلك تبرءوا من طريقة المعطلة.
وهذا السياق من كلام المصنف لما قال: (من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل) يبين به وسطية أهل السنة والجماعة، وأنهم يثبتون صفات الله ﷾ على ما اقتضاه سياق القرآن، ولا يزيدون في الإثبات على الحقائق القرآنية، ويفقهون كتاب الله بما اقتضاه لسان العرب؛ فإن القرآن نزل بلسانهم، وقد أخبر الله في كتابه في غير موضع أنه نزل بلسان عربي مبين، فهم لا يزيدون على القرآن؛ لا في حروفه، ولا في معانيه، ويعتبرون هذه الوسطية بالبراءة من التكييف والتمثيل، وبالبراءة من التعطيل والتحريف، فهم وسط بين هؤلاء وهؤلاء.
[ ٤ / ٩ ]
مصطلح (التشبيه)
لم يذكر المصنف هنا التشبيه، وقد قال بعض المتأخرين: إن كلمة (التشبيه) ذكرها غير مناسب؛ لأن هذه الكلمة لم تذكر في القرآن، وربما عللوا ذلك بأنه ما من شيئين إلا ويقع بينهما قدر من التشابه، ومن هنا تركوا هذه الكلمة.
والصواب أن يقال: إن التصريح بنفي التشبيه صحيح، وإن لم يذكر في القرآن، وذلك لوجهين:
الوجه الأول: أن العلم بتنزيه الباري عن مشابهة الخلق معلوم بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، وإن لم يصرح بهذه الكلمة في القرآن، فإن الله ﷾ منزه عن التشبيه، ولذلك لا غرو ولا عجب من ذكرها، وإن لم ينطق بها القرآن؛ لأنه ذُكِر في القرآن ما هو أتم من جهة المعنى والمراد وهو التمثيل.
ثم إن التشبيه والمشابهة وإن لم تذكر في القرآن بنصها؛ فإنه ذُكر في القرآن ما يدل عليها، كقوله ﷾: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] وغير ذلك من الآيات؛ مما يدل على أن مسألة التشبيه منفية في القرآن، وإن كان هذا الاسم لم يصرَّح بذكره.
ومعلوم أنه إذا ورد سؤال: هل الباري منزه عن مشابهة خلقه؟ فإن الجواب يكون: نعم.
عقلًا وشرعًا.
الوجه الثاني: أنه إذا ذكر معتقد الصحابة ومن وافقهم واتبعهم بإحسان قيل: من غير تشبيه؛ لأن المخالفين الذين ظهروا بعد عصر الصحابة اتهموا وطعنوا في الأئمة بحجة أنهم أهل تشبيه، فطعنت المعتزلة وأئمة الجهمية الأولى على أئمة السنة والجماعة بأنهم مشبهة، وأكثروا من إضافة التشبيه إلى مذهب السلف، فلما اشتغل المخالفون بهذه الإضافة ونسبوا الأئمة إلى التشبيه؛ كان لا بد من التصريح بذلك.
ولذلك فإن من الحكمة والفقه أن يقال: إن الله ﷾ منزه عن التمثيل والتشبيه.
والذي يعاب ويعد من التقصير أن يذكر نفي التشبيه ولا يذكر نفي التمثيل، وأما جمعهما فهو الحكمة، وإنما قيل: (هو الحكمة)؛ لأن كلمة (التمثيل) مذكورة بالنفي في القرآن، وكلمة (التشبيه) لو لم يكن من موجب ذكرها إلا أن المخالف أضاف مذهب أهل السنة والجماعة إلى التشبيه لكان هذا كافيًا.
ومما يُتعجب منه: أن بعضهم يقول: لا نذكر كلمة التشبيه.
ويعلل ذلك ببعض التعليلات، ثم إذا ذكر القياس قال: إن الله ﷾ يستعمل في حقه قياس الأَولى.
مع أن كلمة (القياس) غير مذكورة في القرآن، وأصل كلمة القياس في لسان العرب تدل على نوع من التشابه والتشاكل بين الشيئين وبين الماهيتين.
[ ٤ / ١٠ ]
أقسام الألفاظ المعبر بها في باب الصفات
والكلمات التي يعبر بها في مقام صفات الله تكون على أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن تكون كلمات واجبة الاستعمال.
الوجه الثاني: أن تكون كلمات سائغة الاستعمال.
الوجه الثالث: أن تكون كلمات يرخص في استعمالها لمصلحة.
الوجه الرابع: أن تكون كلمات ممنوعة الاستعمال.
أما الكلمات الواجبة الاستعمال فهي: الكلمات القرآنية والنبوية؛ كالاستواء، والسمع، والبصر، والنزول، والإتيان، وما إلى ذلك.
وأما الكلمات التي يسوغ استعمالها فهي: ما كان خبرًا عن الباري ﷾ مما لم يصرَّح بذكره في القرآن، وإنما يُخبر عنه على مقام الإثبات، أو يُخبر عنه على مقام النفي، ومن هذا كلمة (التشبيه)، فإنها من باب التنزيه له ﷾، وإن لم تذكر بنصها في القرآن؛ فيُرخص في استعمالها.
وأما الكلمات التي يسوغ استعمالها للمصلحة فهي: بعض الألفاظ المجملة في حال المناظرة، وقد ذكر ابن تيمية في درء التعارض أن مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم يكون مرخصًا فيه إذا اقتضت المصلحة الراجحة، ولكنهم لا يوافقون على شيء من المعاني الباطلة، ولا يلزم من هذه الكلمة التي ساغت في مقام أن تكون سائغة في سائر المقامات، بمعنى: أنه قد يسوغ لك المناظرة أن تتكلم ببعض المصطلحات، ولكن هذا مقيد بهذه المناظرة التي قضت الحاجة بها، ولا يلزم من ذلك أن يكون هذا المصطلح الذي تستعمله في هذا المقام مستعملًا في سائر المقامات.
وأما ما كان ممنوع الاستعمال فهو: ما تضمن نقصًا، أو نفي كمال عنه ﷾، فإن هذا لا يكون مرخصًا فيه.
ومن هنا نقول: إن كلمة (القياس) يجعلها بعضهم من القسم الثاني، وبعضهم يجعلها من القسم الثالث.
والفرق بينهما: أن القسم الثاني -وهو الألفاظ سائغة الاستعمال- يعني الألفاظ التي يسوغ أن يبتدأ بها من دون إجبار على ذلك، وذلك في غير مقام المناظرة، أو الرد، أو ما إلى ذلك.
وهذا فيما يظهر أنه ليس صحيحًا؛ بل الظاهر أن (القياس) من القسم الثالث، فإنه لا يقال في حق الله ﷾: (يستعمل في حقه قياس الأولى) ابتداءً، ثم يقال: وقياس الأَولى هو المثل الأعلى المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] فتكون الآية دليلًا لهذا الاسم؛ بل الأصل أن يقال: إن الله ﷾ له المثل الأعلى، ويُعلَّم المسلمون أن الله له المثل الأعلى، أي: الوصف الأكمل.
أما أن المصطلحين من النظار بعد ظهور المصطلحات والمنطق وغير ذلك سمَّوا هذا: (قياس الأولى) فهذه مسألة اصطلاحية لا يبتدأ بها؛ ولكن عند المناظرة يقال: إن ما كان من باب قياس الأولى فإن معناه يكون صحيحًا لائقًا بالله، وإلا فإن الابتداء بكلمة القياس بيِّن الذم، فمجرد أنك تقول: إن الله يستعمل في حقه القياس، ثم تفسر هذا القياس ولو بمعنىً صحيح، فإن الكلمة من أصلها أقل ما يقال فيها: إنها كلمة مجملة.
ومعلوم أن من يتكلم بهذا -ولا سيما بعد ظهور المصطلحات المتأخرة عند متكلمة الصفاتية- كـ ابن تيمية وغيره يذكرون قاعدة: (أن ما كان من الألفاظ مجملًا حادثًا فإنه لا يطلق)، وكلمة (القياس) أقل ما يقال فيها: إنها كلمة مجملة حادثة.
إذًا: التباعد عن هذه الكلمة هو الفقه، وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر مسألة القياس في العقيدة الواسطية وقال: "إنه يُستعمل في حق الباري قياس الأولى"، قال: "وهو معنى قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، وهذا الكلام الذي ذكره ابن تيمية صحيح، لكن نقول: إنه يكون في مورد إبطال أدلة المخالفين والرد عليهم، وبيان أن معتقد أهل السنة والجماعة معتبر بالعقل كما هو معتبر بالشرع، وقد تقدم أن ما يتعلق بالمعتقد يذكر على طريقتين:
الأولى: أن يكون من باب التقرير.
الثانية: أن يكون من باب الرد.
أما باب التقرير فإنه يقصد فيه إلى ذكر الكلمات والجمل الشرعية النبوية، وباب الرد لا مانع من استخدام الألفاظ المجملة.
[ ٤ / ١١ ]
منهج السلف في نفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله
قال المصنف ﵀: [وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه -مع ما أثبته من الصفات- من غير إلحاد، لا في أسمائه، ولا في آياته، فإن الله ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠]]
[ ٤ / ١٢ ]
معنى الإلحاد
قوله: (من غير إلحاد):
الإلحاد في أصل اللغة: الميل، ويُذكر الإلحاد ويراد به الكفر والجحود، ولم يقصد المصنف هنا الإلحاد الذي هو الكفر والجحود؛ لأن هذا لم يقع فيه أحد من أهل القبلة، وإنما حصل من الكفار، وهو الإلحاد في أسماء الرب ﷾ وآياته، وإنما الذي وقع فيه من وقع من أهل القبلة -وهو ما قصده المصنف هنا-: هو الإلحاد الذي هو بمعنى الميل عن الحق، والإلحاد قد يذكر ويراد به الكفر، وقد يذكر ويراد به نوع من الميل والظلم، كقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥]
[ ٤ / ١٣ ]
مناسبة ذكر الأسماء والآيات في باب الإلحاد
وقوله: (لا في أسمائه ولا في آياته):
وهنا تنبيه على طريقة بعض الشراح لكتب أهل العلم: فأحيانًا يقف بعض الشراح مع بعض كلمات العلماء وقوفًا منغلقًا: لماذا عبر هذا العالم بهذا التعبير؟! ثم يأتون بأعجوبات هي في الحقيقة من التكلفات في تفسير سياقات العلماء.
والحقيقة أن هؤلاء العلماء بشر يخطئون ويصيبون، وهذه مقدمة ضرورية.
ومقدمة أخرى: لا يلزم بالضرورة أن تكون سائر السياقات التي عبروا بها لها معانٍ مختصة مقصودة، وإن كان لها معانٍ عامة، لكن قولهم: لماذا عبر بهذه الكلمة ولم يعبر بالكلمة الأخرى؟ هذا هو التكلف.
وقد يكون الجواب عن هذا السؤال: أن أمامه أكثر من تعبير، فعبر بواحد من هذه التعبيرات، فالتكلف في فك الكلام ليس هذا من الشرح في شيء؛ بل الشرح هو بيان المعاني المقصودة بهذا الكلام، أما التكلف في التعبير فلا.
وهنا سؤال: لماذا قال المصنف ﵀: (لا في أسمائه ولا في آياته) ولم يقل: (لا في أسمائه ولا في صفاته)؟
والجواب: أن المصنف هنا اعتبر طريقة القرآن، أي: أن الإلحاد ذُكر في القرآن منفيًا عن أسماء الرب، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] ومنفيًا عن آياته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [فصلت:٤٠] فلمناسبة سياق الآيات ذكر المصنف ذلك في كلامه.
قال المصنف ﵀: [فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد للإلحاد والتعطيل].
قوله: (فطريقتهم):
أي: طريقة الصحابة، ومن اتبعهم بإحسان.
وقوله: (تتضمن):
التضمُّن: هو تعبير عن اجتماع معانٍ متصلة أو معانٍ متسلسلة، فإذا كان السياق فيه جملة من المعاني المتصلة قيل: إن هذه الطريقة تتضمن أكثر من معنى، وبين هذه المعاني المتضمَّنة قدْر من الاتصال.
وقوله: (مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه):
المصنف في هذا المقام عبر بنفي التشبيه عن الله، وهو تعبير صحيح، وإنما الذي قد يقال: إنه من القصور أن يُذكر هذا ولا يُذكر نفي التمثيل، هذا هو القصور، أما أن يقصد إلى عدم ذكر التشبيه مطلقًا، فإن هذا ليس معروفًا عن المتقدمين من الأئمة، فإنهم صرحوا بنفيه كثيرًا.
نصوص الإثبات والتنزيه تدل على التنزيه وعلى إثبات الكمال لله تعالى:
ومن القواعد في باب صفات الله تعالى: أن نصوص الإثبات تدل على إثبات صفات الله ﷾، وتدل كذلك على تنزيه الباري عن النقص، وكذلك نصوص التنزيه ونفي التمثيل وما إلى ذلك تدل على تنزيه الباري، وتدل على إثبات الكمال.
فمثلًا: في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] دلالة واضحة وصريحة على نفي التشبيه والتمثيل؛ لكن نقول: إن هذه الكلمة من القرآن هي أيضًا دليل على إثبات الكمال، فإن من وصف نفسه بأنه ليس كمثله شيء، دل هذا على اختصاصه بصفات كمال لا تكون لغيره.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هذا دليل على إثبات الصفات، وهو أيضًا دليل على إثبات التنزيه؛ لأن الله لم يذكر في كتابه وصفًا يتصف به إلا وذكره في مقام اختصاصه به، وكذلك النبي ﷺ لم يذكر صفة من صفات الله تعالى إلا وذكرها في مقام اختصاص الله تعالى بها.
فمثلًا: قال النبي ﷺكما في الصحيحين وغيرهما-: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ) إلخ، فأضاف النزول إلى الله تعالى، ثم قال: (فيقول: من يدعوني ..
من يسألني ..
من يستغفرني ..)، ومعلوم أن من يقول: من يدعوني، من يسألني، من يستغفرني، لا يكون إلا رب العالمين سبحانه، فظهر من هذا السياق النبوي أن هذا إثبات للكمال لهذه الصفة، وإثبات أيضًا للتنزيه؛ وذلك لأن اختصاص الباري بهذه الصفة يدل على إثبات الكمال، ويدل على إثبات تنزيه الباري ﷾.
وعليه: فإن العلم بكمال الله ﷾ وصفاته يُعلم من نصوص الإثبات ونصوص التنزيه -أي: نفي التمثيل- ونحوها.
كما أن العلم بتنزيه الباري ﷾ يُعلم بنصوص نفي التشبيه والتمثيل، كقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فهي تدل على التنزيه بالتصريح والبيان.
وكذلك فإن هذه النصوص تدل على الإثبات، فإن الله تعالى لَمَّا أخبر عن نفسه أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] عُلِم أنه مختص بكمال لا يشاركه فيه غيره؛ لأن هذا الشيء المنفي منه ما قد يتصف بشيء من الكمال؛ كالإنسان مثلًا، فإذا كان في مخلوقات الباري ما هو متصف بشيء من الكمال المناسب له، وقد قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وفي هذه المخلوقات شيء من الكمال في بعض مقاماتها وبعض صورها؛ عُلم بذلك أن الباري المنزه عن هذا المقام له كمال عظيم يختص به.
إذًا: سائر نصوص الإثبات تدل على إثبات الكمال، وعلى إثبات التنزيه، ونصوص التنزيه ونفي التشبيه والتمثيل تدل على إثبات التنزيه، ونفي التشبيه والتمثيل، وتدل على إثبات الكمال.
وأيضًا: فإن نصوص الإثبات المفصلة إنما دلت على إثبات التنزيه من جهة السياق، فإن الله ذكرها مضافة إلى نفسه، فدل على اختصاصه بها، وذكرها ﷾ على معانٍ واختصاص، فدل على أنه منزه عن مشاركة غيره ﷾ فيها.
[ ٤ / ١٤ ]