ذكر الله ﷾ إثباتًا مفصل لأسمائه وصفاته في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، وكل نص في الإثبات يدل على الإثبات ويدل على التنزيه، وقد تنوعت دلائل الصفات في كتاب الله تعالى، ومن فوائد ذلك: الرد على المخالفين بتنوع السياقات، فإذا أوَّلوا دليلًا لم يستطيعوا أن يؤولوا الدليل الآخر.
[ ٦ / ١ ]
الإثبات المفصل للصفات
قال المصنف ﵀: [وأما الإثبات المفصل فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]].
هذا إثبات مفصل: ﴿اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] وغير ذلك، فكل هذا من تفصيل أسماء الرب وصفاته.
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢] ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤] ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤] ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]].
هذا السياق وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] سياق مطلق؛ ولذلك يقال: من أسمائه: الغفور، الرحيم، ويقال: من أسمائه: الرحمن، الرحيم، فهذه السياقات في القرآن تختم بها الآيات.
على طريقة الإطلاق، وهذا النص فيه إثبات وتنزيه:
أما أنه إثبات فلتصريحه بالإثبات.
وأما أنه تنزيه فلأن السياق في قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] سياق اختصاص؛ ولذلك عبر هنا بقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ [يونس:١٠٧] فالسياق من جهة اللسان العربي سياق اختصاص.
[ ٦ / ٢ ]
تفسير أسماء الله: الأول، الآخر، الظاهر، الباطن
قال المصنف ﵀: [﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٤ - ١٦] ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]].
فسر ذلك النبي ﵌ في دعائه -كما في الصحيح- بقوله: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)، والثلاثة الأولى بيِّنة، وأما قوله: (وأنت الباطن فليس دونك شيء) فمعناه: أنه لا يخفى عليه شيء.
وقد قال بعض المتأخرين: إن هذه الأسماء مقترنة، فلا يذكر الأول إلا ويُذكر معه الآخر، ولا يُذكر الظاهر إلا ويذكر معه الباطن.
ونقول: هذا من باب الكمال، أما أنه من باب اللزوم فلا.
فلو قال قائل: إن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء.
وسكت، لكان كلامه صحيحًا، ولو قال: إن الله هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فإن كلامه يكون صحيحًا، ولو قال: إن الله هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، لكان كلامه صحيحًا ..
وهكذا.
وأيضًا: كيف يقال: إنه لا يمكن أن يذكر الظاهر إلا ويُذكر معه الباطن، مع أن هذا الاسم (الظاهر الذي ليس فوقه شيء) قد ذكر العلو والفوقية، وقد جاء ذكر العلو والفوقية مفردًا في آيات كثيرة في القرآن.
إذًا: هذا من باب الاقتداء والحكمة الشرعية، أما أنه شيء لازم، ولو ذُكر الأول وحده لكان غلطًا؛ فإن هذا ليس صحيحًا.
[ ٦ / ٣ ]
التنزيه وأنواعه
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] فيه ذكر التنزيه؛ لأنه قال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] والمخلوق له علم لكنه ليس بكل شيء عليم، فهذا يدل على الإثبات ويدل على التنزيه، والقاعدة في هذا الباب: (أن كل نص في الإثبات فإنه يدل على الإثبات ويدل على التنزيه).
والتنزيه نوعان:
النوع الأول: تنزيه عام.
النوع الثاني: تنزيه خاص.
والتنزيه الذي نقصده في نصوص الإثبات هو التنزيه العام الذي هو: تنزيه الباري عن كل ما لا يليق به.
وأما التنزيه الخاص: فهو التنزيه المناسب لهذه الصفة، بمعنى: أن الله لما قال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] دل ذلك على أنه منزه عن الجهل، والآية تتضمن هذا التنزيه الخاص، ومع تضمنها للتنزيه العام؛ فإن من كان بكل شيء عليمًا كان هو الأول، وكان هو الآخر، وكان هو الرب ..
وهكذا.
ولذلك فإنه لم يذكر النفي المفصل في القرآن الكريم، فلم يذكر الله تعالى نفي الجهل، ونفي العجز، وغير ذلك من الصفات التي هي مقابلة لصفات الكمال؛ وذلك لأن هذا التفصيل لا معنى له، والله تعالى قد ذكر الإثبات مفصلًا، فإن كل نص في الإثبات يدل على نفي التشبيه والتمثيل، ويدل على التنزيه الخاص والتنزيه العام.
قال المصنف ﵀: [﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨] وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]].
[ ٦ / ٤ ]
حكم القاتل عمدًا
قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا) هذه الآية من أخص الآيات وعيدًا في كتاب الله، ومعلوم أن قاعدة أهل السنة والجماعة: (أن مرتكب الكبيرة تحت مشيئة الله).
وقد جاء عن ابن عباس فيما ثبت عنه في الصحيح: (أن القاتل عمدًا ليس له توبة)، وقيل: إنه رجع عن ذلك، وهذه مسألة أخرى؛ لكن المقصود أن ما ذكره ابن حزم وبعض المتأخرين من أن ابن عباس يذهب إلى أن القاتل عمدًا يكون مخلدًا في النار، فهذا غلط على ابن عباس؛ لأن ابن عباس لم يقل: إنه يعذب في النار، إنما قال: (لا توبة له)، ومعنى ذلك: أنه يوافي ربه بالكبيرة، ويكون مستحقًا للوعيد، أما أنه يلزم من قول ابن عباس: (إنه لا توبة له) أنه يعذب في النار، فلا يلزم ذلك، ولا يلزم أن يكون مخلدًا في النار.
وهذا يدخل في قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وإن عذب -أي: إن لحقه العذاب- فإنه لا يكون مخلدًا.
فمن حكى عن ابن عباس أن القاتل عمدًا يخلد في النار فقد غلط عليه، ومن حكى عنه أيضًا أن القاتل عمدًا يعذب في النار فقد غلط عليه؛ إنما الذي قاله ابن عباس أنه (لا توبة له) أي: يوافي ربه بذنبه، ويكون مستحقًا للوعيد، وأهل الكبائر دون الشرك -عند ابن عباس وغيره- إذا وافوا ربهم بالكبائر فإنهم تحت مشيئته.
ومسألة القتل من أشد المسائل في القرآن والسنة، وفي قتل النفس قال النبي ﷺ كما في الصحيحين عن أبي هريرة: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًا ) إلى آخر الحديث، وقد رواه غير الشيخين كـ الترمذي وغيره.
وقد أشكل على بعض أهل العلم قوله: (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) مع أن القاعدة عند أهل السنة والجماعة: أن الكبائر لا توجب التأبيد في النار إلا كبيرة الشرك والكفر بالله، أما ما عدا ذلك فإنه إذا عُذِّب يعذب قدرًا في النار، ثم يخرج منها إلى الجنة.
وعليه: فقوله: (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) فيه طريقان:
الطريق الأول: أن يكون هذا من باب التعبير العربي في أنه يستحق قدرًا كبيرًا من العذاب.
الطريق الثاني: أن تكون اللفظة الأخيرة وهي قوله: (أبدًا) لم تصح عن النبي ﷺ.
وكأن هذا هو الأقرب، وهو أن قوله: (أبدًا) لفظة معلولة، فإسنادها غريب فرد، وقد أشار الإمام الترمذي إلى إعلالها، وإن كانت في الصحيحين، ومعلوم أن الشيخين إذا اتفقا على حديث لزمت صحته، كما ذكره جماعة من أهل العلم؛ لكن فرق بين أن يقال: إن الحديث ليس بصحيح، أو مطعون فيه، أو مُعَلّ، وبين أن يقال: إن لفظًا فيه دخله الإعلال.
إذًا: القاعدة الشرعية المنضبطة في الكتاب والسنة والإجماع لا يمكن أن يُخرج عنها بهذا؛ وهذا من باب رد المختلَف فيه إلى المؤتلف، أي: ما دام أن القاعدة منضبطة أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار، فلا يجوز لأحد أن يقول: إن من قتل نفسه يخلد في النار أبد الآبدين كالكفار؛ لأنه مخالف للقاعدة الأصل، وهو غير متمسك بالنص؛ لأن هذا النص الذي فيه قدر من الإشكال والاشتباه يرد إلى المؤتلف، وإلى المجمع عليه، وإلى البين المحكم؛ ولابد من مراعاة هذا الأمر في فقه الحروف؛ فإنه لا يفقه الحرف من القرآن وحده؛ بل لا بد أن يقاس وأن يعتبر في السياق وبمقارِنِه وبالأصول في هذا الباب ..
ونحو ذلك.
ولذلك فإن من يفقه الحروف وحدها يقع أحيانًا في شيء من الإشكال، فمثلًا: وجد بعضهم أن النبي ﵌ قال -كما في الصحيحين- عن الخوارج: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، فقال: الحديث صريح في كفرهم.
وهذا غلط؛ لأن الصحابة وهم أفقه الناس لكلام النبي ﷺ، لما أدركوا هؤلاء الخوارج أجمعوا على قتالهم، كما يقول ابن تيمية: أن هذا هو ظاهر مذهب الصحابة، ومع ذلك يقول: إنه من جنس الإجماع عند الصحابة الذين أدركوهم أنهم ليسوا كفارًا؛ فلا يمكن أن يكون بين الصحابة إطباق على فقه نص ويكون فقهه خطأً عندهم.
[ ٦ / ٥ ]
تنوع دلائل الصفات والحكمة من ذلك
قال المصنف ﵀: [وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠] وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]].
يلاحظ تنوُّع الأدلة على بعض الصفات: فبعض الصفات جاءت بنص أو في سياق، وبعض الصفات -ولا سيما أصول الصفات؛ كعلم الله، وكعلوه، وكلامه، ونحو ذلك- جاءت دلائلها متنوعة.
ومن هنا قال بعض أهل العلم: إن أدلة العلو تقارب الألف دليل في الكتاب والسنة، وكذلك قالوا مثل ذلك عن كلام الله تعالى، وقد أخذوا ذلك من تنوع الأدلة، فمثلًا: صفة الكلام ثابتة بقول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وثابتة بقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص:٦٢] وكل نص فيه ذكر مناداته سبحانه فإنه دليل على اتصافه بالكلام، وكل آية فيها ذكر قوله سبحانه فهي دليل على إثبات الكلام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ﴾ [يس:٨٢] وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وكل آية فيها ذكر أمره ﷾ فهي دليل على اتصافه بالكلام، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [النساء:٥٨].
ومثله صفة العلو: فآيات ذكر الفوقية، وآيات ذكر أن الله في السماء، وآيات ذكر أنه في العلو، وغير ذلك، كلها دليل على إثبات صفة العلو.
ومن فوائد تنوع الأدلة -مع تحقيق الإيمان بذلك-: أنك إذا كنت عارفًا بتنوع الأدلة في هذه الصفة، وحاول المخالف تأويل آية من الآيات، فإن تأويل غيرها يكون ممتنعًا، فلو فرض جدلًا أن سياقًا من السياقات يمكن تأويله، فيقال: لو سلمنا أن هذا السياق يمكن تأويله فإن ثمة سياقات أخرى يمتنع فيها التأويل، وهذا أيضًا من باب رد ما يزعم المخالف أنه مختلف فيه إلى ما كان مؤتلفًا في حكمه.
[ ٦ / ٦ ]
أقسام خلق الله
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]].
خلق الله ﷾ يقع على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون خلقه ﷾ لشيء بمحض الأمر، وهو المذكور في مثل قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
الوجه الثاني: أن يكون خلقه ﷾ على قدر من التقدير والتدبير وتسلسل الأسباب، كخلقه لآدم، وكخلقه للسماوات والأرض، وغير ذلك من مخلوقاته.
فإما أن يكون خلقًا سببيًا، أي: معتبرًا بتسلسل الأسباب؛ كخلق بني آدم، فإن زيد بن عمرو هو ولد لعمرو ولأمه، فخلق بهذين الأبوين على جهة السببية.
ومن خلقه ﷾ ما كان مقطوعًا عن الأسباب، إنما يخلق الشيء بمحض الأمر، كخلقه ﷾ للحية في قصة موسى، فإن العصا انقلبت حية لما أمرها الله أن تكون حيةً، فقد خلقت بمحض الأمر، والحيات الأخرى خلقت بتسلسل الأسباب، والله هو الخالق للسبب والمسبَّب.
وسائر ما يقع في الكون هو من تقديره وخلقه وأمره ﷾.
والملائكة سبب في خلق الله، وقد غلط بعض المتأخرين فقال كلمة يُعْجَب منها، وقد توجد في بعض الكتب التي يتداولها الناس، قال: "إن كل ما يحدث في الكون هو بأثر الملائكة وتدبيرهم"، وهذا غلط، فإن الملائكة عباد مكرمون، وقد بيَّن الله ﷾ أن لهم عملًا، وأنهم مشغولون بأمر الله وتدبيره لهم؛ ولكن ليس في كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ أن الملائكة قد أحاطوا بشأن الملكوت، أو أنهم يدبرون سائر ما يكون، لكن هناك أمور من أمره ﷾ تدبرها الملائكة بتدبير الله وأمره لهم، ولكن أن يقال: إن كل ما يقع هو بأثر الملائكة، فإن هذا غير صحيح؛ بل يقع ما هو بأثر الملائكة، ويقع ما هو بمحض أمره ﷾ وخلقه، وغير ذلك.
قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٢ - ٢٤]].
هذا تفصيل لأسمائه تعالى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤] وغير ذلك من الأسماء الحسنى.
[ ٦ / ٧ ]
المقصود بتسبيح الجمادات
وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الحشر:٢٤] ما معنى أن ما في السماوات والأرض يسبح له ﷾؟
الجواب: إن كثيرًا من الأسئلة قد غُلط في أصلها، والذي أصبح كأنه شيء مألوف عند الناس أن كل سؤال لا بد له من جواب مفصَّل يتناسب مع السؤال.
والحق أن بعض الأسئلة يكون جوابها التوقف، وأن هذا مما اختص الله بعلمه، فلا يجوز أن نقول: إن تسبيح الجبال مثلًا هو سكونها، وإن تسبيح السحاب يكون بحركته، فإن هذا تفصيل والتماس غير صحيح؛ لأنه قول بغير علم، والله تعالى لما ذكر التسبيح قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] فلما قال: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] علم أن جواب هذا السؤال أن يقال: إنها تسبح حقيقةً، ولكن تسبيحها لا يُفْقَه، ولو كان تسبيحها هو محض حركة السحاب، أو سكون الجبال، لكان مما يُشاهَد فضلًا عن أن يُفْقَه، ولكن لما قال: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] عُلِم أن هذا مما يتوقف فيه، وأنه يُسَلَّم به، والإنسان لا يمكن لعقله أن يتصور سائر الممكنات التي قد يقدرها الله ﷾ أو ينشئها.
[ ٦ / ٨ ]
حكم إطلاق لفظ الذات على الله تعالى
قال المصنف ﵀: [إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل].
قوله: (إثبات ذاته وصفاته):
أي: إثبات وجوده وكماله.
وكلمة (ذات) في حق الله ﷾ هي من القسم الثاني من الأقسام الأربعة التي ذكرناها للكلمات وهو: ما يسوغ استعماله.
قال ﵀: [وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل صلى الله عليهم أجمعين].
وهذه الطريقة طريقة محكمة فطرية عقلية شرعية.
والدليل على كونها فطريةً عقلية أن مشركي العرب وغيرهم لم يعاضلوا ويناظروا النبي ﷺ فيها، فدل ذلك على أنها لا تخالف حكم العقل، ولا تخالف حكم الفطرة.
وإنما دخل على المسلمين بعض المقالات بعد عصر الصحابة من الفلسفة اليونانية ونحوها.
وقد ذكرنا فيما سبق: أن علم الكلام الذي حصَّل به المخالفون التعطيل لصفات الله مبني على ثلاث مقدمات:
المقدمة الأولى: مقدمة فلسفية مفصلة، وهي جوهره ومبناه الكلي.
المقدمة الثانية: مقدمة كلية من العقل.
المقدمة الثالثة: مقدمة مجملة من الشرع.
[ ٦ / ٩ ]