ذكر نفاة صفات الله تعالى شبهة ظنوها تسعفهم فيما ذهبوا إليه من نفي الصفات، وهي: أن الاشتراك في الاسم المطلق يستلزم التماثل في الحقيقة أو التشبيه عند الإضافة والتخصيص، وهي شبهة واهية لا دليل عليها؛ بل إن الأدلة الشرعية والعقلية تدل على أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل عند الإضافة والتخصيص، وعلى ذلك أمثلة كثيرة.
[ ٩ / ١ ]
الموجود إما الخالق وإما المخلوق ولكل منهما وجود يخصه
قال المصنف ﵀: [وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه، إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد عُلم بالاضطرار أن المحدَث لا بد له من محدِث، والممكن لا بد له من واجب، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق، ولا هم خالقون لأنفسهم، تعين أن لهم خالقًا خلقهم].
هذه مقدمات من ضرورة الشرع، وضرورة العقل، وضرورة الفطرة؛ ليبين أن المنحرفين من هذه الطوائف الثلاث جميعهم قد خالفوا أصول الفطرة الأولى فضلًا عن الأدلة "المفصلة" العقلية أو الشرعية.
[ ٩ / ٢ ]
شبهة أن الاشتراك في الأسماء يوجب تماثل المسميات والرد عليها
قال المصنف ﵀: [وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما بمسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا؛ بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمي ذلك الاسم عند الإضافة والتقييد والتخصيص، ولا في غيره، فلا يقول عاقل -إذا قيل: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود-: إن هذا مثل هذا لاتفاقها في مسمى الشيء والوجود؛ لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه؛ بل الذهن يأخذ معنى مشتركًا كليًا هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود، فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما].
بعد أن ذكر المصنف ﵀ المذهب الشرعي الصحيح الذي عليه جمهور المسلمين وأتباع المرسلين، ثم ذكر بعد ذلك المنحرفين عن سبيلهم، أراد هنا أن يبين جوهر الإشكال عند هذه الطوائف في نفيهم للصفات؛ فذكر أن هناك قاعدة يزعمون أنها قاعدة عقلية، وهي: أن الاشتراك في الاسم المطلق يستلزم التماثل في الحقيقة أو الاشتراك والتشبيه عند الإضافة والتخصيص.
وبيان ذلك: أن الله ﷾ قد سمى نفسه في القرآن الكريم: العزيز، وسمى بعض عباده بالعزيز، فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١] ووصف نفسه بأنه سميع بصير فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] ووصف الإنسان بأنه سميع بصير فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] وقال عن نفسه: ﴿﵃﴾ [البينة:٨] وقال عن عباده المؤمنين: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨] وسمى نفسه بالملك فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ [الحشر:٢٣] وسمى بعض عباده بالملك فقال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٤]
فهنا اشتراك في هذه الأسماء والأوصاف بين الخالق وبين المخلوق، فزعم هؤلاء أن هذا الاشتراك في اسم العزيز والسميع والبصير ونحوها بين الخالق والمخلوق، أنه هو التشبيه الذي نفته النصوص في مثل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ومن هنا قالت المعتزلة وغيرها من المتكلمين بلزوم تأويل هذا الإثبات، حتى نحافظ على التنزيه المذكور في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ومن هنا قال ابن سينا: إن هذا التشبيه للعامة دون الخاصة ..
وغير ذلك.
فالمصنف ﵀ يريد هنا أن ينتهي إلى حكم عقلي ضروري، هذا الحكم هو: أن الاشتراك في الاسم المطلق -أي: غير المضاف- بين الخالق والمخلوق، لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص، أي: عند إضافة هذا الاسم إلى الله، أو إضافته إلى المخلوق، كأن يقال: علم الله، وعلم المخلوق ..
ونحو ذلك.
إذًا: هم زعموا أن الاشتراك في الاسم المطلق -أي: المجرد عن الإضافة والتخصيص- يستلزم التشبيه والتمثيل بعد الإضافة والتخصيص، فلم يفرقوا بين حكم الاسم المطلق، وبين حكم الاسم المختص المضاف.
أما المصنف ﵀ فإنه يقول: إن العقل -فضلًا عن الشرع- يفرق بين الاسم المطلق وبين الاسم المضاف، ويقول: إن الذي ينزه الباري عنه هو أن يقع بينه وبين شيء من خلقه اشتراك بما يختص به سبحانه أو يجب له.
وأما أن ثمة اشتراكًا في الاسم المطلق، فهذا ليس هو التشبيه الذي نفته النصوص كقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
ومن الأدلة على ذلك: أن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى ببعض هذه الأسماء بعض المخلوقين من عباده، ووصف نفسه بصفات، ووصف ببعض هذه الصفات بعض المخلوقات، وهذا الاشتراك الذي حصل هو اشتراك في الاسم المطلق، وليس في الإضافة والتخصيص، فلا يلزم من ذلك التماثل أو التشابه بين الخالق والمخلوق.
[ ٩ / ٣ ]
الرد الشرعي على شبهة أن الاشتراك في الاسم يستلزم التماثل
وقد رد المصنف ﵀ على هذه الشبهة وأبطلها من وجهين:
الوجه الأول -وهو الرد الشرعي-: أن القرآن ذكر هذه الصفات وسمى ببعضها المخلوقين، والقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] فيمتنع أن يكون القرآن قد نفى التشبيه وأثبته في آن واحد؛ لأنه يلزم من ذلك أن ينسب القرآن إلى التناقض.
وقد أجاب المخالفون عن ذلك بالتأويل؛ لأنهم لم ينفوا وجود هذا الأمر في القرآن؛ بل قالوا: إنه موجود في القرآن، وهو مشكل، ولذلك لجئوا إلى التأويل، وقد منع شيخ الإسلام ابن تيمية التأويل وأغلقه؛ لأنه -كما يقول- يشارك طريقة الباطنية من حيث أنه يُجعل للآية معنيان مختلفان؛ بل متضادان: أحدهما ظاهر والآخر مؤول، وكلاهما يدل عليه كلام العرب، والأول يناقض الآخر، فإنهم يقولون: إن الظاهر دلت عليه الحقيقة، والمؤول دل عليه المجاز، والحقيقة والمجاز كلاهما سياق عربي.
إذا كان كذلك فإن هذا هو وجه الإغلاق عند شيخ الإسلام، وهذه المسألة فيها حكمة بينة.
ومنهم من زعم أن هذا للعامة، كما يقول ابن سينا، ومنهم من لم يرفع بذلك رأسًا، وفسره تفسيرًا رمزيًا، كما يقول الباطنية، وقالوا: إن هذا للعامة، من جنس ما يقوله ابن سينا أيضًا.
[ ٩ / ٤ ]
الرد العقلي على شبهة أن الاشتراك في الاسم المطلق يستلزم التماثل
الوجه الثاني: الرد العقلي على هذه الشبهة: أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم الثماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص بين المخلوقات والمحسوسات، فبين الخالق والمخلوق من باب أولى.
هذا هو الرد العقلي، وهو مبني على القواعد العقلية الكلية، ومبني على المشاهدات الحسية.
ومن المعلوم أن الدليل العقلي المبني على الحسيات أو على الاطراد الحسي يكون يقينيًا، كما أن الدليل العقلي إذا بني على الكليات العقلية والضرورية المجردة صار يقينيًا، والمصنف ﵀ قد بنى دليله على الكليات العقلية الضرورية المجردة، وعلى الاطرادات الحسية، وهذا الدليل يقول: إن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل بين المخلوقات نفسها، فإذا كان الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل عند الإضافة والتخصيص بين المخلوقات نفسها، فبين الخالق والمخلوق من باب أولى؛ بل يكون التماثل في الحقيقة بين الخالق والمخلوق عند الإضافة تماثلًا ممتنعًا.
[ ٩ / ٥ ]
اشتراك الخالق والمخلوق في الوجود لا يستلزم التماثل
ثم ذكر المصنف ﵀ بعد ذلك مسألة الوجود، فقال: إن الله ﷾ موجود، وهذه ضرورة يقر بها عامة بني آدم، والمخلوق من بني آدم وغيرهم كذلك موجود، فحصل بين هذا المخلوق وبين الصفة التي ذكرت في حق الخالق -وهي الوجود- اشتراك، فإنه يقال عن المخلوق: إنه موجود، والله ﷾ أيضًا موجود، فهل يلزم من هذا الاشتراك في هذه الصفة أن يكون وجود الخالق كوجود المخلوق، أو أن يكون وجود المخلوق كوجود الخالق؟
الجواب: لا، مع أن الله ﷾ يسمى موجودًا، وهذه المخلوقات يقال عنها: إنها موجودة، فاشتركا في اسم الوجود، وهذا الاشتراك في هذا الاسم لم يستلزم التماثل بعد الإضافة والتخصيص.
إذًا: هذا الاشتراك في اسم الوجود عند الإطلاق -أي: قبل الإضافة- لم يستلزم التماثل في الحقيقة بعد الإضافة والتخصيص، وهذا من البدهيات، ولا يمكن لأحد أن يعاضل فيه، إذا كان الأمر كذلك فالمصنف يريد أن يقول: فما الفرق بين هذا الاشتراك وبين الاشتراك في اسم العلم، أو في اسم الحياة، أو في اسم السميع والبصير
إلخ؟
بمعنى: أنه إذا قيل: إن الله موصوف بالسمع، والمخلوق موصوف بالسمع، لم يلزم بعد الإضافة والتخصيص أن يكون سمع الخالق ﷾ كسمع المخلوق، فإن قال قائل: إنه يلزم، قيل: فلم لم يلزم أن يكون وجوده كوجود المخلوق؟!
ومن هنا عُني المصنف في كتبه المفصلة -كدرء التعارض وغيره- بتقرير مسألة الوجود؛ لأنها تعتبر قاعدة بدهية ضرورية، فإنه حتى الغلاة الذين ينفون الأسماء والصفات من المتفلسفة، أو غلاة المتكلمين، لا ينازعون في مسألة الوجود؛ بل إن سائر العقلاء، فضلًا عن المنتسبين إلى الإسلام، أو للديانات السماوية، يقرون بوجود الله، ويقرون -بضرورة الحال- بوجود هذه المخلوقات، فحصل الاشتراك في اسم الوجود.
[ ٩ / ٦ ]
الاشتراك في الاسم والمسمى
نجد أن المصنف ﵀ يقول: (ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود)، ثم بعد ذلك يقول: (واتفاقهما في اسم عام)، فهل حصل الاشتراك في الاسم أم في المسمى؟
الاشتراك الذي حصل هو في اسم الوجود من جهته اسمًا، وفي مسماه الكلي الذهني المطلق، وقولنا: (الكلي الذهني) أي: المعنى الكلي لهذا الاسم الذي يحمله الذهن، لكنه لا يوجد في الخارج؛ لأنه لا توجد في الخارج إلا المعينات، المخصصات، المضافات.
وقد يقول قائل: لماذا نقول: إن ثمة اشتراكًا في الاسم المطلق الكلي الذي يحمله الذهن؟
والجواب: أن هذا ليفهم الخطاب، فإن اسم الوجود في حق الله وحق المخلوق مقول بقدر من التواطؤ الكلي، وليس مقولًا بالاشتراك اللفظي؛ لأنه لو قيل أنه مقول بالاشتراك اللفظي المحض؛ لكان هذا مما يوجب عدم فقه الخطاب، فلا يُعلم ما معنى وجود الله ﷾.
إذًا: هذه الأسماء مقولة بالتواطؤ الكلي، ولذلك قيل: إن ثمة اشتراكًا في المسمى في وجهه الكلي المطلق الذهني الذي لا يوجد في الخارج، والتباين يكون في المسمى عند إضافته وتخصيصه، وهذا هو الذي يوجد في الخارج.
إذًا: هناك وجهان:
الأول: أن يكون الاشتراك في الاسم.
الثاني: أن يكون الاشتراك في المسمى الكلي الذهني المطلق، وهذا معنىً عام غير مخصص ولا مضاف، والاشتراك فيه ليفقه الخطاب، فمثلًا: السمع في حق الإنسان هو إدراك المسموع، ولا يمكن أن يكون السمع في حق الله تعالى معنىً بعيدًا عن هذا المعنى العام.
مثال آخر: أخبر الله سبحانه أن في الجنة خمرًا، وأن في الدنيا خمرًا، فهناك اشتراك في الاسم، وهو (الخمر)، وهناك اشتراك في مسمىً ذهني كلي، وهو أنه شراب ذو لذة ومحبة للنفوس ..
وما إلى ذلك، وهذا معنى عام.
وعليه: فلا يمكن أن يكون الخمر في الآخرة عبارة عن باب من أبواب الجنة اسمه الخمر؛ لأنه لو كان عبارة عن باب لقلنا: إن الاشتراك لاسم الخمر هو من باب المشترك اللفظي.
كذلك فيما يتعلق بحقه ﷾، وهو منزه عن مشاكلة ومشابهة مخلوقاته، لكن المصنف يقول: إن هذا معنىً كلي لا وجود له في الخارج، إنما به يفقه الخطاب، وبه يعرف كمال الرب ﷾، فهذا هو مقصوده بقوله: (ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود).
وقوله ﵀: (فلا يقول عاقل -إذا قيل: إن العرش شيء موجود، وإن البعوض شيء موجود-: إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود):
أي: لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود في وجهه الكلي الذهني المطلق، بمعنى: أنه لا يوجد في الخارج، والمطلق أي: المجرد عن الإضافة والتخصيص.
وقوله: (لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنىً مشتركًا كليًا لمسمى الاسم المطلق):
هذا هو المقصود بالمسمى المطلق الذي يثبته المصنف، وهو ما عبر عنه هنا بقوله: بل الذهن يأخذ معنىً مشتركًا كليًا هو مسمى الاسم المطلق، وهذا ليس هو المسمى المضاف المخصص، ففرْقٌ بين المسمى الكلي وبين المسمى المضاف.
وقوله: (وإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود، فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما):
وذلك لأن اسم الوجود للعرش أو للبعوض مقول بالتواطؤ الكلي، وهذا التواطؤ الكلي لا يستلزم تماثلًا في الحقيقة؛ لأنه كلي ذهني لا يوجد في الخارج، إنما هو معنىً عام غير مضاف وغير مخصص، فليست فيه عوارض العرش ولا عوارض البعوضة؛ لأنه لم يضف ولم يخصص.
[ ٩ / ٧ ]
أسماء الله وصفاته مختصة به وإن اتفقت مع ما لغيره عند الإطلاق
قال المصنف ﵀: [ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه، لا يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، لا اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة أو التخصيص].
لم يقل المصنف: توافق تلك الأسماء، وسكت؛ بل قال: توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، وقد سبق أن نصوص الإثبات كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] تدل على الإثبات، وتدل على التنزيه؛ لأنها مسوقة مساق الاختصاص بالخالق ﷾، وهذا يمنع أن يكون المخلوق مشاركًا له في هذا الاسم أو في هذه الصفة.
[ ٩ / ٨ ]
لا يلزم من اتفاق الاسمين تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص
وقوله: (ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما):
هذا السياق فيه اختلاف في النسخ، وبعض هذا الاختلاف قد يسبب غلطًا في فهم العبارة، والصواب في قراءتها هو: (ولم يلزم من اتفاق الاسمين، وتماثل مسماهما، واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص)، هذا هو السياق الصحيح للعبارة.
فقوله: (ولم يلزم من اتفاق الاسمين) أي: الاتفاق الاسمي اللفظي، أن هذا يسمى موجودًا وهذا يسمى موجودًا.
وقوله: (وتماثل مسماهما) أي: التماثل الذي نقول عنه: الكلي الذهني، فلابد أن يتفق الاسمان ويتماثل المسمى في وجهه الكلي؛ لأن مسألة المسمى لا يجوز إطلاقها، فإذا قيل: هل في المسمى اشتراك أو ليس فيه اشتراك؟ قيل: فيه تفصيل: فإذا كان المسمى في وجهه الكلي الذهني المطلق فهذا وجه، وإذا كان المسمى في وجهه المضاف المخصص فهذا وجه آخر.
وقوله: (واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص اتفاقهما):
في بعض النسخ: (لا اتفاقهما) واللام هنا غلط، بل الصواب: (اتفاقهما)، أي: لم يلزم الاتفاق في الاسم وفي المسمى الكلي الاتفاق عند الإضافة والتخصيص.
وقوله: (ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص):
أي: أنه لم يلزم التماثل عند الإضافة والتخصيص، وهذا بيّن في مخلوقات الله؛ كما في المثال السابق، وهو اتفاق العرش والبعوض في مسمى الوجود، ومع ذلك فوجود العرش غير وجود البعوض، فإذا كان هذا بينًا في المخلوقات، فبين الخالق والمخلوق من باب أولى.
والاتحاد: هو عبارة عن ماهية واحدة، ليس فيه غيرية، أما التماثل: فهو عبارة عن ماهيتين، لكن بينهما تماثل، ففيه غيرية، فإذا لم يلزم التماثل فمن باب أولى لا يلزم الاتحاد.
ولذلك فإن القول بوحدة الوجود من أفسد المقالات التي قالتها الأمم المنحرفة عن دين المرسلين.
[ ٩ / ٩ ]
الأدلة من القرآن على أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل والتشبيه
قال المصنف ﵀: [فقد سمى الله نفسه حيًا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وسمى بعض عباده حيًا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الروم:١٩] وليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله: (الحي) اسم لله مختص به، وقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق].
بدأ المصنف ﵀ يستشهد بالآيات، وهذا هو الدليل الشرعي القرآني المتواتر الدال على أن الاشتراك في الاسم المطلق ليس هو التشبيه الذي نفته النصوص، ولا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص، إلا إذا فرض أن في القرآن تعارضًا، وهذا فرض ممتنع؛ لأنه كفر بالقرآن.
قال ﵀: (فقد سمى الله نفسه حيًا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وسمى بعض عباده حيًا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩] وليس هذا الحي مثل هذا الحي):
فهنا اشتراك في اسم الحي، فإذا قيل: الحي، فإن هذا اسم مطلق، ولا يقصد به الخالق أو المخلوق؛ لأن الذهن لم يضف هذا الاسم لا إلى الله ﷾، ولا إلى حياة زيد أو عمرو، فإذا قيل: الحي، أو العلم، أو اليد، أو السمع، فهذا اسم في الذهن لا وجود له في الخارج إلا إذا أضيف فقيل: الله لا إله إلا هو الحي، فهنا يكون المقصود بالحي الباري ﷾.
فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ [البقرة:٢٥٥] آية مضافة مخصصة بالله ﷾، والحي في الآية الثانية ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الروم:١٩] مضاف ومخصص بالمخلوق، فاشتركا في اسم الحي، ولم يلزم من ذلك أن تكون الحياة كالحياة، فإن حياته ﷾ لائقة به، فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأما المخلوق فإن حياته مخلوقة مسبوقة بالعدم، ويلحقها زوال وتدرج وتسلسل
إلخ، فينتقل من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة ..
وهكذا.
وقوله: (لأن قوله: (الحي) اسم بالله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الروم:١٩] اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج):
أي: ليس للمطلق الحي مسمى موجود في الخارج، إنما له مسمىً كلي في الذهن.
[ ٩ / ١٠ ]
المقصود بالمطلق الذي به يفهم الخطاب
وقوله: (ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين):
هذا هو ما نسميه: بالمسمى الكلي المطلق، والمطلق هو المعنى الكلي الذي يفهمه العقل من اسم الحي وما إلى ذلك.
فإذا قيل: الحي، أو السمع، أو اليد، فإن العقل يفهم لكل كلمة معنى كليًا، وهذا من بدهيات العقول، وهو المقصود بكلام المصنف أن هذا الكلي العام غير المضاف به يفهم الخطاب.
[ ٩ / ١١ ]
التمييز بين الخالق والمخلوق في الصفات
وقوله: (وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق):
التقييد يكون بالإضافة، أي: تقييد ما يليق بالخالق وما يليق بالمخلوق، والتمييز يكون أيضًا بالإضافة، فإذا قيل: حياة الله ﷾، فبذلك يكون تنزيه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به من عوارض حياة المخلوقين؛ لأن الحياة هنا أضيفت إلى الله ﷾ ..
وهلم جرا.
[ ٩ / ١٢ ]
اتباع المنهج السابق في جميع أسماء الله وصفاته
قال المصنف ﵀: [ولابد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص، المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه ﷾].
بين المصنف ﵀ أنه لابد من تطبيق المنهج الذي ذكره في مسمى (الوجود) في جميع أسماء الله وصفاته، ثم قال: (يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق)، ومقصوده هنا أن يمنع أن يكون الاشتراك اشتراكًا لفظيًا، وهذا التواطؤ هو تواطؤ كلي ذهني، ومن قال: إنه تواطؤ إضافي، فهو مشبه لله تعالى بخلقه، والمصنف هنا يقول: إنه كلي ذهني لا يوجد في الخارج، وإنما به يعقل الخطاب؛ لأن الله تعالى عندما يقول عن نفسه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] والقرآن نزل بلسان العرب، فهناك معنىً كلي عن السمع وعن البصر يفهم من لسان العرب، فيقول المصنف: إنه لو قيل: إنه مشترك لفظي محض، لصار فقه معنى أسماء الله تعالى وصفاته غير ممكن، وهذا ليس بصحيح، بل المعنى معلوم، كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم"، أي: معلوم المعنى في القرآن والسنة، وفي كلام العرب؛ لأن القرآن لابد له من تدبر، والله تعالى أمر عباده أن يتدبروا القرآن، وتدبره معرفة معانيه، ومن ذلك الأسماء والصفات التي ذكرت فيه.
[ ٩ / ١٣ ]
تابع الأدلة من القرآن على أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل والتشبيه
قال المصنف ﵀: [وكذلك سمى الله نفسه عليمًا حليمًا، وسمى بعض عباده عليمًا فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨] يعني: إسحاق، وسمى آخر حليمًا فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١] يعني: إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.
وسمى نفسه سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] وسمى بعض خلقه سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير].
يتابع المصنف ﵀ ذكر الآيات القرآنية الدالة على أن الله تعالى يسمي نفسه بأسماء أو بصفات، وتذكر هذه الصفات من حيث الاشتراك المطلق في حق المخلوق، وبذلك يتبين أن هذا ليس هو التشبيه الذي نفته النصوص، فمن قال: إن الله سميع ويسمع، وإن المخلوق سميع ويسمع، فإن هذا ليس مشبهًا؛ لأنه ليس هذا هو التشبيه الذي نفاه الله في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] إنما الذي نفاه القرآن هو أن يكون هناك تماثل في الصفة، ولو كان التماثل في الاسم هو التشبيه للزم أن يكون التماثل في مسمى الوجود من باب التشبيه، وهذا يقود إلى نفي وجود الله؛ لأنه إما أن ينفى وجود المخلوقات -والمخلوقات موجودة- وإما أن ينفى وجود الله تعالى، وهذا لا يقول به أحد، فهذا مما يعلم به امتناع هذا الأمر في أوائل العقول والفطر.
وقوله: (وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير)؛ لأن هذا مضاف إلى الله، وهذا مضاف إلى المخلوق، فاشتركا في الاسم المطلق، وأما عند الإضافة والتخصيص فإن المسمى متباين.
قال المصنف ﵀: [وسمى نفسه بالرءوف الرحيم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج:٦٥] وسمى بعض عباده بالرءوف الرحيم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] وليس الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم.
وسمى نفسه بالملك فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر:٢٣] وسمى بعض عباده بالملك فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩].
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٤] وليس الملك كالملك.
وسمى نفسه بالمؤمن فقال: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣] وسمى بعض عباده بالمؤمن فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨] وليس المؤمن كالمؤمن.
وسمى نفسه بالعزيز فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣] وسمى بعض عباده بالعزيز فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١] وليس العزيز كالعزيز.
وسمى نفسه الجبار المتكبر، وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر كالمتكبر، ونظائر هذا متعددة.
وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وسمى صفة المخلوق علمًا وقوة فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤] وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢] وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] أي: بقوة، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ [ص:١٧] أي: ذا القوة، وليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة].
[ ٩ / ١٤ ]
صفة اليد لله تعالى
من المعروف في لغة العرب أن اليد تأتي بمعنى القوة، كقوله ﷾: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] أي: بقوة، وتطلق ويراد بها النعمة، كقول عروة بن مسعود الثقفي لـ أبي بكر الصديق في صلح الحديبية لما نهره أبو بكر، فقال عروة بن مسعود: (من هذا؟ قال: هذا أبو بكر، فقال: لولا يد لم أجزك بها لأجبتك) أي: لولا نعمة.
فإن قال قائل: إذًا فمن فسر قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] بأن اليد هنا صفة لله تعالى، فقد أصاب وجهًا في كلام العرب، ومن فسرها بأن اليد بمعنى القوة والقدرة، فقد أصاب وجهًا في كلام العرب، فلماذا يقال: إن ذلك تفسير صحيح، وهذا تفسير بدعي؟ مع أن العرب تعرف اليد بمعنى الصفة إذا قالوا: أكل زيد بيده، أو قطعت يده، ونحو ذلك، وتعرف اليد بمعنى النعمة أو القوة، ونحو ذلك من المعاني المعروفة في لغة العرب.
فالجواب: أن العرب تعرف اليد بمعنى النعمة في سياق، وإذا عرفتها بمعنى النعمة فلا يمكن أن تكون مفسرة بمعنى اليد التي هي الصفة، فإن العرب تتكلم بكلام وليس بكلمة، وكل كلام له معناه من حيث السياق الدال عليه، فحينما قال عروة لـ أبي بكر: (لولا يد لم أجزك بها لأجبتك) قلنا: معناه: لولا نعمة، وليس هذا من باب التأويل لكلام عروة، وليس هو أيضًا خروجًا من الحقيقة -كما يقال- إلى المجاز؛ لأنه أصلًا لم يرد إلا معنىً واحدًا، ولا يمكن أن يفهم من هذا الكلام إلا معنىً واحد، وهذا هو الذي جعل ابن تيمية ﵀ يمنع أن يكون المجاز من عوارض المعاني، فمثلًا: إذا قيل: رأيت أسدًا يخطب، هم يقولون: إن المعنى الحقيقي أنك رأيت الحيوان المعروف وهو الأسد الحقيقي قد صعد منبرًا من المنابر وجلس يخطب، والمعنى المجازي أن رجلًا شجاعًا يشبه الأسد قد صعد منبرًا وجلس يخطب عليه، فيقول ابن تيمية: إن المعنى الأول هم فرضوه فرضًا، وإلا فليس هناك أحد يفهم هذا الفهم، والكلام لا يدل عليه، والمتكلم بكلام لا يمكن أن يريد بكلامه من حيث الأصل إلا معنىً واحدًا، إلا إن كان يقصد التلبيس أو ما إلى ذلك؛ فلأجل هذا منع ابن تيمية ﵀ أن يكون المجاز من عوارض المعاني، وجعله من عوارض الألفاظ، كما سبق بيانه.
إذًا: فلابد من معرفة السياق حتى تفسر الآية المشتملة على الصفة تفسيرًا صحيحًا، ومن السياقات الدالة على أن اليد هي صفة حقيقية لله تعالى: أن الله تعالى ذكرها بصيغة التثنية، ولا يوجد في كلام العرب أنهم ذكروا اليد بمعنى النعمة، أو القوة، أو القدرة في سياق التثنية المضافة إلى معين؛ لأن الله يقول: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فجاء ذكر اليدين هنا مثناة ومضافة، ولا يوجد في كلام العرب أنهم يستعملون اليد في غير معنى الصفة إذا جاءت بمثل هذا السياق، ولذلك فإن ابن تيمية ﵀ في أحد مناظراته في صفة اليدين اشترط هذا الشرط، فانقطع المخالف له.
[ ٩ / ١٥ ]
تابع الأدلة من القرآن على أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل والتشبيه
قال المصنف ﵀: [وكذلك سمى الله نفسه عليمًا حليمًا، وسمى بعض عباده عليمًا فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨] يعني: إسحاق، وسمى آخر حليمًا فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١] يعني: إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.
وسمى نفسه سميعًا بصيرًا فقال: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] وسمى بعض خلقه سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير].
يتابع المصنف ﵀ ذكر الآيات القرآنية الدالة على أن الله تعالى يسمي نفسه بأسماء أو بصفات، وتذكر هذه الصفات من حيث الاشتراك المطلق في حق المخلوق، وبذلك يتبين أن هذا ليس هو التشبيه الذي نفته النصوص، فمن قال: إن الله سميع ويسمع، وإن المخلوق سميع ويسمع، فإن هذا ليس مشبهًا؛ لأنه ليس هذا هو التشبيه الذي نفاه الله في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] إنما الذي نفاه القرآن هو أن يكون هناك تماثل في الصفة، ولو كان التماثل في الاسم هو التشبيه للزم أن يكون التماثل في مسمى الوجود من باب التشبيه، وهذا يقود إلى نفي وجود الله؛ لأنه إما أن ينفى وجود المخلوقات -والمخلوقات موجودة- وإما أن ينفى وجود الله تعالى، وهذا لا يقول به أحد، فهذا مما يعلم به امتناع هذا الأمر في أوائل العقول والفطر.
وقوله: (وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير)؛ لأن هذا مضاف إلى الله، وهذا مضاف إلى المخلوق، فاشتركا في الاسم المطلق، وأما عند الإضافة والتخصيص فإن المسمى متباين.
قال المصنف ﵀: [وسمى نفسه بالرءوف الرحيم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج:٦٥] وسمى بعض عباده بالرءوف الرحيم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] وليس الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم.
وسمى نفسه بالملك فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر:٢٣] وسمى بعض عباده بالملك فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩].
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٤] وليس الملك كالملك.
وسمى نفسه بالمؤمن فقال: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣] وسمى بعض عباده بالمؤمن فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨] وليس المؤمن كالمؤمن.
وسمى نفسه بالعزيز فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣] وسمى بعض عباده بالعزيز فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١] وليس العزيز كالعزيز.
وسمى نفسه الجبار المتكبر، وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر كالمتكبر، ونظائر هذا متعددة.
وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وسمى صفة المخلوق علمًا وقوة فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤] وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢] وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] أي: بقوة، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ [ص:١٧] أي: ذا القوة، وليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة].
[ ٩ / ١٦ ]
صفة المكر والكيد لله تعالى
صفة المكر والكيد من الصفات المقيدة في القرآن، بمعنى: أنها إذا ذُكِرت فلابد أن تذكر على وفق سياق القرآن، ولا تذكر مطلقة؛ بل يقتدى بسياق القرآن، فما ذكره القرآن مطلقًا من الصفات؛ كالعلم، والحكمة، والسمع، والبصر، ونحوها، فإنها تذكر مطلقة، وما ذكره الله من صفاته مقيدًا فإنه يذكر على وفق سياق القرآن، اتباعًا لكتاب الله في سياقه ومعانيه.
قال المصنف ﵀: [ووصف نفسه بالعمل فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] ووصف عبده بالعمل فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] وليس العمل كالعمل.
ووصف نفسه بالمناداة والمناجاة في قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص:٦٢] وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢] ووصف عبده بالمناداة والمناجاة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] وقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة:١٢] وقال: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة:٩] وليس المناداة كالمناداة، ولا المناجاة كالمناجاة.
ووصف نفسه بالتكليم في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ووصف عبده بالتكليم في مثل قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف:٥٤] وليس التكليم كالتكليم.
ووصف نفسه بالتنبئة، ووصف بعض الخلق بالتنبئة فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣] وليس الإنباء كالإنباء.
ووصف نفسه بالتعليم، ووصف عبده بالتعليم فقال: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤] وقال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران:١٦٤] وليس التعليم كالتعليم.
وهكذا وصف نفسه بالغضب في قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ [الفتح:٦] ووصف عبده بالغضب في قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف:١٥٠] وليس الغضب كالغضب.
ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر في سبع آيات من كتابه أنه استوى على العرش، ووصف بعض الخلق بالاستواء على غيره -أي: على غير العرش- في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف:١٣] وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون:٢٨] وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤] وليس الاستواء كالاستواء.
ووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩] وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم، ونظائر هذا كثيرة].
قوله: (ونظائر هذا كثيرة):
أي: أنه ورد في مواضع كثيرة من القرآن أن الله ﷾ سمى نفسه بأسماء، وجاء ذكر بعض هذه الأسماء في حق المخلوقين من بني آدم، ووصف نفسه بصفات، وجاء ذكر بعض هذه الصفات مضافة إليهم، وهذه الإضافة إلى المخلوقين تدل على نقص هذه الصفات في حقهم، كما أن الصفة إذا أضيفت إلى الله ﷾ دلت على أنها صفة كمال مطلق؛ لأن الصفة تبع لموصوفها، فإذا كان الموصوف كاملًا من كل وجه فإن الصفة لابد أن تكون صفة كمال مطلق، وهذه هي صفات الله ﷾.
وقد أراد المصنف ﵀ هنا أن يبين الدليل المتواتر من القرآن الكريم على أن ثمة اشتراكًا في الاسم المطلق، ولم يلزم منه الاتفاق في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص، وقد بين المصنف ﵀ بذلك جهتين:
الجهة الأولى: أن هذا الاشتراك ليس هو التشبيه الذي نفته النصوص؛ لأن النصوص التي نفت التشبيه كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] لو كانت نفت هذا الاشتراك للزم أن في القرآن تناقضًا؛ إذ كيف ينفي الله شيئًا ثم يأتي مفصلًا بإثباته؟! فلما نفى الله ﷾ التشبيه والتمثيل في كتابه في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] وغير ذلك، دل على أن ما ثبت في القرآن مفصلًا من الاشتراك في الاسم المطلق ليس هو التشبيه الذي نفته النصوص.
الجهة الثانية: أن هذا دليل شرعي متواتر مطرد، قطعي الدلالة على أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يلزم منه التماثل في الحقيقة والتخصيص، ولهذا استعمل في القرآن الكريم.
[ ٩ / ١٧ ]
إثبات أسماء الله وصفاته من غير تعطيل ولا تمثيل
قال المصنف ﵀: [فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته لخلقه، فمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى ولا ناجى، ولا استوى؛ كان معطلًا جاحدًا ممثلًا لله بالمعدومات والجمادات].
فمن قال هذا -أي: ليس لله علم
إلخ- بحجة أن المخلوق له علم
إلخ، فنقول: إن هذا فرع عن زعمه -أي: زعم هذا القائل- أن الاشتراك في الاسم المطلق هو التشبيه الذي نفته النصوص، ونفاه العقل، وهذا خطأ؛ لأنه يلزم من ذلك التعطيل لوجود الله، فإنه يقال له: ما الفرق بين نفيك للعلم ونفيك للوجود؟ فإن هذا الاسم اشترك مع هذا الاسم، وهذا الاسم اشترك مع هذا الاسم.
قال ﵀: [ومن قال: له علم كعلمي، أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضًا كرضاي، أو يدان كيدي، أو استواء كاستوائي؛ كان مشبهًا ممثلًا لله بالحيوانات؛ بل لابد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل].
فمن لم يفرق بين الاسم في إطلاقه، وبين الاسم عند الإضافة والتخصيص، فهذا هو المشبه.
[ ٩ / ١٨ ]
أصل مقالتي النفي والتعطيل والتشبيه والتمثيل
ومما ينبه إليه: أن مذهب المعطلة من أئمة المتكلمين، كأئمة الجهمية الأولى كـ جهم بن صفوان ونحوه، أو المتفلسفة كـ ابن سينا -هذا المذهب مبني على الفلسفة، كما يصرح بذلك ابن سينا، أو على علم الكلام الذي هو مولد في جملته وجوهره من الفلسفة.
ومما ينبه إليه: أن مذهب المشبهة الذين شبهوا الله ﷾ بخلقه، وأثبتوا له من الصفات على وجه يقتضي التشبيه بما هو من مخلوقاته، هذا المذهب الذي استعمله المشبهة كـ هشام بن الحكم ونحوه، ثم جاء بعدهم قوم دونهم في مقالة التشبيه كـ محمد بن كرام السجستاني وأتباعه؛ هؤلاء أيضًا قولهم في التشبيه مبني على علم الكلام، وبهذا يُعلم أن علم الكلام الذي ذمه الأئمة من الفقهاء والمحدثين الذي هو علم مولد من الفلسفة، ومركب في جمهور أمره منها، وإن كانت فيه مقاصد مجملة من الشريعة، أو مقاصد كلية من العقل -هو الذي أوجب مقالة النفي والتعطيل، ومقالة التشبيه والتمثيل، ولا يظن أحد أن مقالة المشبهة أو المجسمة -كـ محمد بن كرام وأتباعه- لم تكن على أصول علم الكلام؛ بل إن محمد بن كرام كان من المتكلمين؛ بل كان من علماء الكلام المشهورين.
ومما يدعو إلى العجب: أن الدليل الذي به نفت المعتزلة الصفات، وبه نفى متكلمة الصفاتيه صفات الفعل، وبه أثبت محمد بن كرام التجسيم -الدليل عند هؤلاء وهؤلاء من المتكلمين دليل واحد، وهو ما يسمونه: (دليل الأعراض)، فإن الأدلة العقلية التي بنى عليها المنحرفون في صفات الله ﷾ عن منهج الصحابة، وسموها أدلة عقلية، هي ثلاثة أدلة في الجملة، وهي الأدلة الكبرى الكلية، وهي:
١ - دليل الأعراض، وهو الدليل الذي غلب على طوائف المتكلمين من المجسمة أو النفاة.
٢ - دليل التركيب، وهو الذي يستعمله ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة.
٣ - دليل التخصيص، وهو الذي اشتغل به المتأخرون من متكلمة الصفاتية كـ أبي المعالي الجويني وغيره.
فدليل الأعراض، وهو الذي غلب على المتكلمين من مجسم أو معطل، أو دون ذلك، هو دليل واحد، ولكنهم اختلفوا في الالتزام بنتائجه، وفي ترتيب بعض مقدماته.
إذًا: مما سبق يعلم أن علم الكلام هو الموجب لمقالة التعطيل، وهو الموجب لمقالة التشبيه، وأن منهج الحق، وهو المنهج الشرعي الذي عليه جمهور المسملين من أمة محمد ﷺ هو الذي درج عليه الصحابة وجمهور الأمة المحمدية المسلمة، وهو أن الله موصوف بالكمال، كما وصف نفسه في القرآن، ومنزه عن النقص والتشبيه كما نزه نفسه في القرآن، ولابد أن يقتدى بسياق القرآن وحروفه ومعانيه، ولا تفرغ الحروف والكلمات القرآنية والنبوية عن معانيها، فإن هذا هو مذهب التفويض الذي ذمّه جمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم.
[ ٩ / ١٩ ]