إن من أعظم مباحث العقيدة التي عني بها علماء سلف الأمة، والمتعلقة بذات الله جل في علاه وهو مبحث الأسماء والصفات، وهو من أوسع أبواب العقيدة والتي يجب على المسلم أن يحتوي عقله على الاعتقاد الصحيح الذي لا يشوبه أي تشويش أو بدع ضالة، ومن باب الحرص على تسهيل فهم المعتقد السليم للأسماء والصفات قام علماء الأمة الأفذاذ بإنشاء علم عُرف بقواعد الأسماء والصفات.
[ ١ ]
أهمية العلم الشرعي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أما بعد: فإن للعلم الشرعي أهمية كبرى في الإصلاح، وفي الدعوة إلى الله ﷾، ولهذا أمر الله ﷾ بالعلم، وحث عليه، وأمر به رسول الله ﷺ وحث عليه، وكان سلف الأمة يتميز بالاهتمام بالعلم، والاشتغال به، والعناية بتحصيله، ونحن أحوج ما نكون إلى العلم الشرعي لا سيّما في مثل هذه الأوقات، وفي مثل هذه الأزمان التي انتشر فيها الفساد العقائدي والأخلاقي إلى درجة كبيرة، فالعناية بالعلم أمر مهم جدًا بالنسبة للدعاة إلى الله ﷾.
يقول الله ﷾: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩]، ويقول ﷾: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]، وروى البخاري عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين).
فالفقه في الدين علامة على إرادة الله ﷾ لصاحب العلم الخير، فهو يعلم الإنسان صحة عقيدته وصحة عمله، ويعلمه الأخلاق والآداب الفاضلة، وكذلك يعلمه كيفية تصحيح عقائد الناس، وكيفية تصحيح أعمالهم وأخلاقهم وأهدافهم، والدعوة إذا خلت من العلم فهي دعوة فاشلة وباطلة؛ لأنها ستكون من البدع، وسيدعو صاحبها إلى البدع والضلالات والانحرافات، وكما وقع في تاريخ المسلمين من أشخاص ينتسبون إلى الدعوة، ويشتغلون بها، فلما اشتغلوا بها على غير بصيرة وعلى غير علم شرعي وقعوا في البدع وفي الضلالات.
ولهذا فإن رموز أهل البدع في تاريخ المسلمين كلهم ليسوا من أهل العلم، ولا يعرفون بالاشتغال بالعلم، فمثلًا: من أكبر الطوائف الضالة المنحرفة في تاريخ المسلمين الجهمية، ورأسها هو الجهم بن صفوان، وهو لا يعرف عند أهل العلم بطلب للحديث، ولا بطلب للفقه، ولا العناية ولا اشتغال به، وكذلك أئمة البدع والضلالات على مر العصور لا يعرفون بالعلم، ولا يعرفون باشتغالهم بالعلم واهتمامهم به، ولهذا وقعت منهم هذه البدع، وأصبحوا ضالين مضلين، والعياذ بالله.
ولهذا أخبر النبي ﷺ أنه في آخر الزمان عندما تظهر الفتن في حياة الناس يكون سبب ذلك انتشار وبروز الجهل، وخفاء العلم، ونسيانه عند الناس.
وأول شرك وقع فيه الإنسان كان بسبب نسيان العلم، وظهور الجهل، فوقع الشرك في أول أمة شركية وهم قوم نوح، ثم بعد ذلك جاء التوحيد على يد نوح ﵇، ثم بعد ذلك وقع الشرك، وهكذا حتى جاء نبينا محمد ﷺ وأظهر التوحيد والتزمت به هذه الأمة.
فالعلم الشرعي له أهمية كبرى في الإصلاح، وفي الدعوة إلى الله ﷾، وبين الدعوة وبين العلم ارتباط كبير جدًا، وقد عني السلف الصالح رضوان الله عليهم بعلم العقيدة بالذات؛ وسبب ذلك: أن علم العقيدة هو الذي يبنى عليه صحة دين الإنسان، يعني: كونه مسلمًا أو غير مسلم، وكونه من أهل الجنة الخالدين فيها، أو من أهل النار الخالدين فيها، وهذا مبني على العقيدة؛ ولهذا اعتنوا بها اعتناء كبيرًا، وشرحوها ووضحوها في واقعهم العملي وفي مصنفاتهم التي كتبوها للناس.
[ ٢ ]
جوانب عناية السلف بالعقيدة
وكانت عناية السلف الصالح رضوان الله عليهم بالعقيدة من جانبين: الجانب الأول: هو تصحيح العقيدة.
والجانب الثاني: هو تعميق العقيدة في النفوس.
أما تصحيح العقيدة فهو: إزالة الشوائب التي قد تعلق بها سواءً من أهل البدع والضلالات، أو من تسويلات الشيطان ووساوسه التي يحدثها في نفس الإنسان، ولهذا أوضحوا العقائد وبينوها، وصححوها تصحيحًا واضحًا، وتصحيح السلف رضوان الله عليهم لهذه العقيدة اتخذ مسلكين: المسلك الأول: هو مسلك عرض العقيدة.
والمسلك الثاني: هو مسلك الرد على الطوائف الضالة في العقيدة.
وممن كتب مثلًا في عرض العقيدة وشرحها الإمام اللالكائي ﵀ في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ومنهم عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في كتابه السنة، والبربهاري في كتاب شرح السنة، وعدد كبير من أهل العلم ألفوا كتبًا سموها بالسنة، ومن الأئمة المشهورين البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، فقد جعلوا في مصنفاتهم كتبًا عن العقائد، مثلًا: كتاب الإيمان، والرد على الجهمية وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، وكتاب التوحيد والرد على المرجئة والجهمية، وغيرهم ممن أفرد كتبًا خاصة بالسنة وبالعقيدة، يشرحون فيها العقيدة الصحيحة، ويوضحونها للناس.
وكذلك صححوا عقائد الناس عن طريق الرد على الفرق الضالة، فهذا الدارمي ﵀ يصنف كتابًا يسميه: الرد على الجهمية، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل ﵀ له كتاب سماه: الرد على الجهمية والزنادقة، وهناك عدد كبير من الأئمة صنفوا في الرد على الجهمية مثل ابن مندة ﵀ فله كتاب في الرد على الجهمية، وبعض الأحيان قد يأخذون علمًا من أعلام أهل البدع ويردون عليه، مثل رد الدارمي ﵀ على بشر المريسي الحنفي بالذات، وقد خصوه برد خاص؛ لأنه كان إمام المعتزلة في زمانه، وعن بشر المريسي أخذ ابن أبي دؤاد الذي استطاع أن يقنع المأمون بفكرة خلق القرآن، وحصلت بعد ذلك الفتنة المشهورة والتي هي فتنة خلق القرآن، وامتحن بها أئمة أهل السنة، ونصر الله ﷾ أئمة أهل السنة، وظفروا على أهل البدع، ومنذ ذلك الوقت أفل نجم المعتزلة فلم يظهر بعدها.
إذًا: هذه الجهة الأولى وهي تصحيح العقيدة.
الجهة الثانية: وهي تعميق العقيدة في النفوس، ومعنى ذلك: العناية والاشتغال بأعمال القلوب مثل: محبة الله ﷾، والخوف منه، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والخشوع ونحو ذلك من أعمال القلوب، وهي من أعظم أعمال الإيمان، وهي من العقيدة؛ لأنه في فترة من الفترات ظن كثير من المنتسبين إلى السنة أن العقيدة هي مجرد عرض لبعض الأفكار في أسماء الله وفي صفاته وفي التوحيد وفي الإيمان، والرد على الفرق الضالة فقط، وظنوا أن هذه هي العقيدة، والعقيدة أشمل وأكبر من ذلك، فالعقيدة تعني: امتثال الاعتقاد الصحيح عمليًا، وبناءه في النفس، ثم بعد ذلك إذا وجد ضلال في الاعتقاد فإنه يصحح، وإذا وجدت فرقة ضالة فإنه يرد عليها، والرد على أهل الضلال فرع من العقيدة وليس بأصل، فالأصل هو تعميق العقيدة في النفوس، ولهذا فإن آيات القرآن عنيت عناية كبيرة جدًا في الاهتمام بتعميق الاعتقاد في نفوس الناس، فالسور المكية تتحدث كثيرًا عن أسماء الله وعن صفاته، وتتحدث عن الإيمان، وعن معسكر أهل الإيمان، وتتحدث عن الكفر، وعن معسكر أهل الكفر، وعن صفات المؤمنين وعن صفات الكفار، وتميز بينهم، ففيها تمييز لصفوف أهل الإيمان وأهل الكفر، فالقرآن الكريم مليء بالعقيدة، بل لا تخلو آية من القرآن إلا وهي مبنية بناءً عقديًا، حتى الآيات التي تتحدث عن الأحكام الفقهية ففي الغالب تنتهي باسم من أسماء الله، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨]، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وحتى الآيات التي في الطلاق، والرجعة، والتي في البيع والشراء، والتي في الأموال، وهكذا نجد أنها تربط الإنسان بالعقيدة، وتبني الأحكام على العقائد، فالعقائد هي الأصول التي يبنى عليها كل شيء، فالأخلاق تنبني على العقائد، وكذلك الأعمال تنبني على العقائد، فالعقائد هي أصل وكل شيء يبنى عليها، ومن قوة المنهج السلفي أنه يربط كل شيء بالعقيدة، ويربط كل حياة الناس بالعقيدة فهو يربط الفقه بالعقيدة، ويربط السلوك والأخلاق بالعقيدة، ويربط السياسة بالعقيدة، ويربط اجتماعهم بالعقيدة، ويربط حياتهم الأسرية بالعقيدة، إذًا فالعقيدة قضية مهمة، ينبغي إدراكها والعناية بها.
والخلاف وقع في باب الأسماء والصفات، بالذات عندما ظهر الجعد بن درهم، وقد ظهرت بوادر لهذا الخلاف في بداية زمن النبي ﷺ
[ ٣ ]
مقدمة كتاب القواعد المثلى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.
وبعد: فإن الإيمان بأسماء الله وصفاته أحد أركان الإيمان بالله تعالى، وهي: الإيمان بوجود الله تعالى، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته].
المعلوم أن حديث جبريل المشهور الذي سأل فيه النبي ﷺ عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان كان مما أجاب به عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره)، فبين الشيخ أن موضوع الكتاب هو الإيمان بالله؛ الذي يتضمن التوحيد بأنواعه الثلاثة: الإيمان بربوبية الله، والإيمان بألوهية الله، والإيمان بأسمائه وصفاته.
وذكر الشيخ أنه يتضمن الإيمان بوجود الله ﷾، وقد يفرده البعض وتكون أربعة: الإيمان بوجود الله، وبربوبيته، وبألوهية، وبأسمائه وصفاته، وبعضهم يجعل وجود الله ﷿ داخل في توحيد الربوبية، فيجعل الإيمان بالله يتضمن ثلاثة أمور: الإيمان بروبية الله، وبألوهية، وبأسمائه وصفاته.
[ ٤ ]
منزلة العلم بأسماء الله وصفاته من الدين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [منزلة العلم بأسماء الله وصفاته من الدين.
وتوحيد الله به أحد أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فمنزلته في الدين عالية وأهميته عظيمة، ولا يمكن لأحد أن يعبد الله على الوجه الأكمل حتى يكون على علم بأسماء الله تعالى وصفاته ليعبده على بصيرة، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وهذا يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
فدعاء المسألة: أن تقدم بين يدي مطلوبك من أسماء الله تعالى ما يكون مناسبًا، مثل أن تقول: يا غفور! اغفر لي، ويا رحيم! ارحمني، ويا حفيظ! احفظني، ونحو ذلك.
ودعاء العبادة: أن تتعبد لله تعالى بمقتضى هذه الأسماء، فتقوم بالتوبة إليه؛ لأنه التواب، وتذكره بلسانك؛ لأنه السميع، وتتعبد له بجوارحك؛ لأنه البصير، وتخشاه في السر؛ لأنه اللطيف الخبير وهكذا].
أشار الشيخ في هذه المقدمة إلى أهمية توحيد الأسماء والصفات، وأنه لا يستقيم إيمان الإنسان حتى يؤمن بأسماء الله وصفاته، فإذا لم يؤمن الإنسان بأسماء الله وصفاته لم يؤمن بالله ﷾، وإذا لم يؤمن بالله تعالى فحينئذ لا يكون من أهل الإيمان، ولهذا ينبغي العناية بهذا الباب وللعناية به مبررات كثيرة جدًا منها: أن الخلاف الكبير الذي وقع في حياة المسلمين أول ما وقع كان تقريبًا في هذا الباب، والجدل الكبير في موضوع الإلهيات كما يسميه البعض هو في موضوع الأسماء والصفات، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أن الأسماء والصفات لها آثار عظيمة جدًا على سلوك ودين الإنسان، وعلى آدابه وأخلاقه، ولهذا فالعناية بها لها أهمية كبيرة من ناحية أن الإنسان يتأدب بالآداب التي تتضمنها أسماء الله ﷿ وصفاته.
[ ٥ ]
سبب تصنيف الكتاب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أجل منزلته هذه، ومن أجل كلام الناس فيه بالحق تارة وبالباطل الناشئ عن الجهل أو التعصب تارة أخرى، أحببت أن أكتب فيه ما تيسر من القواعد راجيًا من الله تعالى أن يجعل عملي خالصًا لوجهه موافقًا لمرضاته نافعًا لعباده.
سميته: القواعد المثلى في صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى].
والقواعد التي ذكرها الشيخ على قسمين: قواعد في المسائل، وقواعد في الدلائل؛ لأن العلم في العقيدة يشتمل على المسائل وعلى الدلائل، فالمسائل ذكر قواعد في أسماء الله وصفاته.
والدلائل ذكر قواعد في أدلة الأسماء أدلة الصفات، ثم ختمه في الحديث عن معية الله تعالى، وعن الرد على أهل التأويل من الأشاعرة والماتردية والمعتزلة.
والواجب هو أن يسير الإنسان على منهاج السلف الصالح رضوان الله عليهم في المسائل وفي الدلائل، فإننا مطالبون بأن نوافق سنة الرسول ﷺ في مسائل العقائد، كما أننا مطالبون أيضًا بالاستدلال بمنهاج السلف في العقائد، فليست كل طريقة من طرق الاستدلال صحيحة، فأهل الكلام يستدلون مثلًا على الوحدانية بدليل التمانع، ويستدلون على وجود الله ﷿ بدليل حدوث الأجسام، ويستدلون على إبطال التسلسل بدليل القطع والتطبيق مثلًا، وعندهم أدلة يستدلون بها، وهي أدلة بدعية، مبتدعة.
والمميز والضابط بين الأدلة السنية، والتي هي على وفق منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، والأدلة البدعية المخالفة لمنهاج السلف هو: أولًا: أن الأدلة السلفية لا تتضمن أمورًا تبطل العقيدة، أي: أنها لا تتضمن قواعد، سواء قواعد عقلية، أو غيرها، فهي لا تتضمن قواعد تبطل العقيدة، ولكنها متوافقة ومنسجمة بعضها مع بعض، فالدليل الذي ينص على توحيد الله ﷿ تجد أنه منسجم مع الدليل الذي يدل على الإيمان، ومنسجم مع الدليل الذي يدل على البعث، ومنسجم مع الدليل الذي في صفات الله، وهكذا تجد الأدلة الشرعية متناسقة يكمل بعضها بعضًا.
لكن الأدلة المبتدعة التي جاء بها أهل الكلام يضرب بعضها بعضًا، ويبطل بعضها بعضًا، وهكذا الباطل، فإنه يحطم بعضه بعضًا، ويكسر بعضه بعضًا، فتجد أن دليل حدوث الأجسام عند المتكلمين يلتزمون فيه نفي صفات الله تعالى، وفناء الجنة والنار، ويلتزمون فيه بعقائد باطلة كثيرة جدًا، منها عقائد متعلقة باليوم الآخر، ومنها عقائد متعلقة بأسماء الله وصفاته وهكذا.
ولهذا وضع الشيخ قواعد -كما قلت- في المسائل، ووضع قواعد في الدلائل، وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أهمية الاعتناء بمنهج السلف الصالح رضوان الله عليهم في المسائل وفي الدلائل في أول كتابه: درء تعارض العقل والنقل، فإنه أول ما ذكر قانون الرازي الذي يقدم العقل فيه على النقل، وبين فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الإنسان ينبغي عليه أن يضبط عقيدته في هذين الأمرين.
والحقيقة أن هناك مصادر أخذ منها الشيخ هذه القواعد.
ومصدر الشيخ في فصل: قواعد في أسماء الله تعالى هو كتاب بدائع الفوائد، وأكثر القواعد الموجودة في هذا الفصل مأخوذة من كتاب بدائع الفوائد، لـ ابن قيم الجوزية، ففي المجلد الأول ذكر تقريبًا عشرين قاعدة في أسماء الله تعالى، منها هذه القواعد التي ذكرها الشيخ.
[ ٦ ]
قواعد في أسماء الله تعالى
[ ٧ ]
قاعدة: أسماء الله كلها حسنى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القاعدة الأولى: أسماء الله تعالى كلها حسنى، أي: بالغة في الحسن غايته، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠]؛ وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالًا ولا تقديرًا].
حسنى على وزن فعلى، وهذه الكلمة تأنيث من أحسن، مثل: كبرى، وصغرى، فهما تأنيث أكبر وأصغر، فإذا كان أصل الفعل هو حسن وأحسن، فإن حسنى هي تابعة لأحسن والذي هو اسم تفضيل يدل على كمال الصفة، فأسماء الله تعالى كلها حسنى، أي: بلغت الغاية في الحسن وفي الجمال وفي الكمال، وقد دل على ذلك أربعة آيات تقريرًا من كتاب الله: الآية الأولى: في سورة الأعراف وهي قول الله ﷾: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠].
والآية الثانية هي آية الإسراء وهي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠].
والآية الثالثة هي آية طه وهي قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨].
والآية الرابعة هي آية الحشر وهي آخر آية في السورة وهي قول الله ﷿: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٤].
[ ٨ ]
دلالات وصف أسماء الله بالحسنى
ووصف أسماء الله ﷿ بالحسنى له دلالات كثيرة، منها: أن أسماء الله ﷾ تدل كلها على المدح والثناء والتمجيد لله ﷾، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين، وذكره شيخه قبله في نقض التأسيس، وكذلك تدل على أن أسماء الله ﷿ تتضمن معان جميلة، فكما أنها تدل على المدح والكمال والجلال والتمجيد فهي كذلك تدل على معان جليلة وعظيمة وهي معاني الكمال، وهذه المعاني هي الصفات.
وكل اسم من أسماء الله ﷿ يدل على معنى، فمثلًا: اسم الله الرحمن يدل على معنى: وهو الرحمة، واسم الله ﷾ العزيز يدل على معنى: وهي العزة، والعزة غير الرحمة، وكل اسم من أسماء الله ﷾ يدل على معنى غير المعنى الذي يدل عليه الاسم الآخر، وإن كانت جميع أسماء الله ﷿ تدل على مسمى واحد وهو الله ﷾، وهذا يدل على أنها أسماء، يعني: إذا كانت أسماء الله ﷿ كل اسم منها يدل على معنى، وهي كثيرة فالمعاني التي تدل على كمال الله ﷿ كثيرة ومتعددة، ولهذا سميت حسنى.
وكذلك من الدلالات على أن أسماء الله حسنى: أنه لا يوجد اسم من أسماء الله يتضمن الشر، بل الشر في مفعولاته ﷿، وليس في فعله، وليس في وصفه، وليس في اسمه ﷾، ويمكن أن نذكر مثالًا يدل على ذلك، يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٢ - ١٤]، انظروا في الاسم سمى نفسه الغفور الودود، وهي أسماء الخير والبركة، وفي مفعوله وصفه بأنه شديد، ومثل قول الله ﷾: ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]، فالعذاب نتيجة فعله ﷾ وهي آثار فعله وقد توصف بالألم، وبما فيه ضرر بالنسبة للإنسان أو لغيره، لكن أسماء الله ﷾ لا يمكن أن ينسب إليها شر بأي وجه من الوجوه.
[ ٩ ]
أمثلة على أسماء الله الحسنى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [مثال ذلك: الحي اسم من أسماء الله تعالى متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال، الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها].
الحي يتضمن كمال الحياة بالنسبة لله ﷾، وهذه الحياة لا يعتريها نقص بأي وجه من الوجوه، فهي ليست مسبوقة بعدم فلا يعتريها النقص، ولا يلحقها زوال.
والمخلوق يمكن تسميته بالحي، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام:٩٥]، فالمخلوق حي لكن حياته ناقصة؛ لأنه سبقها العدم، وسيأتي عليها الفناء، ولأنه يتخللها السِنَة يعني: النعاس، والنوم، فضلًا عما يدخلها من النسيان والغفلة ونحو ذلك من قوادح الحياة، لكن حياة الله ﷿ كاملة لا يعتريها نقص بأي وجه من الوجوه، فليست مسبوقة بعدم، ولا يلحقها زوال، وليس فيها نسيان، وليس فيها خطأ، وليس فيها نوم، وليس فيها نعاس، بل هو ﷾ حي حياة دائمة مستمرة ليس لها بداية وليس لها نهاية ﷾، وهذا هو معنى قول الشيخ: (وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومثال آخر: العليم اسم من أسماء الله متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، قال الله تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، سواء ما يتعلق بأفعاله أو أفعال خلقه، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]، ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن:٤]].
العليم: اسم من أسماء الله تعالى يتضمن صفة من صفاته وهي العلم، فهذا العلم الذي يدل عليه اسمه ﷾ لا نقص فيه بأي وجه من الوجوه، واسمه ﷾ العليم لا نقص فيه في أي وجه من الوجوه، وأنه لا يعتريه النسيان، ولا تعتريه غفلة، ولا يعتريه خطأ، وهذا الاسم العظيم الذي هو من أسمائه ﷾ (العليم) يدل على سعة علمه، وأن هذا العلم ليس علمًا محدودًا بشيء، وإنما هو علم محيط بكل شيء، ويستوي في ذلك أفعال عباده وأفعال غيره، فكل شيء يعلمه ﷾، ولهذا فعلم الله ﷿ لا يمكن أن يحد، وهذا هو وجه الحسن في الاسم؛ لأنه قد يسمى إنسان بعليم لكن كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، وقد يكون الإنسان عنده علم لكن علمه محدود، وربنا هو الذي يعلم كل شيء ﷾، سواء من الأشياء المحسوسة أو غير المحسوسة، والشرعية أو غير الشرعية.
[ ١٠ ]
معنى الحسن في أسماء الله تعالى
ويمكن التنبيه إلى عدة أمور تدل على وصف أسماء الله ﷿ بأنها حسنى: أولًا: أن الأسماء الجامدة التي لا تدل على معان ليست من أسماء الله ﷾؛ لأنها ليست حسنة ولا يتحقق فيها وصف الحسنى، مثل: الموجود، فلا يمكن أن يسمى الله: الموجود حتى ولو كان المعنى صحيح، فلا يسمى به، ولا يمكن أن يكون هذا له اسم؛ والسبب في ذلك: أنه ليس فيه معنى الحسن، وإنما غاية ما فيه أنه شيء موجود.
ولا يسمى الشيء بأي اسم من هذه الأسماء؛ لأنها تتضمن معنى كريمًا حسنًا، ويدل على هذا أن الأسماء الجامدة ليست من أسماء الله ﷾، فالوصف في الآيات الأربع السابقة وصف لأسماء الله بالحسنى وهذا يدل على أهمية أن تكون أسماء الله ﷿ موصوفة بهذه الصفة وهي الحسن.
كذلك لا يسمى الله ﷾ بالاسم الذي يحتمل المدح والذم، مثل: المتكلم، فلا يقال: إن الله ﷿ هو المتكلم، فالمتكلم ليس اسمًا من أسماء الله؛ لأن الكلام قد يكون حسنًا وقد يكون سيئًا، وقد يكون ممدوحًا وقد يكون مذمومًا، فلا يسمى الله ﷾ بالاسم الذي يحتمل المدح ويحتمل الذم.
وقد نقد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح الأصفهانية الأشاعرة الذين سموا الله ﷾ بهذه الأسماء التي لم يسم بها نفسه، وكان من أوجه النقد التي نقدهم من خلالها شيخ الإسلام ﵀: أن هذا الاسم يحتمل المعنى الممدوح على المعنى المذموم، وهذا ينافي الحسن الذي وصف الله ﷾ به أسماءه، وكذلك ما ورد مقيدًا أو مضافًا فإن هذا لا يؤخذ منه اسم من أسماء الله ﷾، ويمكن أن نمثل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فلا يؤخذ من هذه الآية اسم لله وهو المنتقم؛ لأن الوصف هنا وهو قوله: ﴿مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢] مرتبط ومقيد بالمجرمين، لكن إذا قلت: المنتقم بشكل عام احتمل هذا أن يكون منتقمًا أيضًا حتى من المؤمنين فلا يصح، وحينئذ سينافي الحسن الوارد في الآيات الأربع.
ومثل قول الله ﷿: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام:٧٣]، فلا يؤخذ من هذه الآية اسم الله ﷿ العليم مثلًا أو العالم، لا يؤخذ من هذه الآية تحديدًا لكنه يؤخذ من آيات أخرى تدل بشكل أصرح على اسم الله ﷿، فالأسماء التي تأتي مقيدة ومضافة لا يصح أن يؤخذ منها اسم من أسماء الله ﷾، مثل: مجري السحاب، وهازم الأحزاب ونحو ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومثال ذلك: الرحمن اسم من أسماء الله تعالى متضمن للرحمة الكاملة التي قال عنها رسول الله ﷺ: (لله أرحم بعباده من هذه بولدها) يعني: أم صبي وجدته في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته، ومتضمن أيضًا للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمن: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]].
وهذا مثال يدل على أن اسم الله ﷿ الرحمن اسمًا حسنًا، وبين الشيخ أوجه تضمنه فقال: (لأنه يدل على الرحمة الكاملة)، ثم وصفها بالأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ عليه، وأنها واسعة، وأن الله ﷿ أرحم بعباده من الأم بولدها، وهذا لا شك أنه من الغاية في الحسن والجلال والكمال.
[ ١١ ]
الحسن في أسماء الله باعتبار كل اسم على انفراده وجمعه إلى غيره
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال].
أي: أنه يمكن أن يأخذ الإنسان الحسن من اسم الله العليم لوحده، ومن اسمه القدير لوحده، ومن اسمه العزيز لوحده، ومن اسمه الحكيم لوحده، ويتضاعف الحسن عندما تضم بعض الأسماء إلى بعض، مثل: العزيز الحكيم، الغفور الرحيم، الرحمن الرحيم، وهذه الإضافة التي تجدونها في القرآن كانت لحكمة، فهي تدل على معان عظيمة.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ هذه القاعدة في بدائع الفوائد، وقسم أسماء الله ﷾ إلى أقسام، وذكر من أقسام أسماء الله ﷿: أن بعض أسماء الله ﷿ تشتمل على صفات الكمال مركبة، يعني: ضم صفة معينة مثل اسمه المجيد، يقول: اسم المجيد من أسماء الله ﷿ لا يدل على كمال في جهة معينة فقط، وإنما يدل على الكمال في كل جهة، ولهذا يعتبر اسم الله ﷿ المجيد من أعظم الأسماء الواسعة، وقال: ولهذا سمي به عرش الرحمن في قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥] على قراءة الجر، فالمجيد اسم من أسماء العرش؛ وذلك لأن اسمه المجيد يدل على السعة والعرش يدل على السعة، فناسب أن يسمى العرش بالمجيد، وهذا الكلام من أروع الكلام وقد ذكره ابن القيم في بدائع الفوائد في المجلد الأول صفحة مائة وتسعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [مثال ذلك: العزيز الحكيم، فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرًا، فيكون كلًا منها دالًا على الكمال الخاصة الذي يقتضيه وهو العزة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم، والجمع بينهما دال على كمال الآخر، وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته تقتضي ظلمًا وزورًا وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيء التصرف، وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل].
يدل هذا على أنه إذا اجتمع اسم العزيز واسم الحكيم فإن اجتماعها يدل على معنى عظيم وكبير وهو عز بحكمه، وحكمة بقوة؛ لأنه قد يكون العزيز في بعض الأحيان ليست لديه حكمه كما ذكر، وكذلك الحكيم وهكذا، ومثله أيضًا السميع البصير، كما قال الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فإن السميع قد يسمع لكن قد لا يبصر في بعض الأحيان، فقال البصير؛ ولأن البصير قد لا يسمع فوجد السميع، وهكذا يكتمل المعنى بنفس الطريقة التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى.
[ ١٢ ]
الأسئلة
[ ١٣ ]
عدم وجود مذهب المعتزلة بأصوله الخمسة مع وجود أفكارهم في الفرق الضالة
السؤال
قولك: إن مذهب المعتزلة قد أفل بعد انتهاء المحنة والفتنة، فهل تقصد بهذا أئمتهم، أم أفكارهم، مع أن بعض الكتاب وبعض الحداثيين في زماننا ينتهجون أفكار المعتزلة، وخاصة في تقديم العقل في أمور كثيرة؟
الجواب
أفل نجم المعتزلة بالذات بعد الفتنة في زمن الواثق والمتوكل الذي جاء بعده، كفرقة مستقلة لها أصولها التي تجتمع عليها وهي الأصول الخمسة، والمعتزلة لهم أصول خمسة، وهذه الأصول الخمسة يقال إن من جمعها فهو معتزلي، ومن لم يجمعها لا يكون معتزليًا، فأفلت المعتزلة المجتمعة على هذه الأصول، لكن بقيت الأفكار التي ذابت في معتقدات بعض الفرق، فبقيت أفكارها عند الشيعة الروافض وبقيت أفكارها كذلك عند الخوارج، فأصبح المتأخرون من الشيعة معتزلة في القدر والأسماء والصفات، وكذلك الخوارج أصبحوا معتزلة وما يزالون، أي: ما يزال إلى الآن الشيعة يقولون بمقالات المعتزلة، فكتبهم تقول: إن القرآن مخلوق، ويقولون: إن الله لا يرى يوم القيامة، وينفون القدر، ويقولون بمقالات المعتزلة الأوائل ويستندون إليها، ومن أمثلتهم ابن بابويه القمي في كتابه التوحيد، والمجلسي في بحار الأنوار، والكليني في الكافي وغيرهم من أئمة الشيعة الذين يقولون بمقالات المعتزلة وينفون الصفات جميعها: صفة اليدين، وصفة الوجه، ويقولون بنفس مقالة المعتزلة تمامًا، ويحتجون بحججهم التي كانوا يحتجون بها وكذلك الخوارج وبالذات الأباضية أو الإباضية فهم يقولون بمقالات المعتزلة، ويحتجون بأدلتهم، فمثلًا: علي الخليلي مفتي عمان ألف كتابًا سماه: الحق الدامغ، وقد بناه على مسائل المعتزلة، وبناه على أن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى يوم القيامة، وبناه على نفي الصفات، وهو كتاب موجود الآن لمفتي الإباضية في عمان.
وكذلك وجدت أفكار المعتزلة عند أصحاب العقلانية المعاصرة، فأفكارهم موجودة وهي ما يسمونها بحرية الإرادة، وقد صنف بعض المصنفين كتبًا مثل: محمود قاسم وغيره من الكتاب الذين لهم كتب عن حرية الإرادة، ويقصدون بذلك نفي القدر، وأن الله ﷿ لم يكتب الأشياء، ولم يقدرها، وينفون القدر ويقولون بمقالة المعتزلة، ويعتبرون أن المعتزلة أصحاب ثورة تحريرية عن الفكر السلفي الجامد، وما يزال أصحاب المدرسة العصرية على نفس أفكار المعتزلة في تقديم العقل على النقل، لكن المعتزلة كفرقة تؤمن بالأصول الخمسة التي ذكرها أئمتهم لا توجد الآن.
[ ١٤ ]
عدم جواز تسمية الله بالشيء
السؤال
قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٩]، أليس فيها دليل على تسميته بالشيء؟
الجواب
هذه ليس فيها دليل على تسميته بالشيء، وغاية ما فيها أنه يجوز أن يخبر عنه بأنه شيء، وهو ﷾ شيء ليس لا شيء، لكن على وجه الخبر وليس على وجه التسمية؛ لأنه لا يصح أن يسمى الله ﷿ باسم لا مدح فيه ولا ثناء ولا حسن.
[ ١٥ ]
المريد ليس من أسماء الله
السؤال
ذكر ابن القيم اسم المريد كثيرًا في كتاب مدارج السالكين، فهل هو اسم من أسماء الله.
الجواب
عندما يذكر ابن القيم اسم المريد فهو لا يقصد به الله، وإنما يقصد به: العبد، أي: الذي يريد ترقية إيمانه، وهي لفظة يقصد بها أصحاب الإرادة، يعني: الذي يريدون تنمية إرادتهم، حينما يقبلون على الأعمال الصالحة.
[ ١٦ ]
عدم جواز الذهاب إلى قبر الرسول لطلب الاستغفار منه
السؤال
كيف نجيب على من يستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤] على جواز الذهاب إلى قبر الرسول وسؤاله أن يدعو الله له بالمغفرة؟
الجواب
المقصود باستغفار الرسول في حياته فقط، فيجوز أن يذهبوا إلى الرسول ﷺ فيستغفر لهم في حياته، ويدعو لهم في حياته، لكن بعد أن مات لا يجوز أن يطلب منه؛ لأن كان في حياته يقدر على الاستغفار، ولكنه بعد موته لا يستطيع فلا يسأل الإنسان إلا شيئًا يقدر عليه، وبالذات أنه فصل بيننا وبينه بحياة أخرى، فنحن في الدنيا وهو في البرزخ ﷺ؛ ولهذا لا يجوز أن يستغاث بالنبي ﷺ، أو أن يطلب منه عند قبره شيء.
[ ١٧ ]
الحكمة من التقسيمات المذكورة في العقيدة
السؤال
ما رأيكم فيمن يقول: ليس شرطًا أن تعبد الله تعالى بهذه التقسيمات التي في العقيدة؛ لأن هذه التقسيمات أحدثها العلماء، وليست من تقسيمات القرآن أو السنة، يقصد بذلك: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، ويقول: إنني أتعبد بما أمرني الله في كتابه وبما أمرني به الرسول ﷺ في سنته دون البحث عن هذه الأقسام؟
الجواب
هذه التقسيمات الموجودة عند أهل العلم هي من باب التقريب لا غير، وهي عبارة عن ترتيب لبعض المعاني الذهنية، ولبعض المسائل العقلية، وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم، وليس فيه خلاف، والعبرة بصحة المعنى وليس العبرة بالألفاظ الموجودة، إلا إذا كانت ألفاظًا مجملة تتضمن معان باطلة فترد، فأنت إذا اعتقدت معناه حتى ولو لم تحفظ التقسيم فاعتقادك سليم وصحيح، وإنما ذكرت هذه الأقسام لتقرب المعلومات للناس.
[ ١٨ ]