قواعد في أدلة الأسماء والصفات
القاعدة الأولى
الأدلة التي تُثْبَتُ بها أسماء الله تعالى وصفاته: هي كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ:
فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما.
وعلى هذا: فما ورد إثباتُه لله تعالى من ذلك في الكتاب والسُّنَّة وَجَبَ إثباتُه.
وما ورد نَفْيُه فيهما وَجَب نفيه مع إثبات كمال ضِدِّه.
وما لم يَرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التَّوقف في لفظه، فلا يُثبت ولا يُنفى؛ لعدم وُرود الإثبات والنَّفي فيه.
وأما معناه: فيفصل فيه؛ فإن أُريد به حقٌّ يَليق بالله تعالى فهو مَقبول، وإن أُريد به معنى لا يليق بالله ﷿ وَجَبَ ردُّه.
فَمِمَّا ورد إثباته لله تعالى: كلُّ صفة دلَّ عليها اسم من أسماء الله تعالى دِلالة مطابقة، أو تضمُّن، أو التزام.
ومنه: كل صفة دلَّ عليها فعل من أفعاله؛ كالاستواء على العرش، والنزول إلى السَّماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم
[ ١٦٣ ]
القيامة، ونحو ذلك من أفعاله التي لا تُحصى أنواعها؛ فضلًا عن أفرادها ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.
ومنه: الوجه والعينان واليدان ونحوها.
ومنه: الكلام والمَشيئة والإرادة بِقِسميها: الكوني والشَّرعي.
فالكونية: بمعنى المشيئة. والشَّرعية: بمعنى المحبة.
ومنه: الرِّضا والمحبة والغضب والكراهة ونحوها.
ومما ورد نفيُه عن الله سبحانه لانتفائه وثبوت كمال ضده: (الموت، والنَّوم، والسِّنَة، والعجز، والإعياء، والظُّلم، والغفلة عن أعمال العباد، وأن يكون له مَثيل أوكُفؤٌ)، أو نحو ذلك.
ومما لم يَرد إثباته ولا نَفيه لفظ: (الجهة)، فلو سأل سائل: هل نُثبت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يَرد في الكتاب والسنة إثباتًا ولا نفيًا، ويُغني عنه ما ثَبت فيهما من أن الله تعالى في السَّماء. وأما معناه فإمَّا أن يُراد به جهة سفل أو جهة عُلو تحيط بالله، أو جهة علو لا تحيط به.
فالأول: باطل؛ لمنافاته لعلو الله تعالى الثَّابت بالكتاب والسُّنَّة والعقل والفِطرة والإجماع.
والثاني: باطل أيضًا؛ لأن الله تعالى أعظم مِنْ أن يُحيط به شيء من مخلوقاته.
والثالث: حقٌّ؛ لأنَّ الله تعالى العَلِي فوق خَلْقه ولا يُحيط به شيء من مخلوقاته.
[ ١٦٤ ]
ودليل هذه القاعدة السَّمع والعقل:
فأمَّا السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
إلى غير ذلك من النُّصوص الدَّالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسُّنَّة.
وكل نصٍّ يدلُّ على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن فهو دالٌّ على وجوب الإيمان بما جاء في السنة؛ لأن مما جاء في القرآن: الأمر باتِّباع النبي ﷺ والرَّد إليه عند التنازع. والرد إليه يكون إليه نفسه في حياته، وإلى سُنَّته بعد وفاته.
فأين الإيمانُ بالقرآن لمن استكبر عن اتِّباع الرسول ﷺ المأمور به في القرآن؟
وأين الإيمان بالقرآن لمن لم يَرُد النِّزاع إلى النبي ﷺ وقد أمر الله به في القرآن؟
وأين الإيمان بالرسول ﷺ الذي أمر به القرآن لمن لم يَقْبل ما جاء في سُنَّته؟
[ ١٦٥ ]
شرح القاعدة
ولقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ﴾، ومن المعلوم: أنَّ كثيرًا من أمور الشَّريعة العِلمية والعَمَلية جاء بيانُها بالسُّنَّة؛ فيكون بيانُها بالسنة مِنْ تِبيان القرآن.
وأما العقل فنقول: إنَّ تفصيل القول فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله تعالى من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل- فوجب الرجوعُ فيه إلى ما جاء في الكتاب والسُّنَّة.
الشرح
مجمل القول: إن في الأمر ثلاثة أبواب:
١ - باب الأسماء: وهذا يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.
٢ - باب الصِّفات: وهذا كذلك يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.
٣ - باب الأخبار: وهذا لا يشترط فيه ورود النص الشرعي، ولكن يشترط أن يكون معنى اللفظ المستعمل ليس بِسَيِّئ.
أمَّا أهل التعطيل: فقد جعلوا (العقل) وحده هو أصل عِلمهم؛ فالشُّبه العقلية هي الأصول الكلية الأولية عندهم، وهي التي تُثبت وتنفي، ثم يعرضون الكتاب والسنة على تلك الشُّبه العقلية؛ فإن وافقتها قُبلت اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضتها رُدَّت تلك النصوص الشرعية وطُرحت، وفي هذا يقول قائلهم: «كل ما ورد السمع به يُنظر، فإن كان العقل مجوِّزًا له وَجب التصديق به».
وأمَّا ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يُتصور أن يَشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول.
وظواهرُ أحاديث التَّشبيه- يعني: بها أحاديثَ الصفات- أكثرها غير
[ ١٦٦ ]
صحيحة، والصَّحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل» (^١).
فهذا النَّقل يُبين لك مدى تقديم هؤلاء لشبههم العقلية وتعصبهم لها، وكيف أنهم يجعلونها هي الأصول والسمع معروضًا عليها؛ فما أجازته عقولهم قَبِلوه، وما لم تُجزه عقولهم شَكَّكوا فيه وانتقصوه، ومِن ثَمَّ سَعوا في تأويله وتحريفه، ومَن يلقي نظرةً على كتب الأشاعرة- مثلًا- يجد أنَّ القوم يقسمون أبواب العقيدة إلى: (إلهيات- ونبوَّات- وسمعيات)، وهم في باب (الإلهيات والنُّبوات) لا يَقبلون نصوص الكتاب والسنة، ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشُّبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية، ويا عجبًا؛ أنأخذ ديننا من كلام الله ورسوله، أم مِنْ ملاحدة اليونان وتلاميذهم؟!
وأمَّا باب (السمعيات) - أي: البعث والحشر والجنة والنار والوعد والوعيد- فهم يَقبلون فيه النصوص الشرعية، وبالتالي سموا هذا الباب بـ (السمعيات) في مقابل باب (الإلهيات والنبوات)؛ إذ إنهم يعتمدون فيهما على العقليات، وهؤلاء شابهوا حال مَنْ قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقد زلَّت في هذا الباب فِرَقٌ شتى، وقد أرجع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اختلافهم إلى قولين؛ فقال: «والناس متنازعون: هل يُسَمَّى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع وإن لم يَرد بإطلاقه نص ولا إجماع، أم لايُطلق إلا ما أطلق نصًّا أو إجماعًا، على قولين مشهورين:
_________________
(١) «الاقتصاد في الاعتقاد» لأبي حامد الغزالي (ص ١٣٢، ١٣٣)، وقال في كتابه «المستصفى» (٢/ ١٣٧، ١٣٨): «كل ما دلَّ العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستعجل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليلٌ سمعي على خلاف العقل؛ فإمَّا أن لا يكون متواترًا فيُعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترًا فيكون مؤولًا ولا يكون متعارضًا».
[ ١٦٧ ]
١ - فعامة النُّظَّار- أي: أهل الكلام- يُطلقون ما لا نص في إطلاقه ولا إجماع؛ كلفظ (القَديم) و(الذات) ونحو ذلك.
٢ - ومِن الناس مَنْ يَفْصِل بين الأسماء التي يُدعى بها، وبَين ما يُخبر به عنه للحاجة؛ فهو- سبحانه- إنَّما يُدعى بالأسماء الحسنى، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
وأمَّا إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك. فقيل: بل هو سبحانه قديم موجود وهو ذات قائمة بنفسها. وقيل: ليس بشيء. فقيل: بل هو شيء. فهذا سائغ، وإن كان لا يُدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدلُّ على المدح» (^١).
فالذين خالفوا الحقَّ في هذا الباب هم بعض أهل الكلام، كما أشار لذلك شيخ الإسلام في النَّقل السابق، ومِن هؤلاء بعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، وكذلك الكرَّامِيَّة.
أمَّا المعتزلة، فقد ذكر البغداديُّ أنَّ المعتزلة البَصرية أجازوا إطلاق الأسماء عليه بالقياس» (^٢).
وقال أبو الحسن الأشعري: «واختلفت المعتزلة، هل يجوز أن يسمى البارئ عالمًا مِنْ استدل على أنه عالم بظهور أفعاله عليه، وإن لم يَأته السمع مِنْ قِبَل الله سبحانه؛ بأن يسميه بهذا الاسم أم لا، على مَقالتين:
فزعمت الفرقة الأولى منهم: أنه جائز أن يسمي الله سبحانه عالمًا قادرًا حيًّا سميعًا بصيرًا مَنْ استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول.
وزعمت الفرقة الثانية: أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء
_________________
(١) «رسالة في العقل والرُّوح» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٤٦، ٤٧)، (مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية).
(٢) «الفَرق بين الفِرَق» (ص ٣٣٧).
[ ١٦٨ ]
من دَلَّه العقلُ على معناها إلا أن يأتيه بذلك رسولٌ مِنْ قِبَل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء» (^١).
٢ - وأما الأشاعرة، فإنَّ جمهورهم مع أهل السنة في كون أسماء الله توقيفية وكذلك الماتريدية، ولكن القاضي الباقلاني- من الأشاعرة- لا يَشترط التوقيف، واشترط أمرين هما:
١ - أن يدل على مَعنى ثابت لله تعالى.
٢ - ألَّا يكون إطلاقه موهمًا لما لا يليق بالله تعالى (^٢).
وتَوَقَّف الجُويني في هذه المسألة؛ فهو يَرى أنَّ الجواز وعدمه حكمان شرعيَّان لا سبيل إلى إطلاق أحدهما إلا بإذن الشرع، ولم يأت، ولذا قال بالتَّوَقُّف (^٣).
قال السَّفَّاريني: «الجمهور منعوا إطلاق ما لم يَأذن به الشرع مطلقًا، وجَوَّزه المعتزلة مطلقًا، ومال إليه بعضُ الأشاعرة؛ كا لقاضي أبي بكر الباقلاني، وتوقَّف إمامُ الحرمين الجوينى ..» (^٤).
غير أنَّ مُعتقد أهل السنة في الأسماء والصفات قد قام على أساس وجوب الإيمان بما وردت به نصوصُ القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتًا ونفيًا.
وهذا الأساس لابد فيه من مراعاة ما يلي:
أولًا: أنَّ طلب العلم في المطالب الإلهية إنما يكون عن طريق الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.
فالذي يجب اعتقاده هو أنَّ معرفة هذا النوع من أنواع التوحيد تتوقف
_________________
(١) «مقالات الإسلاميين» (ص ١٩٧).
(٢) «شرح المقاصد» للتفتازاني (٤/ ٣٤٤، ٣٤٥).
(٣) «الإرشاد» (ص ١٣٦، ١٣٧).
(٤) «لوامع الأنوار البهية» (١/ ١٢٤).
[ ١٦٩ ]
على دراسة الكتاب والسُّنَّة؛ لأن هذا التوحيد يتطلب أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة؛ «فنحن نؤمن بالله تعالى وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته؛ فإنَّه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا وأبين دليلًا من غيره» (^١)، ولذلك كان معتقد أهل السنة هو الإيمان بما سمى ووصف الله به نفسه إثباتًا ونفيًا؛ لأنه لا يُسَمِّي اللهَ أعلم بالله من الله، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، فالله ﷿ هو الذي سَمَّى ووصف نفسه بما جاء في نصِّ كلامه الذي هو القرآن.
ولا يُسَمِّي ويَصف اللهَ بعد الله أعلمُ بالله من رسول الله ﷺ، الذي قال الله في حقِّه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصلًا على وجه ثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، وفَصَّلت ذلك أعظم مِنْ تفصيل الأمر والنهي، وقَرَّرته أكمل تقرير في أبلغ لفظ، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان.
ثانيًا: تقديم الشرع على العقل، فالأصل في الدين الاتباع والمعقول تَبع؛ فمعتقد أهل السنة في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد والأحكام: أنَّ العقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة.
فالعقل لا يُمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات؛
_________________
(١) «معارج القبول» (١/ ٣٣٠، ٣٣١).
[ ١٧٠ ]
فوجب الوقوف في ذلك على النص؛ لأن العقل يَقصر عن إدراك حقيقة المغيبات، حتى وإن كانت تلك المغيبات أقرب شيء إليه، فهو قاصر عن أن يُحيط علمًا بحقيقة رُوحه التي بين جَنْبَيْه؛ لمَّا أخفى الله أمرها عنه؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فإذا كان الإنسان يجهل أمر رُوحِه، فكيف يحيط علمًا بذات الله وما يَصلح وما لا يَصلح لذاته من الأسماء والصفات، والله قد أخفى عن الخلق كيفيَّة ذاته؟!
[ ١٧١ ]
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الثانية
الواجب في نصوص القرآن والسُّنَّة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف، لا سيما نصوص الصفات، حيث لا مجال للرأي فيها.
ودليل ذلك: السمع والعقل.
أمَّا السمع: فقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وهذا يدلُّ على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي.
وقد ذمَّ الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبَيَّن أنهم بتحريفهم مِنْ أبعد الناس عن الإيمان؛ فقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ الآية.
وأمَّا العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين، فوجب قبوله على ظاهره، وإلا لاختلفت الآراء وتفرَّقت الأمة.
[ ١٧٢ ]
شرح القاعدة
الشرح
سبق أَنْ قرَّرنا أنَّ طريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
ولذلك فمن الواجب على كل مُكَلَّف أن يُجري نصوص القرآن والسُّنَّة على ظاهرها دون تحريف، لا سيما نصوص الصفات، حيث لا مجال للرأي فيها.
والتحريف لغة: التغيير والتبديل والإمالة. فهو في الأصل مأخوذ من قولهم: حَرفتُ الشيء عن وجهه: إذا أَمَلْتَه وغَيَّرته.
والتحريف شرعًا: الميلُ بالنُّصوص عما هي عليه؛ إمَّا بالطعن فيها، أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها.
أو نقول بعبارة مختصرة: هو العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره (^١).
والتحريف في باب الأسماء والصفات: هو تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها.
٢ - أنواع التحريف:
التحريف نوعان:
النوع الأول: تحريف اللفظ:
وتعريفه: هو العدول باللفظ عن جهته إلى غيرها، وله أربع صور:
١ - الزيادة في اللفظ.
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٥).
[ ١٧٣ ]
٢ - النُّقصان في اللفظ.
٣ - تغيير حركة إعرابية.
٤ - تغيير حركة غير إعرابية.
ومن أمثلة تحريف اللفظ:
المثال الأول: تحريف إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ من الرفع إلى النصب، وقال: «وَكَلَّمَ اللهَ»، أي: موسى كلم اللهَ، ولم يُكَلِّمه اللهُ، ولما حرفها بعضُ الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تَصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؛ فبُهِت المُحَرِّفُ.
مثال آخر: إنَّ بعض المعطلة سأل بعضَ أئمة العربية: هل يمكن أن يقرأ (العرش) بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقصد بهذا التحريف: أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق (^١).
النوع الثاني: تحريف المعنى:
وتعريفه: هو صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ (^٢).
أو نقول: هو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدرٍ ما مشترك بينهما.
وهذا النوع هو الذي جَالَ فيه أهلُ الكلام من المُعَطِّلة وصالوا وتوَسَّعوا وسَمَّوْه تأويلًا، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يُعهد به استعمالٌ في اللغة (^٣).
ومن أمثلة تحريف المعنى:
قول المعطلة في معنى ﴿استوى﴾: (استولى)، وذلك كما في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٨).
(٢) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢٠١).
(٣) «مختصر الصواعق» (٢/ ١٤٧).
[ ١٧٤ ]
وفي معنى اليد في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾: النعمة والقدرة.
وفي معنى المجيء في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: وجاء أمر ربك. وأشباه ذلك.
وقد ذَكر الله التحريف وذَمَّه حيث ذكره، وهو مأخوذ في الأصل عن اليهود؛ فهم الراسخون فيه، وهم شيوخ المُحَرِّفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة، وما غُلِبوا عن تحريف لفظه حَرَّفوا معناه، ولهذا ذمَّ الله تعالى اليهود- دون غيرهم من الأمم- على تحريفهم، وبَيَّن أنهم بتحريفهم مِنْ أبعد الناس عن الإيمان؛ فقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ الآية.
وقد درج على آثارهم الرَّافضة، فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، وكذلك الجهمية، فإنهم سلكوا في تحريف النصوص مسالك إخوانهم في اليهود (^١).
وأصحاب تحريف الألفاظ شَرٌّ مِنْ أصحاب تحريف المعنى من وجه.
وأصحاب تحريف المعنى شَرٌّ من أصحاب تحريف اللفظ من وجه.
فأصحاب تحريف اللفظ عَدلوا باللفظ والمعنى جميعًا عما هما عليه؛ فأفسدوا اللفظ والمعنى، بينما أصحاب تحريف المعنى أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله؛ فكانوا خيرًا من أولئك من هذا الوجه.
فأصحاب تحريف اللفظ لما أرادوا المعنى الباطل حَرَّفوا له لفظًا يَصلح له؛ لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، بحيث إذا أُطلق ذلك اللفظ المحرف فُهِم منه المعنى المحرف؛ فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٥، ٢١٦).
[ ١٧٥ ]
اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، فبدأوا بتحريف اللفظ؛ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا (^١).
وأما كون أصحاب تحريف المعنى شرًّا من أصحاب تحريف اللفظ من وجه، فلأن تحريف المعنى هو الأكثر استعمالًا عند أصحاب التحريف، ولأنه أسهل رَوَاجًا وسوقًا عند الجهلة والعوام من الناس، فيَفتتن به مَنْ ليس لديه زادٌ من العلم الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.
فالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهم وَفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يُتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا بظواهر النصوص لمجرد أنَّها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (^٢).
فنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تُحفظ لها حُرمتها، وذلك بأن نفهمها وَفق مراد الشارع؛ فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.
فمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومِن تمام العلم أن يُبحث عن مراد الله ورسوله بها ليُثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، ويُنفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (^٣).
وبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجهٍ أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب؛ فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فَصَّلت
_________________
(١) «مختصر الصواعق» (٢/ ١٤٧، ١٤٨).
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٠١).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ١١٣، ١١٤) بتصرف.
[ ١٧٦ ]
رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقَرَّرت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.
فالمُطَّلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه.
ولا تَرُوج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف أُتِي مِنْ جهة جهله لا مِنْ قِلَّة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم.
[ ١٧٧ ]
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الثالثة
ظواهر نصوص الصِّفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر:
فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة.
وقد دلَّ على ذلك السمع والعقل.
أمَّا السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
والتَّدبُّر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه؛ ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.
وكون القرآن عربيًّا لِيعقله مَنْ يفهم العربية، يدل على أن معناه معلوم، وإلَّا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها.
وبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لَفْظه وبيان مَعْناه.
وأمَّا العقل: فلأنَّ من المُحال أن يُنَزِّل الله تعالى كتابًا، أو يتكلم رسولُه ﷺ بكلام يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام أن يكون
[ ١٧٨ ]
هِداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يُفهم منها شيء؛ لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى، وقد قال الله تعالى عن كتابه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.
هذه دلالة السَّمع والعقل على عِلمنا بمعاني نصوص الصفات.
وأمَّا دلالتهما على جَهلنا لها باعتبار الكيفية فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات.
وبهذا عُلِم بطلان مذهب المُفَوِّضَة الذين يُفَوِّضون علم معاني نصوص الصِّفات، ويَدَّعون أنَّ هذا مذهب السَّلف. والسَّلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالًا أحيانًا، وتفصيلًا أحيانًا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله ﷿.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه المعروف بـ «العقل والنقل» (ص ١١٦، ج ١) المطبوع على هامش «منهاج السنة»: «وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن، وحَضَّنا على عَقْلِه وفَهْمِه، فكيف يجوز مع ذلك أن يُراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟!»، إلى أن قال (ص ١١٨): «وحينئذ فيكون ما وَصَفَ الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يَعلم الأنبياءُ معناه، بل يقولون كلامًا لا يَعقلون معناه».
قال: «ومعلوم أنَّ هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هُدى وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن
[ ١٧٩ ]
شرح القاعدة
يُبَلغ البلاغ المبين، وأن يُبَيِّنْ للناس ما نُزِّل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الربُّ عن صفاته .. لا يَعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بَيَّنَ للناس ما نُزِّل إليهم، ولا بَلَّغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل مُلحد ومُبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النُّصوص ما يُناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة مُتشابهة، ولا يَعلم أحد معناها، وما لا يَعلم أحد معناه لا يجوز أن يُسْتَدَلَّ به؛ فيَبقى هذا الكلام سدًّا لباب الهُدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب مَنْ يعارضهم، ويقول: إن الهُدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأننا نحن نعلم ما نقول ونُبَيِّنه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يَعلموا ما يقولون فضلًا عن أن يُبينوا مرادهم.
فتَبين أنَّ قول أهل التَّفويض الذين يزعمون أنهم مُتَّبعون للسُّنة والسلف من شرِّ أقوال أهل البدع والإلحاد». اهـ كلام الشيخ، وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد، وما عليه مزيد؛ رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنَّات النَّعيم».
الشرح
خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته، وهذا ما دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فهذا ردٌّ على المُمَثِّلة المُشَبِّهة.
فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوقين فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم.
[ ١٨٠ ]
وكذلك من عَطَّل صفات الخالق توهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتًا في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يُوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًّا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًّا.
وهذه الأسماء إذا سُمي الله بها كان مسمَّاها مُعَيَّنًا مختصًّا به.
فإذا سُمِّي بها العبد كان مُسَمَّاها مختصًّا به.
فوجود الله وحياته لا يُشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟
وبهذا ومثله يتبين لك أنَّ المُشَبِّهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحقِّ فَضَلُّوا.
وأنَّ المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجهٍ من الوجوه، وزادوا فيه على الحق حتى ضَلُّوا.
وأنَّ كتاب الله دلَّ على الحقِّ المَحض الذي تعقلُه العقول السليمة الصحيحة، وهو الحقُّ المعتدل الذي لا انحرافَ فيه (^١).
وبعد إثباتنا لصفات الله تعالى علينا فقط أن نقطع الطمع عن إدراك كيفية اتصافه سبحانه بهذه الصفات، ويتم ذلك بما يلي:
أولًا: إن الله لم يُطلع الخلق على ذاته، ولم يُكَلِّفهم معرفة ذاته.
لم يشأ الله ﷿ أن يجعل للعباد مِنْ سبيل إلى معرفة كيفية وكُنه صفاته، فقد سَدَّ سبحانه الطرق الموصلة إلى ذلك، فهو مِنْ جهة لم يُطلع الخلق على ذاته، فهذا باب مَوصود إلى قيام الساعة كما جاء في الحديث: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يَرى أحد منكم ربَّه حتى ﷿ حتى يموت» (^٢).
_________________
(١) «شرح الطحاوية» (ص ١٠٤) بتصرف.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب (الفتن)، باب (ذكر ابن صياد)، حَدِيث (١٦٩).
[ ١٨١ ]
ومِن جهة ثانية لم يخبرنا الله ﷿ بكيفية وكُنه صفاته في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، فما وردت به النصوص إنما هو إثبات وجود لتلك الصفات لا إثبات كيفية.
ومن جهة ثالثة فإنَّ الله لم يُكلف العباد معرفة كيفية صفاته، ولم يتعبدهم بذلك ولا أراده منهم، بل قَصرهم على الإيمان بما أخبرهم به، فالواجب عليهم أن يؤمنوا الإيمان الصحيح بما كلفوا به، وأن لا يتجاوزوا حدود ذلك.
وقد ورد النص في وجوب قطع الطَّمع عن إدراك حقيقة كيفية صفات الله؛ فإدراك ذلك مستحيل، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا ما نص عليه في هذه الآية من سورة طه، فقوله: ﴿يُحِيطُونَ بِهِ﴾ فعل مضارع منفي، والفعل الصناعي الذي يسمى (بالفعل المضارع، وفعل الأمر، والفعل الماضي) ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا؛ فيحيطون في مفهومها (الإحاطة)، فيتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل، فيكون معه كالنَّكرة المَبنية على الفتح؛ فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري بربِّ السموات والأرض، فيُنفى جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المُسندة منفية (للخلق) عن ربِّ العالمين» (^١).
ولذلك على العقل أن ييأس مِنْ تعرُّف كُنه الصفات وكيفياتها لعجزه عن معرفة ذلك؛ لأنَّ الشيء لا تُعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العِلم بنظيره المُساوي له، أو بالخبر الصادق، وكل هذه الطرق مُنتفية في كيفية صفات الله، فوجب بطلان تكييفها.
_________________
(١) «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ٢٤).
[ ١٨٢ ]
وعِلم الإنسان محدود، كما أخبر الله بذلك؛ حيث قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
وإذا كانت نفسُ الإنسان التي هي أقرب الأشياء إليه بل هي هويته- لا يَعرف الإنسانُ كيفيتها ولا يحيط علمًا بحقيقتها، فالخالقﷻ- أَوْلَى أن لا يَعلم العبد كيفيته ولا يحيط علمًا بحقيقته (^١).
وقد أدَّب الله عباده المؤمنين ووجَّههم بأن لا يخوضوا في أمور لا علم لهم بها، فقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.
ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ﷿؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها، ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قَفْوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به، ومخالفة لما نهانا الله وحذرنا منه، وحَرَّمه علينا.
فيجب الكفُّ عن التكييف تقديرًا بالجنان، أو تقريرًا باللسان، أو تحريرًا بالبنان؛ لأن أيَّةَ كيفية تقدرها الأذهان فالله أعظم وأجَلُّ من ذلك، ثم هي في الوقت ذاته ستكون كذبًا؛ لأنه لا عِلم لقائلها بذلك.
ولهذا نقل أصحاب المقالات عن بعض المشبهة- الذين خاضوا في كيفية صفات الله- أنه قال في ربِّه في عام واحد خمسة أقاويل (^٢)، وصدق الله إذ قال في كتابه العزيز: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾.
_________________
(١) «رسالة في العقل والروح» لابن تيمية (٢/ ٤٤)، مطبوعة ضمن مجموعة «الرسائل المنيرية».
(٢) «مقالات الإسلاميين» (ص ٣٣).
[ ١٨٣ ]
فعلى المُسلم أن يحذر من التكييف أو محاولته، فإنَّ مَنْ فعل ذلك فقد وقع في مَفاوز لا يستطيع الخلاص منها، فالخوض في ذلك هو مما يلقيه الشيطان في القلوب، وهو نزغة من نزغاته، فلذلك يجب على المؤمن أن يلجأ إلى ربِّه ويستعيذ به من نزغات الشيطان؛ قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
ولذلك معنى قول السلف: «بلا كيف» أي: بلا كيف يَعقله البشر، فليس المراد من قولهم: «بلا كيف» هو نفي الكيف مطلقًا، فإنَّ كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد هو نفي العلم بالكيف، إذ لا يَعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (^١)، فهذا مما استأثر الله بعلمه فلا سبيل إلى الوصول إليه، فكما أنَّ ذات الله لا يمكن للبشر معرفة كيفيتها، فكذلك صفاته سبحانه لا نعلم كيفيتها، ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ فقيل له: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؛ كيف استوى؟ قال ﵀: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». ثم قال للسائل: وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه من مجلسه.
وقد روى عن شيخه ربيعة بن عبد الرحمن قوله: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول»، أي: لا تَعقله العقول ولا تحيط به.
وهذا يقال في سائر الصفات، وقد مشى أهل العلم على هذا الميزان، واعتبروا ذلك قاعدة من قواعد الصفات.
فقول الإمام مالك: «الاستواء معلوم»: أي: معلوم المعنى في لغة العرب، فـ (استوى) هنا عُدِّيت بـ (على)، فهي هنا بمعنى: علا وارتفع، وهكذا الأمر في سائر نصوص الصفات، فإن معانيها معروفة في لغة العرب، وليست مجهولة.
_________________
(١) «شرح العقيدة الواسطية» للهراس (ص ٦٧، ٦٨).
[ ١٨٤ ]
«والكيف مجهول»: أي: مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستوٍ على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يَكِلُون علمَ كيفية ذلك الاستواء إلى الله ﷿؛ لأنه مما استأثر الله بعلمه.
«والإيمان به واجب»: أي: الإيمان باستواء الله على عرشه حقيقة واجب؛ لوروده في النصوص الشرعية.
«والسؤال عنه بدعة»: أي: السؤال عن كيفية الاستواء؛ لأن السائل قال: كيف استوى؟
فعدم العلم بكيفية صفات الله لا يَقدح في الإيمان بتلك الصفات ومعرفة معانيها؛ لأن الكيفية وراء ذلك، فالسلف يُثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ويفهمون معاني تلك الصفات ويُفسرونها، فإذا أثبتوا لله السَّمع والبصر أثبتوهما حقيقية وفهموا معناهما، وهكذا سائر الصفات يجب أن تَجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كُنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يُكَلِّف العباد ذلك ولا أراده منهم ولم يجعل لهم إليه سبيلًا.
وكثير من المخلوقات لم يجعل الله للعباد سبيلًا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فهذه أرواح الخلائق التي هي أدنى إليهم مِنْ كل دان قد حُجب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها، وقد أخبرنا الله عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار، فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يَعرفوا كيفيته وكنهه، فلا يشكُّ المسلمون أن في الجنة أنهارًا من خمر وأنهارًا من عسل، ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته؛ كما قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء».
فكذا الأسماء والصفات لا يَمنع انتفاء نظيرها في الدنيا مِنْ فهم معانيها وحقائقها والإيمان بذلك واعتقاد اتصاف الله بها (^١).
فإيماننا صحيحٌ بحقِّ ما كُلِّفنا به وإن لم نَعرف حقيقة ماهيته وكيفيته، والله أعلم.
_________________
(١) «مدارج السالكين» (٣/ ٣٥٨).
[ ١٨٥ ]
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الرابعة
ظاهر النُّصوص ما يَتبادر منها إلى الذِّهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السِّياق، وما يُضاف إليه الكلام:
فالكلمة الواحدة يكون لها مَعْنى في سياق ومعنى آخر في سياق، وتركيب الكلام يُفيد مَعنى على وجه ومعنى آخر على وجه.
فلفظ (القرية) مثلًا يُراد به: القوم تارة، ومساكن القوم تارة أخرى.
فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
ومن الثاني: قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾.
وتقول: صنعتُ هذا بيدي. فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾؛ لأن اليد في المثال أُضِيفت إلى المخلوق، فتكون مناسبة له، وفي الآية أضيفت إلى الخالق فتكون لائقة به، فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق، أو بالعكس.
وتقول: ما عندك إلا زيدٌ، وما زيد إلَّا عندك. فتفيد الجملة الثانية مَعنى غير ما تُفيده الأولى، مع اتِّحاد الكلمات، لكن اختلف التركيب فتغيَّر المعنى به.
[ ١٨٦ ]
إذا تقرر هذا فظاهر نُصوص الصفات ما يَتبادر منها إلى الذهن من المعاني.
وقد انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مَنْ جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقًّا يليق بالله ﷿، وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم السَّلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، والذين لا يَصْدُقُ لقبُ أهل السنة والجماعة إلَّا عليهم.
وقد أجمعوا على ذلك، كما نقله ابن عبد البر فقال: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسُّنَّة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يُكَيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة». اهـ.
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب «إبطال التأويل»: «لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله لا تُشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما رُوِيَ عن الإمام أحمد وسائر الأئمة». اهـ نَقَلَ ذلك عن ابن عبد البر والقاضي شيخُ الإسلام ابن تيميه في «الفتوى الحموية» (ص ٨٧ - ٨٩، ج ٥) من «مجموع الفتاوى» لابن القاسم.
وهذا هو المذهب الصحيح والطريق القويم الحكيم، وذلك لوجهين:
الأول: أنه تطبيق تام لما دل عليه الكتاب والسُّنَّة من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من أسماء الله وصفاته، كما يُعلم ذلك من تَتبعه بعِلم وإنصاف.
[ ١٨٧ ]
الثاني: أن يقال: إنَّ الحق إمَّا أن يكون فيما قاله السلف، أو فيما قاله غيرهم. والثاني باطل؛ لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان تكلموا بالباطل تصريحًا أو ظاهرًا، ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحًا ولا ظاهرًا بالحق الذي يجب اعتقاده. وهذا يستلزم أن يكونوا إمَّا جاهلين بالحق، وإمَّا عالمين به لكن كتموه، وكلاهما باطل، وبطلان اللازم يدلُّ على بطلان الملزوم، فتعيَّن أن يكون الحقُّ فيما قاله السلف دون غيرهم.
القسم الثاني: مَنْ جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا لا يليق بالله، وهو التشبيه، وأبقوا دلالتها على ذلك. وهؤلاء هم المشبهة، ومذهبهم باطل، محرم من عدة أوجه:
الأول: أنه جناية على النُّصوص، وتعطيل لها عن المراد بها، فكيف يكون المراد بها التشبيه وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
الثاني: أن العقل دلَّ على مباينة الخالق للمخلوق في الذات والصفات، فكيف يُحكم بدلالة النصوص على التَّشابه بينهما؟
الثالث: أن هذا المفهوم الذي فهمه المُشَبِّه من النصوص مُخالف لما فهمه السلف منها، فيكون باطلًا.
فإن قال المُشَبِّه: أنا لا أعقل من نزول الله ويده إلا مثل ما للمخلوق من ذلك، والله تعالى لم يُخاطبنا إلا بما نعرفه ونعقله.
فجوابه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ونهى عباده أن يضربوا له
[ ١٨٨ ]
الأمثال، أو يجعلوا له أندادًا فقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وكلامه تعالى كله حق، يُصَدِّق بعضه بعضًا ولا يتناقض.
ثانيها: أن يقال له: ألست تعقل لله ذاتًا لا تُشبه الذوات؟ فسيقول: بلى. فيقال له: فلتعقل له صفات لا تُشبه الصفات، فإن القول في الصفات كالقول في الذات، ومَن فرق بينهما فقد تناقض.
ثالثها: أن يقال: ألست تُشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؟ فسيقول: بلى. فيقال له: إذا عقلت التباين بين المخلوقات في هذا، فلماذا لا تَعقله بين الخالق والمخلوق، مع أنَّ التباين بين الخالق والمخلوق أظهر وأعظم، بل التماثل مستحيل بين الخالق والمخلوق، كما سبق في القاعدة السادسة من قواعد الصفات.
القسم الثالث: مَنْ جعلوا المعنى المُتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا لا يليق بالله، وهو التشبيه، ثم إنهم من أجل ذلك أَنكروا ما دلَّت عليه من المعنى اللائق بالله. وهم أهل التعطيل، سواء كان تعطيلهم عامًّا في الأسماء والصفات، أم خاصًّا فيهما، أو في أحدهما. فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معاني عيَّنوها بعقولهم، واضطربوا في تعيينها اضطرابًا كثيرًا، وسَمَّوا ذلك تأويلًا وهو في الحقيقة تحريف.
ومذهبهم باطل من وجوه:
أحدها: أنه جناية على النصوص، حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له.
[ ١٨٩ ]
الوجه الثاني: أنه صَرْفٌ لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ عن ظاهره. والله تعالى خاطب الناس بلسان عربيٍ مبين؛ ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي، والنبي ﷺ خاطبهم بأفصح لسان البشر؛ فوجب حملُ كلام الله ورسوله ﷺ على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي، غير أنه يجب أن يُصان عن التكييف والتمثيل في حق الله ﷿.
الوجه الثالث: أن صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قولٌ على الله بلا علم، وهو مُحَرَّم لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، ولقوله سبحانه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾.
فالصَّارف لكلام الله تعالى ورسوله ﷺ عن ظاهره إلى معنى يخالفه قد قفا ما ليس له به علم، وقال على الله ما لا يَعلم من وجهين:
الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله تعالى ورسوله كذا، مع أنه ظاهر الكلام.
الثاني: أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام.
وإذا كان من المعلوم أنَّ تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قولٌ بلا علم، فما ظنُّك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟
[ ١٩٠ ]
مثال ذلك: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾، فإذا صرف الكلام عن ظاهره وقال: لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين، وإنما أراد كذا وكذا. قلنا له: ما دليلك على ما نفيت؟ وما دليلك على ما أَثْبَتَّ؟ فإن أتى بدليل وأنَّى له ذلك، وإلا كان قائلًا على الله بلا علم في نفيه وإثباته.
الوجه الرابع في إبطال مذهب أهل التعطيل: أنَّ صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، فيكون باطلًا؛ لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها.
الوجه الخامس: أن يُقال للمُعَطِّل: هل أنت أعلمُ بالله من نفسه؟ فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل ما أخبر الله ﷿ به عن نفسه صدق وحق؟ فسيقول: نعم.
ثم يقال له: هل تعلم كلامًا أفصح وأبين من كلام الله تعالى؟ فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل تَظن أن الله ﷾ أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص؛ ليستخرجوه بعقولهم؟ فسيقول: لا.
هذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن.
أمَّا باعتبار ما جاء في السنة:
فيقال له: هل أنت أعلم بالله من رسوله ﷺ؟. فيقول: لا.
ثم يقال له: هل ما أَخبر به رسولُ الله عن اللهِ صِدق وحَقٌّ؟ فسيقول: نعم.
[ ١٩١ ]
ثم يقال له: هل تعلم أنَّ أحدًا من الناس أفصح كلامًا وأَبْيَن من رسول الله ﷺ؟ فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل تعلم أنَّ أحدًا من الناس أَنصح لعباد الله من رسول الله ﷺ؟ فسيقول: لا.
فيُقال له: إذا كنت تُقِرُّ بذلك، فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأَثبته له رسوله ﷺ على حقيقته وظاهره اللائق بالله؟ وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة في نفي حقيقته تلك وصرفه إلى مَعنى يخالف ظاهره بغير علم؟
وماذا يضيرك إذا أثبتَّ لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه أو سنة نبيه ﷺ على الوجه اللائق به، فأخذت بما جاء في الكتاب والسنة إثباتًا ونفيًا؟!
أفليس هذا أسلم لك وأقوم لجوابك إذا سُئلت يوم القيامة: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟
أَوَليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها وتعيين معنى آخر مُخاطرة منك؛ فلعل المراد يكون- على تقدير جواز صرفها- غير ما صرفتها إليه؟
الوجه السادس في إبطال مذهب أهل التعطيل: أنه يلزم عليه لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.
فمن هذه اللوازم:
أولًا: أن أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلا حيث اعتقدوا أنه مستلزم أو موُهم لتشبيه الله تعالى
[ ١٩٢ ]
بخلقه، وتشبيه الله تعالى بخلقه كفر؛ لأنه تكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. قال نُعَيم بن حمَّاد الخزاعي أحد مشايخ البخاري رحمهما الله: «ومَن شَبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومَن جَحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا». اهـ.
ومن المعلوم: أن من أبطل الباطل أن يجعل ظاهر كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ تشبيهًا وكفرًا أو مُوهمًا لذلك.
ثانيًا: أن كتاب الله تعالى الذي أنزله تبيانًا لكل شيء وهدى للناس، وشفاء لما في الصدور، ونورًا مبينًا، وفرقانًا بين الحق والباطل- لم يبين الله تعالى فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنما جعل ذلك موكولًا إلى عقولهم، يُثبتون لله ما يشاءون، وينكرون ما لا يريدون. وهذا ظاهر البطلان.
ثالثا: أن النبي ﷺ وخلفاءه الراشدين وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها كانوا قاصرين أو مُقصرين في معرفة وتبيين ما يجب لله تعالى من الصفات، أو يمتنع عليه، أو يجوز. إذ لم يَرد عنهم حرف واحد فيما ذهب إليه أهل التعطيل في صفات الله تعالى وسَمَّوه تأويلًا.
وحينئذ إمَّا أن يكون النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة وأئمتها قاصرين لجهلهم بذلك، وعجزهم عن معرفته، أو مُقَصِّرين لعدم بيانهم للأمة. وكِلا الأمرين باطل.
رابعًا: أن كلامَ اللهِ ورسولِه ليس مرجعًا للناس فيما يعتقدونه
[ ١٩٣ ]
في ربهم وإلههم، الذي مَعرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع، بل هو زُبدة الرسالات. وإنما المرجع تلك العقول المضطربة المتناقضة، وما خالفها فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا، أو التحريف الذي يسمونه تأويلًا إن لم يتمكنوا من تكذيبه.
خامسًا: أنه يلزم منه جواز نفي ما أثبته الله ورسوله ﷺ، فيقال في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: إنه لا يجيء. وفي قوله ﷺ: «ينزل ربُّنا إلى السَّماء الدنيا»: إنه لا ينزل؛ لأن إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز عندهم. وأظهر علامات المجاز عند القائلين به صحة نفيه، ونفي ما أثبته الله ورسوله ﷺ من أبطل الباطل، ولا يمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره؛ لأنه ليس في السياق ما يدلُّ عليه.
ثم إنَّ من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات، أو تعدى إلى الأسماء أيضًا. ومنهم مَنْ تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض؛ كالأشعرية والماتريدية، أثبتوا ما أثبتوه بحجة أن العقل يدل عليه، ونفوا ما نفوه بحجة أن العقل يَنفيه أو لا يدل عليه.
فنقول لهم: نفيكم لما نفيتموه بحجة أن العقل لا يدل عليه- يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتم به ما أثبتموه، كما هو ثابت بالدليل السمعي.
مثال ذلك: أنهم أثبتوا صفة الإرادة، ونفوا صفة الرحمة.
أثبتوا صفة الإرادة؛ لدلالة السمع والعقل عليها.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
[ ١٩٤ ]
وأمَّا العقل: فإن اختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف- دليل على الإرادة.
ونفوا الرحمة قالوا: لأنها تستلزم لين الرَّاحم، ورقته للمرحوم، وهذا محال في حق الله تعالى.
وأَوَّلوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة إلى الفعل، أو إرادة الفعل، ففسروا الرَّحيم بالمُنعم، أو مريد الإنعام.
فنقول لهم: الرَّحمة ثابتة لله تعالى بالأدلة السمعية، وأدلة ثبوتها أكثر عددًا وتنوعًا من أدلة الإرادة. فقد وردت بالاسم مثل: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والصفة مثل: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾، والفعل مثل: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
ويمكن إثباتها بالعقل، فإن النعم التي تترى على العباد من كل وجه، والنقم التي تدفع عنهم في كل حين- دالة على ثبوت الرحمة لله ﷿، ودلالتها على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة، لظهور ذلك للخاصة والعامة، بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة، فإنَّه لا يظهر إلا لأفراد من الناس.
وأما نفيها بحجة أنها تستلزم اللين والرقة. فجوابه: أن هذه الحجة لو كانت مستقيمة لأمكن نفي الإرادة بمثلها، فيقال: الإرادة ميل المُريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع مضرة. وهذا يستلزم الحاجة، والله تعالى منزه عن ذلك.
فإن أجيب: بأن هذه إرادة المخلوق. أمكن الجواب بمثله في الرحمة، بأن الرحمة المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق.
[ ١٩٥ ]
وبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل؛ سواء كان تعطيلًا عامًّا أم خاصًّا.
وبه عُلم أن طريق الأشاعرة والماتريدية في أسماء الله وصفاته وما احتجوا به لذلك لا تندفع به شُبه المعتزلة والجهمية، وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه طريق مُبتدع لم يكن عليه النبي ﷺ ولا سلف الأمة وأئمتها، والبدعة لا تُدفع بالبدعة، وإنما تدفع بالسُّنَّة.
الثاني: أن المعتزلة والجهمية يُمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة، فيقولون: لقد أبحتم لأنفسكم نفي ما نفيتم من الصفات بما زعمتموه دليلًا عقليًّا، وأَوَّلتم دليله السَّمعي، فلماذا تحرِّمون علينا نفي ما نفيناه بما نراه دليلًا عقليًّا، ونؤول دليله السمعي؟ فلنا عقول كما أنَّ لكم عقولًا، فإن كانت عقولنا خاطئة فكيف كانت عقولكم صائبة؟ وإن كانت عقولكم صائبة فكيف كانت عقولنا خاطئة؟ وليس لكم حجة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم واتباع الهوى.
وهذه حجة دامغة، وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية، ولا مَدفع لذلك ولا محيص عنه، إلا بالرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب، ويُثبون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ إثباتًا لا تمثيل فيه ولا تكييف، وتنزيهًا لا تعطيل فيه ولا تحريف، ومَن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
[ ١٩٦ ]
شرح القاعدة
تنبيه:
عُلم مما سبق أنَّ كل معطل ممثِّل، وكل ممثل معطل.
أمَّا تعطيل المعطل فظاهر، وأما تمثيله: فلأنه إنما عطل لاعتقاده أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه، فمَثَّل أولًا، وعَطَّل ثانيًا، كما أنه بتعطيله مَثَّلَهُ بالناقص.
وأمَّا تمثيل الممثل فظاهر، وأما تعطيله فمن ثلاثة أوجه:
الأول: أنه عطَّل نفس النص الذي أثبت به الصِّفة، حيث جعله دالًّا على التمثيل، مع أنه لا دلالة فيه عليه، وإنما يدل على صفة تليق بالله ﷿.
الثاني: أنَّه عطل كل نص يدلُّ على نفي مماثلة الله لخلقه.
الثالث: أنه عطَّل الله تعالى عن كماله الواجب، حيث مَثَّله بالمخلوق الناقص».
الشرح
قال شارح «الطحاوية»: «اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله» (^١).
وقد يُشكل على البعض: أن الله قد سَمَّى نفسه بصفات وسَمَّى عباده بنظير ذلك؛ فيتردد عند ذلك: هل يُثبت تلك الصفات لله حقيقة أم لا؟
فَمِنْ أجل توضيح هذه المسألة أقول: اعلم- وَفَّقَك الله- أن الألفاظ منها:
١ - ما هو مترادف: هو ما اختلف لفظه واتَّحد معناه؛ مثال ذلك: الليث- الأسد- أسامة- الغضنفر.
_________________
(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ٢٦).
[ ١٩٧ ]
فهذه ألفاظ مختلفة والمسمى بها واحد؛ لذا تُسَمَّى الألفاظ المترادفة.
٢ - ما هو مشترك: وهو ما اتَّحد لفظه واختلف معناه؛ مثال ذلك: لفظ: (العين)؛ فهي تُطلق على (العين الباصرة- والعين الجارية- والجاسوس- والحسد).
فاللفظ واحد والمعاني مختلفة، وهذه تُسَمَّى الألفاظ المشتركة.
٣ - ما هو متباين: وهو ما اختلف لفظه ومعناه؛ مثال ذلك: (السماء والأرض- والجنة والنار).
فلكل لفظ من هذه الألفاظ معنى يختلف عن الآخر، فهذه تُسَمَّى الألفاظ المتباينة.
٤ - ما هو متواطئ: وهو ما اتفق لفظه ومعناه، وهو نوعان:
الأول: التواطؤ المُطلق: وذلك إذا كان المعنى متساويًا في الجميع؛ مثاله: لفظ (الرجل) يقال: زيد رجل وعمر رجل، فالمعنى متساو في الجميع.
الثاني: التواطؤ المشكِّك: وذلك إذا كان المعنى متفاوتًا متفاضلًا.
وسُمِّي بالمشكك؛ لتشكك السامع: هل هذا اللفظ مِنْ قبيل المتواطئ أم من المشترك؟
مثاله: لفظ (النور)؛ فيقال: (نور الشمس ونور السراج)، فالمعنى في الاثنين واحد، ولكن هناك تفاوت وتفاضل؛ فشتان بين نور الشمس ونور السِّراج (^١).
فالأسماء التي تُطلق على الله وعلى العباد هي من الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشُكك؛ فالحق فيها هو أن يقال: إنه بالنسبة للأسماء والصفات التي تُطلق على الله وعلى العباد؛ كـ (الحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والحياة، والسمع، والبصر، والعلم) ونحوها هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد.
_________________
(١) «التحفة المهدية» (ص ٢٠٩) بتصرف.
[ ١٩٨ ]
ولكن للرب تعالى منها ما يليق بجلاله.
وللعبد منها ما يَليق به.
وذلك لأن «الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات:
الاعتبار الأول: اعتبار مِنْ حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد.
الاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الربِّ مختصًّا به.
الاعتبار الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد مقيدًا به.
فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.
وهذا كاسم (السميع) الذي يلزمه إدراك المَسموعات.
و(البصير) الذي يلزمه رؤية المُبصرات.
و(العليم) و(القدير) وسائر الأسماء.
فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها؛ فإثباتها للرب تعالى لا محذور فيه بوجهٍ، بل يثبت له على وجهٍ لايماثله فيه خَلْقُه ولا يُشابههم.
فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق أَلْحَدَ في أسمائه وجَحَد صفات كماله، ومَن أثبته على وجهٍ لا يُماثل فيه خلقه به- كما يليق بجلاله وعظمته- فقد بَرِئ من فرث التَّشبيه ودم التعطيل، وهذا طريقُ أهل السنة.
وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيُه عن الله كما يلزم حياة العبد من النَّوم والسِّنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك، وكذلك ما يَلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزم عُلوَّه من احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولًا به، مفتقرًا إليه، محاطًا به، كل هذا يجب نفيه عن القُدُّوس السَّلَام ﵎.
[ ١٩٩ ]
وما لزم الصفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنَّه لا يثبت للمخلوق بوجهٍ؛ كعلمه الذي يلزمه القِدَم والوجوب والإحاطة بكلِّ معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإنَّ ما يختص به منها لا يُمكن إثباته للمخلوق.
فإذا أحطت بهذه القاعدة خُبرًا وعَقَلْتَها كما ينبغي- خَلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين:
١ - آفة التعطيل. ٢ - وآفة التشبيه.
فإنك إذا وَفَّيت هذا المقام حقَّه من التصور أَثْبَتَّ لله الأسماء الحسنى والصفات العُلى حقيقة؛ فخلصت من التعطيل، ونَفيت عنها خصائص المخلوقين ومُشابهتهم، فخلصت مِنْ التشبيه؛ فتدبر هذا الموضع واجعله جُنَّتك التي تَرجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصَّواب» (^١).
ومن كلام شيخ الإسلام في هذا الموضوع قوله: «سَمَّى الله نفسه بأسماء وسَمَّى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أُضيفت إليه لا يُشركه فيها غيره».
وسَمَّى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم، تُوافق تلك الأسماء إذا قُطعت من الإضافة والتخصيص.
ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مُسَمَّاهما واتحاده- عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص- اتَّفاقُهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص؛ فضلًا عن أن يتحد مُسَمَّاهما عند الإضافة والتخصيص.
فقد سَمَّى الله نفسه حيًّا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وسَمَّى بعض عباده حيًّا؛ فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾.
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٤ - ١٦٦).
[ ٢٠٠ ]
وليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله: (الحي) اسم لله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحيِّ المخلوق مختصٍّ به.
وإنما يتفقان إذا أُطلقا وجُرِّدا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يَفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المُسميين.
وعند الاختصاص: يُقَيَّد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق.
ولابد مِنْ هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يُفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه ﷾.
وكذلك سَمَّى الله نفسه: ﴿عَلِيمًا حَلِيمًا﴾، وسَمَّى بعض عباده (عليمًا)؛ فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ يعني إسحاق، وسمى آخر (حليمًا)، ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾، يعني إسماعيل؛ وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.
وسَمَّى نفسه (سميعًا بصيرًا)؛ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وسمى بعض عباده (سميعًا بصيرًا)؛ فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإَنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير …
وكذلك سَمَّى صفاتِه بأسماء، وسَمَّى صفات عباده بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾، وسمى صفة المخلوق علمًا وقوة: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
[ ٢٠١ ]
ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَة﴾، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، وليس العليم كالعلم ولا القوة كالقوة.
ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه؛ فذكر ذلك في سبعة مواضع من كتابه أنه استوى على العرش.
ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، وليس الاستواء كالاستواء.
ووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾، ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود، فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم، ونظائر هذا كثيرة.
فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ماثلته لخلقه.
فمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى- كان معطلًا جاحدًا ممثلًا له بالمعدومات والجمادات.
ومَن قال: له علم كعلمي أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضاء كرضائي، أو يَدَان كيداي، أو استواء كاستوائي- كان مشبهًا ممثلًا لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل» (^١).
فأهل السنة يعتقدون أن ما اتصف الله به من الصفات لا يُماثله فيها أحد من خلقه، فالله ﷿ قد أخبرنا بذلك بنصِّ كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فإذا ورد النص بصفة
_________________
(١) «الرسالة التدمرية» (ص ٨ - ١٢) بتصرف.
[ ٢٠٢ ]
من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة- فيجب الإيمان به والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصفَ بالغٌ من غايات الكمال والشرف والعلو مما يَقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين؛ فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يَسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تُشبه صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المُصَدِّق بصفات الله التي تمدح بها أو أثنى عليه بها نبيه ﷺ، أن يكون معظِّمًا لله جل وعلا غير مُتنجس بأقذار التشبيه؛ لتكون أرضُ قلبِه طيبةً طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه أخذًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١).
أمَّا أهل التعطيل: فإنَّهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات التي لا وجود لها إلا في أفهامهم الفاسدة.
فعقيدة هؤلاء المعطلة جمعت بين التمثيل والتعطيل، وهذا الشر إنَّما جاء من تنجس قلوبهم وتدنسها بأقذار التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه؛ كاستوائه على عرشه ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال.
فإن أول ما يخطر في أذهانهم أن هذه الصفة تشبه صفات الخلق؛ فيتلطخ القلب بأقذار التشبيه؛ فلم يقدر الله حقَّ قدره، ولم يُعَظِّم الله حقَّ عظمته؛ حيث سبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولًا نجَّس القلب بأقذار التشبيه، ثم دعاه ذلك إلى أن ينفي صفة الخالق جلَّ وعلا عنه بادِّعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون فيها أولًا مشبهًا، وثانيًا معطلًا ضالًّا ابتداءً وانتهاءً متهجمًا على ربِّ العالمين يَنفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق (^٢).
_________________
(١) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ٢١، ٢٢).
(٢) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ١٩، ٢٠).
[ ٢٠٣ ]
وأمَّا عقيدة أهل التمثيل: فهي تقوم على دعواهم أن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نَعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة؛ فشَبَّهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا: له يد كيدي، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وأمَّا العارفون به، المُصدقون لرسله، المُقرون بكماله فهم يُثبتون لله جميع صفاته، ويَنفون عنه مشابهة المخلوقات، فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، فمذهبهم حسنة بين سَيئتين، وهدًى بين ضلالتين.
وخلاصة القول: أن عقيدة أهل السنة تتميز عن عقيدة المشبهة، بأن أهل السنة يُفَوِّضون علم كيفية اتصاف الباري ﷿ بتلك الصفات إلى الله ﷿، فلا عِلم للبشر بكيفية ذات الله﵎، «ولا تفسير كُنه شيء من صفات ربنا تعالى؛ كأن يقال: استوى على هيئة كذا.
وكل مَنْ تجرأ على شيء من ذلك فقوله من الغُلو في الدين والافتراء على الله ﷿، واعتقاد ما لم يأذن به الله ولا يليق بجلاله وعظمته ولم ينطق به كتاب ولا سنة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العباد في الشريعة لبَيَّنه الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو لم يَدَع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بَيَّنه ووَضَّحه، والعباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما عَلَّمَهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾؛ فليؤمن العبد بما عَلَّمه الله تعالى وليقف معه، وليُمسك عما جهله، وليكل معناه إلى عالمه» (^١).
وأمَّا المشبهة فقد تعمقوا في شأن كيفيات صفات الله وتَقَوَّلوا على الله بغير علم، فقالوا: له بصرٌ كبصري، ويدٌ كيدي،، وقَدَمٌ كقدمي، تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.
_________________
(١) انظر: «معارج القبول» (١/ ٣٢٦، ٣٢٧).
[ ٢٠٤ ]