قواعدٌ في صِفات الله تعالى
القاعدة الأولى
صفات الله- تعالى- كلها صفات كمال لا نَقْصَ فيها بوجهٍ من الوجوه:
كالحياة، والعِلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والرحمة، والعزة، والحكمة، والعُلو، والعظمة، وغير ذلك».
الشرح
الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية، أو معنوية، أو فعلية.
وقد تنوعت تقسيمات أهل السنة للصفات، وذلك بحسب الاعتبارات التي يرجع لها كل تقسيم، ومن تلك التقسيمات: أقسام الصفات عمومًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الصفات نوعان:
أحدهما: صفات نقص؛ فهذه يجب تنزيه الله عنها مطلقًا؛ كالموت، والعجز، والجهل.
والثاني: صفات كمال؛ فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء» (^١).
_________________
(١) «الصفدية» (١/ ١٠٢).
[ ١١٦ ]
ومعتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته هو: أنهم يؤمنون بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتًا ونفيًا، فهم بذلك:
١ - يُسَمُّون الله بما سمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون منه.
٢ - ويُثبتون لله ﷿ ويصفونه بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
٣ - وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ، مع اعتقاد أنَّ الله موصوف بكمال ضد ذلك الأمر المنفي.
فأهل السنة سلكوا في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة فكل اسم أو صفة لله سبحانه وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات؛ فيجب بذلك إثباتها.
وأمَّا النفي فهو أن ينفى عن الله ﷿ كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص، مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضد ذلك المنفي.
قال الإمام أحمد ﵀: «لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة» (^١).
* * *
_________________
(١) «الفتوى الحموية» (ص ٦١)، دار فجر التراث.
[ ١١٧ ]
قال المصنف ﵀:
«وقد دل على هذا: السَّمع والعقل والفطرة.
أمَّا السَّمع: فمنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، والمَثل الأعلى: هو الوصف الأعلى».
الشرح
دليل السمع: جاء في القرآن العظيم آيات كثيرة تدل على أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾، و(الأعلى): صيغة أفعل التَّفضيل، أي: أعلى من غيره (^١).
ومعناها كما قال القرطبي: «أي: الوصف الأعلى» (^٢)، وقال ابن كثير: «أي: الكمال المطلق من كل وجه» (^٣)، وقال ابن سعدي: «﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وهو كل صفة كمال، وكل كمال في الوجود فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه» (^٤).
لذا قال الإمام ابن القيم: «المَثل الأعلى يتضمن ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، ووجودها العِلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بها …» (^٥).
فالله تعالى وصف نفسه بأنَّ له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق،
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٠).
(٢) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١٩).
(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٧٣).
(٤) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٤/ ١٠٤).
(٥) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٤) بتصرف.
[ ١١٨ ]
المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل- كان له المثل الأعلى، وكان أحق به مَنْ كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان؛ لأنهما إن تكافآ من كل وجه لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مِثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه؛ فتأمله فإنَّه في غاية الظهور والقوة» (^١).
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٢)، و«شرح الطحاوية» (ص ١٤٤).
[ ١١٩ ]
قال المصنف ﵀:
«وأما العقل: فوجهه أن كل موجود حقيقة فلا بد أن تكون له صفة؛ إمَّا صفة كمال، وإما صفة نقص. والثاني باطل بالنسبة إلى الرِّبِّ الكامل المستحق للعبادة، ولهذا أظهر الله تعالى بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بالنقص والعجز؛ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وقال عن إبراهيم وهو يحتج على أبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾، وعلى قومه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.
ثم إنَّه قد ثبت بالحسِّ والمشاهدة: أنَّ للمخلوق صفات كمال، وهى من الله تعالى، فمُعطي الكمال أَوْلَى به».
الشرح
الدليل العقلي على أن كل صفات الله تعالى صفات كمال:
قال الشيخ ابن عثيمين: «فإذا قال قائل: ما هو دليلكم على ان الله متصف بصفة الكمال؟
قلنا: كل موجود حقيقة لابد له من صفة، فإمَّا أن تكون صفة كمال، وإما أن تكون صفة نقص، أما صفات النقص فهي مستحيلة في حقِّ الله ﷿،
[ ١٢٠ ]
وأما صفات الكمال، فهي واجبة لله، فوجب أن يكون الله موصوفًا بصفات الكمال؛ لأنه منزه عن صفات النقص.
فإن قيل: هذا الحصر غير صواب؛ لأن الموجود قد يكون موصوفًا بصفات الكمال أو صفات النقص أو بصفةٍ لا نقص فيها ولا كمال.
قلنا: هذا القسم الأخير غير صحيح؛ لأنَّ الصفة التي لا كمال فيها ولا نقص هي في الحقيقة نقص؛ لأنها لغو وعبث، فالكمال: أن يكون الإنسان متصفًا بالصفات النافعة المفيدة، وما لا نفع فيه ولا ضرر، فهو داخل في صفات النقص؛ ولهذا قال النبي -ﷺ- حاثًّا على تكميل الإيمان: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (^١)» (^٢).
ولابن القيم ﵀ كلام قريب من تقسيم الشيخ ابن عثيمين هنا للصفات؛ حيث قال: «الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال. وصفات نقص. وصفات لا تَقتضي كمالًا ولا نقصًا. وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا، وهو ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين، والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة وموصوف بالقسم الأول، وصفاته كلها صفات كمال محض؛ فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله» (^٣).
والدليل الثاني من العقل أن نقول: نحن نشاهد في المخلوق صفات كمال، والذي أعطاه هذا الكمال هو الله تعالى؛ فمُعطي الكمال أَوْلَى بالكمال، ومِن كماله: أنه أعطى الكمال، فهذا- أيضًا- دليل عقلي على ثبوت صفات الكمال لله ﷿؛ ولهذا استدل الله ﷿ على بطلان ألوهية الأصنام؛ لأنها ناقصة، فقال ﷾: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٢، ١٠٣).
(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٧٧)، مكتبة نزار مصطفى الباز - مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.
[ ١٢١ ]
يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون﴾ [الأحقاف: ٥]، وقال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون من أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢١، ٢٠]، وقال إبراهيم يحاجُّ أباه: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾، وقال محاجًّا لقومه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.
فتبين أن الرب لا بد أن يكون كامل الصفات وإلَّا لم يصح أن يكون ربًّا» (^١).
* * *
_________________
(١) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٣، ١٠٤).
[ ١٢٢ ]
قال المصنف ﵀:
«وأمَّا الفطرة: فلأن النفوس السليمة مجبولة مَفطورة على محبة الله وتعظيمه وعبادته، وهل تُحِبُّ وتُعَظِّم وتَعْبُد إلَّا مَنْ عَلِمت أنه مُتَّصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وأُلوهيته؟».
الشرح
أي: أن الفطرة السليمة أو النفوس المجبولة على الفطرة السليمة تحبُّ الله وتعظمه؛ لكماله، إذ إن المجهول لا يُحب ولا يُعظم، ومَن عُلم نَقصه لا يُحَب ولا يُعَظَّم؛ فالفطرة (التي هي: محبة الله وتعظيمه) مبنية على أصل، وهو: علم الإنسان فطريًّا بكمال صفات مَنْ يعبده ﷾ (^١).
* * *
_________________
(١) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٤).
[ ١٢٣ ]
قال المصنف ﵀:
«وإذا كانت الصفة نقصًا لا كمال فيها، فهي ممتنعة في حق الله تعالى؛ كالموت، والجهل، والنسيان، والعَجز، والعَمى، والصمم، ونحوها؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾، وقوله عن موسى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. وقال النبي ﷺ في الدجال: «إنَّه أعور، وإنَّ ربكم ليس بأعور»، وقال: «أيُّها الناس، اربعُوا على أنفسِكم؛ فإنَّكم لا تَدعون أصمَّ ولا غائبًا».
وقد عاقب الله- تعالى- الواصفين له بالنقص، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
ونزَّه نفسه عما يَصِفُونه به من النقائص، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا
[ ١٢٤ ]
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾».
* * *
الشرح
قال ابن القيم: «فله مِنْ كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده عن شائبة عيب أو نقص. فله مِنْ صفة الإدراكات: العليم الخبير، دون العاقل الفقيه. والسميع البصير، دون السامع والباصر والناظر …» (^١).
فقول أهل السنة في الصفات مبنيٌّ على أصلين:
أحدهما: أنَّ الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسِّنَة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يُماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات» (^٢).
ومن النصوص التي توضح ذلك ما يلي:
أ- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ ففي مقام النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وفي مقام الإثبات: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ب- قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾؛ ففي مقام الإثبات: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ﴾؛ وفي مقام النفي: ﴿الَّذِي لا يَمُوتُ﴾.
ج- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾؛ ففي مقام الإثبات: ﴿اللَّهُ﴾، و﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي مقام النفي: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، و﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾.
وأما من السنة، ففي مقام الإثبات قوله ﷺ: «يَنزل ربُّنا ﷿ حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا» (^٣).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).
(٢) «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٣).
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٢٥ ]
وقوله ﷺ: «لما قضى الله ﷿ الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: أن رحمتي غلبت غضبي» (^١).
وفي مقام النفي قوله ﷺ: «ارْبَعُوا على أنفسكم (^٢)؛ فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا» (^٣)، وقوله ﷺ: «إنَّ الله تعالى ليس بأعور» (^٤)، وقوله ﷺ: «إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام» (^٥).
وإثباتُ الصفة أو نفيُها مردُّه إلى وُرود ذلك نصًّا في القرآن أو السُّنَّة الصحيحة، إذ الصفاتُ توقيفية كالأسماء، ولذلك يقول السفاريني: «لا خلاف بين العقلاء أن الله﷾- متصف بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقص، لكنهم مع اتفاقهم على ذلك اختلفوا في الكمال والنقص؛ فتراهم يُثبت أحدهم لله ما يظنُّه كمالًا، وينفي الآخرُ عينَ ما أثبته هذا لظنِّه نقصًا، وسبب ذلك: أنهم سَلَّطوا الأفكار على ما لا سبيل إليه من طريق الفكر، فإن الله- تعالى- خلق العقول، وأعطاها قوة الفكر، وجعل لها حدًّا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة، لا من حيث ما هي قابلة للوهب الإلهي، فإذا استعملت العقول أفكارها فيما هو في طورها وحدها ووفَّت النظر حقه، أصابت بإذن الله تعالى، وإذا سلطت الأفكار على ما هو خارج عن طورها ووراء حدها الذي حدَّه الله لها، رَكِبَت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء، فلم يَثبت لها قدم، ولم ترتكن على أمر تطمئن إليه، فإن معرفة الله التي وراء طورها مما لا تستقل العقول بإدراكها من طريق الفكر وترتيب المقدمات، وإنما تدرك ذلك بنور النبوة وولاية المتابعة؛ فهو اختصاص إلهي يختص به الأنبياء وأهل وراثتهم مع حسن المتابعة، وتصفية القلب من وضر البدع والفكر من نزغات الفلسفة، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (^٦).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٧٥٥٣)، ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أي: ارفقوا بأنفسكم.
(٣) أخرجه البخاري (٢٩٩٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٠٥٧) ومسلم (٢٩٣١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٦) «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني، مؤسسة الخافقين، دمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٢ هـ- ١٩٨٢ م.
[ ١٢٦ ]
* * *
قال المصنف ﵀:
«وإذا كانت الصِّفة كمالًا في حال، ونقصًا في حال لم تكن جائزة في حق الله، ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تُثْبَت له إثباتًا مطلقًا، ولا تُنْفَى عنه نفيًا مطلقًا، بل لا بد من التفصيل؛ فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا، وذلك كالمكر، والكَيد، والخداع، ونحوها، فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة مَنْ يعاملون الفاعل بمثلها؛ لأنها حينئذٍ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بِمِثل فِعله، أو أشد، وتكون نقصًا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة مَنْ يُعاملونه ورسله بمثلها؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
ولهذا لم يَذكر الله أنه خان مَنْ خانوه؛ فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، فقال: ﴿فأمكن منهم﴾، ولم يقل: فخانهم. لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهى صفة ذم مطلقًا.
[ ١٢٧ ]
وبذا عُرف أن قول بعض العوام: (خان الله مَنْ يخون). منكر فاحش يجب النَّهي عنه».
* * *
الشرح
قال ابن القيم ﵀: «إنَّ الصفة إذا كانت مُنقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يُطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع، فإن هذه الألفاط لا تَدخل في أسمائه، ولهذا غلط مَنْ سَمَّاه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفَعَّال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلقَ على نفسه مِنْ ذلك أكمله فعلًا وخبرًا» (^١).
ومِن هنا يتبتن لك خطأ مَنْ أطلق عليه اسم الصانع والفاعل والمربي ونحوها؛ لأن اللفظ الذي أطلقه- سبحانه- على نفسه، وأخبر به عنها أتم من هذا، وأكمل وأجل شأنًا، فإنه يُوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها وأعلاها؛ فيوصف من الإرادة بأكملها، وهو الحكمة وحصول كل ما يريد بإرادته … فعليك بمراعاة ما أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات، والوقوف معها وعدم إطلاق ما لم يُطلقه على نفسه، ما لم يكن مطابقًا لمعنى أسمائه وصفاته، وحينئذ فيطلق المعنى لمطابقته لها دون اللفظ، ولا سيما إذا كان مجملًا أو منقسمًا أو مما يمدح به غيره، فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيدًا …، بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها.
ومِن هنا يُعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقه له سبحانه مِنْ كل فعل أخبر به عن نفسه اسمًا مطلقًا، وأدخله في أسمائه الحسنى؛ فاشتق منها: اسم الماكر، والمخادع، والفاتن، والمضل؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (^٢).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦١).
(٢) انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٥٧٢، ٥٧٣).
[ ١٢٨ ]
وقال الشيخ حافظ حكمي: «اعلم أنَّه قد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله ﷿ على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سِيقت فيه مدحٌ وكمالٌ، لكن لا يجوز أن يُشتق له تعالى منها أسماء، ولا تُطلق عليه في غير ما سِيقت فيه من الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾، وقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ونحو ذلك، فلا يجوز أن يُطلق على الله تعالى: مخادع، ماكر، ناسٍ، مُستهزئ، ونحو ذلك مما تعالى الله عنه، ولا يُقال: الله يَستهزئ ويُخادع ويَمكر ويَنسى على سبيل الإطلاق؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا) (^١).
_________________
(١) «معارج القبول» (١/ ٧٦).
[ ١٢٩ ]
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الثانية
بابُ الصفات أوسع من باب الأسماء:
وذلك لأنَّ كلَّ اسم مُتضمن لصفة، كما سبق في القاعدة الثالثة من قواعد الأسماء، ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تعالى، وأفعاله لا مُنتهى لها، كما أنَّ أقواله لا مُنتهى لها؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ومن أمثلة ذلك: أنَّ مِنْ صفات الله تعالى: المَجيء، والإتيان، والأخذ، والإمساك، والبَطش، إلى غير ذلك من الصفات التي لا تُحصى، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، وقال: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، وقال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال النبي ﷺ: «يَنْزِلُ ربُّنا إلى السَّماء الدُّنيا» (^١).
فنَصِفُ الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا نُسَمِّيه بها، فلا نقول: إنَّ مِنْ أسمائه: الجائي، والآتي، والآخذ،
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٣٠ ]
شرح القاعدة
والمُمسك، والباطش، والمُريد، والنَّازل، ونحو ذلك، وإن كنا نُخبر بذلك عنه ونَصِفُه به».
الشرح
باب الصفات أوسع من باب الأسماء، فاللهُ يوصف بصفات؛ كالكلام، والإرادة، والاستواء، والنزول، والضَّحك، ولا يُشتق له منها أسماء؛ لعدم اقتضائها المدح والثناء في حال إطلاقها؛ فلا يُسَمَّى بالمتكلم، والمُريد، والمستوي، والنازل، والضاحك؛ «فهذه الأسماء التي فيها عموم وإطلاق لما يُحمد ويذم لا تُوجد في أسماء الله الحسنى؛ لأنها لا تدل في حال إطلاقها على ما يحمد الرب به ويُمدح» (^١).
وفي المقابل هناك صفات ورد إطلاق الأسماء منها؛ كالعُلو، والعِلم، والرحمة والقدرة؛ لأنها في نفسها صفات مدح، والأسماء الدالة عليها أسماء مدح (^٢)؛ فمن أسمائه: العلي، والعليم، والرحيم، والقدير.
وإذا كان الاسم مشتقًّا من أفعاله القائمة به، فإن كان الفعل ورد مقيدًا فإنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا: أن يُشتق له منه اسم مطلق، كما غلط فيه بعض المتأخرين؛ فجعل من أسمائه الحُسنى: (المضل، الفاتن، الماكر) تعالى الله عن قوله؛ فإن هذه الأسماء لم يُطلق عليه سبحانه منها إلا أفعالًا مخصوصة معينة؛ فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المُطلقة، والله أعلم» (^٣).
قال ابن القيم ﵀: «الفعل أوسع من الاسم، ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالًا لم يَتَسَمَّ منها أسماء الفاعل؛ كـ (أراد، وشاء، وأحدث)، ولم يُسَمَّ بـ (المريد)، و(الفاعل)، و(المتمن) وغير ذلك من الأسماء التي أَطلق أفعالها على نفسه.
_________________
(١) «نقض تأسيس الجهمية» (٢/ ١١).
(٢) «شرح الأصفهانية» (ص ٥).
(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦١).
[ ١٣١ ]
فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء، وقد أخطأ- أقبح خطإ- مَنْ اشتق له مِنْ كل فعل اسمًا، وبلغ بأسمائه زيادة على الألف؛ فسَمَّاه (الماكر)، و(المخادع)، و(الفاتن)، و(الكائد)، ونحو ذلك» (^١).
وقال ابن القيم ﵀: «إنَّ الله تعالى لم يَصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى، ومَن ظَنَّ مِنْ الجُهَّال المُصَنِّفين في شرح الأسماء الحسنى أنَّ مِنْ أسمائه تعالى (الماكر، المخادع، المستهزئ، الكائد) - فقد فاه بأمرٍ عظيم تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تصم عند سماعه، وغرَّ هذا الجاهل أنه ﷾ أطلق على نفسه هذه الأفعال؛ فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه تعالى كلها حُسنى، فأدخلها في الأسماء الحسنى، وقرنها بـ (الرَّحيم، الودود، الحكيم، الكريم).
وهذا جهل عظيم؛ فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقًا، بل تُمدح في موضع وتُذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله تعالى مطلقًا، فلا يقال: إنه تعالى يَمكر ويخادع ويستهزئ ويَكيد، فكذلك بطريق الأَوْلَى لا يُشتق له منها أسماء يُسَمَّى بها، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى: المريد ولا المتكلم ولا الفاعل ولا الصانع؛ لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يُوصف بالأنواع المحمودة منها؛ كـ (الحليم والحكيم والعزيز والفَعَّال لما يريد)، فكيف يكون منها: الماكر والمخادع والمستهزئ.
ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى: الداعي، والآتي، والجائي، والذاهب، والقادم، والرائد، والنَّاسي، والقاسم، والساخط، والغضبان، واللاعن، إلى أضعاف ذلك مِنْ التي أطلق تعالى على نفسه أفعالها من القرآن، وهذا لا يقوله مسلمٌ ولا عاقل.
والمقصود: أنَّ الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا
_________________
(١) «مدارج السالكين» (٣/ ٤١٥).
[ ١٣٢ ]
على وجه الجزاء لِمَنْ فَعَل ذلك بغير حقٍّ، وقد علم أنَّ المجازاة على ذلك حَسَنة من المخلوق؛ فكيف مِنْ الخالق ﷾؟!» (^١).
ومِن هنا يتبين لك خطأ ما عَدَّه بعضهم- ومنهم ابنُ العربي المالكي في كتابه «أحكام القرآن»؛ حيث سَمَّاه بـ (الفاعل والزَّارع)، فإن الفاعل والزارع إذا أُطلقا بدون متعلق ولا سياق يدل على وصف الكمال فيهما- فلا يفيدان مدحًا، أما في سياقها من الآيات التي ذُكرت فيها- فهي صفات كمال ومدح وتوحد، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ الآيات، بخلاف ما إذا عُدَّت مجردة عن متعلقاتها وما سِيقت فيه.
وله أكبرُ مُصيبة أن عَدَّ في الأسماء الحسنى: (رابع ثلاثة)، و(سادس خمسة) مصرحًا قبل ذلك بقوله: «وفي سورة المجادلة: اسمان؛ فذكرهما».
وهذا خطأ فاحشٌ؛ فإنَّ الآية لا تدل على ذلك ولا تقتضيه بوجهٍ لا منطوقًا ولا مفهومًا، فإن الله عز وجل قال: ﴿ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوي ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ الآية، وأين في هذا السياق (رابع ثلاثة)، (سادس خمسة)؟! وكان حقه اللائق بمراده أن يقول: رابع كل ثلاثة في نجواهم وسادس كل خمسة كذلك؛ فإنه تعالى يعلم أفعالهم ويسمع أقوالهم، كما هو مفهوم من صدر الآية، ولكن لا يليق بهذا المعنى إلا سياق الآية والله أعلم» (^٢).
* * *
_________________
(١) «مختصر الصواعق» (٢/ ٣٤).
(٢) «معارج القبول» (١/ ٧٦، ٧٨).
[ ١٣٣ ]
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الثالثة
صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية:
فالثبوتية: ما أَثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، وكلها صفات كمال لا نَقص فيها بوجهٍ من الوجوه؛ كالحياة، والعِلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنُّزول إلى السماء الدُّنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك.
فيجب إثباتها لله تعالى حقيقة على الوجه اللائق به، بدليل السَّمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾، فالإيمان بالله يتضمن: الإيمان بصفاته. والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله يتضمَّن: الإيمان بكلِّ ما جاء فيه من صفات الله، وكون محمد ﷺ رسوله يتضمَّن: الإيمان بكل ما أخبر به عن مُرْسِله، وهو الله ﷿.
وأما العقل: فلأن الله تعالى أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بها من غيره، وأصدق قِيلًا، وأحسن حديثًا من غيره، فوجب إثباتها له كما أخبر بها من غير تردد، فإنَّ التردد في الخبر إنَّما يتأتى حين يكون الخبر صادرًا ممن يجوز عليه الجهل أو الكذب أو العِيّ، بحيث لا يُفصح بما يريد، وكل هذه العيوب الثلاثة ممتنعة في حقِّ الله ﷿، فوجب قبول خبره على ما أخبر به.
[ ١٣٤ ]
وهكذا نقول فيما أخبر به النبي ﷺ عن الله تعالى، فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربِّه، وأصدقهم خبرًا، وأنصحهم إرادة، وأفصحهم بيانًا؛ فوجب قبول ما أخبر به على ما هو عليه.
والصفات السَّلبية: ما نفاها الله سبحانه عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، وكلها صفاتُ نقص في حقه؛ كالموت، والنوم، والجهل، والنِّسيان، والعَجز، والتعب.
فيجب نفيُها عن الله تعالى لما سبق مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تعالى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده لا لمجرد نفيه؛ لأن النفي ليس بكمال إلا أن يتضمَّن ما يدل على الكمال، وذلك لأنَّ النفي عدم، والعدم ليس بشيء فضلًا عن أن يكون كمالًا، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له فلا يكون كمالًا، كما لو قلت: الجدار لا يَظلم. وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصًا، كما في قول الشاعر:
قُبَيلَةٌ لا يَغْدرون بذِمَّة … ولا يَظلمون الناسَ حبَّة خَرْدل (^١)
وقول الآخر:
لكنَّ قومي وإن كانوا ذوي حَسَب … ليسوا من الشَّرِّ في شيء وإن هانا
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾، فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته.
_________________
(١) قبيلة: تصغير قبيلة، والمراد: أنهم ضعفاء، وأنهم أقل مِنْ أن يغدروا أو يظلموا. والبيت للنجاشي الحارثي: قيس بن عمرو بن مالك من بني حارث بن كعب. انظر: «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي»، بمعرفة: عبد العزيز الميمني (٢/ ٨٩).
[ ١٣٥ ]
شرح القاعدة
مثال آخر: قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ نفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.
مثال ثالث: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾، فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته، ولهذا قال بعده: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾؛ لأن العجز سببه: إمَّا الجهل بأسباب الإيجاد، وإمَّا قصور القدرة عنه، فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن لِيُعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض.
وبهذا المثال علمنا أنَّ الصفة السلبية قد تتضمن أكثر من كمال».
الشرح
تنقسمُ الصِّفات باعتبار ورودها في النُّصوص إلى قسمين:
١ - صفات ثبوتية. ٢ - صفات سلبية (أي: منفية).
القسم الأول: الصفات الثبوتية:
وتعريفها: هي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.
والصفات الثبوتية كثيرة جدًّا؛ منها: العلم- والحياة- والعزة- والقدرة- والحكمة- والكبرياء- والقوة- والاستواء- والنزول- والمجيء، وغيرها.
وتنقسم الصفات من حيث أدلة ثبوتها إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الشرعية العقلية:
وضابطها: هي التي يشترك في إثباتها: الدليل الشرعي السَّمعي، والدليل العقلي، والفطرة السليمة.
[ ١٣٦ ]
وهي أكثر صفات الرب تعالى، بل أغلب الصفات الثُّبوتية يشترك فيها الدَّليلان السَّمعي والعقلي (^١)، وإن كان الأصل في ثبوتها الدليل الشرعي.
ومنها: (العلم، السَّمع، البصر، العلو، القدرة، الإرادة، الخلق، الحياة).
وسميت «شرعية عقلية».
فشرعية: لأنَّ الشرع دلَّ عليها أو أرشد إليها.
وعقلية: لأنها تُعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تُعلم إلا بمجرد الخبر.
فإذا أخبر الله بالشييء ودل عليه بالدلالات العقلية- صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بدليل العقل الذي يُعلم به؛ فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تُسَمَّى الدلالة الشرعية (^٢).
القسم الثاني: الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية:
وضابطها: هي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع والخبر عن الله أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتَّسليم (^٣).
ومنها: (الوجه- اليد- العين- الرِّضا- الفرح- الغضب- القَدَم- الاستواء- النزول- المجيء- الضحك).
وهي تنقسم إلى قسمين:
١ - صفات ذاتيَّة؛ مثل: (الوجه- اليد- العين- القَدَم).
٢ - صفات فعلية؛ مثل: (النزول- الاستواء- الغضب- الفرح- الضحك).
_________________
(١) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة في ضوء الإثبات والتنزيه» (ص ٢٠٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٧١، ٧٢).
(٣) «الصفات الإلهية» (ص ٢٠٧).
[ ١٣٧ ]
القسم الثاني: الصفات السلبية:
وتعريفها: هي ما نفاه الله سبحانه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.
والصفات المنفية كلها صفات نقص في حقه.
ومن أمثلتها: النَّوم- الموت- الجهل- النِّسيان- العجز- التعب- الظلم.
فيجب نفيُها عن الله ﷿ مع إثبات أنَّ الله موصوف بكمال ضدها.
فأهل السنة يجعلون الأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيها عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ولا يتجاوزونها، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.
«وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء وباب الصفات إطلاقًا، وأما في باب الأخبار فمن السلف من يمنع ذلك، ومنهم من يجيزه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله عر وجل وجب ردُّه» (^١).
ومجمل القول أن أهل السنة يعتقدون: أن باب الصفات كباب الأسماء يجب الاعتماد فيهما على ما جاء في الكتاب وما ثبت في السنة فقط.
وأن ما اتصف الله به من الصفات لا يُماثله فيها أحد من خلقه؛ فالله ﷿ قد أخبرنا بذلك بنص كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فإذا ورد النص بصفة من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة فيجب الإيمان بها، والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعلو مما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه
_________________
(١) «رسالة في العقل والروح» (٢/ ٤٦، ٤٧) لابن تيمية، (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية).
[ ١٣٨ ]
وبين صفات المخلوقين، فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المصدق بصفات الله التي تَمَدَّح بها أو أَثنى عليه بها نبيُّه ﷺ: أن يكون مُعَظِّمًا لله جل وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه؛ لتكون أرض قلبه طيبة طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه؛ أخذًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١).
فالعارفون به ﷾، والمصدقون لرسله، المُقِرُّون بكماله- يُثبتون لله جميع صفاته، وينفون عنه مشابهة المخلوقات؛ فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل؛ فمذهبهم حسنة بين سيئتين، وهُدًى بين ضلالتين.
وكذلك أهل السنة يُفَوِّضون علم كيفية اتصاف الباري ﷿ بتلك الصفات إليه جل وعلا؛ فلا علم للبشر بكيفية ذات الله ﵎، «ولا تفسير كُنه شيء من صفات ربنا تعالى، كأن يقال: استوى على هيئة كذا، وكلُّ مَنْ تجرأ على شيء من ذلك فقوله من الغُلو في الدين والافتراء على الله ﷿، واعتقاد ما لم يأذن به الله ولا يليق بجلاله وعظمته ولم ينطق به كتاب ولا سنة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العِباد في الشريعة لبَيَّنه الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو لم يَدَع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بَيَّنه ووضحه، والعِباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما علَّمهم كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، فليؤمن العبد بما علمه الله تعالى وليقف معه، وليمسك عما جهله ولْيَكِل معناه إلى عالمه» (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ٢١، ٢٢).
(٢) انظر: «معارج القبول» (١/ ٣٢٦، ٣٢٧).
[ ١٣٩ ]
شرح القاعدة
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الرابعة
الصفات الثُّبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالاتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر.
ولهذا كانت الصفات الثُّبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السَّلبية كما هو معلوم.
أمَّا الصفات السلبية فلم تذكر غالبًا إلَّا في الأحوال التالية:
الأولى: بيان عموم كماله، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
الثانية: نفي ما ادعاه في حقِّه الكاذبون، كما في قوله: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾.
الثالثة: دفع توهُّم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعيَّن، كما في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾».
الشرح
الصفات الثبوتية صفاتُ مدح وكمال، وهي الأكثر من الصفات السلبية، إذ معرفة الله قائمة على الصفات الإثبات، وأما الصفات السَّلبية فلا تراد لذاتها، وإنما لأنها تابعة للثبوتية ومكملة لها، وفي الحقيقة أن كلَّ تنزيهٍ مُدِح به الربُّ
[ ١٤٠ ]
ففيه إثباتٌ (^١).
وهنا تجدر الإشارة إلى أمور مهمة، وهي:
الأمر الأول: أنَّ معرفة الله ليست بمعرفة صفات السلب، بل الأصل فيها صفات الإثبات، والسلب تابع، ومقصوده: تكميل الإثبات (^٢).
«فإنَّ السلب لا يُراد لذاته، وإنما يقصد لما يتضمنه من إثبات الكمال، فكل ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص- فإنه متضمن للمدح، والثناء على الله بضد ذلك النقص من الأوصاف الحميدة والأفعال الرشيدة» (^٣).
الأمر الثاني: أنَّ صفات التنزيه يجمعها معنيان:
الأول: نفي النقائص عنه، وذلك مِنْ لوازم إثبات صفات الكمال.
الثاني: إثبات أنَّه ليس كمثله شييء في صفات الكمال الثابتة له.
الأمر الثالث: الصفات السلبية تُذكر غالبًا في الأحوال التالية:
الأولى: بيان عموم كماله؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
والثانية: نفي ما ادَّعاه في حقه الكاذبون؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾.
والثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢) بتصرف.
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢).
(٣) «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٥٥).
[ ١٤١ ]
الأمر الرابع: أنَّ الصفات السلبية إنما تكون كمالًا إذا تضمنت أمورًا وجودية (^١).
فلا يُوصف الرب من الأمور السلبية إلا بما يتضمن أمورًا وجودية، وإلا فالعدم المحض لا كمال فيه.
فينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال.
والعدم المحض ليس بشييء، وما ليس بشييء- فهو كما قيل: ليس بشييء؛ فضلًا عن أن يكون مدحًا وكمالًا.
لأنَّ النفي المَحض يُوصف به المعدوم والممتنع؛ والمعدوم والممتنع لا يُوصف بمدح ولا كمال.
ولهذا كان عامة ما يصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾؛ فنفي السِّنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام.
وكذلك قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها؛ بخلاف المخلوق القادر إذا كان يَقدر على الشييء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته.
وكذلك قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾، فإن نفي العُزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض.
وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، فإن نفي مس اللغوب- الذي هو التعب والإعياء- دلَّ على كمال قدرته ونهاية القوة بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١٤٤).
[ ١٤٢ ]
وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ - إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء، ولم يَنف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يرى مدح؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُؤي، كما أنه لا يحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رؤي لا يحاط به رؤية، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة. وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.
وإذا تأملت ذلك وجدت كلَّ نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف به نفسه» (^١).
ثم إن النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه- فيه إساءة أدب مع الله سبحانه؛ فإنك لو قلت لسلطان: أنت لستَ بزبَّال ولا كسَّاح ولا حَجَّام ولا حائك؛ لأَدَّبَك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا.
وإنما تكون مادحًا إذا أجملت النفي؛ فقلت: أنت لستَ مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجَل، فإن أَجملت في النفي أجملت في الأدب (^٢).
فأهل الكلام المذموم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المُجمل؛ فيقولون: ليس بجسم ولا شَبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض .. إلى آخر تلك السُّلوب الكثيرة التي تَمُجُّها الأسماع، وتأنف مِنْ ذكرها النفوس، والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حقَّ قدره (^٣).
الأمر الخامس: أن الرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مُفَصَّل ونفي مجمل.
_________________
(١) «الرسالة التدمرية» (ص ٢١ - ٢٣).
(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ١٠٨ - ١١٠).
(٣) «الصفات الإلهية» (ص ٢٠٢).
[ ١٤٣ ]
والمعطلة ناقضوهم؛ فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل.
فإنَّ الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي بعث به رسوله: أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه حكيم عزيز، غفور ودود، وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكًّا، وأنه أنزل على عبده الكتاب .. إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.
وقال في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
وهؤلاء الملاحدة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فقالوا في النفي: ليس بكذا ولا كذا، فلا يَقرب من شيء ولا يَقرب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا غير ذلك، ولا يُشار إليه ولا يتعين، ولا هو مُباين للعالم ولا حالٌّ فيه، ولا داخله ولا خارجه .. إلى أمثال العبارات السلبية التي لا تَنطبق إلا على المعدوم.
ثم قالوا في الإثبات: هو وجود مُطلق، أو وجود مقيد بالأمور السلبية (^١).
وبذلك عكسوا منهج القرآن والسنة؛ فأكثروا مِنْ وصف الله تعالى بالأمور السلبية التي لم يَرد بها النص، وأفرطوا في ذلك إفراطًا عجيبًا، بينما أنكر بعضهم جميع الصفات الثبوتية، والبعض الآخر لم يُثبت سوى القليل منها.
الأمر السادس للتفريق بين الصفات السلبية التي ورد بها النص والصفات السلبية التي أحدثها المعطلة النفاة- نقول: إن الصفات السلبية التي ورد بها النص متضمنة لثبوت كمال الضد كما تقدم شرح ذلك.
_________________
(١) «الصفدية» (١/ ١١٦).
[ ١٤٤ ]
وأمَّا الصفات السلبية التي هي مِنْ نسج المعطلة واختراعهم- فلا تتضمن ثبوت كمال الضد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كل تنزيه مُدح به الرب ففيه إثبات، فلهذا كان قول: (سبحان الله) متضمنًا تنزيه الرب وتعظيمه، ففيه تنزيهه من العيوب والنقائص، وفيه تعظيمه ﷾ (^١).
فالذين لا يَصفونه إلا بالسُّلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا.
وكذلك مَنْ شاركهم في بعض ذلك؛ كالذين قالوا: لا يتكلم، ولا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يَستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا مجانب له.
إذ هذه الصفات يمكن أن يُوصف بها المعدوم، وليس هي صفة مُستلزمة صفة ثبوت.
فقولهم: إنه لا يتكلم، أو لا يَنزل، ليس في ذلك صفة مدح، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات (^٢).
الأمر السابع: إن سلب النقائص والعيوب عن الله نوعان:
النوع الأول: سلب لمتصل.
«وضابطه: نفي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ؛ كنفي الموت المنافي للحياة، والعجز المنافي للقدرة، والسِّنة والنوم المنافي لكمال القيومية، والظلم المنافي للعدل، والإكراه المنافي للاختيار، والذل المنافي للعزة …»، إلخ.
النوع الثاني: سلب لمنفصل.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢).
(٢) «الرسالة التدمرية» (ص ٢٣).
[ ١٤٥ ]
وضابطه: تنزيه الله سبحانه عن أن يشاركه أحد مِنْ خلقه في شييء من خصائصه التي لا تَنبغي إلا له.
وذلك كنفي الشريك له في ربوبيته؛ فإنَّه منفرد بتمام الملك والقوة والتدبير.
وكنفي الشريك له في أُلوهيته، فهو وحده الذي يجب أن يُؤلهه الخلق، ويُفردوه بكل أنواع العبادة والتعظيم.
وكنفي الشريك له في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فليس لغيره من المخلوقين شِركة معه سبحانه في شيء منها.
وكذلك نفي الظَّهير الذي يُظاهره أو يعاونه في خلق شيء أو تدبيره؛ لكمال قدرته وسَعة علمه ونفوذ مشيئته، وغيره من المخلوقين عاجز فقير لا حول له ولا قوة إلا بالله؛ فالشريك والظهير مَنفيان عنه بإطلاق.
وكذلك ينفى عنه سبحانه اتخاذ الصاحبة والولد الذي نَسَبه إليه النصارى عابدو الصُّلبان، والصابئة الذين يقولون: إن الملائكة بنات الله؛ قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلّ﴾ (^١).
_________________
(١) انظر: «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٥٦ - ٥٨).
[ ١٤٦ ]
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الخامسة
الصِّفات الثُّبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية. وفعلية:
فالذاتية: هي التي لم يَزل- ولا يزال- مُتَّصفًا بها؛ كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعِزَّة والحكمة والعلو والعَظَمة. ومنها: الصفات الخبرية: كـ (الوجه واليدين والعينين).
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته؛ إن شاء فَعَلها وإن شاء لم يَفعلها؛ كـ (الاستواء على العرش، والنُّزول إلى السَّماء الدنيا).
وقد تكون الصفة ذاتية فِعلية باعتبارين كـ (الكلام)؛ فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل- ولا يزال- متكلِّمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وكل صفة تعلَّقت بمشيئته تعالى، فإنها تابعة لحكمته. وقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نَعجز عن إدراكها، لكننا نعلم علم اليقين أنه سبحانه لا يشاء شيئًا إلَّا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾».
[ ١٤٧ ]
شرح القاعدة
الشرح
تنقسم الصفات الثُّبوتية من جهة تعلُّقِها بالله إلى قسمين (^١):
القسم الأول: الصفات الذَّاتية.
القسم الثاني: الصِّفات الفعلية.
وكِلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات له تعالى أزلًا وأبدًا، لم يزل متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال ربِّ العالمين (^٢).
أمَّا القسم الأول: الصفات الذَّاتية- فضابطها: هي التي لا تنفكُّ عن الذَّات (^٣). أو: التي لم يَزل- ولا يزال- الله متصفًا بها. أو: الملازمة لذات الله تعالى (^٤).
ومنها: (الوجه- اليدين- العينين (^٥) - الأصابع- القَدَم- العِلم- الحياة- القدرة- العزة- الحكمة).
القسم الثاني: الصفات الفعلية، وضابطها: هي التي تنفكُّ عن الذَّات. أو: التي تتعلق بالمشيئة والقدرة (^٦).
ومنها: (الاستواء- المجيء- الإتيان- النزول- الخلق- الرزق- الإحسان- العدل).
فالفرق بين القسمين:
أنَّ الصفات الذاتية لا تنفكُّ عن الذات، أمَّا الصفات الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات على معنى: أنَّ الله إذا شاء لم يفعلها.
ولكن مع ذلك فإنَّ كلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل- ولا يزال- متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان
_________________
(١) انظر: «الكواشف الجلية» (ص ٤٢٩).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية» (١٢٧).
(٣) «الكواشف الجلية» (٤٢٩).
(٤) «التعريفات» للجرجاني (ص ١٣٣).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٦٨).
(٦) «التعريفات» للجرجاني (ص ١٣٣).
[ ١٤٨ ]
بجلال الله ﷿ (^١).
وتنقسم الصفات الفعلية من جهة تعلقها بمتعلقها إلى قسمين:
متعدية: وهي ما تعدَّت لمفعولها بلا حرف جرٍّ؛ مثل: (خَلَقَ، ورَزَقَ، وهَدَى، وأَضَلَّ)، ونحوها.
لازمة: وهي ما تتعدى لمفعولها بحرف جر؛ كـ (الإستواء والمجيء والإتيان والنزول)، ونحوها.
وإنَّما قسمت كذلك نظرًا للاستعمال القرآني من جهة، ولكونها في اللغة كذلك (^٢)؛ قال ابن القيم: «فأفعاله نوعان: لازمة ومتعدية، كما دلَّت النصوص التي هي أكثر من أن تُحصر على النوعين» (^٣)، وقال ﵀: «(المجيء والإتيان والذهاب والهبوط) هذه من أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أنَّ (الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط) أنواع الفعل المتعدي، وهو- سبحانه- موصوف بالنوعين، وقد يجمعهما كقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾» (^٤).
فأثبت أهلُ السنة جميع الصفات؛ الذاتية- منها- والفعلية، وأثبتوا أن الله متصف بذلك أزلًا، وأنَّ الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القِدَم، وإن كانت المفعولات مُحدثة (^٥).
ويمكن تقسيم الصفات الثبوتية كذلك إلى قسمين (^٦):
القسم الأول: الصِّفات اللازمة.
_________________
(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ١٢٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٣٣)، (٥/ ٥١٨)، «التنبيهات السنية» (ص ٦٩).
(٣) «مختصر الصواعق» (٢/ ٢٢٩).
(٤) «مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٤)، بتصرف يسير.
(٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٩، ٥٢٠، ٥٢٥).
(٦) «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٣٢١ - ٣٢٤).
[ ١٤٩ ]
وتعريفها: هي الصفات اللازمة للموصوف لا تُفارقه إلا بعدم ذاته.
أو بعبارة أخرى: هي الصفات التي لا تنفكُّ عن الذات.
وتنقسم إلى قسمين الصفات الذاتية (^١):
وهي التي لا يُمكن تصور الذات مع تصور عدمها.
ومنها: (الوجه- اليد- الأصبع- العين- القَدَم).
الصفات المعنوية: وهي ما يُمكن تصور الذات مع تصور عدمها.
ومنها: (الحياة- العلم- القدرة- العزة- العظمة- الكبرياء- الملك- الحكمة- السمع- البصر).
القسم الثاني: الصفات العارضة، أو الصفات الاختيارية:
وتعريفها: هي الصفات التي يُمكن مفارقتها له مع بقاء الذات. أو: الصفات التي تنفكُّ عن الذات. أو: الصفات التي تتعلق بالمشيئة والقدرة.
وهي إمَّا مِنْ باب الأفعال: كـ (الاستواء، والاتيان، والمجيء، والنزول).
وإمَّا من باب الأقوال والكلمات: (التَّكليم والنداء، والمناجاة، والقول).
وإمَّا من باب الأحوال: كـ (الفرح، والغضب، والرِّضا، والضحك) (^٢).
فكلُّ ما كان بعد عدمه، فإنَّما يكون بمشيئة الله وقدرته، وهذا ضابط ما يدخل في الصفات الاختيارية (^٣).
الصفات الاختيارية:
وضابطها: هي الأمور التي يتصف بها الربُّ ﷿؛ فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته (^٤).
والصفات الاختيارية أعمُّ من الصفات الفعلية؛ لأنها تشمل بعض
_________________
(١) ليس المقصود بالذاتية ما يَلزم الذَّات؛ إذ الجميع لازم الذات.
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٤/ ٢٣)، بتصرف.
(٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٤٤)، بتصرف.
(٤) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢١٧).
[ ١٥٠ ]
الصفات الذاتية التي لها تعلق بالمشيئة؛ مثل: (الكلام، السمع، البصر، الإرادة، المحبة، الرضا، الرحمة، الغضب، السخط).
كما أنها- أي: الصفات الاختيارية- تشمل الصفات الفعلية غير الذاتية.
مثل: (الخلق، الإحسان، العدل)، وهذه فعلية متعدية.
ومثل: (الاستواء، المجيء، الإتيان، النزول)، وهذه فعلية لازمة.
فالكلام (صفةُ ذاتٍ وفعلٍ)؛ فهو- سبحانه- يتكلم بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا بذاته.
وكلُّ ما كان بعد عدمه- فإنَّما يكون بمشيئة الله وقدرته (^١)، وما تعلق بالمشيئة مما يتصف به الرب فهو مِنْ الصفات الاختيارية (^٢)، والصفات الصادرة عن الأفعال موصوف بها في القِدَم، ولم تتغير ذاته من أفعاله، ولم يكتسب عن أفعاله صفات كمال، فهو- سبحانه- لم يزل كريمًا خالقًا.
ومِن معتقد أهل السنة والجماعة إثباتُ قيام جميع هذه الصِّفات بذاته ﷾.
* * *
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢١٩).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٤٤).
[ ١٥١ ]
قال المصنف ﵀:
«القاعدة السادسة
يلزم في إثبات الصِّفات التَّخَلِّي عن محذورين عظيمين:
أحدهما: التمثيل. والثاني: التكييف.
فأمَّا التمثيل: فهو اعتقاد المُثْبت أنَّ ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين. وهذا اعتقاد باطلٌ بدليل السَّمع والعقل.
أمَّا السَّمع: فمنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
وأمَّا العقل فَمِنْ وجوه:
الأول: أنَّه قد عُلم بالضرورة أنَّ بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات، وهذا يَستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات؛ لأنَّ صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المُتباينة في الذوات، فقوة البعير -مثلًا- غير قوة الذرَّة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أَجْلَى وأقوى.
الثاني: أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من
[ ١٥٢ ]
جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المَربوب النَّاقص المفتقر إلى مَنْ يُكَمِّله؟ وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؛ فنشاهد أن للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل، مع الاتفاق في الاسم. فهذه يَدٌ وهذه يَدٌ، وهذه قوة وهذه قوة، وبينهما تباين في الكيفية والوصف؛ فعُلِم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يَلزم منه الاتفاق في الحقيقة.
والتشبيه كالتمثيل، وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وأمَّا التكييف: فهو أن يعتقد المُثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا، مِنْ غير أن يُقيدها بمماثل. وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
أمَّا السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، وقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا قَفْوًا لما ليس لنا به علم وقولًا بما لا يُكننا الإحاطة به.
وأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المُساوي له، أو بالخبر الصادق
[ ١٥٣ ]
عنه. وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله ﷿، فوجب بطلان تكييفها.
وأيضًا فإننا نقول: أيُّ كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟
إن أيَّ كيفية تُقَدِّرها في ذهنك فالله أعظم وأجَلُّ مِنْ ذلك.
وأيَّ كيفية تُقَدِّرها لصفات الله تعالى فإنك ستكون كاذبًا فيها؛ لأنه لا عِلم لك بذلك.
وحينئذ يجب الكَفُّ عن التَّكييف تقديرًا بالجَنان، أو تقريرًا باللسان، أو تحريرًا بالبَنان.
ولهذا لما سُئل مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ أطرق ﵀ برأسه حتى عَلَاه الرّحضاء (العرق)، ثم قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعه»، وروى عن شيخه ربيعة أيضًا: «الاستواء غير مجهول، والكيف غيرُ مَعقول». وقد مشى أهلُ العلم بعدهما على هذا الميزان. وإذا كان الكيف غير معقول ولم يَرد به الشرع- فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي؛ فوجب الكف عنه.
فالحذر الحذر من التَّكييف أو محاولته؛ فإنك إن فعلت وقعت في مَفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك فاعلم أنَّه مِنْ نزغاته؛ فالجأ إلى ربك فإنه مَعاذك، وافعل ما
[ ١٥٤ ]
شرح القاعدة
أمرك به فإنه طبيبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾».
الشرح
التمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق: أنَّها مِثل صفات المخلوقين.
وهو قول المُمَثِّل: له يدٌ كيدي وسَمع كسمعي. تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
والتمثيل والتَّشبيه بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة (^١).
فالمماثلة: هي مُساواة الشيء لغيره من كل وجه.
والمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.
ولكن التعبير بنفي (التمثيل) أَوْلَى لموافقة لفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾.
والتكييف: هو جعل الشيء على حقيقة مُعَيَّنة من غير أن يُقَيِّدها بمماثل.
فالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل، وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.
ولعل الصواب أن التكييف أعم من التمثيل؛ فكل تمثيل تكييف؛ لأن من مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كَيَّف تلك الصفة، أي: جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.
وليس كل تكييف تمثيلًا؛ لأن مِنْ التكييف ما ليس فيه تمثيل بصفات المخلوقين؛ كقولهم: (طوله كعرضه).
وقد وقع في التمثيل والتكييف (المُشَبِّهة) الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.
_________________
(١) «القواعد المُثلى» (ص ٢٧).
[ ١٥٥ ]
فعقيدتهم تقوم على دعواهم: أنَّ الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نَعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة؛ فتعمقوا في شأن كيفيات صفات الله وتقَوَّلوا على الله بغير علم، وشَبَّهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين؛ فقال قائلهم: (له بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي). تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.
«وقد هدى الله أصحاب سواء السَّبيل للطريقة المُثلى؛ فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات؛ فكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين وهديًا بين ضلالتين.
فقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.
بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نُؤول ولا نُمَثِّل ولا نجهل.
ولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.
ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.
بل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.
وله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.
وكذلك قولنا في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.
ولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك مَنْ أثبت لله شيئًا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا
[ ١٥٦ ]
إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يُكَلِّف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلًا» (^١).
فالعارفون به المصدقون لرسله المقرون بكماله يثبتون لله جميع صفاته، وينفون عنه مشابهة المخلوقات؛ فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، ويُفوضون علم كيفية اتصاف الباري ﷿ بتلك الصفات إليه ﷾، فلا عِلم للبشر بكيفية ذات الله ﵎، «ولا تفسير كنه شيء من صفات ربنا تعالى؛ كأن يقال: استوى على هيئة كذا، وكل مَنْ تجرأ على شيء من ذلك فقوله مِنْ الغلو في الدين والافتراء على الله ﷿، واعتقاد ما لم يَأذن به الله، ولا يليق بجلاله وعظمته، ولم ينطق به كتاب ولا سُنَّة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العباد في الشريعة لبَيَّنه الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو لم يَدَع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بَيَّنه ووضَّحه، والعباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما عَلَّمهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، فليؤمن العبد بما عَلَّمه الله تعالى وليقف معه، وليُمسك عما جهله، وليكل معناه إلى عالمه» (^٢).
ومعنى قول أهل السنة: (من غير تكييف)، أي: مِنْ غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: (من غير تكييف): أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإنَّ كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون عِلمهم بالكيف؛ إذ لا يَعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (^٣)؛ لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات، ولم يُخبرنا عن كيفيتها؛ فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قَفْوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: «الاستواء معلوم، والكيف
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧).
(٢) انظر: «معارج القبول» (١/ ٣٢٦، ٣٢٧).
(٣) «شرح العقيدة الواسطية» (ص ٢١).
[ ١٥٧ ]
مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» قاعدة ساروا عليها في هذا الباب.
أي: يؤمن السلف بأسماء الله وصفاته وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيُفَوِّضون علمها إلى الله.
وهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويُفَوِّضون معانيها.
وهذا الزعم جهل على السلف؛ فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرءون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه؛ فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل، ولم يقع تعطيلٌ إلا بتشبيه، ولو أنهم نَزَّهوا الله تعالى ابتداء عن مُشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة؛ لسَلِموا ونَجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولبان لهم أنَّ السلف لم يَكونوا حملةَ أسفار لا يَدرون ما فيها.
ومَن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب: عَلم أنَّهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يَفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
ومن له اطلاع على أقوال الأسف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث عند الحديث عن نصوص الصفات يعلم أن السلف تكلموا في معاني الصفات وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال هي أكبر شاهد على فهم السلف لمعاني الصفات وإيمانهم بها.
[ ١٥٨ ]
قال المصنف ﵀:
«القاعدة السَّابعة
صفات الله تعالى تَوْقيفيَّة لا مجال للعقل فيها:
فلا نُثبت لله تعالى من الصِّفات إلا ما دلَّ الكتاب والسُّنة على ثُبوته؛ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «لا يُوصف الله إلا بما وَصَفَ به نفسَه، أو وَصَفَه به رسولُه، لا يتجاوز القرآن والحديث». (انظر: القاعدة الخامسة في الأسماء).
ولدلالة الكتاب والسُّنَّة على ثبوت الصِّفة ثلاثة أوجه:
الأول: التَّصريح بالصفة، كالعِزَّة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين، ونحوها.
الثاني: تضمُّن الاسم لها، مثل: (الغَفور) متضمن للمغفرة، و(السَّميع) متضمن للسَّمع، ونحو ذلك. (انظر: القاعدة الثالثة في الأسماء).
الثالث: التصريح بفعلٍ أو وصف دالٍّ عليها؛ كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والانتقام من المجرمين، الدَّال عليها- على الترتيب- قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقول النبي ﷺ: «يَنزل ربُّنا إلى السَّماء الدُّنيا»، الحديث.
وقول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾».
[ ١٥٩ ]
شرح القاعدة
الشرح
يجب الوقوفُ في هذا الباب على ما جاءت به نصوص الكتاب والسُّنَّة الصحيحة؛ فلا نُثبت لله تعالى من الصفات إلا ما دلَّ الكتاب والسنة على ثبوته؛ قال الإمام أحمد: «لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يُتَجاوز القرآن والحديث» (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يُوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السَّابقون الأولون لا يُتَجاوز القرآن والحديث» (^٢).
ولدلالة الكتاب والسُّنَّة على ثبوت الصفات ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: التَّصريح بالصفة؛ كالعِزَّة في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، وقوله ﷺ: «أعوذُ بِعِزَّتك الذي لا إله إلا أنتَ» (^٣).
والقوة في قوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
والرحمة في قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾.
واليدين في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾.
والبَطش في قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: «إضافة الصِّفة إلى الموصوف كقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾، وفي حديث الاستخارة: «اللهم إنِّي أَستخيرك بعلمك، وأَستقدرك بِقُدرتك» (^٤)، وفي الحديث الآخر: «اللهم بعِلمك الغيب
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٦٠).
(٢) «الفتوى الحموية» (ص ٦١).
(٣) أخرجه البخاري (٤/ ١٩٤)، ومسلم (٤/ ٢٠٨٦).
(٤) أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب (التهجد)، باب (ما جاء في التطوع مثنى مثنى) (ح ١١٦٢).
[ ١٦٠ ]
وقُدرتك على الخَلْقِ» (^١)، فهذا في الإضافة الاسمية.
وأمَّا بصيغة الفعل فكقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾.
أمَّا الخبر الذي هو جملة اسمية: فمثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١٣، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أو فعلية: كقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوه﴾.
أمَّا المفرد فلا بد فيه من:
١ - إضافة الصفة لفظًا أو معنى؛ كقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾، وقوله: ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾.
٢ - أو إضافة الموصوف؛ كقوله: ﴿ذُو الْقُوَّة﴾» (^٢).
الوجه الثاني: تضمُّن الاسم للصفة:
فمن الأمور المُتقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة: أنَّ أسماء الله الحسنى متضمنة للصفات؛ فكلُّ اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دلَّ عليه الاسم الآخر.
فالعزيز متضمن لصفة العِزَّة، وهو مشتق منها.
والخالق متضمن لصفة الخلق، وهو مشتق منها.
والرحيم متضمن لصفة الرحمة، وهو مشتق منها.
فأسماء الله مشتقة من صفاته.
_________________
(١) أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ٨١) (ح ١٢٢٩)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٧٠٥) (ح ١٩٢٣)، وصححه، ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وصححه الألباني في «المشكاة» (٢٤٩٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٤، ١٤٥).
[ ١٦١ ]
وترجع أسماء الله الحسنى من حيث معانيها إلى أحد الأمور التالية:
١ - إلى صفات معنوية: كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير.
٢ - ما يَرجع إلى أفعاله: كالخالق، والرازق، والبارئ، والمصور.
٣ - ما يرجع إلى التَّنزيه المحض، ولا بد من تضمنه ثبوتًا؛ إذ لا كمال في العدم المحض: كالقُدُّوس، والسَّلام، والأحد.
٤ - ما دل على جملة أوصاف عديدة ولم يختص بصفة معينة، بل هو دالٌّ على معنى مفرد؛ نحو: المجيد، العظيم، الصَّمد (^١).
الوجه الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها، أي: ما فيها معنى الصفة والفعل؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَه﴾، وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾.
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٥٩، ١٦٠)، بتصرف.
[ ١٦٢ ]
قال المصنف ﵀: