القاعدة الأولى:
أسماءُ الله- تعالى- كُلُّها حُسنى.
أي: بالغة في الحُسن غايته؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وذلك لأنُّها مُتضمنة لصفات كاملة، لا نقص فيها بوجه من الوجوه؛ لا احتمالًا ولا تقديرًا.
مثال ذلك: (الحي): اسم مِنْ أسماء الله تعالى، متضمن للحياة الكاملة التي لم تُسبق بعدم، ولا يَلحقها زوال. الحياة المستلزمة لكمال الصفات مِنْ العلم والقدرة والسَّمع والبصر وغيرها.
ومثال آخر: (العليم): اسم من أسماء الله، متضمن للعلم الكامل الذي لم يُسبق بجهل، ولا يَلحقه نسيان؛ قال الله تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، سواء ما يتعلق بأفعاله أو أفعال خلقه؛ قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي
[ ٤٠ ]
كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤].
ومثال ثالث: (الرحمن): اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للرحمة الكاملة التي قال عنها رسول الله -ﷺ-: «للهُ أرحمُ بعبادِه مِنْ هذه بولدها» (^١)، يعني: أم صبي وجدته في السَّبْي؛ فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته. ومتضمن- أيضًا- للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
والحُسْنُ في أسماء الله- تعالى- يكون باعتبار كلِّ اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره؛ فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال.
مثال ذلك: (العزيز الحكيم)؛ فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرًا. فيكون كل منهما دالًّا على الكمال الخاص الذي يقتضيه، وهو العِزَّة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم.
والجمع بينهما دالٌّ على كمال آخر، وهو أنَّ عزته تعالى مقرونة بالحكمة؛ فعزته لا تقتضي ظلمًا وجورًا وسوء فِعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم؛ فيظلم ويجور ويسيء التصرف.
وكذلك حكمه- تعالى- وحكمته مقرونان بالعِزِّ الكامل، بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنَّهما يعتريهما الذل».
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٩٩) ومسلم (٢٧٥٤) من حديث عمر بن الخطاب -﵁-.
[ ٤١ ]
شرح القاعدة
الشرح
وصفَ اللهُ -﷾- في أربعة مواضع- أسماءه بأنها حُسنى؛ وهي: قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤].
مفهوم (الحسنى) في اللغة:
و«حُسنى»: تأنيث أحسن، وليس تأنيث حَسَن؛ لأن تأنيث حَسن: حَسَنَة، وتأنيث أحسن: «حُسنى»، على وزن (فُعلى) كـ «صُغرى» و«كبرى»، أي: أنها صيغة أفعل التفضيل، فتصريفها أنها تأنيث أحسن، وعليه يكون وزنها فُعلى تأنيث أفعل، أي: أفعل التفضيل.
قال ابن منظور: «وتأنيث الأحسن: الحُسنى؛ كالكبرى والصُّغرى، تأنيث الأكبر والأصغر» (^١).
وقال القرطبي: «الحسنى: فُعلى، مؤنث الأحسن؛ كالكبرى تأنيث الأكبر، والجمع: الكُبَر والحُسن» (^٢).
والمعنى: أن لله -﷿- أحسن الأسماء وأكملها وأتمها معنى، أي: أنها بالغة في الحُسن غايته، فأعلى درجات الكمال لأسماء الله -﷾-.
قال ابن الوزير اليماني: «واعلم أنَّ الحسنى في اللغة هو جمع الأحسن لا جمع الحَسَن، فإنَّ جمعه حسان وحسنة، فأسماء الله التي لا تُحصى كلها حسنى، أي: أحسن الأسماء، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿الروم: ٢٧]، أي: الكمال الأعظم في ذاته وأسمائه ونعوته،
_________________
(١) «لسان العرب»، مادة (حسن) (١٣/ ١١٤، ١١٥).
(٢) «الجامع لأحكام القرآن» (٧/ ٣٢٧).
[ ٤٢ ]
فلذلك وجب أن تكون أسماؤه أحسن الأسماء، لا أن تكون حسنة وحسانًا لا سوى؛ وكم بين الحَسَن والأحسن من التفاوت العظيم عقلًا وشرعًا ولغة وعُرْفًا» (^١).
وجه الحُسن في أسماء الله:
الحُسنُ في أسماء الله جاء من وجهين هما:
الوجه الأول: لدلالتها على مُسمى الله، فكانت حسنى لدلالتها على أحسن وأعظم وأجل وأقدس مُسَمًّى، وهو الله ﷿ (^٢).
الوجه الثاني: لأنها متضمنة لصفاتٍ كاملةٍ لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا احتمالًا ولا تقديرًا (^٣).
قال الشيخ عبد العزيز السَّلمان: «فأسماء الله إنما كانت حُسنى؛ لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول» (^٤).
وقال ابن القيم: «أسماؤه ﷾ كلُّها أسماء مدح وثناء وتمجيد، ولذلك كانت حسنى» (^٥).
وقال: «أسماء الرَّبِّ﵎- دالة على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى؛ إذ لو كانت ألفاظًا لا معاني فيها لم تكن حُسنى، ولا كانت دالة على مدح وكمال» (^٦).
فأسماؤه ﷿ تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله، ومن حسنها ما فيها من معنى التعظيم والإجلال والإكبار لله ﷾.
_________________
(١) «العواصم والقواصم في الذَّبِّ عن سُنَّة أبي القاسم» (٧/ ٢٢٨).
(٢) «الأسئلة والأجوبة الأصولية» (ص ٥١).
(٣) «القواعد المثلى» (ص ٦).
(٤) «الأسئلة والأجوبة الأصولية» (ص ٥١).
(٥) «مدارج السالكين» (١/ ١٢٥).
(٦) «مدارج السالكين» (١/ ٢٨).
[ ٤٣ ]
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي عند «تفسيره» لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾: «هذا بيان لعظيم جلال وسعة أوصافه بأن له الأسماء الحسنى، أي: كل اسم حسن، وضابطه: أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى، فإنها لو دلت على غير صفة، بل كانت علمًا محضًا لم تكن حسنى، فإنها لو دلت على صفة ليست بصفة كمال، بل إمَّا صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح لم تكن حسنى، فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتُق منها، مستغرق لجميع معناها، وذلك نحو (العليم) الدال عليه أن له علمًا محيطًا عامًّا لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرَّة في الأرض ولا في السماء، و(الرحيم) الدال على أنه له رحمة عظيمة واسعة لكل شيء، و(القدير) الدال على أن له قدرة. عامة لا يعجزها شيء ونحو ذلك.
ومن تمام كونها حسنى: أنَّه لا يُدعى إلا بها، ولذلك قال: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة …» (^١).
والحُسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده.
مثال ذلك: (الحيُّ): اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للحياة الكاملة التي لم تُسبق بعدم، ولا يلحقها زوال. الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها.
مثال آخر: (الرحمن): اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للرحمة الكاملة التي قال عنها رسول الله ﷺ: «للهُ أرحمُ بعباده مِنْ هذه بولدها»، يعني: أم صبي وجدته في السَّبي، فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته.
ومتضمن- أيضًا- للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾.
_________________
(١) «تيسير الكريم الرحمن» (٣/ ٥٩).
[ ٤٤ ]
وكما يكون الحسن في أسماء الله باعتبار كل اسم على انفراده، فكذلك يكون باعتبار جمعه إلى غيره؛ فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمالٌ فوق كمال.
مثال ذلك: (العزيز الحكيم)، فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرًا، فيكون كل منهما دالًّا على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو: العزة في العزيز، والحُكمُ والحكمة في الحكيم.
والجمع بينهما دالٌّ على كمال آخر، وهو أن عِزَّته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظُلمًا وجورًا وسوء فعل، كما قد يكون من أعزَّاء المخلوقين. فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم، فيظلم ويجور ويسيءُ التَّصرف.
وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعزِّ الكامل، بخلاف حكم المخلوق وحكمته؛ فإنهما يعتريهما الذُّلُّ (^١).
قال ابن القيم ﵀: «وهناك صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مُفرديهما نحو: الغني الحميد، العفو
القدير، الحميد المجيد؛ وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغِنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغِنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما، وكذلك: العفوُّ القدير، الحميد المجيد، العزيز الحكيم؛ فتأمله فإنَّه من أشرف المعارف» (^٢).
أسماء الله توقيفية:
ولذلك أسماء الله توقيفية، فليس لك أن تقيس فيها؛ فمثلًا أنت تقول: إن الجود والسخاء قد يكونان وصفين متقاربين، تقول: فلان جواد وفلان
_________________
(١) «القواعد المثلى» (ص ٧، ٨).
(٢) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦١).
[ ٤٥ ]
سخي، لكن في حق الله تعالى ورد الجوَاد أو الجوَّاد ولم يرد السخي؛ لأن إيفاد كمال المعنى ليس في هذا؛ فالجود من السعة، ولذلك الخيل إذا كانت واسعة وسريعة في خطاها، يقال عنها: جواد؛ من السعة. أما السخاوة فهي من الرخاوة، يقال: أرض سخوة، أي: أرض رخوة؛ فالله اختار لنفسه أكمل ما يكون في المعنى، فالأكمل السعة وليست الرخاوة، والله قد سَمَّى نفسه العليم، ولم يسم نفسه- مثلًا- العارف؛ لأنَّ المعرفة يسبقها الجهل، وهكذا.
لذلك يقول ابن القيم ﵀: «فأسماء الله هي أحسن الأسماء وأكملها، فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها، ولا يؤدي معناها، وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرًا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم.
فإذا عرفت هذا، فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى، وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص.
فله من صفة الإدراكات: العليم الخبير دون العاقل الفقيه.
والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر.
ومن صفات الإحسان: البر الرحيم الودود دون الرفيق الشَّفوق ونحوهما، وكذلك العلي العظيم دون الرَّفيع الشريف.
وكذلك الكريم دون السَّخي.
والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المشكل.
والغفور العَفو دون الصَّفوح الساتر.
وكذلك سائر أسمائه- تعالى- يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها وما لا يقوم غيره مقامه؛ فتأمل ذلك، فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات؛ فلا تعدل عما سَمَّى به نفسه إلى غيره، كما لا تتحاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ إلى ما وصفه به
[ ٤٦ ]
المبطلون والمُعَطِّلون» (^١).
فالله تعالى- إذًا- قد اختار لنفسه أكمل الأسماء وأتمها معنى؛ فالمعنى أن تقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، أي: لله أكمل الأسماء وأتمها معنى، فأسماء الله -﷾- كاملة في الحُسن، بالغة في الحسن غايته.
وبالتالي لا يمكن أن نزيد عليها، وليس لنا الحق أن نُطلق من بعض صفات الله أسماء عليه سبحانه؛ فالله سَمَّى نفسه السميع، وسمى نفسه الحي، وسمى نفسه العليم، ونعم له صفة الحياة والعلم والسمع والبصر وهكذا، ووصف نفسه بالكلام، ولكنه ما سَمَّى نفسه: المتكلم، ووصف نفسه بالإرادة؛ فقال ﷿: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، وما سمى نفسه: المريد، فالله تعالى اختار لنفسه أكمل ما يكون في المعنى، وهذه وإن كانت صفات كاملة، لكن الأسماء- كما يقول العلماء: «من شرط الأسماء الحسنى صحة الإطلاق»؛ بمعنى: أن يقتضي الاسم المدح والثناء بنفسه بدون متعلق أو قيد. وهذا الشرط هو الذي يميز باب الأسماء عن باب الصفات (^٢)؛ فأنت- مثلًا- في الصفة تقول: كلام الله، إرادة الله، لكن في الاسم تطلق: (العليم- السميع- البصير)؛ فإذا كان هذا اللفظ في حال إطلاقه منقسمًا يحتمل المدح ويحتمل الذم، أو يحتمل الخير ويحتمل الشر، أو يحتمل الكمال ويحتمل النقص- لم يصح إطلاقه في حق أسماء الله تعالى؛ فالمتكلم قد يتكلم بصدق وقد يتكلم بكذب؛ فأصبح الوصف في حال إطلاقه منقسمًا؛ فلا يصح أن يطلق على الله -﷾-؛ قال ابن القيم -﵀-: «فما كان مُسَمَّاه منقسمًا وخير وشَرٍّ- لم يَدخل اسمُه في
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).
(٢) انظر «معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى» للشارح (ص ٥٠)،، دار أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ- ١٩٩٩ م.
[ ٤٧ ]
الأسماءالحسنى؛ كالشيء والمعلوم، ولذلك لم يُسم بالمريد، ولا بالمتكلم، وإن كان له الإرادة والكلام؛ لانقسام مسمى المريد والمتكلم، وأما الموجد فقد سَمَّى نفسه بأكمل أنواعه، وهو الخالق، البارئ، المصور، فالموجد كالمحدث والفاعل والصانع. وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى؛ فتأمله، وبالله التوفيق» (^١).
وقال- أيضًا﵀: «إنَّ الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يُطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع، فإن هذه الألفاط لا تدخل في أسمائه، ولهذا غلط من سَمَّاه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفَعَّال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلًا وخبرًا» (^٢).
فالله- تعالى- اختار لنفسه أكمل وأتم ما يكون في المعنى.
فتأمل هذا ويجب أن تتأدب مع أسماء الله -﷾-؛ فتنظر إلى جميع أسمائه- تعالى- على أنها تحوي الكمال كله، وعلى أنها هي الغاية في الكمال والحُسن.
فالمعنى: لله أحسن الأسماء وأكملها وأتمها معنى؛ لذا يجب أن نتأدب مع أسماء الله -﷾- بهذا الأدب، وأن نعتقد الاعتقاد الجازم أن لله تعالى في تلك الأسماء أكمل ما يكون من المعنى، وهذا- أيضًا- متأكد في صفاته كما سيأتي.
وقد ضرب المصنف هنا على هذه القاعدة أمثلة؛ منها: «الحي»؛ فبين أنَّه اسمٌ من أسماء الله تعالى مُتضمن صفة وهي الحياة، وحياة الله- تعالى- هي الحياة الكاملة الدائمة التي لم تُسبق بعدم ولا يلحقها فناء، ولا يعتريها
_________________
(١) «مدارج السالكين» (٣/ ٤١٥، ٤١٦).
(٢) «فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى» لابن القيم (ص ٢٤)، نشر دار غراس، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ- ٢٠٠٣ م.
[ ٤٨ ]
نقص بأي وجه من الوجوه؛ فتَثبت لله تعالى أكمل ما يكون في هذا المعنى من كمال، وهكذا في سائر أسماء الله تعالى.
وكذلك «العليم»؛ فعلم الله -﷾- كما قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ﴿الطلاق: ١٢]، فالله -﷾- عَلِم الأشياء حتى قبل كونها، فعندما خَلَقَ القلم قال له: «اكْتُبْ». قال: رَبِّ، وماذا أكتب؟ قال: «اكْتُبْ مَقاديرَ كلِّ شيء حتى تقومَ السَّاعةُ» (^١)، فأمره بكتابة كل شيء، في هذا الكون، فكل ما في هذا الكون هو في علم الله -﷾- لا تخفى عليه خافية، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ ﴿آل عمران: ٥]، ولا يعزب عن علمه أي شيء، قال ﷿: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يونس: ٦١]، وهذا العِلم لا يُصاحبه نسيان، قال ﷻ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ﴿مريم: ٦٤]، فعلم اللهﷻ- كامل تام.
وكذلك مع اسم الله: «الرحمن»، واسمه تعالى: «العزيز الحكيم» …، وسائر أسماء الله -﷾- لا بد من مراعاة هذه القاعدة.
وتأدُّبك مع جميع أسماء الله تعالى بهذا الأدب، ونظرك إليها على أنها أعلى درجات الكمال- يُحفزك على أن تتأمل في معانيها وفيما دَلَّت عليه مما يليق بالله -﷾-.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٠٠) واللفظ له، والترمذي (٢١٥٥) من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٦٤٥).
[ ٤٩ ]
قال المُصَنِّفُ ﵀:
«القاعدة الثانية:
أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دَلَّت عليه من المعاني، وهى بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مُسَمًّى واحد، وهو الله ﷿، وبالاعتبار الثاني متباينة؛ لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص.
فـ «الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم» كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الله ﷾، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.
وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف؛ لدلالة القرآن عليها، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿يونس: ١٠٧]، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ﴿الكهف: ٥٨]، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة. ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، ولا بصير إلا لمن له بَصر. وهذا أمر أَبْين من أن يحتاج إلى دليل.
وبهذا عُلِم ضلال مَنْ سلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل التعطيل، وقالوا: «إن الله تعالى سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عِزَّة»، وهكذا. وعللوا ذلك بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء. وهذه العلة عليلة، بل ميتة؛ لدلالة السَّمع والعقل على بطلانها.
[ ٥٠ ]
أمَّا السَّمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ﴿البروج: ١٢ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ﴿الأعلى: ١ - ٥]؛ ففي هذه الآيات الكريمة أوصاف كثيرة لموصوف واحد، ولم يلزم من ثبوتها تعدد القُدماء.
وأمَّا العَقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي مِنْ صفات مَنْ اتصف بها، فهي قائمة به، وكل موجود فلا بد له من تعدد صفاته، ففيه صفة الوجود، وكونه واجب الوجود أو ممكن الوجود، وكونه عينًا قائمًا بنفسه أو وصفًا في غيره.
وبهذا- أيضًا- عُلِم أنَّ «الدَّهر» ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد لا يَتضمن معنى يُلحقه بالأسماء الحسنى، ولأنه اسم للوقت والزمن؛ قال الله تعالى عن منكري البعث: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ﴿الجاثية: ٢٤]، يريدون مرور الليالي والأيام.
فأما قوله -ﷺ-: قال الله ﷿: «يُؤذيني ابنُ آدم؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدهر، بيَدِي الأمر، أُقَلِّب الليلَ والنَّهارَ» (^١)، فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى، وذلك أن الذين يَسُبُّون الدهر؛ إمَّا يريدون الزمان الذي هو مَحل الحوادث، لا يريدون الله تعالى.
فيكون معنى قوله: «وأنا الدَّهر» ما فَسَّره بقوله: «بِيَدِي الأمرُ، أُقَلِّب الليل والنهار»، فهو- سبحانه- خالق الدهر وما فيه، وقد بين أنه يقلب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يُمكن أن يكون المُقَلِّب (بكسر اللام) هو المُقَلَّب (بفتحها)، وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى».
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٢٦) ومسلم (٢٢٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥١ ]
شرح القاعدة
الشَّرح
هذه هي القاعدة الثانية من قواعد أسماء الله الحسنى، وهي «أن أسماء الله -﷾- أعلام وأوصاف».
فكل اسم من أسماء الله -﷾- له دلالة على الذات، ويتضمن كذلك هذا الاسم معنى من المعاني؛ فالسميع: اسم من أسماء الله الحسنى يدل على ذات الله -﷾-، وكذلك متضمن لصفة، وهي صفة السمع، فبالتالي يدل على هذه الصفة.
فهي- أي: الأسماء- أعلام؛ بالاعتبار الأول، وأوصاف بالاعتبار الثاني، أي: باعتبار ما دَلَّت عليه وما تضمنته.
وفي هذه القاعدة عدة مسائل:
المسألة الأولى: أن أهل اللغة فرقوا بين الأعلام والأوصاف، أي: بين أن يكون هذا اللفظ علمًا وبين أن يكون صفة؛ فجعلوا الأعلام جامدة، وجعلوا الأوصاف مشتقة؛ فمثلًا لو أخذت وصفًا وأطلقته اسمًا مثل كريم، وأردت أن تسمي ابنك أو تسمي أخاك به، فتقول: (كريم)، فهذا اللفظ عندما نقلته من الوصفية إلى العلمية قد تجرد من خصائص الوصفية، وأصبح علمًا جامدًا، فأصبحت هذه خاصية للاسم: أنه جامد غير مشتق والصفة مشتقة.
فبالتالي في أسماء المخلوقين يقال: العلمية تنافي الوصفية؛ فيكون العلم جامدًا والوصف مشتقًّا.
[ ٥٢ ]
ومعلوم أن العلم يختص والوصف يكون مشتركًا، فإذا قلت: فلان من الناس طويل. فهذا وصف مشترك بين جملة من الناس.
فمثلًا: لو قلنا: (فلان طويل) فهذا وصف مشترك بين جملة من الناس، فلا يمكن أن تنادي في جمع كبير من الناس، وتقول: يا طويل؛ لأنه قد يلتفت إليك اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة؛ باعتبار أن هذا وصف مشترك بين كل هؤلاء، والاسم يحمل خاصية الاختصاص، فأنت ما سَمَّيت ابنك (أحمد) مثلًا أو غيرها من الأسماء؛ إلا لتتعين وتتميز. فهذه وظيفة الاسم. يقولون: الاسم هو اللفظ الموضوع للشيء تعيينًا له وتمييزًا، فإذا قلت لك: أحضر آلة التسجيل. فهذا اسم قد أطلقتُه على جهاز مُعَيَّن. إذًا فقد عينت لك ماذا أريد، ومَيَّزته عن غيره من الأجهزة؟
فيقولون: الاسم هو اللفظ الموضوع للشيء تعيينًا له وتمييزًا. فهذه وظيفة الاسم، فبالتالي في أسماء البشر وفي أسماء الخلق هناك منافاة بين العلمية والوصفية.
وبالتالي لا يمكن للصفات أن تؤدي هذه الوظيفة بالنسبة للمخلوق؛ لأن صفات العباد مشتركة بينهم؛ فيتعذر بذلك الاختصاص الذي هو وظيفة الاسم.
وقد أراد المعتزلة (^١) أن يدخلوا من هذا الباب، بل أراد أهل الباطل- حتى مِنْ قَبلهم- أن يدخلوا من هذا الباب؛ فمثلًا- والله -﷾- ذكر هذا: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ﴿الإسراء: ١١٠]، فدعوت فقلت: يا الله. أو قلت: يا رحمن. فكلا الأمرين اسم لله.
_________________
(١) المعتزلة: فرقة عقلانية كلامية فلسفية، تتكون من طوائف من أهل الكلام، الذين خلطوا بين الشرعيات والفلسفة والعقليات في كثير من مسائل العقيدة، وقد خرجت المعتزلة عن السنة والجماعة في مصادر التلقي ومناهج الاستدلال ومنهج تقرير العقيدة وفي أصول الاعتقاد، ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية والعدلية، وبرزت كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء الذي كان تلميذًا للحسن البصري ﵀.
[ ٥٣ ]
والجواب: أن أسماء الله -﷾- أعلام وأوصاف، «والوصف بها لا ينافي العلمية، بخلاف أوصاف العباد؛ فإنها تُنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة، فنَافتها العلمية المختصة بخلاف أوصافه تعالى» (^١)، وذلك لسببين:
السبب الأوَّل: أن أوصاف الله -﷿- مختصة به -﷾-، فكون هذه الأوصاف مختصة به، فعند ذلك في حق الله تعالى لا تنافي بين العلمية والوصفية، فكونها أعلامًا تحمل خاصية الاختصاص، وكونها أوصافًا لا شك أن الوصف يكون بهذا الشكل، فلا تنافي بين أن تكون أعلامًا وأوصافًا؛ لأن أسماءه -﷿- مختصة به، فلا تنافي بين أن تكون وصفًا وأن تكون اسمًا، فأوصافه مختصة وأسمائه مختصة به، فإذًا ليس هناك تنافٍ من جهة الاختصاص، بخلاف أوصاف العباد فهي مشتركة بينهم؛ فنافتها العلميَّة المختصة.
السبب الثاني: أن أسماء الله -﷾- الدالة على هذه الأوصاف، هذه الأوصاف الله متصف بها أزلًا، بخلاف أسماء المخلوقين فإنها مستعارة لهم؛ «فقد يُسمَّى الرّجل (حكيما) وهو جاهل، و(حَكَمًا) وهو ظالم، و(عزيرًا) وهو حقير، و(كريمًا) وهو لئيم، و(صالحًا) وهو طالح، و(سعيدًا) وهو شقيٌّ، و(محمودًا) وهو مذموم، و(حبيبًا) وهو بغيض، و(أسدًا وحمارًا وكلبًا) …، وليس كذلك» (^٢).
فهذه أسماء مستعارة لك، ولا يكون هذا في حق الخالق ﷾.
«فالله﵎ اسمُه- كُلُّ أسمائه سواء، لم يزل كذلك، كان خالقًا قبل المخلوقين، ورازقًا قبل المرزوقين، وعالمًا قبل المعلومين، وسميعًا قبل أن يَسمع أصوات المخلوقين، وبصيرًا قبل أن يَرى أعيانهم مخلوقة (^٣).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٢).
(٢) «معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى» للشارح (ص ١٠٤، ١٠٥).
(٣) «الرد على المريسي» (ص ٤٩)، المكتبة الإسلامية، مصر، الطبعة الاولى، ١٤٣٣ هـ- ٢٠١٢ م ..
[ ٥٤ ]
والمعتزلة أرادوا أن يطبقوا في حقِّ أسماء الله تعالى ما هو الشأن في حق أسماء المخلوقين أخذًا بهذه القاعدة اللغوية، والقاعدة اللغوية مسألة اصطلاحية؛ لكي تفرق بين الاسم والصفة، فجعلت هذا جامدًا وجعلت هذا مشتقًّا. وهذا أمر يختص بمسائل اللغة والنحو وغير ذلك.
أما في حق أسماء الله تعالى وأوصافه فلا تناف، وهذا ما تجده مطبقًا في النصوص؛ فأسماء الله أعلام وأوصاف، وهذا تجده ماثلًا أمامك في النصوص. ففي الاعلام قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿الشورى: ١١]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿التحريم: ٢]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿يونس: ١٠٧]. والذي أخبر بالاسم هو الذي أخبر بالصفة؛ فمثلًا أخبر بـ (الرحيم)، فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ﴿الكهف: ٥٨]، وأخبر بالغفور فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ ﴿فصلت: ٤٣]، وأخبر بالعزيز فقال: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ﴿فاطر: ١٠]، فالذي أخبر بالاسم أخبر بالصفة، فأين التنافي؟!
وبهذين السببين يتأكَّدُ التَّفريق بين أسماء الخالق وأسماء المخلوقين (^١).
فإذا أراد المعتزلي أن يقول: هو سميع بلا سمع، عليم بلا علم، بصير بلا بصر، ليطبق القاعدة النحوية على أسماء الله -﷾-! فهذا أمر يتنافى مع النص تنافيًا واضحًا؛ لأن الله تعالى أخبر بهذه الأسماء وأخبر بصفاتها، فلا تنافي بين العلمية والوصفية؛ إذ كل اسم من أسماء الله تعالى يدل على الذات؛ باعتبار أن هذا اسم من أسمائه، ويدل على الصفة باعتبار ما تضمنه الاسم من المعنى الذي نُسميه الصفة.
وبالتالي يجب أن ننظر إلى الأسماء باعتبارين: باعتبار أنها مترادفة. وباعتبار أنها متباينة.
_________________
(١) «معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى» للشارح (ص ١٠٥).
[ ٥٥ ]
فالألفاظ تنقسم من حيث العلاقة بين اللفظ والمدلول إلى أربعة أقسام:
الألفاظ المترادفة. والألفاظ المشتركة. والألفاظ المتباينة. والألفاظ المتواطئة.
ولا بد من معرفة هذه المصطلحات حتى نستطيع فهم المسألة واستيعابها.
فالمترادف يقابله المشترك.
والمتباين يقابله المتواطئ.
يعني كل نوعين يكاد يُشكلان ضِدَّين.
فأحيانًا اللفظ الواحد يعطيك أكثر من معنى، وأحيانًا المعنى الواحد أو المدلول الواحد تعبر عنه بأكثر من لفظ، فإذا كان المدلول واحدًا، أو المعنى واحد، أو المراد واحد والألفاظ متعددة، فهذا يسمى المترادف؛ مثل: (الأسد) من أسمائه: الأسد والهزبر وأسامة والغضنفر … إلى غير ذلك من أسمائه. و(السيف): من أسمائه: الصارم والحسام والبتار والمهند. فتجد جملة من الألفاظ دالة على شيء واحد. فهذا النوع نسميه المترادف، وهو المراد منها، فإذًا (الله السميع البصير العليم الحكيم)، هذه باعتبار أنها أسماء تكون مترادفة، فإذا كانت الألفاظ متعددة والمدلول واحد، فهذا يسمى بالمترادف.
والمشترك عكسه؛ فاللفظ واحد والمعاني متعددة. فمثلًا: لفظ (العين) يُطلق على الحسد، ويطلق على الجاسوس، ويطلق على عين الماء، ويطلق على العين الباصرة؛ فكل واحدة من هذه تستخدم فيها هذا اللفظ وحده، فتقول: هذا عين للأعداء. هذه عين عذبة. هذه عين حادَّة البصر. أو أصابته عين. فاستخدمت اللفظ الواحد في مَعان عِدَّة. وكذلك (السماء) تطلق على السَّماء الدنيا، وتطلق على السقف، وتطلق على العُلو، وتطلق على المَطر، وتطلق على السحاب. فهذه خمسة معان واللفظ واحد، فيسمى لفظًا مشتركًا، فإذا اتحد اللفظ وتعددت المعاني فهذا يُسَمَّى مشتركًا.
[ ٥٦ ]
أمَّا المتباين، فكلا اللفظين مختلفان والمعاني مختلفة، فكلما استعملت لفظين اختلفا لفظًا واختلفا مدلولًا، فهذا يسمى متباينًا. فمثلًا: سقف وأرض. وباب ونافذة. فاللفظ متعدد والمعنى متعدد. فهذا يسمى اللفظ المتباين.
والألفاظ المتواطئة عكسها، وهي أن تكون متفقة اللفظ ومتفقة المعنى. فاللفظ واحد والمعنى واحد، لكن هذا النوع ينقسم إلى قسمين:
تواطئ كلي. وتواطئ مشكك.
مثال: التواطئ الكلي. مثلًا نقول إذا تحدثنا عن الجنس: زيد رجل وعمرو رجل. ف
أردنا الجنس هنا، يعني في مقابل الأنثى. فزيد من جنس الرجال وعمرو من جنس الرجال. فلفظة (رجل) استخدمت هنا في حق زيد وفي حق عمرو.
ومثال التواطئ المشكك: نور المصباح ونور الشمس. هذا لأن الضوء الخارج من هذه المصابيح نسميه نورًا، وهذا الضوء المنبعث من الشمس نسميه نورًا، لكن هل النور كالنور؟
فالألفاظ المتواطئة فيها تفاوت في القَدْر والمعنى.
والتواطؤ المشكك يسمى بذلك؛ لأن الإنسان يتشكك: هل هو من هذا الباب أو من قبيل المشترك؟ أمَّا لماذا المشترك وليس المترادف أو المتباين؟ لأن اللفظ واحد، فالمشترك فيه اللفظ واحد والمعاني متعددة، وفي المتواطئ اللفظ واحد والمعنى واحد، لكن إما أن يكون كليًّا، وإما أن يكون مشككًا؛ أي: متفاوتًا في المعنى ومتفاوتًا في القدر، فحتى لو قلت: زيد عالم وخالد عالم. فليسا في قَدْر العلم سواء.
فإذا نظرت إلى أسماء الله باعتبارها أسماء، فهي مترادفة، وإذا نظرت إليها باعتبار أنها احتوت على صفات تكون متباينة؛ لأن العلم غير القدرة، والقدرة غير الخلق، والخلق غير الحياة، والحياة غير السمع، وهكذا، فتجد
[ ٥٧ ]
أن هذا الاسم باعتبار ما دل عليه من معنى دل على معنى غير الذي دل عليه الاسم الآخر؛ فتكون متباينة.
فإذًا أسماء الله أعلام وأوصاف أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، فهي نَعَمْ أسماء، ونَعَمْ متضمنة لصفات؛ لأنَّ كل اسم من أسماء الله تعالى متضمن لصفة، فليس في أسماء الله- تعالى- اسم جامد.
وهذه قاعدة عند أهل السنة، وإن حاول البعض أن يستثني من ذلك لفظ الجلالة (الله)؛ فيزعم أنه جامد، فليس بجامد.
«كبعض الأشاعرة الذين يُقَسِّمون الأسماء إلى قسمين:
القسم الأول: أسماء مشتقة.
القسم الثاني: أسماء غير مشتقة.
قال البغدادي: «جملة أسمائه قسمان: مشتق وغير مشتق» (^١).
فيجعلون اسم (الله) غير مشتق، أي: لا يدل على معنى؛ فيعاملونه معاملة الأسماء الجامدة.
وهذا مخالفة لمذهب أهل السنة الذين يعتقدون بأن أسماء الله جميعها متصفة لمعان، وليس فيها اسم جامد لا يدل على معنى» (^٢).
فليس في أسماء الله اسم جامد، وكل أسماء الله متضمنة لصفات؛ فيجب أن يُعلم أن كلَّ اسم من هذه الأسماء دل على صفة.
فإذًا قال المصنف: «أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف:
أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد وهو الله ﷿»،
_________________
(١) «أصول الدين» للبغدادي (ص ١١٨)، إستانبول، مطبعة الدولة، ١٣٤٦ - ١٩٢٨ م.
(٢) انظر «معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى» للشارح (ص ٢٤).
[ ٥٨ ]
وهذا كما يقول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منها على معنى خاص؛ فـ (الحي العليم القدير السميع البصير الرحمن الرحيم العزيز الحكيم) - كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الله -﷾-، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير وهكذا.
وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿يونس: ١٠٧] وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ﴿الكهف: ٥٨]».
فالآية الأولى دلت على أنها أسماء، والآية الثانية دلت على أنها صفات؛ فالرحيم هو المتصف بصفة الرحمة، فهذا من حيث الدلالة الشرعية.
ثم من حيث الدلالة اللغوية «لا يقال: عليم لمن لا علم له، ولا سميع لمن لا سمع له، ولا بصير لمن لا بصر له».
فإذًا الدلالة اللغوية والعرفية تجتمع مع الدلالة الشرعية، وهذا كما قال المصنف: «أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل».
وبهذا عُلم ضلال مَنْ سَلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل الباطل، وهم المعتزلة وليسوا وحدهم، ويدخل معهم طوائف من أهل الكلام؛ فيدخل معهم الزيدية (^١)، ويدخل معهم الروافض الإمامية (^٢)، ويدخل معهم
_________________
(١) الزيدية: إحدى فرق الشيعة، ترجع نسبتها إلى زيد بن علي زين العابدين، وكان يرى صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ جميعًا، ولم يقل أحد منهم بتكفير أحد من الصحابة، ومن مذهبهم: جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل.
(٢) الإمامية: إحدى فرق الشيعة، وقد افترقوا عن أهل السنة في زعمهم أن الله ورسوله قد نصوا على اثني عشر إمامًا بأعيانهم؛ أولهم: علي بن أبى طالب ﵁، وآخرهم محمد بن الحسن العسكري، وزعموا أن كل إمام يتولى أمر المسلمين غير هؤلاء فهو إمام باطل بدءًا من الصديق أبي بكر ﵁ ولآخر إمام يتولى الأمر غير الاثني عشر. وقد فارقوا أهل السنة والجماعة بهذا، وفي تكفيرهم لأصحاب رسول الله ﷺ إلا عددًا محدودًا منهم (ثلاثة أو خمسة)، ويقول كثير منهم بنقض القرآن، وأن الصحابة حذفوا منه آيات وسور! وقد وضعوا لهم دينًا مستقلًّا عن أهل السنة، ولذلك فهم يخالفون اهل السنة في القرآن وتأويله، وفي معنى السنة، وفي الإمامة، والأئمة …
[ ٥٩ ]
الإباضية (^١)؛ فتدخل معهم عدة طوائف، لكن المعتزلة هم أشهر هؤلاء الذين قالوا: «سميع بلا سمع، وعليم بلا علم»؛ فجردوا أسماء الله من معانيها، وهذا أمر باطل دَلَّت النصوص على بطلانه.
قال المصنف: «وقالوا: إن الله تعالى سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عزيز بلا عزة، وهكذا»، وعلتهم في ذلك، أي: لماذا جردوها عن الصفات؟ زعمًا منهم أنه يلزم من تعدد الصفات تعدد الذوات.
وهذه بالطبع علة عليلة ميتة، فأصلًا لا يُمكن أن تُعقل صفة إلا قائمة بموصوف، فلو قلت: بياض. فالبياض صفة، هل ترى البياض الآن شيء قائم بذاته، أو يقوم بثوب، أو يقوم في جدار، فهل الصفة يمكن أن تقوم بنفسها، أو لا بد لها من موصوف تقوم به؟!
فلهذا؛ هذه علة ميتة، تدل الأادلة السمعية (أي: من القرآن والسنة) على بطلانها، وكذلك يدل العقل على بطلانها.
أما السَّمع، فمثلًا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ﴿البروج: ١٢ - ١٦]، فهذه أوصاف لواحد، وليس لمتعددين.
_________________
(١) الإباضية: فرقة قديمة من فرق الخوارج، ولها مُنتسبون إلى يومنا هذا، وهم يفترقون عن أهل السنة والجماعة في تركهم ولاية علي بن أبى طالب ﵁ بعد موقعة النهروان التي قاتل فيها الخارجين عنه، والخوارج يكفرون علي بن أبى طالب ﵁ من أجل ذلك وأمور أخرى ينكرونها عليه. وقد أصبح الخوارج بعد فترة جهمية معتزلية في الصفات، ووضعوا لهم أصولًا تخالف أهل السنة في قبول الخبر الصحيح. ومن أجل ذلك بعدت الشقة بينهم وبين أهل السنة هذا مع تكفيرهم بالكبيرة وقولهم بخلود عصاة المؤمنين في النار.
[ ٦٠ ]
فمن الموصوف هنا؟ مَنْ الذي بطشه شديد؟ من الذي يبدئ ويعيد؟ من الغفور الودود؟ من ذو العرش المجيد، من هو؟! هل هم ستة أم واحد؟ بل واحد وهو الله -﷾-.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ﴿الأعلى: ١ - ٥]؛ هل الموصوفون متعددون أو واحد؟ والجواب: الموصوف واحد وهو الله -﷾-.
فالسمع جاء بجملة كبيرة من النصوص، فيها أوصاف لله تعالى، والموصوف واحد، وهو الله -﷾-، ولا يلزم من تعدد هذه الصفات أن تكون هناك عدة آلهة، بل هذه كلها أوصاف لموصوف واحد!
وكذلك أنت فيك عدة أوصاف: مثلًا: الطول، البياض، لون الشعر … فلو عددتُ أوصافك مثلًا فقلت: أنت رجل طويل، وأنت رجل شديد البياض، وأنت رجل مربوع الجسم، هل الآن عددتُك أو وصفتُ شخصًا واحدًا؟
فالموصوف هو شخص واحد.
لذلك هي علة ميتة، ففي الأصل لا يمكن أن تقوم صفة بنفسها. هذا لا يمكن أبدًا، ولا يلزم من تعدد الصفات تعدد الموصوف، أي: تعدد الذات، فقد تكون جملة صفات لموصوف واحد، فكيف يقول هؤلاء: يلزم مِنْ تعدد الصفات تعدد الذوات؟!
هذا ليس بلازم أبدًا، فاستدل المصنف بأدلة السمع، ثم قال: «وأمَّا العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف»، فلا يُعقل أن الصفة تقوم بنفسها، فليست بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي من صفات مَنْ اتصف بها، فهي قائمة بهذا الموصوف، ونوع هذا الموصوف بحسبه، لكن تقوم بموصوف معين؛ فتتعدد وتكثر، حسب نوع هذا
[ ٦١ ]
الذي وصفتَه، فهي قائمة به، «وكل موجود فلا بد له من تعدد صفاته»، والوجود نفسه صفة؛ لأن الشيء إمَّا موجود وإما معدوم، فلإنه موجود، فهذه صفة، فتقول: هذا الشيء موجود، أي: ليس معدومًا، ثم هذا الموجود إما أن يكون واجب الوجود أو ممكن الوجود، كما يسمونه؛ لأنهم يُقسمون الأشياء إلى واجب الوجود- أي: الخالق- وإلى ممكن الوجود وهو المخلوق، فأي شيء موجود لا بد أن يوصف- أولًا- بأنه موجود وليس معدومًا، ثم بعد ذلك يُنظر هل هو واجب الوجود أو ممكن الوجوب؛ فقد يكون واجبًا وقد يكون ممكنًا، فإذا كان خالقًا فهو واجب الوجوب، وإذا كان مخلوقًا فهو ممكن الوجود، وكونه عينًا قائمة بنفسه أو وصفًا في غيره.
فقد يكون الشيء وصفًا للغير، وقد يكون عينًا قائمة بنفسها، فمثلًا: هذا الطلاء موجود في هذا الجدار ولونه أبيض، ويمكن أن تزيله وتجعل مكانه لونًا آخر أخضر أو أزرق أو غير ذلك من الألوان، فيكون قائمًا بهذا الغير، ويكون هذا الشيء من طبيعته أنه يكون بهذا اللون المعين، فسواء كان قائمًا بنفسه أو قائمًا بغيره- فهو وصف بهذا الشيء الموجود، فلا يمكن أن يكون وصفًا بنفسه ويقوم بنفسه، بل لا بد أن يقوم بشيء.
فما نؤمن به ونعتقده: أن أسماء الله أعلام وأوصاف؛ فنحن نؤمن بها أسماء، ونؤمن بما دلت عليه من المعاني، ولا ننكر شيئًا من ذلك، فلا نكذب بشيء مما دلت عليه من المعاني. فالله هو السميع وله صفة السمع، وهو العلي وله صفة العلو، وهو الخالق وله صفة الخلق؛ فنؤمن بهذا اسمًا ونؤمن بهذا صفة.
ونعلم أنه ليس في أسماء الله اسم جامد، ولذلك مَنْ قال: إنَّ من أسمائه الدهر، فكلامه مرجوح.
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: هل الدهر اسم من أسماء الله، أو لا؟
[ ٦٢ ]
قال القاضي أبو يعلى: «قال حنبل: سمعت هارون الحمَّال يقول لأبي عبد الله- أي: الإمام أحمد-: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة فحدثنا أن النبي ﷺ قال: «لا تَسُبُّوا الدهر»؛ فقام فتح بن سهل، فقال: يا أبا محمد، نقول: يا دهر، ارزقنا؟! فسمعت سفيان يقول: خذوه، فإنَّه جهمي، وهرب.
فقال أبو عبد الله: القوم يَرُدُّون الآثارَ عن رسول الله ﷺ ونحن نؤمن بها، ولا نردُّ على رسول الله ﷺ قوله.
وظاهر هذا: أنه أخذ بظاهر الحديث، ويحتمل أن يكون قوله: «ونحن نؤمن بها» راجع إلى أخبار الصفات في الجملة، ولم يرجع إلى هذا الحديث بخاصَّةٍ.
وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله- بن حامد﵀ هذا الحديث في كتابه، وقال: لا يجوز أن يُسمَّى الله دهرًا.
والأمر على ما قاله؛ لأنَّه قد رُوي في بعض ألفاظ الحديث ما يَمنع من حمله على ظاهره هذا، ولم يَرد في غيره من أخبار الصفات ما دلَّ على صرفه عن ظاهره، فلهذا وجب حملها على ظاهرها (^١)».
فالراجح: أنَّ الدهر ليس من أسماء الله؛ لأنه اسم جامد.
ومن استدل بحديث: «لا تسبُّوا الدهر؛ فإنَّ الله هو الدهر» (^٢)، أو بحديث: «يُؤذيني ابنُ آدم؛ يسبُّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّب الليل والنهار» (^٣) - فهذه النصوص لا تدل على أن الله تعالى من أسمائه الدهر، لكن المراد منها: أن هذا الذي كان يقع فيه أهل الجاهلية؛ إذ كانوا يسبون الزمن، ولا يزال إلى الآن بعض الناس يتلفظ بألفاظ فيها إلقاء باللوم على الزمان؛
_________________
(١) «إبطال التأويلات» للقاضي أبي يعلى (٢/ ٣٧٤)، دار إيلاف الدولية، الكويت.
(٢) أخرجه البخاري (٦١٨١) بنحوه، ومسلم (٢٢٤٦) واللفظ له، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) تقدم تحريجه قريبًا.
[ ٦٣ ]
فنسمع الناس في تعبيرهم يقولون: زمن أغبر. أو ذاك يوم أسود، أو غير ذلك، فالعبارات تختلف والمراد واحد قديمًا وحديثًا، وفيها سبٌّ للدهر، وفي الحقيقة: الدهر هو الوقت والزمان، والوقت والزمان بيد الله -﷾- هو الذي يُقَدِّر الأمور ويدبرها؛ فمن يقول هذا اللوم، فكأنما يعترض على إرادة الله -﷾-.
فالشاهد: أنه ليس المراد بهذا أن الدهر اسم من أسماء الله تعالى، لكن المراد أن الله هو الذي يتصرف في هذا الوقت وفي هذا الزمن. ولذلك قال: «وبهذا- أيضًا- عُلم أن (الدهر) ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد، لا يتضمن معنى يُلحقه بالأسماء الحسنى؛ ولأنه اسم للوقت والزمن؛ قال الله تعالى عن منكري البعث: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ﴿الجاثية: ٢٤]؛ يريدون مرور الليالي والأيام.
فأما قوله -ﷺ- قال الله -﷿-: «يُؤذيني ابنُ آدم يسبُّ الدهر، وأنا الدهر بِيَدِي الأمر، أُقَلِّب الليل والنهار» - فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى، وذلك أن الذين يسبون الدهر إنَّما يريدون الزمان الذي هو مَحل الحوادث»؛ الذي هو الوقت والزمن الذي تكون فيه مجريات هذه الأمور، والحوادث جارية فيه، و«لا يريدون الله تعالى؛ فيكون معنى قوله: «وأنا الدهر» ما فسَّره بقوله: «بِيَدِي الأمرُ؛ أُقَلِّب الليل والنهار»، فالمراد منها: أن الله هو المتصرف في هذا الوقت وفي هذا الزمن، «فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بَيَّن أنه يُقَلِّب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يُمكن أن يكون المُقَلِّب هو المُقَلَّب، وبهذا تَبَيَّن أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى».
فإذًا (الدهر) ليس من أسماء الله تعالى الحسنى؛ لأنه اسم جامد، وأسماء الله تعالى ليس فيها اسم جامد، بل كلها دالة على معان؛ لأنَّها أعلام وأوصاف.
فعلينا أن نفهم هذه القاعدة، وأن نُطبقها اعتقادًا وعملًا.
[ ٦٤ ]
شرح القاعدة
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الثالثة:
أسماءُ الله- تعالى- إن دلَّت على وصفٍ مُتعدٍّ تضمَّنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثُبوت ذلك الاسم لله ﷿.
الثاني: ثُبوت الصِّفة التي تضمَّنها لله ﷿.
الثالث: ثُبوت حُكمها ومقتضاها.
ولهذا استدل أهلُ العلم على سقوط الحدِّ عن قُطَّاع الطريق بالتوبة، استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]؛ لأنَّ مُقتضى هذين الاسمين أن يكون الله تعالى قد غفر لهم ذنوبهم، ورحمهم بإسقاط الحد عنهم.
مثال ذلك: «السَّميع» يَتضمن إثبات السَّميع اسمًا لله تعالى، وإثبات السَّمع صِفة له، وإثبات حكم ذلك ومُقتضاه، وهو أنه يَسمع السِّرَّ والنَّجوى، كما قال تعالى ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
الشرح
أي: إذا تقرَّر أن أسماء الله أعلام وأنها أوصاف، فلا بد أن تنظر إلى هذه الأوصاف: هل هي أوصاف لازمة أو أوصاف متعدية؟
[ ٦٥ ]
فلو نظرت إليها باعتبار أنها أوصاف لله تعالى -﷾-؛ فـ (الحيُّ): اسمٌ، ومتضمن للحياة، والحياة: صفة. و(السَّميع): اسم، ومتضمن للسمع، والسَّمع: صفة.
فهي كلها صفات، لكن من الصفات:
- ما هو لازم، بمعنى: أنه يختص بالله -﷾- دون أن يتعدى إلى المخلوق.
لكن هناك ما يسمى (الأثر)؛ فأنت لما تُثبت أنه الحي وله صفة الحياة، فهذا يعطي العظمة والكمال لله -﷾-، لكن الحكم لا يتأتى هنا (أي: الفعل) لا يأتي من (الحي)، بل يُقتصر على الاسم والصفة.
- ومنها ما هو مُتعد، أي: ما له تعلق بالمخلوق، بمعنى: أنه قد تعدى للمخلوق؛ فـ (الحي) غير (المحيي). فـ (الحيُّ) حياته هو ﷾، فهذا غير متعد. و(المحيي) متعدي؛ لأنَّ إحياءه للمخلوق.
إذا فهمت هذا الاعتبار أمكن أن تفصل بين بعض أسماء الله وغيرها.
فإذا كان وصفًا لازمًا فله اعتبار، وإذا كان وصفًا متعديًا فله اعتبار.
فنحن آمنا بأسماء الله، وآمنا بأن هذه الأسماء متضمنة للصفات، ثم آمنا بأن هذه الصفات منها ما هو كذا ومنها ما هو كذا، فإذا كان من النوع الأول الذي دل على وصف متعد؛ فيلزمك ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن تُثبت هذا الاسم لله؛ فمثلًا: تقول: (السميع) من أسماء الله تعالى، وأنا أومن بأنه من أسمائه ﷾.
الأمر الثاني: أن تؤمن بأن من صفاته ﷿: السَّمع؛ لأن (السميع) تضمَّن معنى السمع؛ فتؤمن بثبوت الصفة التي هي السَّمع.
الأمر الثالث: أن تُثبت الحكم والمُقتضى، وهو أنَّ الله يسمعنا، كما قال تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما﴾.
[ ٦٦ ]
وهكذا (العليم) ننظر هل هو متعد أو لازم؟
فـ (العليم) اسم، والعلم صفة، إذًا الله يَعلم، كما قال تعالى: ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾، فتعدى، وهكذا.
فإذًا نحن نثبت الاسم، ونثبت الصفة، ونثبت الحكم والمقتضى، وهذا الحكم والمقتضى نسمِّيه أحيانًا (الفعل)؛ فنُثبت هذا الفعل.
قال المصنف: «ولهذا استدل أهلُ العلم على سقوط الحدِّ عن قُطَّاع الطريق بالتوبة، استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]»؛ أي: بما أنه غفور رحيم، فعند ذلك يسقط الحد عن الذي تاب من قُطَّاع الطرق قبل أن يُقدر عليه؛ بمعنى (يُقبض عليه وهو متلبي بهذا الشيء).
فمقتضى هذين الاسمين: أن يكون الله قد غَفر لهم ذنبَهم، ورحمهم بإسقاط الحدِّ عنهم.
[ ٦٧ ]
قال المصنف ﵀:
«وإن دَلَّت على وصف غير متعدٍّ تضمنت أمرين:
أحدهما: ثُبوت ذلك الاسم لله ﷿.
الثاني: ثُبوت الصِّفة التي تضمنها لله ﷿.
مثال ذلك: (الحي) يتضمن إثبات الحيِّ اسمًا لله ﷿، وإثبات الحياة صِفَةً له.
الشرح
أسماء الله تعالى إن دَلَّت على وصف متعدٍّ تضمَّنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله ﷿.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.
وإن دَلَّت على وصف غير متعد تضمنت أمرين:
أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله ﷿.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿.
مثال ذلك:
أ- مثال للاسم الذي دل على وصف متعدٍّ: (السميع).
١ - يتضمن إثبات (السميع) اسمًا لله تعالى.
٢ - وإثبات (السمع) صفة له.
٣ - وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يَسمع السِّر والنَّجوى؛ كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
[ ٦٨ ]
ب- مثال للاسم الذي دلَّ على وصف غير متعدٍّ: (الحيُّ):
١ - يتضمن إثبات (الحيِّ) اسمًا لله ﷿.
٢ - إثبات (الحياة) صفة له.
وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: «إن الاسم إذا أُطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل؛ فيخبر عنه فعلًا ومصدرًا نحو: (السميع)، (البصير)، (القدير) يُطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة، ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، وهذا إذا كان الفعل متعديًا.
فإن كان لازمًا لم يُخبر عنه به، نحو (الحي)، بل يُطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل، فلا يُقال: (حيي) (^١).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٢).
[ ٦٩ ]
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الرابعة
دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة، وبالتضمُّن، وبالالتزام.
مثال ذلك: (الخالق) يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذَّات وحدها، وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمُّن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام.
ولهذا لما ذكر اللهُ خلق السماوات والأرض قال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
ودلالة الالتزام مفيدة جدًّا لطالب العلم إذا تدبَّر المعنى، ووفَّقه الله تعالى فَهْمًا للتلازم، فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة.
واعلم أنَّ اللازم من قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ إذا صحَّ أن يكون لازمًا فهو حق، وذلك لأنَّ كلام الله ورسوله حقٌّ، ولازمُ الحقِّ حقٌّ، ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازمًا من كلامه وكلام رسوله؛ فيكون مرادًا.
وأمَّا اللازم من قول أحد سِوى قول الله ورسوله، فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يذكر للقائل ويلتزم به؛ مثل أن يقول: مَنْ ينفى الصِّفات الفعلية لمن يثبتها، يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله ﷿
[ ٧٠ ]
أن يكون من أفعاله ما هو حادث. فيقول المثبت: نعم، وأنا ألتزم بذلك، فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعَّالًا لما يريد، ولا نَفاد لأقواله وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وحدوث آحاد فعله تعالى لا يستلزم نقصًا في حقه.
الحال الثانية: أن يذكر له ويمنع التلازم بينه وبين قوله؛ مثل: أن يقول النافي للصفات لمن يُثبتها: يلزم من إثباتك أن يكون الله تعالى مشابهًا للخلق في صفاته!
فيقول المثبت: لا يلزم ذلك؛ لأن صفات الخالق مُضافة إليه، لم تُذكر مطلقة حتى يمكن ما ألزمت به، وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به، كما أنك- أيها النَّافي- للصفات تثبت لله تعالى ذاتًا وتمنع أن يكون مشابهًا للخلق في ذاته، فأيُّ فرق بين الذات والصفات؟ وحكم اللازم في هاتين الحالين ظاهر.
الحال الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتًا عنه، فلا يذكر بالتزام ولا منع، فحكمُه في هذه الحال: أن لا يُنسب إلى القائل؛ لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر له فتَبيَّن له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله؛ لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
ولورود هذين الاحتمالين لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول.
[ ٧١ ]
شرح القاعدة
فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازمًا من قوله- لزم أن يكون قولًا له؛ لأن ذلك هو الأصل، لا سيما مع قرب التلازم. قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر. وله حالات نفسية وخارجية توجب الذُّهول عن اللازم، فقد يَغفل أو يسهو، أو يَنغلق فكره، أو يقول القول في مَضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه ونحو ذلك.
الشرح
لفظ (دلالة) لفظ ثلاثي، أي: يجوز في داله الفتح أو الكسر أو الضم، لكن أصحها الفتح، ثم الكسر، ثم الضم أضعفها.
فكل اسم من أسمائه- تعالى- له دلالاتٌ:
دلالة على الذَّات والصفة بالمطابقة.
ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم.
ويتضح ذلك بما يلي:
أوَّلًا: بيان أقسام الدلالات اللفظية: تنقسم الدلالات اللفظية إلى ثلاثة أقسام:
١ - دلالة المطابقة.
٢ - دلالة التضمُّن.
٣ - دلالة الالتزام.
وذلك لأنَّ الكلام إمَّا أن يُساق ليدل على تمام معناه.
وإما أن يساق ليدل على بعض معناه.
وإما أن يساق ليدل على معنى آخر خارج عن معناه إلَّا أنه لازم له.
فدلالة اللفظ على تمام معناه تسمى دلالة (مطابقة)، وسُمِّيت مطابقة؛ للتَّطابق الحاصل بين معنى اللفظ وبين الفهم الذي استفيد منه.
[ ٧٢ ]
ودلالة اللفظ على بعض معناه تسمى دلالة (تضمُّن)، وسُمِّيت دلالة تضمن؛ لأنَّ اللفظ قد تضمن معنى آخر إضافة إلى المعنى الذي فُهم منه.
ودلالة اللفظ على معنى خارج عن معناه إلا أنه لازم له- تسمى دلالة (التزام)، وسُمِّيت دلالة التزام؛ لأن المعنى المستفاد لم يدل عليه اللفظ مباشرة، ولكن معناه يلزم منه هذا المعنى المستفاد.
الأمثلة:
أ- مثال لدلالة المطابقة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، فلفظة (البقرة): اسم جنس سيق ليدل على تمام معناه، وهو الحيوان المعروف، فأيَّةُ بقرة كانت كافية لتنفيذ الأمر لو ذبحها بنو إسرائيل، ولكنهم شدَّدوا على أنفسهم في طلب التعيين، فشدَّد الله عليهم.
ب- مثال لدلالة التضمُّنـ كأن يقول إنسان: أنا عالم بالفرائض وتقسيم المواريث.
فنقول له: بَيِّن لنا إذن أحكام الجَد مع الإخوة؟
فيقول: أنا لم أقل لكم: إنني أعلم هذه الأحكام.
فنقول له: لقد تضمنت دعواك العلم بالفرائض وتقسيم المواريث: أنك عالم بأحكام الجَد مع الإخوة، وقد فهمنا هذا من كلامك عن طريق الدلالة التضمُّنية.
ج- مثالٌ لدلالة الالتزام: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فإنَّ قالَه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الواقع في جواب الشرط- يدل عن طريق الدلالة الالتزامية على أنَّ الله يغفر لكم ويرحمكم؛ إن أنتم عفوتم وصفحتم وغفرتم، مع أن هذا المعنى غير مدلول عليه بمنطوق اللفظ، ولكن يلزم من كونه غفورًا رحيمًا أن يُكافئ أهلَ العفو والصفح
[ ٧٣ ]
والمغفرة بالرحمة والغفران؛ ولذلك حصل الاكتفاء في جواب الشرط بذكر هذين الوصفين دون التَّصريح للازمهما.
فتلاحظ دلالة الالتزام في هذا في قوله تعالى: ﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾، فلازم إن عفوتَ وصفحتَ وغفرت أن يغفر الله لك.
ثانيًا: تطبيق الدَّلالات الثلاث على أسماء الله تعالى:
قال ابنُ القيم: «إنَّ الاسم من أسمائه﵎- كما يدل على الذات والصفة التى اشتق منها بالمطابقة، فإنه يدل عليه دلالتين أُخريين بالتضمُّن واللزوم.
فيدل على الصفة بمفردها بالتضمُّن، وكذلك على الذات المجردة على الصفة،
ويدل على الصفة الأخرى باللزوم.
الأمثلة:
أ - (الخالق) يدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة.
ويدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن.
ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، ذلك لأنَّ العلم والقدرة لازمان للخلق.
مثال آخر: (السَّميع) يدلُّ على ذات الرب وسمعه بالمطابقة.
وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن.
فاسمه تعالى (السميع) دل على ذت الله، وتضمن إثبات صفة السمع لله، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السِّرَّ والنَّجوى، كما قال: ﴿والله يسمع تحاوركما﴾.
[ ٧٤ ]
ويدل على اسم (الحيِّ) وصفة الحياة بالالتزام.
وكذلك سائر أسمائه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأسماؤه كلها مُتَّفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كلُّ اسم يدل على معنى مِنْ صفاته ليس هو المعنى الذي دل على الاسم الآخر؛ فـ (العزيز) يدل على نفسه مع عِزَّته.
و(الخالق) يدل على نفسه مع خلقه.
و(الرَّحيم) يدل على نفسه مع رحمتها.
ونفسُه تستلزم جميع صفاته؛ فصار كلُّ اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة، وعلى أحدهما بطريق التضمن، وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم» (^١).
وقال الشيخ حافظ حكمي: «واعلم أنَّ دلالةَ أسماء الله- تعالى- حقٌّ على حقيقتها؛ مطابقة وتضمُّنًا والتزامًا.
فدلالة اسمه تعالى: (الرحمن) على ذاته ﷿ مطابقة، وعلى صفة الرحمة تضمُّنًا، وعلى الحياة وغيرها التزامًا.
وهكذا سائر أسمائه ﵎.
وليست أسماء الله تعالى غيره، كما يقولُه المُلحدون في أسمائه؛ تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.
فإنَّ الله ﷿ هو الإله، وما سِوَاه عبيدٌ.
وهو الربُّ، وما سواه مَربوب.
وهو الخالق، وما سواه مخلوق.
وهو الأول فليس قبله شيء، وما سِواه محدث كائن بعد أن لم يَكن.
_________________
(١) «الإيمان» (ص ١٧٥)، ط: المكتب الإسلامي.
[ ٧٥ ]
وهو الآخر الباقي فليس بعده شيء، وما سواه فانٍ.
فلو كانت أسماء الله تعالى غيره- كما زعموا- لكانت مخلوقة مَربوبة محدثة فانية؛ إذ كل ما سواه كذلك؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا» (^١).
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «الدلالة نوعان:
١ - لفظية. ٢ - معنوية عقلية.
فإن أعطيتَ اللفظَ جميعَ ما دخل فيه من المعاني فهي دلالة مطابقة؛ لأن اللفظ طابق المعنى من غير زيادة ولا نقصان.
وإن أعطيته بعضَ المعنى فتُسمى دلالة تضمن؛ لأن المعنى المذكور بعض اللفظ وداخل في ضمنه.
وأمَّا الدلالة المعنوية العقلية فهي خاص بالعقل والفِكر الصحيح؛ لأن اللفظ بمجرَّده لا يدل عليها، وإنما يَنظر العبد ويتأمل في المعاني اللازمة لذلك اللفظ الذي لا يتم معناها بدونه وما يشترط له من الشروط، وهذا يجري في جميع الأسماء الحسنى، كل واحد منها يدل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ويدل على الصفة الأخرى اللازمة لتلك المعاني دلالة التزام، مثال ذلك: (الرَّحمن) يدل على الذات وحدها. وعلى الرحمة وحدها دلالة تضمن. وعلى الأمرين دلالة مطابقة. ويدل على الحياة الكاملة والعلم المحيط والقدرة التامة ونحوها دلالة التزام؛ لأنه لا توجد الرحمة من دون حياة الرَّاحم وقُدرته الموصِّلة لرحمته للمرحوم وعلمه به وبحاجته.
وكذلك ما تقدم من استلزام (المَلِك) جميعَ صفات المُلْك الكامل، واستلزام (الرَّب) لصفات الربوبية، و(الله) لصفات الألوهية، وهي صفات
_________________
(١) «معارج القبول» (١/ ٧٨).
[ ٧٦ ]
كمال كلها، وكثير من أسمائه الحسنى يَستلزم عِدَّة أوصاف؛ كالكبير، والعظيم، والمجيد، والحميد، والصَّمد، فهذه قاعدةٌ نافعةٌ» (^١).
قال ابن القيم: «الاسم من أسمائه له دلالات: دلالة على الذات، والصفة بالمطابقة، ودلالة على أحدهما بالتضمن، ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم» (^٢).
وهذه القاعدة لا تختص بأسماء الله فقط، بل كل لفظ فإنه يدل على المعنى بالمطابقة والتضمن والالتزام، وعليه؛ فأنواع الدلالات ثلاثة:
دلالة المطابقة: وهي أن يدل اللفظ على جميع أجزاء معناه وأفراده.
ودلالة التضمن، فمعناها: دلالة اللفظ على جزء معناه.
وأما دلالة الالتزام، فمعناها: دلالة اللفظ على شيء خارج عنه، لكنه لا ينفك عنه، بل هو مرتبط به ارتباطًا وثيقًا (^٣).
فالأسماء دلالتها مطابقة وتضمن والتزام:
١ - فدلالتها على الذات والصفة دلالة مطابقة.
٢ - ودلالتها على الصفة وحدها دلالة تضمُّن.
٣ - ودلالتها على الصفات الأخرى دلالة التزام.
ثم ضرب مثالًا لذلك باسم الله: (الخالق)؛ فهو:
١ - يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة.
٢ - ويدل على صفة الخلق بالتضمن.
_________________
(١) «الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية» (ص ٥٤، ٥٥).
(٢) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٢).
(٣) انظر «شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» للشيخ ابن باز (٤٤، ٤٥)، دار التيسير، الطبعة الاولى، ١٤٢٦ هـ، ٢٠٠٥ م.
[ ٧٧ ]
٣ - ويستلزم الإرادة والعلم والقدرة.
ويُوضِّح الشيخ خليل هراس ذلك التقسيم فيقول: «يُقَسِّم المناطقة دلالة اللفظ الموضوع لمعنى إلى ثلاثة أقسام: مطابقة. وتضمُّن. والتزام، وذلك لأنَّه إن قُصد باللفظ الدلالة على تمام المعنى فمطابقة؛ لتطابق اللفظ والمعنى، أي: توافقهما. وإن قُصد به الدلالة على جزء ذلك المعنى فتضمُّن؛ لأن ذلك الجزء داخل في ضمن المعنى الموضوع له، وإن قُصِد به الدلالة على لازم ذلك المعنى فالتزام. وهذا التقسيم جارٍ في دلالة الأسماء الحسنى على معانيها؛ فكلٌّ منها يدل بالمطابقة على مجموع الذات والصفة التي اشتُّق منها؛ فعليم دالٌّ بالمطابقة على ذاتٍ ثَبَت لها العِلم، وحيٌّ دال بالمطابقة على ذات وحياة، وهكذا.
وأمَّا دلالته على الذات وحدها أو على الصفة وحدها فتضمُّن؛ لأن كلًّا منهما جزء لمعنى الاسم داخل في ضمنه. وأما دلالته على صفة للذات غير الصفة التي اشتق هو منها فدلالة التزام قريب من متناول العقل» (^١).
وقد بَيَّن الله ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
فالخالق لا يمكن أن يخلق إلا وهو يعلم كيف سيخلق، والخالق لا يمكن أن يخلق إلا وهو قادر على أن يخلق، ونحن نعلم أنه لو أراد أحد أن يصنع شيئًا وهو لا يَعلم، فإنه لا يستطيع، ولو كان يعلم ولا يريد فإنه كذلك لا يستطيع.
إذًا فكلمة (خالق) تدل على ذات خالقة، وتدل على (خلق)، وتدل على (علم)، وتدل على (قدرة)، فدلالتها على ذات الخالق وعلى الخلق «دلالة
_________________
(١) «شرح القصيدة النونية لابن القيم» (٢/ ١٢٤)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.
[ ٧٨ ]
مطابقة»، ودلالتها على ذات الخالق فقط «دلالة تضمن»، ودلالتها على الخلق وحده «دلالة تضمن»، ودلالتها على العلم والقدرة «دلالة التزام»، ولهذا لما خلق الله السموات والأرض في قوله: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن﴾ قال بعد ذلك: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾، أي: أن الله هو الخالق، وقد خلق بقدرة وعلم، فلولا القدرة لما خلق، ولولا العلم لما خلق (^١).
* * *
_________________
(١) انظر «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن باز (ص ٤٦)، بتصرف واختصار.
[ ٧٩ ]
شرح القاعدة
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الخامسة
أسماء الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها.
وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسُّنَّة، فلا يزاد فيها ولا يُنقص؛ لأن العقل لا يُمكنه إدراك ما يستحقُّه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النَّصِّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، ولأن تسميته- تعالى- بما لم يُسَمِّ به نفسَه أو إنكار ما سَمَّى به نفسه جناية في حقِّه تعالى؛ فوجب سُلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النَّص».
الشرح
من الأمور المُتقررة في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في باب أسماء الله الحسنى: أن من ضابط أسماء الله الحسنى: وُرود النَّصِّ بذلك الاسم؛ فلا يُسَمَّ الله إلا بما سَمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-.
أ- فمعنى كون أسماء الله توقيفية: أي: يجب الوقوف في أسماء الله على ما ورد ذكره في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة لا نَزيد على ذلك ولا ننقص منه.
[ ٨٠ ]
ولذلك يرى السلفُ أنَّ مِنْ أحكام باب الأسماء ما يلي:
١ - إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء الحسنى الواردة قي نصوص القرآن والسنة الصحيحة.
٢ - ألَّا نَنفي عن الله ما سَمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-.
٣ - ألا نُسَمِّي الله بما لم يُسَمِّ به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-.
وذلك لأنَّه لا طريق إلى معرفة أسماء الله﵎- إلَّا مِنْ طريق واحد هو طريق الخبر (أي: الكتاب والسُّنَّة).
ب- ومِن أقوال أهل العلم في تقرير هذه المسألة ما يلي:
قال ابن القيم ﵀: «أسماء الله تعالى هي أحسن الأسماء وأكملها؛ فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها ولايؤدي معناها.
وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرًا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم.
فإذا عرفتَ هذا فله مِنْ كلِّ صفة كمال أحسنُ اسم وأكملُه وأتمُّه معنى، وأبعده عن شائبة عيب أو نقص.
فله من صفة الإدراكات:
العليم الخبير دون العاقل الفقيه.
والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر.
ومن صفات الإحسان:
البَر الرحيم الودود دون الرَّفيق والشفوق ونحوهما.
وكذلك العَلِي العظيم دون الرفيع الشريف.
وكذلك الكريم دون السَّخي.
والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المُشَكِّل.
[ ٨١ ]
والغفور العفو دون الصَّفوح الساتر.
وكذلك سائر أسمائه- تعالى- يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها، وما لا يقوم غيره مقامه؛ فتأمل ذلك، فأسماؤه أحسنُ الأسماء، كما أنَّ صفاته أكمل الصفات، فلا تَعدل عما سَمَّى به نفسه إلى غيره، كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله -ﷺ- إلى ما وصفه به المُبطلون والمُعَطِّلون» (^١).
وقال أبو سليمان الخَطَّابي: «ومن علم هذا الباب- أعني الأسماء والصفات- ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط: أنَّه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يُستعمل فيها القياس؛ فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارض الكلام:
فـ (الجواد) لا يجوز أن يُقاس عليه السخي وإن كانا متقاربين في ظاهر الكلام، وذلك أن السخيَّ لم يَرد به التوقيفُ، كما ورد بـ (الجواد).
و(القوي) لا يُقاس عليه الجَلْد، وإن كانا يتقاربان في نعوت الآدميين؛ لأن باب التَّجَلُّد يدخله التَّلف والاجتهاد.
ولا يُقاس على (القادر): المُطيق ولا المُستطيع.
وفي أسمائه (العليم) ومن صفته العلم، فلا يجوز قياسًا عليه أن يسمى عارفًا؛ لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يتوصل إلى علم الشيء، وكذلك لا يُوصف بالعاقل.
وهذا الباب يجب أن يُراعى ولا يُغفل؛ فإنَّ عائدته عظيمة، والجهل به ضارٌّ، وبالله التؤفيق» (^٢).
وقال السفاريني في منظومته:
لكنَّها في الحقِّ توقيفية … لنا بِذَا أدلة وَفِيَّة
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).
(٢) «شأن الدعاء» (١١١ - ١١٣).
[ ٨٢ ]
ثم قال في شرحه: «لكنها- أي: أسماء الله- في القول الحق المُعتمد عند
أهل الحق: توقيفية بنصِّ الشرع وورود السمع بها، ومما يجب أن يُعلم أنَّ علماء السنة اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء الحسنى والصفات على البارئ جل وعلا إذا وَرَد بها الإذنُ من الشارع، وعلى امتناعه على ما ورد المنع عنه» (^١).
ج- الأدلة على كون أسماء الله توقيفية:
من خلال ما تقدَّم مِنْ نُقول يتضح لك مَدى تمسُّك علماء أهل السنة بالتوقيف في باب الأسماء الحسنى، ومنعهم لاستخدام القياس اللغوي والعقلي في هذا الباب.
وهذا هو القول الحقُّ الذي تدل عليه النصوص الشرعية، ومنها ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾:
فهذه الآية تدلُّ على أنَّ الأسماء توقيفية من وجهين:
١ - قوله: ﴿الأَسْمَاءُ﴾ جاءت معرفة (بأل)، وهي هنا للعهد؛ فالأسماء بذلك لا تكون إلا معهودة، ولا معروف في ذلك إلا ما نصَّ عليه في الكتاب أو السنة (^٢).
٢ - قوله: ﴿الْحُسْنَى﴾ وصف يدلُّ على أنه ليس في الأسماء الأخرى أحسن منها، وأنَّ غيرها لا يقوم مقامها ولا يؤدي معناها (^٣)؛ فلا يجوز بحال أن يُدخل في أسماء الله ما ليس منها، فهذا الوصف يُؤكد كونها توقيفية.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَأنه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال الإمام البغوي: «قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته
_________________
(١) «لوامع الأنوار البهية» (١/ ١٢٤).
(٢) «المحلى» (١/ ٢٩).
(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).
[ ٨٣ ]
بما لم يَتَسَمَّ به ولم ينطق به كتابُ الله ولا سنة رسوله -ﷺ-» (^١).
وقال ابنُ حَجَر: «قال أهل التفسير: من الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم يَرد في الكتاب أو السُّنَّة الصَّحيحة» (^٢).
وقال ابنُ حَزْم: «منع تعالى أن يُسَمَّى إلَّا بأسمائه الحسنى، وأخبر أنَّ مَنْ سَمَّاه بغيرها فقد ألحد» (^٣).
وبهذا يتبين أنَّ هذه الآية دليل على أنَّ أسماء الله توقيفية، وأن مخالفة ذلك وتسميته تعالى بما لم يُسَمِّ به نفسه ميل بها عما يجب فيها؛ فالإقدام على فعل شيء من ذلك هو نوع من الإلحاد في أسماء الله.
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن جعله تسبيحًا للاسم يقول: المعنى: أنك لا تُسَمِّ به غير الله، ولا تُلحد في أسمائه؛ فهذا ما يستحقه اسم الله» (^٤)، فإذا فُسِّرت الآية بهذا الوجه ففيها دليل على كلِّ ما سبق في الآية التي قبلها من اعتبار تَسميته بما لم يُسَم به نفسه من أنواع الإلحاد في أسمائه.
رابعًا: قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.
فإذا كانت هذه الآيات تُحَرِّم وتُحَذِّر من الخوض في الأمور المغيبة عند فقد الدليل الشرعي، فإن ذلك التحريم والتحذير يدخل فيه باب أسماء الله باعتباره من الأمور المغيبة التي لا تُعرف إلا من طريق النص الشرعي.
ولذلك من الواجب هنا الاقتصار على الأسماء الواردة في النصوص
_________________
(١) «معالم التنزيل» (٣/ ٣٥٧).
(٢) «فتح الباري» (١١/ ٢٢١).
(٣) «المحلى» (١/ ٢٩).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٩٩).
[ ٨٤ ]
وترك ما سواها.
خامسًا: حديث: «ما أصاب عبدًا قطُّ همٌّ ولا غَمٌّ ولا حَزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أَمَتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك؛ سَمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا مِنْ خَلقك، أو استأثرت به في عِلم الغَيب عندك …»، الحديث (^١)، والشاهد في الحديث قوله: «أسألُك بكلِّ اسم هو لك سَمَّيت به نفسك».
فالله تعالى هو الذي يسمِّي نفسه، وليس لأحد مِنْ خَلقه أن يسمي الله تعالى بشيء من عنده، فأسماء الله أمور حكمها الغيب وحكمها التوقيف والخبر؛ فلا بد من الرجوع إلى ذلك. هذا قول أهل السنة والجماعة.
قال ابنُ القَيِّم: «فالحديث صريح في أنَّ أسماءه ليست مِنْ فعل الآدميين وتسمياتهم» (^٢).
و(أو) في قوله: «سَمَّيت به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابِك»: حرف عطف، والمعطوف بها أخص مما قبله؛ فيكون من باب عطف الخاص على العام، فإنَّ ما سمى به نفسه يتناول جميع الأنواع المذكورة بعده، فيكون عطف كل جملة منها من باب عطف الخاص على العام، فوجه الكلام أن يقال: «سَمَّيت به نفسك؛ فأنزلته في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (^٣).
د- الذين خالفوا الحقَّ في هذه المسألة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والناس مُتنازعون: هل يُسَمَّى الله
بما صَحَّ معناه في اللغة والعقل والشرع وإن لم يَرد بإطلاقه نصٌّ ولا إجماع، أم لايُطلق إلا ما أطلق نصًّا أو إجماعًا، على قولين مَشهورين:
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (١/ ٣٩١، ٤٥٢)، وابن حبان في «موارد الظمآن» ح (٢٣٧٢)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٠٩)، والطبراني في «الكبير» ح (١٠٣٥٢).
(٢) «شفاء العليل» (ص ٢٧٧).
(٣) المصدر السابق (ص ٢٧٦) بتصرف.
[ ٨٥ ]
١ - فعامَّة النُّظَّار- أي: أهل الكلام- يُطلقون ما لا نَصَّ في إطلاقه ولا إجماع؛ كلفظ القديم والذات، ونحو ذلك.
٢ - ومِن الناس مَنْ يُفَصِّل بين الأسماء التي يُدعى بها وبين ما يُخبر به عنه للحاجة؛ فهو- سبحانه- إنَّما يُدعى بالأسماء الحسنى، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
وأمَّا إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك. فقيل: بل هو سبحانه قديم موجود وهو ذات قائمة بنفسها. وقيل: ليس بشيء. فقيل: بل هو شيء. فهذا سائغ، وإن كان لا يُدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدل على المدح» (^١).
فالذين خالفوا الحقَّ في هذه المسألة هم بعض أهل الكلام، كما أشار لذلك شيخ الإسلام في النقل السابق، ومِن هؤلاء بعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، وكذلك الكرَّامِيَّة.
أمَّا عن المعتزلة فهم ينقسمون إلى قسمين: معتزلة البصرة. ومعتزلة بغداد.
فالاعتزال أول ظهوره كان في البصرة، ثم بعد ذلك أصبحت هناك مدرسة للمعتزلة في بغداد.
فمعتزلة البصرة لا يلتزمون التوقيف في أسماء الله -﷾-؛ فقد ذكر البغداديُّ: أن المعتزلة البصرية أجازوا إطلاق الأسماء عليه بالقياس» (^٢).
وقال أبو الحسن الأشعريُّ: «واختلفت المعتزلة: هل يجوز أن يُسَمِّي البارئ عالمًا مَنْ استدل على أنَّه عالم بظهور أفعاله عليه وإن لم يأته السَّمعُ مِنْ قِبَل الله سبحانه؛ بأن يُسَمِّيه بهذا الاسم أم لا؟ على مقالتين:
_________________
(١) «رسالة في العقل والروح» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٤٦، ٤٧)، (مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية).
(٢) «الفرق بين الفرق» (ص ٣٣٧).
[ ٨٦ ]
فزعمت الفرقة الأولى منهم: أنه جائز أن يسمِّي الله سبحانه عالمًا قادرًا حيًّا سميعًا بصيرًا مَنْ استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول.
وزعمت الفرقة الثانية: أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء مَنْ دَلَّه العقل على معناها، إلا أن يأتيه بذلك رسولٌ مِنْ قِبل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء» (^١).
٢ - وأمَّا عن الأشاعرة، فإن جمهورهم مع أهل السنة في كون أسماء الله توقيفية وكذلك الماتريدية، ولكن القاضي الباقلاني- من الأشاعرة- لا يَشترط التوقيف، واشترط أمرين هما:
١ - أن يدل على معنى ثابت لله تعالى.
٢ - ألَّا يكون إطلاقه موهمًا لما لا يليق بالله تعالى (^٢).
وتوقف الجويني في هذه المسألة؛ فهو يَرى أنَّ الجواز وعدمه حكمان شرعيَّان لا سبيل إلى إطلاق أحدهما إلا بإذن الشرع ولم يأت، ولذا قال بالتوقُّف (^٣).
قال السفاريني: «الجمهور مَنعوا إطلاق ما لم يأذن به الشرع مطلقًا، وجَوَّزه المعتزلة مطلقًا، ومال إليه بعضُ الأشاعرة؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وتوقف إمام الحرمين الجوينى» (^٤).
٣ - وأمَّا الكرامية، فقد قال الرازي: «وقالت المعتزلة والكرامية: إن اللفظ إذا دلَّ العقل على أنَّ المعنى ثابت في حق الله سبحانه جاز إطلاق ذلك اللفظ على الله؛ سواء ورد التوقيف به أو لم يَرد» (^٥).
_________________
(١) «مقالات الإسلاميين» (ص ١٩٧).
(٢) «شرح المقاصد» للتفتازاني (٤/ ٣٤٤، ٣٤٥).
(٣) «الإرشاد» (ص ١٣٦، ١٣٧).
(٤) «لوامع الأنوار البهية» (١/ ١٢٤).
(٥) «لوامع البينات» (ص ٤٥).
[ ٨٧ ]
وإنَّ مما لا شَكَّ فيه أن إسقاط شرط التوقيف في باب أسماء الله ضرره عظيم، وأذكر لك قصة تبين فساد قول القائلين بإسقاط هذا الشرط؛ فمعتزلة البصرة يُسقطون هذا الشرط، وشيخهم الجبائي في ذلك الوقت قد اعترض عليه أبو الحسن الأشعري- وكان ربيبه (^١) - عندما دخل رجلٌ على الجبائي؛ فقال: هل يجوز أن يسمى الله تعالى عاقلًا؟ فقال الجبائي: لا؛ لأنَّ العقل مُشتق من العقال، وهو المانع، والمنع في حق الله تعالى محال؛ فامتنع الإطلاق.
قال الشيخ أبو الحسن (الأشعري): فقلتُ له: فعلى قياسك لا يُسَمَّى الله- سبحانه- حكيمًا؛ لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام. وهي الحديدة المانعة للدَّابة عن الخروج، ويَشهد لذلك قول حسان بن ثابت ﵁:
فنحكم بالقوافي من هجانا … ونضرب حين تختلط الدماء (^٢)
وقول الآخر (^٣):
أبي حنيفة أحكموا سفهاءكم … إني أخاف عليكمو أن أغضبا
أي: «نمنع بالقوافي من هجانا»، و«امنعوا سفهاءكم».
فإذا كان اللفظ مشتقًّا من المنع، والمنع على الله محال- لزمك أن تَمنع إطلاق (حكيم) عليه ﷾.
_________________
(١) أي: كان الجبائي متزوجًا من أم أبي الحسن الأشعري بعد وفاة أبيه؛ فنشأ أبو الحسن الأشعري في بيت الجبائي إلى أن بلغ سن الأربعين، وقد أخذ منه الاعتزال، ثم بدأ أبو الحسن الأشعري يَعترض على بعض أقوال المعتزلة، ومنه اعتراضه المذكور هنا.
(٢) راجع «ديوان حسان بن ثابت» بشرح عبد الرحمن البرقوقي. القاهرة، المكتبة التجارية (ص ٦). يقول: مَنْ هجانا منعناه بقوافينا المُفحمة، ونحن نضرب حين تختلط الدماء! أي: حين تلتحم الحرب. وقوله: نحكم: أي: نمنع.
(٣) البيت لجرير، وقاله في بيت آخر في هجاء بني حنيفة. والحكمة: ما أحاط بحَنَكي الفرس من لجامه. راجع «ديوان جرير» (ص ٤٧)، بيروت، ١٩٦٠ م.
[ ٨٨ ]
فوقع الجبائي بهذا في هذا الفخ، وأُلزم بلازم قوله؛ فلا يمكن للجبائي أن يقول: لا أُسَمِّيه حكيمًا؛ لأنه قد ورد في القرآن.
فلأنه ألغى شرط التوقيف، وبنى عليه هذا الحكم- وقع في محظور، وهو أنه بناء على قياسه هذا يلزم أن يمنع الحكيم كما يمنع العاقل؛ لأن مدار الكلمتين على المنع.
قال الأشعري: فلم يَحر جوابًا، إلا أنه قال لي: فَلِمَ مَنعتَ أنت أن يُسَمَّى الله سبحانه عاقلًا، وأجزتَ أن يسمَّى حكيمًا؟
قال (أي: الأشعري): فقلت له: لأنَّ طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي، دون القياس اللغوي. فأطلقت (حكيمًا)؛ لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلًا؛ لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقتُه» (^١).
فالشاهد: أن أسماء الله توقيفية؛ لا مجال للعقل فيها، فليس لك أن تستعمل في إثباتها القياس العقلي أو القياس اللغوي، وعليك أن تلتزم بما ورد في أسماء الله -﷾-؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا﴾، فالله -﷾- أدَّبنا أن لا نتكلم في أمر لا علم لنا به.
والملائكة- مع فضلهم- لا عِلم لهم إلا ما عَلَّمهم الله؛ قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، ونحن طريق العلم عندنا هو الوحي؛ فبالتالي ما كان وحيًا آمنَّا به.
وقال تعالى عندما ذَكر المحرمات: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، والعلماء يقولون: تدرج هنا من الأدنى إلى الأعلى، فعلى هذا أعلى المحرمات: هو أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
_________________
(١) «طبقات الشافعية» للسبكي (٢/ ٢٥١، ٢٥٢)، الطبعة الأولى بالمطبعة الحسينية.
[ ٨٩ ]
لذا يجب على المسلم أن يحذر حذرًا شديدًا من أن يتقول على الله تعالى بغير علم.
والعلماء عندما أخذوا بالاشتقاق أخذوه من طريق النص، وهكذا ما ورد مضافًا، وهذا ليس بخروج عن التوقيف.
ثم قال المصنف: «لأن تسميته- تعالى- بما لم يُسَمِّ به نفسَه أو إنكار ما سَمَّى به نفسه جناية في حقِّه تعالى»، وهذا سيأتي أنه نوع من أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى، وهو قاعدة مستقلة.
* * *
[ ٩٠ ]
شرح القاعدة
قال المصنف ﵀:
«القاعدة السادسة
أسماء الله- تعالى- غير محصورة بعدد معين؛ لقوله -ﷺ- في الحديث المشهور: «أسألُك بكلِّ اسم هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو عَلَّمْتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في عِلم الغيب عندك»، الحديث، رواه أحمدُ وابنُ حِبَّان والحاكم، وهو صحيحٌ.
وما استأثر الله- تعالى- به في علم الغيب لا يُمكن أحدًا حصره، ولا الإحاطة به.
الشرح
أسماء الله الحُسنى لا تَدخل تحت حصر ولا تُحد بعددٍ؛ فإنَّ لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يَعلمها مَلكٌ مُقَرَّب ولا نبيٌّ مُرسل (^١)، وهذا هو الصواب، وعلى ذلك مضى سلفُ الأمة وأئمتها، وهو قول جمهور العلماء، ولم يخالفهم فيه إلا طائفة من المتأخرين؛ كابن حزم وغيره (^٢).
أدلة الجمهور على أن اسماء الله غير محصورة:
مما احتح به الجمهور لقولهم في هذه المسألة ما يلي:
١ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما أصاب
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٦).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٨٢).
[ ٩١ ]
عبدًا قطُّ همٌّ ولا غَم ولاحزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضي في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك سَمَّيْتَ به نفسك، أو أنرلتَه في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا مِنْ خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تَجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب هَمِّي وغمي- إلا أذهب اللهُ همَّه وغمَّه، وأبدله مكانه فرحًا». قالوا: يا رسول الله، أفلا تتعلمهن؟ قال: «بلى، يَنبغي لمن يسمعهن أن يَتعلمهن» (^١).
والشاهد من هذا الحديث قوله: «أو استأثزت به في عِلم الغيب عندك»، فهو دليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين، وأنَّ له أسماءً وصفاتٍ استأثر بها في علم الغيب عنده لا يَعلمها غيرُه (^٢)، ففي هذا الحديث جعل أسماءه ثلاثة أقسام (^٣):
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٣٩١، ٤٥٢، وابن حبان (انظر: موارد الطمآن ح ٢٣٧٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٥١)، والطبراني في الكبير (ح ٥٣٥٢١).
(٢) «شفاء العليل» (ص ٢٧٧).
(٣) قال ابن القيم ﵀: «وقوله: «أسألُك بكلِّ اسم سَمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا مِنْ خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» - إن كانت الرواية محفوظة هكذا، ففيها إشكال؛ فإنه جعل ما أنزله في كتابه أو عَلَّمه أحدًا من خلقه أو استأثر به في علم الغيب عنده قسيمًا لما سَمَّى به نفسه، ومعلوم: أن هذا تقسيم وتفصيل لما سَمَّى به نفسه؛ فوجه الكلام أن يقال: سَمَّيت به نفسك؛ فأنزلته في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا مِنْ خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، فإن هذه الأقسام تفصيل لما سَمَّى به نفسه. وجواب هذا الإشكال: أن (أو) حرف عطف، والمعطوف بها أخص مما قبله؛ فيكون من باب عطف الخاص على العام، فإنَّ ما سَمَّى به نفسه يتناول جميع الأنواع المذكورة بعده؛ فيكون عطف كل جملة منها من باب عطف الخاص على العام. فإن قيل: المعهود من عطف الخاص على العام: أن يكون بالواو دون سائر حروف العطف. قيل: المسوغ لذلك في الواو هو تخصيص المعطوف بالذِّكر؛ لمرتبته من بين الجنس، واختصاصه بخاصة غيره منه حتى كأنه غيره، أو إرادة لذكره مرتين باسمه الخاص وباللفظ العام، وهذا لا فرق فيه بين العطف بالواو أو بـ (أو) مع أنَّ في العطف ب (أو) على العام فائدة أخرى، وهي بناء الكلام على التقسيم والتنويع، كما بني عليه تامًّا، فيقال: سَمَّيت به نفسك؛ فإمَّا أنزلته في كتابك، وإمَّا عَلَّمته أحدًا من خلقك». «شفاء العليل» (ص ٢٧٦).
[ ٩٢ ]
١ - قسم سَمَّى به نفسه؛ فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم يَنزل به كتابه.
٢ - وقسم أنزل به كتابَه؛ فتعَرَّف به إلى عباده.
٣ - وقسم استأثر به في علم غَيبه؛ فلم يُطلع عليه أحد من خلقه. ولهذا قال: «استأثرتَ به»، أي: انفردت بعلمه، وليس المراد: انفراده بالتسمي به؛ لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أَنزل بها كتابه (^١).
وقال الخطابيُّ عند هذا الحديث: «فهذا يدلُّك على أنَّ لله أسماء لم يُنزلها في كتابه، حَجبها عن خلقه، ولم يُظهرها لهم» (^٢).
وقال ابن كثير: «ثم ليُعلم أنَّ الأسماء الحسنى غير مُنحصزة في تسعة وتسعين» (^٣)، واستدل لذلك بهذا الحديث.
٢ - ومما يستدل به ما ثَبت في الصَّحيح: أنَّ النبي ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم إني أَعوذ برضاك من سَخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك مِنك، لا أُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك» (^٤).
والشاهد من الحديث هو قوله: «لا أُحصي ثناء عليك».
وأمَّا عن وجه الاستشهاد؛ فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأخبر أنَّه لا يُحصي ثناء عليه، ولو أَحصى أسماءه لأحصى صفاتِه كلها فكان يُحصي الثناء عليه؛ لأن صفاتِه إنَّما يُعبر عنها بأسمائه» (^٥).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٦).
(٢) «شأن الدعاء» (ص ٢٤).
(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٦٩).
(٤) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢/ ٥١)، كتاب (الصلاة)، باب: (ما يقال في الركوع).
(٥) «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٣٣٢، ٣٣٣).
[ ٩٣ ]
٣ - ويستدل كذلك بقوله ﷺ في حديث الشفاعة: «فيَفتح عليَّ من محامده بما لا أُحسنه الآن» (^١).
قال ابن القيم ﵀: «وتلك المحامد تَفِي بأسمائه وصفاته» (^٢).
٤ - أن الأسماء الواردة في الكتاب والسنة أكثر من تِسعة وتسعين؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإن قيل: لا تَدعو إلا باسم له ذِكر في الكتاب والسنة! قيل: هذا أكثر مِنْ تسعة وتسعين» (^٣).
وقال محمد بن المرتضى اليماني: «وقد ثبت أنَّ أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي (أي: التسعة والتسعون) بالضرورة؛ فإنَّ في كتاب الله أكثرَ من ذلك» (^٤).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب (التفسير)، باب ﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾، ولفظه: «ثم يفتح الله عليَّ مِنْ محامد وحُسن الثناء عليه شيئًا لم يَفتحه على أحد قبلي»، وأخرجه مسلم في كتاب (الإيمان) (١/ ١٢٧).
(٢) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦١).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٨٢).
(٤) «إيثار الحق على الخلق» (ص ١٦٩).
[ ٩٤ ]
قال المصنف ﵀:
«فأمَّا قوله -ﷺ-: «إنَّ للهِ تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة إلا واحدًا، مَنْ أحصاها دخل الجنة»، فلا يدلُّ على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: إنَّ أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا؛ مَنْ أحصاها دخل الجنة، أو نحو ذلك.
إذًا فمعنى الحديث: أن هذا العدد من شأنه أنَّ مَنْ أحصاه دخل الجنة. وعلى هذا فيكون قوله: «مَنْ أحصاها دخل الجنة» جملة مكملة لما قبلها، وليست مستقلة. ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أَعددتها للصدقة؛ فإنه لا يَمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تَعدها للصَّدقة».
الشرح
قوله ﷺ: «إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة إلا واحدًا، مَنْ أحصاها دخل الجنة» متفق عليه (^١)، وفي رواية: «مَنْ حَفِظها» (^٢).
الشاهد من الحديث: قوله: «مَنْ أحصاها»، «مَنْ حَفِظها».
ثانيا: معاني الإحصاء:
معنى قوله: «مَنْ أحصاها» قد ذكر فيه الخطابي (^٣): «أربعة أوجه»، وهي:
المعنى الأول: العدُّ، كما في قوله سبحانه: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣٦) ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجها مسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) «شأن الدُّعاء» (ص ٢٦ - ٢٩).
[ ٩٥ ]
فيكون معنى «أحصاها» في الحديث: أنه يعدُّها ليستوفيها حفظًا، فيدعو ربه بها.
وقد استدل على صحة هذا التأويل بما ورد في رواية سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة غير واحد، مَنْ حفظها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» (^١).
قال الخطَّابيُّ عند هذا الوجه: «وهو أظهرها».
وقال النوويُّ: «قال البخاري وغيره من المحققين: معناه: حفظها، وهذا هو الأظهر؛ لثبوته نصًّا في الخبر، وهو قول الأكثرين» (^٢).
وقال ابن الجوزي: «لما ثبت في بعض طرق الحديث: «مَنْ حَفِظها» بدل «مَنْ أحصاها» - اخترنا أن المراد «العَد»؛ أي: مَنْ عَدَّها؛ لِيستوفيها حفظًا».
واعترض الحافظ ابنُ حجر على هذا الوجه فقال: «وفيه نظر؛ لأنه لا يَلزم من مجيئه بلفظ: «حفظها» تعيين السَّرد عن ظهر قلب، بل يُحتمل الحفظ المعنويُّ».
وقال الأصيليُّ: «ليس المراد بالإحصاء: عدها فقط؛ لأنه قد يعدُّها الفاجر، وإنما المراد: العلم بها».
وقال ابن بطال: «إنَّ مَنْ حفظها عدًّا وأحصاها سردًا ولم يعمل بها- يكون كمن حفظ القرآن ولم يَعمل بما فيه، وقد ثبت الخبر في الخوارج: أنهم يقرءون القرآن ولا يجاوز حناجرهم» (^٣).
المعنى الثاني: الطاقة، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾، أي: لن تُطيقوه.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في «صحيحه»، (الذِّكر) (ح ٢٦٧٧).
(٢) «الأذكار» للنووي (ص ٨٥)، «شرح صحيح مسلم» (٥/ ١٧).
(٣) «فتح الباري» (١١/ ٢٢٦).
[ ٩٦ ]
وكقول النبي ﷺ: «استقيموا ولن تُحصوا» (^١)؛ أي: لن تُطيقوا كل الاستقامة.
فيكون معنى: «أحصاها» في الحديث: أي: يطيقها، بحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الربِّ سبحانه بها، وذلك مثل أن يقول: (يا رحمن يا رحيم)؛ فيخطر بقلبه الرحمة، ويعتقدها صفة لله ﷿؛ فيرجو رحمته، ولا ييأس من مغفرته؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وإذا قال: (السميع البصير) علم أنه لا يَخفى على الله خافية، وأنه بمرأى منه ومسمع؛ فيخافه في سرِّه وعلنِه، ويُراقبه في كافة أحواله.
فإذا قال: (الرَّزَّاق) اعتقد أنه المتكفِّل برزقه، يسوقه إليه في وقته؛ فيَثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له غيره، ولا كافي له سواه.
وإذا قال: (المنتقم) استشعر الخوف من نقمته، واستجار به من سخطه.
وإذا قال: (الضار النافع) اعتقد أنَّ الضر والنفغ من قِبَل الله جلَّ وعزَّ لا شريك له، وأن أحدًا من الخلق لا يجلب إليه خيرًا، ولا يصرف عنه شرًّا، وأن لا حول لأحد ولا قوة إلا به.
وكذلك إذا قال: (القابض الباسط)، و(الخافض الرافع)، و(المعز المذل)، وعلى هذا سائر الأسماء (^٢).
وقال ابن حجر: «وقيل: معنى «أحصاها»: عَمِل بها، فإذا قال: (الحكيم) - مثلًا- سَلَّم بجميع أوامره؛ لأن جميعها على مقتضى الحكمة، وإذا قال: (القدُّوس) استحضر كونه منزهًا عن جميع النقائص. وهذا اختيار أبي الوفاء بن عقيل. وقال ابن بطال: «طريق العمل بها: أنَّ الذي يسوغ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (٥/ ٢٨٢)، وابن ماجه (ح ٢٧٧)، والدَّارمي (١/ ٦٨).
(٢) «شأن الدعاء» (ص ٢٧، ٢٨).
[ ٩٧ ]
الاقتداء به فيها كـ (الرحيم)، و(الكريم)، فإن الله يحب أن يرى حلاها على عبده؛ فليمرن نفسه على أن يصحَّ له الاتِّصاف بها. وما كان يختص به تعالى كـ (الجبَّار) و(العظيم)؛ فيجب على العبد الإقرار بها والخضوع لها، وعدم التَّحلِّي بصفة منها.
وما كان فيه معنى الوعد نقف منه عند الطَّمع والرَّغبة.
وما كان فيه معنى الوعيد نقف منه عند الخشية والرَّهبة.
فهذا معنى «أحصاها» و«حفظها».
وقال أبو نُعيم الأصبهاني: «الإحصاء المذكور في الحديث ليست هو التعداد، وإنما هو العمل والتَّعقُّل بمعاني الأسماء والإيمان بها» (^١).
المعنى الثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة.
وهذا المعنى مأخوذ من الحصاة، وهي: العقل.
قال طَرَفة:
وإن لسان المرء ما لم تكن له … حصاة على عوراته لدليل (^٢)
والعرب تقول: فلان ذو حصاة؛ أي: ذو عقل ومعرفة بالأمور.
فيكون معنى «أحصاها»: أنَّ مَنْ عرفها وعقل معانيها وآمن بها- دخل الجنة (^٣).
قال أبو عمرو الطَّلمنكي: «مِنْ تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله ﷺ: المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمن من الفوائد، وتدل عليه مِنْ الحقائق، ومَن لم يعلم ذلك لم يكن عالمًا لمعاني الأسماء، ولا مستفيدًا بذكرها وما تدلُّ عليه من المعاني» (^٤).
_________________
(١) «فتح الباري» (١١/ ٢٢٦).
(٢) «ديوان طرفة بن العبد» (ص ١١٢).
(٣) «شأن الدعاء» (ص ٢٨، ٢٩).
(٤) «فتح الباري» (١١/ ٢٢٦).
[ ٩٨ ]
المعنى الرابع: أن يكون معنى الحديث: أن يقرأ القرآن حتى يختمه؛ فيستوفي هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة، فكأنه قال: مَنْ حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنَّة (^١).
قال الحافظ ابن حجر: «وقيل: المراد بالحفظ: حفظ القرآن؛ لكونه مستوفيًا لها؛ فمن تلاه ودعا بما فيه من الأسماء حصل المقصود. قال النووي: «هذا ضعيف».
وقيل: المراد: مَنْ تَتَبَّعها مِنْ القرآن» (^٢).
والحق والصواب: أن الإحصاء شامل لهذه الأمور جميعها، فلا بد من الجمع بين الإحصاء النظري المُتمثل في العلم بها وحفظها وحفظ النصوص الدالة عليها. والإحصاء الفقهيِّ المتمثل في فَهم معانيها ومدلولاتها والإيمان بآثارها. والإحصاء العملى الذي هو العمل بمقتضاها ودعاء الله بها.
قال ابن بطال: «الإحصاء يقع بالقول، ويقع بالعمل؛ فالذي بالعمل: أنَّ لله أسماء يختصن بها؛ كالأحد والقدير، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها. وله أسماء يستحبُّ الاقتداء بها في معانيها؛ كالكريم والعَفُو؛ فيسحب للعبد أن يتحلى بمعانيها؛ ليؤدي حقَّ العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي.
وأمَّا الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها، ولو شارك المؤمن غيره في العَدِّ والحفظ، فإن المؤمن يَمتاز عنه بالإيمان والعمل بها» (^٣).
* * *
_________________
(١) «شأن الدعاء» (ص ٢٩).
(٢) «فتح الباري» (١١/ ٢٢٦).
(٣) «فتح الباري» (١٣/ ٣٩٠).
[ ٩٩ ]
قال المصنف ﵀:
«ولم يصح عن النبي ﷺ تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في «الفتاوى» (ص ٣٨٢، ج ٦) من مجموع ابن قاسم: «تَعْيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتِّفاق أهل المعرفة بحديثه»، وقال قبل ذلك (ص ٣٧٩): «إن الوليد ذكرها عن بعض شُيوخه الشاميين، كما جاء مُفَسَّرًا في بعض طُرق حديثه». اهـ. وقال ابن حجر في
«فتح الباري» (ص ٢١٥، ج ١١، ط. السلفية): «ليست العلة عند الشيخين (البخاري ومسلم) تفرُّد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج». اهـ.
* * *
الشرح
لم يَرد حديثٌ صحيح عن النبي ﷺ في تعيين التسعة والتسعين اسمًا، وأشهر ما عند الناس فيها هو حديث الترمذي الذي رواه الوليد بن مسلم، وحُفَّاظ أهل الحديث يقولون: إنَّ هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه؛ فهي مُدرجة في الحديث (^١).
ولذلك فإنَّ من الخطأ التعويل على هذا العَدِّ وقَصر الناس عليه؛ ففي الكتاب والسنة أسماء ليست في ذلك الحديث؛ مثل: اسم (الرَّب) و(المنان) و(السبوح) و(الوتر) و(الشافي)، وغيرها كثير (^٢).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٨٢).
(٢) المصدر السابق (٢٢/ ٤٨٢ - ٤٨٥).
[ ١٠٠ ]
وكذلك هناك أسماء في العدِّ الوارد في الحديث- لم تَثبت في النصوص، وهي محل نظر (^١).
وقال ابن عطية في «تفسيره»: «في سرد الأسماء نظر؛ فإنَّ بعضها ليس في القرآن ولا في الحديث الصحيح» (^٢).
وقال ابن حزم: «والأحاديث الواردة في سرد الأسماء ضعيفة؛ لا يصحُّ منها شيء أصلًا» (^٣).
وقال ابن القيم ﵀: «والصحيح: أنه- أي: العد- ليس مِنْ كلام النبي ﷺ» (^٤).
وقال ابن حَجر: «ورواية الوليد تُشعر بأن التعيين مُدرج» (^٥).
* * *
_________________
(١) «فتح الباري» (١١/ ٢١٥).
(٢) «فتح الباري» ١١/ ٢١٥ - ٢١٧).
(٣) «المحلى» (٨/ ٣١).
(٤) «مدارج السالكين» (٣/ ٤١٥).
(٥) «فتح الباري» (١١/ ٢١٦).
[ ١٠١ ]
قال المصنف ﵀:
«ولمَّا لم يصح تعيينها عن النَّبي ﷺ اختلف السلف فيه، ورُوِيَ عنهم في ذلك أنواع، وقد جمعتُ تِسعة وتسعين اسمًا مما ظهر لي من كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ.
فمن كتاب الله تعالى:
الله … الأحد … الأعلى … الأكرم … الإله … الأوَّل
والآخر … والظاهر … والباطن … البارئ … البَر … البصير
التَّوَّاب … الجبار … الحافظ … الحسيب … الحفيظ … الحَفِي
الحق … المبين … الحكيم … الحليم … الحميد … الحي
القيوم … الخبير … الخالق … الخلاق … الرءوف … الرحمن
الرحيم … الرزاق … الرقيب … السَّلام … السَّميع … الشاكر
الشكور … الشهيد … الصمد … العالم … العزيز … العظيم
العفو … العليم … العلي … الغفار … الغفور … الغني
الفتاح … القادر … القاهر … القدوس … القدير … القريب
القوي … القهار … الكبير … الكريم … اللطيف … المؤمن
المتعالي … المتكبر … المتين … المجيب … المجيد … المحيط
المصور … المقتدر … المُقيت … الملك … المليك … المولى
المهيمن … النصير … الواحد … الوارث … الواسع … الودود
الوكيل … الولي … الوهَّاب … - … - … -
[ ١٠٢ ]
ومن سُنَّة رسول الله ﷺ:
الجَميل … الجواد … الحَكَم … الحَي … الرَّب … الرفيق
السُّبُّوح … السيد … الشافي … الطيب … القابض … الباسط
المُقَدِّم … المُؤخر … المُحسن … المُعطي … المنان … الوتر
هذا ما اخترناه بالتتبع: واحد وثمانون اسمًا في كتاب الله تعالى، وثمانية عشر اسمًا في سنة رسول الله ﷺ، وإن كان عندنا تردُّد في إدخال (الحفي)؛، لأنه إنما ورد مُقيدًا في قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾، وما اخترناه فهو حسب علمنا وفهمنا، وفوق كل ذي علمٍ عليم، حتى يصل ذلك إلى عالم الغيب والشهادة ومن هو بكل شيءٍ عليم.
الشرح
قال ابنُ حَجَر ﵀: «إذا تقرَّرَ رُجحان أنَّ سرد الأسماء ليس مرفوعًا (^١)، فقد اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن مِنْ غير تقييد بعدد» (^٢).
نماذج لاجتهادات أهل العلم في جمع الأسماء الحسنى:
إذا تبيَّن أن الروايات في عدِّ الأسماء ليست من كلام النبي ﷺ، فإن الحقيقة التي يجب أن تُقرَّر في هذا المقام: أنَّ جميع ما ورد من جمع للأسماء الحسنى إنَّما هو من اجتهاد أهل العلم من خلال استقرائهم للنُّصوص، والملاحظ على تلك الاجتهادات ما يلي:
_________________
(١) أي: لم يثبت بدليل قويٍّ أنه من كلام النبي -ﷺ-.
(٢) المصدر السابق (١١/ ٢١٧).
[ ١٠٣ ]
١ - اقتصار الأغلب في جمعهم على عدِّ تسعةٍ وتسعين اسمًا من أسماء الله الحسنى، ولعلّ المقصود من هذا التّقيّد هوتحصيل الفضل الوارد في الحديث، إذ الفضل قد ورد فيمن أحصى هذا القدر من أسماء الله.
٢ - الاقتصار كذلك على تَتبُّع تلك الأسماء في سور القرآن الكريم فقط، دون الرُّجوع إلى السنة الصَّحيحة، ولعل السَّبب يرجع في ذلك إلى صعوبة تتبُّع ما ورد في السنة؛ إذ أنَّه يحتاج إلى جهدٍ في الاستقصاء، مع ملاحظة أن غالب مَنْ يعتني بعدِّ الأسماء يقتصرعلى عدٍّ تسعةٍ وتسعين- كما أسلفنا- لتحصيل فضل ما ورد في الحديث، وبما أنهم يستخرجون ذلك العدد من القرآن، فإنهم يَكتفون بذلك.
٣ - الاختلاف في العدِّ بين جمعٍ وآخر، ويَندر أن تجد اتِّفاقًا كليًّا بين جمعين؛ لأن الاستقراء قد يختلف من شخص لآخر، وكذلك الضابط في تعيين ما يَنطبق عليه شرط الاسم قد يختلف؛ فهناك مَنْ يتوسَّع، وهناك مَنْ يتقيَّد بشروط مُعيَّنة بحسب ما وصل إليه اجتهاد كلِّ واحد منهم.
ومن خلال استقراء أدلَّة الأسماء التي جُمِعَت مِنْ قِبَل العلماء، فإنَّه يمكن تصنيف تلك الأسماء على النَّحو التَّالي:
١ - أسماء وردت بصورة الاسم؛ إمَّا في القرآن والسنة معًا، أو في القرآن فقط، أو في السُّنَّة فقط.
٢ - أسماءٌ لم تَرد بصورة الاسم، وإنَّما وردت بالإضافة أو الاشتقاق، وبعضها قد يُؤخَذ من النُّصوص بضربٍ من التَّكلُّف.
٣ - أسماءٌ لا يصحُّ أن تُطلَق في باب الأسماء، ولا يصحُّ إيرادها في هذا الباب، وإن كانت قد ترجع إمَّا إلى باب الصِّفات أو باب الأخبار.
وسأعرض نماذج لجمع العلماء لتلك الأسماء، وقد اخترتُ ثمانية عشر جمعًا لعلماء من عصورٍ مختلفةٍ، ورتَّبت ذلك ترتيبًا زمنيًّا على النَّحو التالي:
[ ١٠٤ ]
١ - جمعُ جعفر الصَّادق (٨٥ - ١٤٨ هـ)، وقد ذُكِرَ ذلك الجمع في «فتح الباري» (١١/ ٢١٧).
٢ - جمعٌ لأبي زيد اللغويِّ، أقرَّه عليه سفيان بن عيينة (١٥٧ - ١٩٨ هـ)، وقد ذُكِرَ ذلك الجمع في «فتح الباري» (١١/ ٢١٧، ٢١٨).
٣ - جمعٌ لأبي سليمان؛ حمد بن محمد الخطَّابيِّ (٣١٩ - ٣٨٨ هـ)، أورده في كتابه «شأن الدُّعاء».
٤ - جمعٌ للحافظ محمد بن إسحاق بن منده (٣١٥ - ٣٩٥ هـ)، أورده في كتابه «التَّوحيد»، الجزء الثاني.
٥ - جمعٌ لأبي عبد الله؛ الحسين بن الحسن الحليمي (٣٣٨ - ٤٠٣)، أورده في كتابه «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ١٨٨ - ١٥٩)، ووافقه على ذلك أبو بكر؛ أحمد بن الحسين البيهقي (٣٨٤ - ٤٥٨ هـ) في كتابه «الأسماء والصِّفات» (ص ٢٣ - ١١٨).
٦ - جمعٌ لأبي محمد؛ علي بن أحمد بن حزم (٣٨٤ - ٤٥٦ هـ)، أورده في كتابه «المحلى» (٨/ ٣١).
٧ - جمعٌ لقَوَّام السُّنَّة؛ إسماعيل بن محمَّد بن الفضل الأصبهانيِّ (٤٥٧ - ٥٣٥ هـ)، أورده في كتابه «الحُجَّة في بيان المحجَّة» (١/ ١١٤ - ١١٦)، علمًا بأنَّه لم يَقصد بذكره للأسماء جمع تلك الأسماء على سبيل الاستقصاء.
٨ - جمعٌ لأبي بكر؛ محمَّد بن عبد الله القرطبي، المشهور بابن العربي المالكي (٤٦٨ - ٥٤٣ هـ)، أورده في كتابه «أحكام القرآن» (٢/ ٨٠٨ - ٨١٥).
٩ - جمعٌ لأبي عبد الله؛ محمَّد بن أحمد الأنصاري القرطبي المُفسِّر (… - ٦٧١ هـ) في كتابه «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى»، مع العلم أنَّ الكتاب مخطوطٌ وهو ناقصٌ، وقد أكملت النَّقص من كتاب «تلخيص الحبير» لابن حجر كما عزاه إلى القُرطبيِّ.
١٠ - جمعٌ لأبي عبد الله؛ محمَّد بن أبي بكر الدِّمشقي، المعروف بابن
[ ١٠٥ ]
قيم الجوزيَّة، المتوفى سنة (٧٥١ هـ)، وقد اسخلصت هذا الجمع من نُونيَّته المسمَّاة: «الكافية الشَّافية في الانتصار للفرقة النّاجيه»، وكذا من كتاب «مدارج السّالكين»، وكتاب «بدائع الفوائد».
١١ - جمعٌ لمحمد بن المرتضى اليماني، المعروف بابن الوزير، المتوفَّى سنة (٨٤٠ هـ) في كتابه «إيثار الحقِّ على الخلق» (ص ١٧١، ١٧٢).
١٢ - جمع لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) في كتابه «فتح الباري» (١١/ ٢١٩).
١٣ - جمع لعبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، المتوفى سنة (١٣٧٦ هـ) في كتابه «تيسير الكريم الرَّحمن في تفسيركلام المنَّان» (٦/ ٢٩٨ - ٣٠٥).
١٤ - جمع لمحمد بن صالح بن عثيمين في كتابه «القواعد المُثلَى»، وهو المذكور هنا في هذا «المتن» الذي نحن بصدد شرحه.
١٥ - جمعٌ لسعيد بن عليِّ القحطانيِّ- وهو من طلبةِ العلم المعاصرين- في كتابه «شرح الأسماء الحسنى في ضوء الكتاب والسُّنَّة».
١٦ - جمع لمحمَّد بن حمد الحمود- وهو من طلبة العلم المعاصرين- في كتابه «المنهج الأسمَى في شرح أسماء الله الحسنى».
١٧ - جمعٌ لأحمد بن عبده الشَّرباصيّ- مِنْ مشايخ مصر- في كتابه «موسوعة الأسماء الحسنى».
١٨ - جمعٌ لنُور الحُسن خان ابن الشَّيخ محمَّد صِدِّيق حَسن خان- من مشايخ الهند- في كتابه «الجوائز والصِّلات من جمع الأسامي والصِّفات» (^١).
ثم قال المصنف بعد جمعه الخاص للأسماء الحسنى- قال: «وإن كان عندنا تردُّد في إدخال (الحفي)؛، لأنه إنما ورد مُقيدًا في قوله تعالى عن
_________________
(١) للاستزادة عن هذه الجموع .. راجع كتابنا «معتقد أهل السنة والجماعة في الأسماء الحسنى» (ص ١٢١) وما بعدها.
[ ١٠٦ ]
إبراهيم: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾»، وقال في الشرح: «وهذا في الحقيقة عندي فيه شيء من التردد؛ لأنه قد يقال بأنه من الأفعال، وليس من الأسماء؛ لوردوه مقيدًا، فإنه قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾» (^١).
وكذلك ذكر اسمَ (الحَفي) في جمعه: ابنُ العربي، والقرطبيُّ، وابنُ حَجَر، وابنُ الوزير، والشرباصيُّ.
_________________
(١) «المجلى شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ٧٤).
[ ١٠٧ ]
قال المصنف المصنف ﵀:
«لم نذكر الأسماء المضافة، مثل: رب العالمين، وعالم الغيب والشهادة، وبديع السموات والأرض، وهي كثيرة؛ لأنه لم يتبين لنا أنها مرادة، والعلم عند الله» (^١).
ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى اعتبار الأسماء المضافة وعَدِّها من ضمن الأسماء الحسنى؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في: «وكذلك أسماؤه المضافة؛ مثل: أرحم الراحمين، وخير الغافرين، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وأحسن الخالقين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومُقلب القلوب، وغير ذلك مما ثَبت في الكتاب والسنة، وثبت الدعاء بها بإجماع المسلمين» (^٢).
والعلماء في عدِّهم لهذه الأسماء ما بين مُقِلٍّ ومُكثرٍ؛ فبعض تلك الأسماء التي عَدُّوها إضافتها واضحة في النُّصوص، والبعض منها لا تدلُّ النُّصوص صراحة على إضافتها.
* * *
_________________
(١) القواعد المثلى طبعة مؤسسة الشيخ ابن عثيمين، صفحة (٢٢)، الحاشية رقم (١)
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٨٥).
[ ١٠٨ ]
قال المصنف ﵀:
«القاعدة السابعة
الإلحاد في أسماء الله- تعالى- هو الميل بها عمَّا يجب فيها، وهو أنواع:
الأول: أن يُنكِر شيئًا منها، أو ممَّا دَلَّت عليه الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم. وإنَّما كان ذلك إلحادًا لوجوب الإيمان بها، وبما دلَّت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك مَيْلٌ بها عمَّا يجب فيها.
الثاني: أن يجعلها دالَّة على صفات تُشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأنَّ التشبيه معنى باطل لا يُمكن أن تدل عليه النُّصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجعلها دالة عليه ميل بها عمَّا يجب فيها.
الثالث: أن يُسَمَّى الله- تعالى- بما لم يُسَمِّ به نفسه؛ كتسمية النَّصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إيَّاه: (العِلَّة الفاعلة)، وذلك لأنَّ أسماء الله تعالى توقيفية، فتسمية الله- تعالى- بما لم يُسَم به نفسه مَيْلٌ بها عمَّا يجب فيها، كما أنَّ هذه الأسماء التي سَمَّوه بها نفسها باطلة، يُنَزَّه الله تعالى عنها.
الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العُزَّى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله،
[ ١٠٩ ]
شرح القاعدة
على أحد القولين؛ فسموا بها أصنامهم، وذلك لأن أسماء الله- تعالى- مختصة به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وقوله: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، فكما اختص بالعبادة وبالألوهية الحق، وبأنه يُسَبِّح له ما في السماوات والأرض، فهو مختص بالأسماء الحسنى، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختصُّ بالله ﷿ ميلٌ بها عما يجب فيها.
والإلحاد بجميع أنواعه مُحَرَّم؛ لأنَّ الله- تعالى- هَدَّدَ الملحدين بقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ومنه ما يكون شركًا أو كفرًا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية».
* * *
الشرح
الإلحاد في أسمائه: هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحقِّ الثابت لها.
والإلحاد مأخوذ من المَيل، كما يدل عليه مادته (ل- ح- د)؛ فمنه: اللحد، وهو الشَّق في جانب القبر الذي قد مال عن الوَسط.
ومنه المُلحد في الدين: المائل عن الحقِّ إلى الباطل؛ قال ابن السِّكِّيت: «الملحد: المائل عن الحقِّ المُدخِلُ فيه ما ليس فيه (^١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَأنه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - قال الإمام البغوي: «قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩).
[ ١١٠ ]
لم يَتَسَمَّ به، ولم ينطق به كتابُ الله ولا سُنَّة رسوله ﷺ» (^١).
وقال ابن حجر: «قال أهل التفسير: مِنْ الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم يَرد في الكتاب أو السنة الصحيحة» (^٢).
والإلحاد في أسمائه تعالى أنواع.
أحدها: أن يسمى الأصنام بها؛ كتَسميتهم اللات من الإلهيَّة، والعُزَّى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقة؛ فإنهم عَدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة (^٣).
قال ابن عباس ومجاهد: «عدلوا بأسماء الله تعالى عما هى عليه، فسموا بها أوثانهم؛ فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من الله، والعُزَّى من العزيز، ومَناة من المنَّان» (^٤).
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله؛ كتسمية النصارى له أبًا، وتسمية الفلاسفة له: مُوجبًا بذاته أو علَّةً فاعلةً بالطبع، ونحو ذلك (^٥)؛ وذلك لأنَّ أسماء الله- تعالى- توقيفية، فتسميته تعالى بما لم يُسَم به نفسه ميلٌ بها عما يجب فيها، كما أنَّ هذه الأسماء التي سَموه بها نفسها باطلة يُنزه الله تعالى عنها.
قال ابن حزم: «مَنع تعالى أن يُسَمَّى إلا بأسمائه الحسنى، وأخبر أنَّ مَنْ سَمَّاه بغيرها فقد ألحد» (^٦).
وفي قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن جعله تسبيحًا للاسم يقول: المعنى: إنَّك لا تسم به غير الله، ولا تُلحد في أسمائه، فهذا ما يستحقُّه اسم الله» (^٧).
_________________
(١) «معالم التنزيل» (٣/ ٣٥٧).
(٢) «فتح الباري» (١١/ ٢٢١).
(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩).
(٤) «مدارج السالكين» (١/ ٣٠).
(٥) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩).
(٦) «المحلى» (١/ ٢٩).
(٧) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٩٩).
[ ١١١ ]
فأسماء الله توقيفية، ومخالفة ذلك وتسميته تعالى بما لم يُسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها؛ فالإقدام على فِعل شي من ذلك هو نوع من الإلحاد في أسماء الله.
الثالث: أن ينكر شيئًا منها أو ممَّا دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم، وإنما كان ذلك إلحادًا لوجوب الإيمان بها، وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.
قال ابن القيم: «ومِن الإلحاد في أسمائه: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول مَنْ يقوله من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معان، فيُطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرَّحيم والمتكلم والمريد، ويقولون: لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به، وهذا مِنْ أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغة وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها؛ فكلاهما ملحد في أسمائه، ثم الجهمية وفروخهم مُتفاوتون في هذا الإلحاد؛ فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب، وكل مَنْ جحد شيئًا مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك؛ فليستقلل أو لِيستكثر» (^١).
فالمعتزلة ضلوا؛ لأنهم نفوا معاني أسماء الله الحُسنى، وادعوا أنَّها كالأعلام المحضة التي لم تُوضع لمسمَّاها باعتبار معنى قائم به، وقالوا: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عِزَّة وهكذا، وعلَّلوا ذلك: بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدُّد القدماء.
وهذه العلة عليلةٌ بل ميتة؛ لدلالة السمع والعقل على بطلانها.
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩، ١٧٠).
[ ١١٢ ]
أمَّا السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنَّه الواحد الأحد، فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ١ - ٥].
وأما العقل، فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي صفاتُ مَنْ اتصف بها، فهي قائمة به، وكل موجود فلابد له من تعدُّد صفاته (^١).
ومن المكابرة الصريحة والبُهت البيِّن: أن يُجعل معنى اسمه (القدير) هو معنى اسمه (السميع)، أو (البصير).
الرابع: أن يجعلها دالَّة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه؛ وذلك لأنَّ التشبيه معنى باطل لا يُمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجَعْلُها دالة عليه ميل بها عما يجب فيها.
قال ابن القيم: «ومِن الإلحاد في أسمائه: تشبيه صفاته بصفات خلقه- تعالى الله عما يقول المشبِّهون علوًّا كبيرًا- فهذا الإلحاد في مقابل إلحاد المعطلة؛ فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها، وهؤلاء شَبَّهوها بصفات خلقه، فَجَمَعَهُم الإلحادُ وتفرَّقت بهم طُرُقُه، وبرَّأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يَصفوه إلا بما وصف به نفسه، لم يجحدوا صفاته، ولم يُشبهوها بصفات خلقه، ولم يَعدلوا بها عما أُنزِلَت عليه لفظًا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات؛ فكان إثباتهم بريًّا من التَّشبيه، وتنزيههم خليًّا من التعطيل، لا كمن شَبَّه حتى كأنه يَعبد صنمًا، أو عَطَّل حتى كأنه لا يعبد إلا عدمًا، وأهل السنة وسطٌ في
_________________
(١) «القواعد المثلى» (ص ٨).
[ ١١٣ ]
النِّحَلِ، كما أنَّ أهل الإسلام وسطٌ في المِلل» (^١).
وقال ﵀: «قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ومِن أعظم أنواع الإلحاد في أسمائه: إنكار حقائقها ومعانيها، والتَّصريح بأنها مجازات، وهو أنواع هذا أحدها.
والثاني: جَحدها وإنكارها بالكلية.
والثالث: تشبيهه فيها بصفات المخلوقين ومعاني أسمائه، وأن الثابت له منها مماثل لخلقه» (^٢).
واسمع إلى أبيات يُحَذِّر فيها ابنُ القَيِّم من الإلحاد؛ حيث يقول:
أسماؤه أوصافُ مَدْحٍ كلِّها … مُشتقة قد حُمِّلت لمعان
إيَّاك والإلحاد فيها إنه … كفر مَعاذ الله مِنْ كفران
وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالإ … شراك والتَّعطيل والنُّكران
فالمُلحدون إذًا ثلاث طوائف … فعليهم غضبٌ من الرحمن
المشركون؛ لأنَّهم سموا بها … أوثانهم قالوا: إله ثان
هم شَبَّهوا المخلوق بالخلَّاق عكـ … سَ مُشبه الخَلَّاق بالإنسان
وكذاك أهل الاتحاد فإنَّهم … إخوانهم مِنْ أقرب الإخوان
والملحد الثاني فذو التَّعطيل إذ … ينفي حقائقها بلا برهان
هذا وثالثهم فنافيها ونا … في ما تدل عليه بالبهتان
ذا جاحد الرحمن رأسًا لم يُقِ … ر بخالق أبدًا ولا رحمن
هذا هو الإلحاد فاحذره لعل اللـ … ـه أن يُنجيك من نيران
وتفوز بالزُّلفى لديه وجَنَّة المَـ … أوى مِنْ الغفران والرِّضوان (^٣)
ومِن خلال ما سبق يتضح: أنَّ الإلحاد دائر بين التَّعطيل والتمثيل، فلابد للنَّجاة من الإلحاد والسلامة منه أن نَحذر مِنْ هذين الداءين، وذلك بالبُعد
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٧٠).
(٢) «مختصر الصواعق» (٢/ ١١٠).
(٣) «القصيدة النونية» (ص ١٥٤، ١٥٦).
[ ١١٤ ]
منهما أشد البُعد؛ لأنه بجميع أنواعه مُحَرَّم؛ فالله سبحانه تعالى قد هَدَّدَ المُلحدين بقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ومن الإلحاد ما يكون شركًا أو كفرًا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية.
[ ١١٥ ]
شرح القاعدة
قال المصنف ﵀: