من عقيدة أهل السنة أنهم يثبتون لله صفة الوجه واليدين، وهم يخالفون بذلك المعطلة الذين يقولون: إن اليد تؤول بالنعمة أو القوة، كما يثبتون لله صفة المكر والكيد بالكافرين على وجه يخالفون فيه طائفتين على طرفي نقيض، إذ الطائفة الأولى تقول: إن المكر والكيد من صفات المقابلة. بينما الطائفة الأخرى تقول: إنها من الصفات المطلقة.
[ ١٠ / ١ ]
إثبات الصفات الخبرية
[ ١٠ / ٢ ]
إثبات صفة الوجه
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]].
المقصود بذكر وجهه ﷾: أنه يبقى ربك، وهذا ليس من التأويل، والوجه يذكر في اللغة ويراد به الجهة، ويذكر في اللغة ويراد به الصفة، ويذكر في اللغة ويراد به الذات، ولهذا مقصود قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) بقاؤه ﷾.
وإذا قيل: إن المقصود بقاؤه، فليس معنى هذا أننا فسرنا الوجه بالذات ولم نفسره بالصفة، بل تفسيره ببقائه ﷾ هو إثبات لذاته وإثبات لصفته، ولهذا إذا قيل: ما معنى قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)؟ قيل معناها: ويبقى ربك، فإذا قيل: هل هذه الآية دليل على إثبات صفة الوجه له؟ فالجواب: نعم.
وأما قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] فالمراد الجهة.
والآية تدل كذلك على إثبات الوجه، فإن القاعدة: [أن ما صح ذكره على المعنى الذي يسميه المتأخرون مجازًا، وهو المعنى المشترك، فلا بد أنه منقول بالحقيقة من جهة الأصل].
ولهذا جعل أهل السنة من أدلة صفة اليدين قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة:٦٤] مع أن السياق لم يأتِ على ذكر الصفة من أصلها.
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]].
ومعنى هذه الآية كمعنى الآية السابقة أي: كل شيء هالك إلا هو ﷾، وفيها إثبات لصفة الوجه.
[ ١٠ / ٣ ]
إثبات صفة اليدين
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]].
هذه تثنية مضافة، ومما يثبته أهل السنة أن الله موصوف باليدين، وأن له يدين تليقان بجلاله ﷾، والقاعدة فيها كالقاعدة في سائر الصفات، وتأولها المخالف بالنعمة أو بالقدرة أو بالقوة، وهذه المعاني وإن كان أصلها يستعمل للفظ اليد في اللغة، إلا أن السياق هنا يمنع أن تفسر بذلك، لأن اليد هنا ذكرت مثناة ومضافة، والعرب إذا ذكرت اليد على سبيل التثنية المضافة، لم ترد إلا الصفة، ولا تريد القوة والنعمة وأمثالها.
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]].
هذه الآية دليل على إثبات صفة اليد له ﷾، وهنا ينبه إلى أنه في مقام التقريب لأسماء الله ﷾ وصفاته لا يجوز أن يقال: إن اليهود كانوا مثبتين للصفات أكثر من إثبات المعتزلة أو من إثبات بعض أهل القبلة من المسلمين، فإن هذا الكلام قد يستعمله بعض من يريد الرد على المخالفين لأهل السنة والجماعة من أهل البدع.
أيضًا إذا نظرت إلى الجاهليين من العرب، وجدت أنهم لم يعارضوا الرسول ﷺ في باب الصفات، وأقروا بجملة هذا الباب، ولم ينقل عنهم معارضة في تفسيره، ولكن هذا الإقرار العام والمجمل لا يلزم أن يكون محققًا على السنة والجماعة وطرق الأنبياء وما إلى ذلك، فهذا فيه تعذر كثير.
هذا إذا ذكر في شأن الجاهليين من العرب فإن الأمر يكون سهلًا ومقاربًا، وأما إذا ذكر ذلك في شأن اليهود وأن اليهود كانوا مثبتين للصفات على التحقيق، وأنهم كانوا مقرين بها ولم يحرفوها ولم يخالفوها، فهذا فيه كثير من التكلف، وقد قالت اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨١] وأسقطوا أصل الكمال الذي يتصف الرب به ﷾، وإذا أسقطوا أصل الكمال، فمن باب أولى أن يسقطوا تفصيله.
أما المخالفون من المسلمين فإنهم يقرون بأصل كمال الرب، وأنه مستحق للكمال منزه عن النقص.
وطالب العلم من أهل السنة ليس بحاجة إلى أن يفضل أقوال الكفار على أقوال بعض المسلمين، فإنها وإن فضلت من وجه، إلا أنها شرٌ من أوجه أخرى، والتفضيل المطلق هو المعتبر في الحكم والقياس، وأما التفضيل من وجه فهذا ليس له حكم؛ لأن الأحكام لا تضطرب.
ولهذا ما قاله الإمام ابن القيم ﵀ فيه نوع من الزيادة فيما يظهر -والله أعلم- وذلك في قوله:
إن المعطل بالغواية معلنٌ والمشركون أخف في الكفران
فهذا لا يظهر تحقيقه، ولا شك أن المسلمين -مع ما فيهم من البدع- أقرب إلى السنة والقرآن من أهل الكفر.
وأما غلاة أهل البدع الذين وصفهم الأئمة بالزندقة، فمن ثبتت زندقته وإلحاده وخروجه عند السلف من الشريعة والديانة والملة، فهذا لا يمنع أن يكون قوله أشد كفرًا وضلالًا ومباينة لمقاصد الأنبياء ورسالتهم من قول طائفة من أهل الكتاب أو طائفة من المشركين.
ولهذا نقول: إن المعتزلة -مثلًا- وإن تأولوا الصفات إلا أنهم لا ينفونها، بل يثبتون أحكامها، فإنه ليس هناك طائفة من طوائف المسلمين تنفي أحكام الصفات؛ فالمعتزلة وإن كانت لا تثبت قيام صفة العلم بذات الرب، وهذه بدعةٌ ليست سهلة، بل هي بدعة كفرية ولا شك، إلا أنهم يثبتون حكم العلم لله ﷾، وجميع المسلمين من أهل السنة وغيرهم يؤمنون بـ ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٣١] وإن قالت المعتزلة: إن العلم ليس صفةً مختصةً بذاته، بل هو عليم بذاته، وليس عليمًا بعلم، هذا هو محل الخلاف عندهم، أما أن أحدًا ينكر أن الله عليم فلا.
ولو أنكر المعتزلة ذلك وجردوا الرب عن العلم؛ بمعنى أنهم وصفوه بمقابله أو قالوا: إن الله ليس بعليم، لصح لنا أن نقول: إن اليهود والنصارى ومشركي العرب أخف كفرًا من هؤلاء.
لكنهم يثبتون أحكام الصفة، ويرون كفر من أنكر حكم الصفة، ويكفرون من قال: إن الله لا يعلم الأشياء كليها أو جزئيها، ولهذا كفرت المعتزلة غلاة القدرية، مع أن المعتزلة هم القدرية، إلا أنهم كفروا الغالية الذين ينكرون علم الرب.
إذًا: الخلاف عندهم هل العلم صفة لله أم أنه عليم بذاته؟ هذا هو محل الجدل مع هؤلاء، وإن كان لا يسهّل في أقوالهم، إلا أنه ينبغي أن توزن بميزان الحق، ولا يخفف من كفر بعض الكفار؛ لأن اليهود قالوا: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ) وقالوا: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) والنصارى قالوا: (إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) وقالوا: (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) وقالت اليهود: إن الله استراح يوم السبت ..
إلى آخر ذلك.
وهذا لم يخطر بقلب مسلم من المسلمين لا من أهل البدعة ولا من أهل السنة، فينبغي أن تقرب الأقوال إلى حقائقها.
[ ١٠ / ٤ ]
إثبات صفة البصر وصفة العين
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] وقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]].
صفة العين ذكرت في القرآن جمعًا وذكرت مفردةً ولم تذكر مثناة كصفة اليدين، ومن طرق أهل السنة والجماعة إثبات البصر له ﷾؛ فإن هذا صريح في كلام الله ﷾، وإثبات العين له ﷾، وأما تخصيصها بأكثر من ذلك، فإن هذا لم تنطق به النصوص.
[ ١٠ / ٥ ]
إثبات صفة السمع وأن الله يسمع ويرى
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]].
في هذه الآية إثبات للسمع، وهي وأمثالها تكذب قول المعتزلة الذين قالوا: إنه سميع بذاته، وليس سميعًا بسمع، فالآية صريحة بإثبات الفعل في قوله تعالى: (يسمع) فدل على أنه سميع بسمع، وهو لائق به ﷾، وهذا أيضًا يغلط قول أبي محمد ابن حزم ﵀، فإنه قال قريبًا من قول المعتزلة.
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] (بَلَى وَرُسُلُنَا): المراد بالرسل هنا الملائكة].
وهذا فيه إثبات لسمعه ﷾، وأنه لا يعزب عنه شيء.
ولما ذكر الله ﷾ سمعه علقه بالسر والنجوى، فدل على غيره من باب أولى، ولما ذكر علمه ﷾ علقه بما في الصدور، وهذا يدل على أن المراد من صفة السمع الحقيقة؛ لأن الله ﷾ لو أراد بسمعه العلم، لما كان هذا خاصًا بالسر والنجوى، ولهذا فرق ﷾ بين الصفات، فحين ذكر علمه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩] وحين ذكر سمعه جعله في أدنى متعلقات السمع، وهما السر والنجوى، فدل على أن السمع هنا يراد به السمع على حقيقته.
ولهذا صار أخص متعلقاته في القرآن السر والنجوى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ).
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]].
وهذا كذلك، ولهذا لما ذكر الله سبحانه معيته جعلها مضافة إلى موسى وهارون، فإن السياق في ذكرهما، وهذه هي معيته الخاصة ﷾ المتضمنة لنصره وتأييده، والسمع هنا ذكر مطلقًا غير مقيد، وكذلك الرؤية ذكرت مطلقةً غير مقيدة.
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]].
وهذا إثبات لرؤيته وبصره ﷾.
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢٢٠]، وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]].
(فَسَيَرَى اللَّهُ): هل المقصود هنا الرؤيا العلمية أو الرؤية البصرية؟ هذا من جهة اعتبار اللغة له اعتبار، لكن من جهة اعتبار الشرع يقال: إن الآية عامة، (فَسَيَرَى اللَّهُ): أي يعلم الله ﷾ عملكم ويبصره.
[ ١٠ / ٦ ]
إثبات أن الله شديد المحال
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣]].
قوله: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ): الْمِحَالِ: أي القوة، وفسره بعضهم في بعض مختصرات الشروح لهذه الرسالة: فقال: شديد المحال أي: شديد الأخذ بالعقوبة، وهذا فيه تقصير في تفسير الآية، فإن (الْمِحَالِ) هو أشد القوة في كلام العرب، وقوله: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ): أي شديد القوة، سواء كانت هذه القوة أخذًا بالعقوبة أو حكمًا كونيًا آخر.
[ ١٠ / ٧ ]
إثبات مكر الله بالكافرين وكيده لهم
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠] وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]].
هذا إثبات لمكره ﷾ بالكفار كما في قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] وهذا النوع من الصفات لا يجوز أن يذكر في حق الله مطلقًا، وإنما يذكر كما ذكره الله، وهذا هو وجه كماله، أما إذا ذكر مطلقًا، فإن هذا ليس من الكمال في مقتضى العقل ومقتضى الفطرة.
وهناك طريقة يستعملها بعض أهل السنة، وهي أنهم يقولون: ذكر صفة المكر هو من باب المقابلة، وهذا التعبير لا أصل له في القرآن ولا في السنة ولا حتى في كلام الصحابة، وكأن فيه تضييقًا لمعنى الآية أو لمعنى الصفة، كما أن من جعل المكر صفةً مطلقة قد وسع ما لم تدل الآية على توسعته.
ففيما يظهر أن قولهم: (إن هذا على سبيل المقابلة) ليس فاضلًا؛ لأنه يوحي بقدرٍ من التضييق لمعنى الصفة، فكأن معناه على قولهم: أنه لا يمكر إلا عند مكرهم، فإذا مكروا مكر بهم، وهذا لا يلزم في وصف الله ﷾، والآية لم تدل عليه، فإن الله يقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، فجعل الفعل من جهته مستقلًا، والفعل من جهتهم مستقلًا، والمقابلة إنما يصح ادعاؤها على مثل سياق: (فإذا مكروا مكرنا) أو (فإذا مكروا مكر الله بهم) هذا هو الذي يكون من باب المقابلة.
فإن المقابلة كمصطلح كأنها بمعنى الشرط في كلام أهل اللغة، والمشروط لا بد من وجود شرطه، وهذا فيه تضييق للآية أو للصفة؛ فإن القرآن ذكرها مختصة، ولكنها في سياقٍ مقيد، فهذا هو الوسط في فقه الآية، وهو الصواب، وهو الذي يجب التزامه؛ لأن هذا هو الذي ذكر في الآية.
فلا يقال أن هذا من باب المقابلة، لأنه يفهم منه أن هذا الصفة لا تقع إلا بعد وقوعها منهم، وهذا ليس بلازم، ومن قال هذا فقد تكلف ذكر ما لم تذكره النصوص ولا تقتضيه أصول الكمال الذي يتصف الرب به، فلا يقال أنها من باب المقابلة، كما لا يقال أنها صفةٌ مطلقة كصفة العلم، بل يقال: إن الله ﷾ يمكر، ومكره ﷾ يكون بالكفار؛ قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠].
والفاضل في مثل هذه الصفات أنها إذا ذكرت بتقرير من المتكلم: أن تذكر ويذكر سياق الآية معها، فيقال مثلًا: ومن صفاته أنه يمكر بالكافرين، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] ومن صفاته أنه يكيد لأعدائه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦].
فإذا قال قائل: وإذا أردنا أن نذكر مثل هذه الصفات دون ذكرٍ للشواهد، إنما أردنا أن نقرر كلامًا مختصرًا، قيل: هذه قلة أدب وتكلف، ولا أحد يلزمك أن تذكر ذلك بدون ذكر الآية، ومثل هذه الأسئلة لا يلزم أن تجيب عنها كما يريد السائل، بل يكون الجواب أنه يجب أن تلتزم السنة.
فلما كانت الآية قد تشكل على بعض العامة كان الصواب والشرع أن تذكر ويذكر سياقها من كلام الرب ﷾؛ فإن هذا هو الأعدل.
ويلاحظ أحيانًا حتى على بعض طلبة العلم ولا سيما الشباب المبتدئين في تعلم العقيدة السلفية، أنهم أحيانًا يتكلفون في تقرير بعض الصفات وفي أوجهها، ويوردون عليها كثيرًا من الأسئلة ثم تجد أن هذه الأسئلة يكون فيها تسلسلٌ يطرد، وهذا ينافي الهدي الذي كان عليه السلف ﵏، من حيث التعظيم لكلام الله ﷾ حتى في غير هذا الباب، فكيف إذا كان هذا في باب أسماء الرب ﷾ وصفاته الذي ينبغي أن يحفظ على قدر من التوقف؟! وإلا فما معنى قولنا: أن السلف يجعلون هذا الباب من الأبواب التوقيفية؟ فهو توقيف في أصله وتوقيف في التعبير عنه، وليس معنى ذلك أن لا يعبر بالمعاني المناسبة لتفسير الآيات! كلا.
ولكن يجب أن يكون المعنى الذي تفسر به الآية موافقًا لسياقها، وألا يكون فيه خروج عن مادة السياق.
[ ١٠ / ٨ ]
إثبات صفة العفو والمغفرة
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩]، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]].
هذا إثبات لمغفرة الله سبحانه وعفوه.
[ ١٠ / ٩ ]
إثبات صفة العزة
[وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] وقوله: عن إبليس، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]].
في هذه الآية أضاف الله ﷾ العزة إلى نفسه، وأضافها إلى رسوله، وأضافها إلى المؤمنين، فالعزة المطلقة هي حق لله ﷾ وحده، ولهذا ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن النبي ﵌ (قال الله تعالى: العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني عذبته).
فالعزة المطلقة: هي لله ﷾، كما أن الحجة البالغة تكون لله ﷾، وإن كان العباد من المرسلين والأنبياء والعلماء لهم حجة، ولهم عزة؛ لكن العزة المطلقة تكون لله ﷾، وهي التي لا تغلب ولا تقهر وما إلى ذلك.
[ ١٠ / ١٠ ]
تنزيه الله عن السمي والكفء والند والولد والشريك
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]].
(فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) أي: لما كان سبحانه لا سمي له، دل على أنه هو وحده المستحق للعبادة، وهذا من إثبات توحيد العبادة، بذكر توحيد الربوبية.
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]].
وهذا اسمه الذي وصفه الله بكونه تبارك، هو أسماؤه ﷾، فليس المراد اسم الرب فحسب، بل ذلك يتعلق بسائر أسمائه، فإن سائر أسمائه تلحقها هذه الصفة، وهذا التعظيم الذي ذكره الله في قوله: (تَبَارَكَ).
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]].
لِمَ ذكر المصنف هذه الآية (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ) مع أنه ليس فيها إثبات لصفة من صفات الله؟
الجواب: أن هذا من باب التنزيه، وفيها إثبات لاسم الله ﷾ وما يقتضيه من المعنى، فذكرها المصنف من باب التنزيه، فإن الله منزهٌ عما لا يليق به ﷾ في أسمائه وصفاته وفي أفعاله وفي عبوديته.
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]].
من حكمته تعالى أنه لما ذكر الولد نفاه ولما ذكر الشريك نفاه، ولما ذكر الولي نفاه عن تقييد، قال: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ)، فإن الولي ثابت في مثل قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] ومثل قول النبي عن ربه: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب)، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٥٥] فهذه الولاية لم تكن من الذل، والذي نفي هنا أن يكون له ﷾ وليٌ من الذل.
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١]].
هذا مستفتح يكثر ذكره في القرآن، ولا سيما في مفصله، (يسبح) أو (سبح) يقول الله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) وقد كثر كلام المفسرين حول هذا التسبيح ومعناه، فمنهم من قال: إنه سكونها، ومنهم من قال: أنها حصلت بأمره، وبقوله: كن، فكانت، ومنهم من قال: إن تسبيحها هو أنها جاءته طوعًا إلى غير ذلك من التفاسير.
والحق أن ذلك لو رد إلى آية في كتاب الله لكان أجود، ولكان هو الأهدى، فإن من باب تفسير القرآن بعضه ببعض.
والآية التي ينبغي أن ترد إليها هذه الآيات هي قوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤].
ووجه الرد إليها أن فيها قوله تعالى: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، فدل على أن الآيات أريد بها الخبر المحض، والتصديق المحض، وأما المعنى الذي يراد به التسبيح، فإننا لا نعلمه، ولا يستلزم هذا أن ما ذكره بعض السلف في تسبيح هذه المخلوقات يكون غلطًا؛ فإن العلم بوجه من أوجه التسبيح لا يستلزم العلم بمطلقه، وعدم العلم بمفصله لا يستلزم عدم العلم بشيءٍ من مجمله.
فلا شك أن ثمة أوجهًا من تسبيح هذه المخلوقات معلوم، وأما تفصيل ذلك، فلا أحد يعلمه، بل هو من علم الله ﷾ لقوله تعالى: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) وإذا كان الله تعالى يقول: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) فلا يجوز لأحدٍ بعد ذلك أن يتكلف فقهًا يفسر به المراد بالتسبيح جميعه.
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:١ - ٢] وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١ - ٩٢]].
الآية الأولى فيها تنزيه لله ﷾ وإثبات لكماله، وأنه نزل الفرقان: أي القرآن، وإنما سمي كذلك؛ لأن الله فرق به بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال.
(عَلَى عَبْدِهِ) على نبيه ﷺ.
(لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ) المراد بهم هنا أهل التكليف من الإنس والجن.
(نَذِيرًا) أي: منذرًا لهم من شر كفرهم وضلالهم وبغيهم.
وأما قوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) فهذه الآية عني أهل الكلام بذكرها، فإنهم لما ذكروا أصل المعرفة المتعلقة بوجود الله، بنوا ذلك على دليلٍ سموه في كتبهم دليل التمانع، وهذا معروف في علم الكلام، وزعموا أن دليل التمانع هذا هو المذكور في قول الله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
وهذا الربط بين ما يسمى عند المتكلمين بدليل التمانع وبين هذه الآية لا شك أنه غلط.
والمتقدمون من السلف ما عنوا بدليل التمانع؛ لم يقولوا به ولم يبطلوه، لأنهم لم يشتغلوا بالنظر في كلام مخالفيهم، وإنما عارضوا مخالفيهم بالنصوص فحسب، لكن من ذكره من أهل السنة فيما بعد وأرادوا الرد على أهله، انقسموا إلى قسمين:
بعض أهل السنة المتأخرين قالوا: إن دليل التمانع دليل باطل، وإن الحق هو الدليل المذكور في القرآن، وفرقوا بين دليل التمانع وبين هذه الآية تفريقًا مطلقًا يستلزم إبطال دليل التمانع.
طائفة من أهل السنة صححوا دليل التمانع، ولكنهم قالوا: إنه دليلٌ فيه إجمالٌ وقصور، وليس مناسبًا لمفصل ما ذكر في القرآن.
والصواب: أنه دليل قاصر؛ لما فيه من الإجمال، وإلا فإن أصله صحيح، ودليل التمانع تثبت به الجملة من الربوبية، ولكنه من الأدلة القاصرة المجملة، وليس هو من الأدلة الباطلة بطلانًا محضًا، ولا شك أنه ليس على معنى قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ).
إذًا: ثمة ثلاثة مسالك:
المسلك الأول: مسلك المتكلمين أهل هذا الدليل، فهؤلاء سووا بينه وبين قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) فهذه التسوية غلط.
المسلك الثاني: مسلك طائفة من محققي أهل السنة الذين تكلموا فيه كـ شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قالوا: إنه دليل قاصر مجمل، وليس هو معنى الآية، بل الآية أشرف من جهة الدلالة والاقتضاء، وهذا هو المنهج الصحيح.
المسلك الثالث: من فرق بينه وبين الآية فقال: إنه دليل باطل لا يصح، وهذا فيه قدر من الزيادة.
[ ١٠ / ١١ ]
اختصاص الله ﷾ بعلم الغيب
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩٢].
من خصائصه سبحانه تعالى: أنه عالم الغيب والشهادة، وأما غيره فإنه لا يعلم من الغيب إلا ما علَّمه الله ﷾ إياه، ولهذا كان علم الغيب من خصائص الرب ﷾؛ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٦] وقال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] وهذا العموم على إطلاقه، فلا أحد يعلم الغيب، لا الملائكة ولا الأنبياء، ولا محمد ﷺ؛ فضلًا عمن يسمون بالأولياء والأئمة والأغواث والأبدال وغير ذلك من مصطلحات التصوف، فلا أحد في السماوات أو في الأرض يعلم الغيب إلا الله ﷾.
ولا شك أن الملائكة والأنبياء علَّمهم الله طرفًا من غيبه، فهذا لا إشكال في إثباته، ولكن العلم بمفصل الغيب هو حق الله ﷾ الذي لا يصح لأحد أن يؤتيه الله إياه.
ولهذا من ادعى في مخلوقٍ سواء كان ملكًا أو رسولًا أو نبيًا أو صالحًا أو وليًا أنه يعلم غيب السماوات والأرض، فهذه الدعوى من أكفر الكفر وأعظم الشرك بالله ﷾ والإبطال لحقه ولعظمته ولربوبيته.
وكذلك قوله: (وَالشَّهَادَةِ) فلا أحد في السماوات والأرض يعلم الشهادة على إطلاقها، وإن كان عامة بني آدم وعامة من خلق الله يعلمون أشياء من الشهادة، فكل إنسان يعلم جزءًا من عالم الشهادة ..
يعلم جزءًا مما يتعلق بنفسه وجزءًا مما يدور حوله.
أما الإحاطة بعالم الشهادة فهو محض حق الله ﷾، فلا الجن ولا السحرة ولا الكهان يعلمون سائر موارد الشهادة.
[ ١٠ / ١٢ ]
حرمة القول على الله بغير علم
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]].
(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ) أي: أنه ﷾ ليس كمثله شيء لا يقاس بخلقه، بل له المثل الأعلى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠].
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]] في هذه الآية ذكر الله تعالى أصول المحرمات.
وقوله تعالى: (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) ليس من باب التقييد للشرك، كما قد يستشكل البعض، فإنه لا يمكن أن يكون على الشرك سلطانٌ أو برهان من الله، وإنما يذكر مثل هذا التقييد لكونه ملازمًا لحاله، وهذا من باب الإبطال لطرق المشركين: أن سائر شركهم بغير حجة وسلطان.
[ ١٠ / ١٣ ]