الأمة المحمدية هي الأمة الوسط بين الأمم، ومعلوم أن أحق طوائف المسلمين وأعدلهم بتحقيق شريعة النبي ﷺ هم أهل السنة والجماعة، إذ هم أوسط طوائف أهل القبلة، فهم عدول في أقوالهم وحكمهم وشهادتهم.
[ ١٢ / ١ ]
وسطية أهل السنة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم].
ومقصود المصنف بوسطية أهل السنة أنهم عدول خيار في أقوالهم، وفي حكمهم وشهادتهم.
وأما أن هذه الأمة وهي أمة النبي ﷺ وسط بين الأمم، فهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] ثم قال سبحانه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، فالوسطية التي وصفت بها هذه الأمة هي عدلها وعدل شريعتها، وعدل قيام أهلها بالشريعة، فلا توجد شريعة أعدل ولا أتم ولا أكمل من شريعة محمد ﷺ، ولا يوجد أصحاب وأتباع حققوا شريعة نبي كتحقيق أصحاب محمد ﷺ لشريعة نبيهم، وقد قال ﷺ: (لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق).
ولهذا فليس غريبًا أن يقول المصنف: (بل هم الوسط في فرق هذه الأمة) لأن هذه الأمة وهي أمة النبي ﷺ لما كانت وسطًا بين الأمم، فإنما وسطيتها هو بعدلها، وإقامتها لشريعة الرسول ﵌، ومعلوم أن أحق طوائف المسلمين وأعدلهم بتحقيق شريعة النبي ﷺ هم أهل السنة والجماعة، الذين مبتدؤهم أصحاب رسول الله ﷺ ثم التابعون لهم بإحسان إلى أن تقوم الساعة؛ لقوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله) أو (حتى تقوم الساعة) على تعدد الرواية.
وهي الطائفة الناجية المنصورة التي ابتدأ المصنف بذكرها في مقدم رسالته، بقوله: (أما بعد، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة).
ولما وصف الله هذه الأمة بأنها وسط، أمكن أن يقال: إن هذه الطائفة الناجية المنصورة أهل السنة والجماعة، فهم وسط بنص القرآن، ووجه النص من القرآن هو نفس قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] لأن المقصود بالأمة هنا أمة النبي ﷺ، وأحق الأمة في هذه الوسطية هم من اقتفى أثره ﵊، وهم أصحابه، ثم التابعون لهم، وإن كان هذا لا يمنع أن يدخل في الوسطية العامة التي وصفت بها هذه الأمة من عنده نقص في مقام التحقيق للسنة، فإن الوسطية العامة أخص من جهة أنها شهادة، بخلاف الوسطية الخاصة، التي وصفت بها الطائفة الناجية المنصورة، وهم أهل السنة والجماعة، فهي أعم من جهة متعلقاتها.
من هذا الوجه يكون إجماع أهل السنة والجماعة واجبًا على سائر المسلمين أن يتبعوه، ويعنى بذلك إجماع الصحابة ﵃، وهذا الإجماع إجماع معروف ومنضبط.
[ ١٢ / ٢ ]
حجية الإجماع والرد على من استشكل ذلك
استشكل كثير من النظار مسألة الإجماع باعتبار ما كتبه الأصوليون في تصوير الإجماع، فإن حد الإجماع في كتب الأصوليين يعطيه نوعًا من الامتناع من حيث التطبيق؛ حيث يقولون: إنه اتفاق مجتهدي عصرٍ من العصور على مسألة شرعية، ثم يعلقون على مسألة الاتفاق: كيف يضبط اتفاقهم وقد اختلفت أمصارهم؟ ومن الذي ضبط ولعل البعض سكت؟ وربما يحتجون بكلمةٍ قالها بعض الأئمة كالإمام أحمد لما قال: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك؟! لعلهم اختلفوا! ولكن قل: لا أعلم فيه خلافًا.
وهذه الكلمة ليست من أصول كلام الإمام أحمد (أي: من مقاصد كلامه) وإنما هي كلمة قالها لما رأى توسع الناس في بعض مسائل التشريع وبعض مسائل الخلاف الفقهي، وبدؤوا يكثرون من ذكر الإجماع فيها، فقال هذا القول من باب الورع، ولهذا تجد أن الموفق ابن قدامة ﵀ في كتابه المغني تمثل كلمة الإمام أحمد كثيرًا، وإذا قارنت بين كتاب المغني وبين كتاب المجموع في الفقه المقارن، وجدت أن النووي يغلب عليه أنه ينص على الإجماع، حتى في مسائل لم تنضبط أنها إجماع قطعي، أي: الإجماع الضروري المنضبط عند السلف، بخلاف الموفق؛ فإنه غلب على كلامه أنه يقول: لا أعلم فيه خلافًا، وهذا من باب التقيد بنوع من الهدي المأثور عن الأئمة.
ولا شك أن الإمام أحمد لم يرد بهذه الكلمة أنه لا إجماع في مسائل أصول الدين، ولا إجماع في مسائل الدين عمومًا، أو لا ينضبط الإجماع؛ فإن الإمام أحمد نفسه حكى الإجماع في مسائل ليست من مسائل الأصول، بل في مسائل قد يقبل فيها منازعة غيره له، فإن الإمام أحمد مثلًا قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] قال: أجمعوا على أنها نزلت في الصلاة، مع أن هذا الإجماع يمكن منازعته، فالإمام أحمد في الجملة حكى إجماعات يمكن منازعتها، فضلًا عن كونه صدق إجماعات السلف في مسائل القدر والصفات والشفاعة وغيرها.
فالمقصود أن قوله: (من ادعى الإجماع فقد كذب) كلمة أراد بها وجهًا من أوجه اختلاف الناس الذي قد يحكى فيه إجماع.
والمقصود أن ما يذكره كثير من الأصوليين في كتبهم في حد الإجماع، قد يجعله ممتنعًا.
والمعتبر عند السلف في معنى الإجماع: أن ما كان من المعاني صريحًا في الكتاب والسنة من جهة تواتر معناه وصراحته من حيث المدلول (دلالة اللغة)، ثم استقر الأمر عليه: إما عملًا إن كانت المسألة عملية، وإما تصديقًا وإيمانًا إن كانت المسألة تصديقية، فهو يعد من الإجماع القطعي، وإن لم ينقل بالأسانيد أن فلانًا وفلانًا من المجتهدين نصوا على هذا العمل، أو نصوا على هذه المسألة، فإنك لو اشترطت هذا التنادي أو التصريح؛ بمعنى أن عندك الأسانيد التي نصت على أنهم قالوا هذا القول، لما بقي في الدين مسألة واحدة فيها إجماع، حتى الصلوات خمس، فليس عندنا أسانيد متصلة عن كل واحد من الصحابة، أنه قال: إن الصلوات خمس، ولا توجد مسألة في الإسلام، عندنا فيها إسناد إلى كل صحابي.
فهذا نوع من الافتراضات النظرية التي اعتبرها الأصوليين، ولا قيمة لها.
إذًا: كل المعاني التي انضبطت من صريح الكتاب والسنة متواترةً في حروفها وصريحةً في دلالتها على وفق كلام العرب، ثم استقر عليها العمل أو العلم، فهي مسائل الإجماع.
هذا هو الإجماع في مسائل السلف، وأما أن يفهم من الإجماع أنه تنادي أصحاب الاجتهاد بأسانيد تنضبط إليهم، وإذا انقطعت الأسانيد أو لم نجد الأسانيد شككنا في الإجماع، فهذا ليس بصحيح، هذه جهة.
وقد يقول قائل: إن أكثر ما يقال أنه إجماع لم ينطق الصحابة بمسألته أصلًا، فإنه لو قيل: إن الصحابة أجمعوا أن الصلوات خمس، وأجمعوا على كذا وأجمعوا على كذا.
لكان صحيحًا، لكن ما وجه أن يقال: إن الصحابة أجمعوا على أن القرآن ليس مخلوقًا، مع أن مسألة خلق القرآن حدثت بعد عصر الصحابة؟!
هذا إشكال يورده كثيرون ممن يترددون في مسألة إجماع السلف أو إجماع الصحابة على ذلك.
يرد البعض فيقول: إن الإجماع الذي نحكيه هنا هو إجماع السلف بعد الصحابة، أي: إجماع التابعين أو إجماع تابعي التابعين، وأن إجماع هؤلاء حجة؛ لأنه إجماع علماء الأمة المعتبرين في زمنهم.
فيرد عليه إشكال وهو أن في ذلك القرن كان هناك من خالف ذلك من الفرق، ويجاب: أن مخالفة هؤلاء غير معتبرة.
والمقصود: أن هذه الطريقة في تحصيل الإجماع طريقة ضعيفة.
والصواب: أن القول بأن القرآن ليس مخلوقًا -مثلًا- هو من إجماعات الصحابة، ووجه كونه إجماعًا للصحابة أن الإجماع عند الصحابة ﵃ على إثبات الصفات بين، فإذا كان كذلك، فكل قول ناقض هذا المعنى البين أو نافاه، فإنه يكون معلوم البطلان بالضرورة.
إذًا لو قلنا: إن ظاهر النصوص وصريحها إثبات علو الله ﷾، وأن الله في السماء، وأن الصحابة درجوا على ذلك، وتلقوه عن القرآن وعن رسول الله ﷺ، وعن صريح حديثه ومفصل حديثه، فجاء من جاء وقال: إن الله ليس له مكان، أو أن الله في كل مكان أو لا داخل العالم ولا خارجه أو ما إلى ذلك، لأمكن أن يقال: إن هذه الحروف من حيث هي حروف -بغض النظر عن معانيها- هي حروف مخالفة لإجماع الصحابة، لأن أصحابها لما نطقوا بها قصدوا ألا يقال: إن الله في السماء، ومنعوا المذهب الذي سمعوه عن الأئمة أن الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه.
فلما كانت الجملة الأولى معلومة الانضباط بصريح النصوص، حيث ذكر الاستواء في سبع مواضع من القرآن وذكر علو الله في مواضع كثيرة من القرآن وفي كلام الرسول ﵊؛ فلما انضبط هذا المعنى وصح لنا بالعقل والإدراك، أن نقول: إنه إجماع للصحابة، عُلم أن كل معنىً جاء لينافيه: إنه خلاف الإجماع؛ لأن الجمع بين المتنافيين أو بين المتناقضين أو بين المتضادين لا يكون.
نعم هذه الجملة ما نطق بها الصحابة، ولكن الصحابة اعتبروا ظاهر القرآن وصريحه: أن القرآن منزل وأنه كلام الله وأنه من علم الله، وهذا المعنى ينافي القول بخلقه، فعُلِم أن المنافي منفي بالإجماع.
هذه هي طريقة تحصيل الإجماع في مسائل العقائد التي نازع فيها المبتدعة.
وهو كذلك إجماع للأئمة، لكن لا نقول: إنه ليس إجماعًا للصحابة، لأننا إذا قلنا: إن هذه المسائل فيها إجماع للأئمة التابعين وتابعيهم، ولم نقل: إنها إجماع للصحابة؛ ورد هنا سؤال من العقل: لما لا نقول: إنها إجماع للصحابة؟ هل أجمع الصحابة على وفقها، أو على ضدها، أو سكتوا؟
إن كانوا أجمعوا على وفقها فلنقل: إنه إجماع للصحابة، وإن كانوا أجمعوا على ضدها، فهذا يلزم أن التابعين ناقضوا إجماع الصحابة، وإن كانوا سكتوا فما معنى السكوت؟ هل معناه أن الصحابة ليس لهم فيها قول؟ إذا لم يكن للصحابة فيها قول، علم أنها ليست من الدين.
وهذا الطريق في التشكيك بالإجماع هو الذي استعمله ابن أبي دؤاد في مناظرة خلق القرآن؛ فقد قال للإمام أحمد: (القرآن ليس مخلوقًا) أهذا من الدين؟ فإذا قيل له: أجمع عليه أصحابنا وأئمتنا أعني: شيوخ الإمام أحمد أو طبقته، فسوف يعترض على ذلك، وهذا اعتراض صحيح، وحتى لو قلت: إنه إجماع لطبقة الإمام أحمد، لقيل: أين الصحابة عن هذا الإجماع؟ فسكوتهم إن لم يدل على النفي، فهو يدل على أنهم لا يعتبرون المسألة من الأصول.
فـ ابن أبي دؤاد قال للإمام أحمد: (القرآن ليس مخلوقًا) أهو من الدين؟ قال: نعم، قال: عرفه النبي والخلفاء الأربعة، قال: نعم، قال: أين هو في كلامهم؟ قال الإمام أحمد: يسكتون فسكت؛ يعني أن الصحابة مجمعون على إثبات معنى، وهو أن القرآن كلام الله أنزله على عبده ورسوله.
فالمعنى الذي ذكر هنا أنه ليس مخلوقًا هو نفي لطارئ، وقد علم الإجماع على نفي الطارئ، وامتنع الجمع بين الطارئ -وهو أن القرآن مخلوق- وبين المعنى الذي هو صريح النصوص.
وعليه نقول: إن كل مسألة نطق بها السلف من بعد الصحابة -أعني طبقة التابعين وتابعيهم- فهو إجماع للصحابة ﵃.
وفي الغالب أن ما يذكره الأصوليون يريدون به الإجماع في مسائل التشريع، ولهذا يقولون: الإجماع هو اتفاق مجتهدي علماء الأمة، فهم يحصرونه بطبقة الاجتهاد.
[ ١٢ / ٣ ]
وسطية أهل السنة في صفات الله
قال المصنف ﵀: [فهم وسط في باب صفات الله ﷾ بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة].
ما من بدعة ظهرت في الإسلام، إلا وظهرت بدعة أخرى تناقضها، وهذا الأمر إذا تأمله العارف عرف أن الحق لا يُعرف بالمقابلة، وهذه مع الأسف طريقة استعملها كثيرون الآن، سواء في مسألة الدعوة أو الجهاد أو غيرها؛ فقد صار هناك نوع من التقابل، أو ما يسمى بالمصطلح المعاصر: (ردة الفعل)، والحق لا يعرف بردود الأفعال، ولهذا نقول: ما من بدعة ظهرت في الإسلام، إلا وظهر ما يسمى بردة الفعل، وهي الطرف الآخر المناقض، ودائمًا الحق لا يكون طرفًا مناقضًا من كل وجه في مثل هذه المسائل، بمعنى أنه إذا كان القول إفراطًا فإن الحق لا يمكن أن يكون تفريطًا، وإذا كان القول تفريطًا، فإن الحق لا يمكن أن يكون إفراطًا.
إذ لا يجوز أن يكون تحقيق الحق في مسألة ما إنما كان بعد ظهور الباطل؛ لأن الحق سابق.
ومن يبني أقواله على ظهور شيء من الباطل، فيكون تقريره لمسألة الحق متحصلًا من هذا الباطل الذي طرأ، لا يكون حكيمًا.
والسلف ما زادهم ظهور هذه البدع أي شيء في أقوالهم، هذه هي طريقة المتقدمين من السلف، لكن كثيرًا من المتأخرين من أهل السنة والجماعة إذا اشتغل أحدهم بالرد على بدعة، زاد بسببها في قدر الحق الذي معه، فمن علم بذم علم الكلام وذم المتكلمين، لم يكن عنده سبيل إلى إغلاق هذا العلم إلا بتكفير أصحابه، فيعمد إلى تكفيرهم حتى يقطع مادة هذا العلم، لأنه يرى بعقله ونظره أن هؤلاء المتكلمين -مثلًا- أو المعتزلة، أيهما أحسم لمادتهم عن المسلمين: إذا قيل أنهم أهل بدعة أو إذا قيل أنهم كفار؟ مادة التكفير، فيعمد لا بسوء قصد وإنما بحسن قصد إلى تكفيرهم، خاصةً أن أقوالهم تستلزم الكفر تارة وتتضمن الكفر تارةً أخرى، فيعمد إلى تحقيق الأقوال على أصحابها، فإذا ما كفرهم، انحسمت مادتهم.
وهذا من الطرق المستعملة عند من يقل عقله أو يقل علمه، وهي كثيرة اليوم في صفوف كثير من الشباب، حتى بعض طلاب العلم؛ فمن لم يتسع عقله، أو قل علمه وبصره بالشرع، فإنه يستعمل مثل هذه الطريقة.
والحق أن الحق سابق للباطل في هذه المسائل، فإن مذهب السلف بجميع مسائله موجود زمن الرسول ﵊، وزمن أبي بكر قبل أن تحدث في الإسلام بدعة واحدة.
إذًا لا يمكن أن تزيد هذه البدع في قدر الحق، وإنما قد تستعمل أوجه من الحق في دفع هذه البدع لم تستعمل في زمن أبي بكر؛ لأن البدعة لم تظهر.
فهذه مسألة يجب على طالب العلم أن ينتبه لها؛ فردود الأفعال في تعريف الحق غلط، وإنما الحق يعتبر بقدره.
فنقول: ما مِن بدعة حدثت إلا وحدث ما يناقضها أو ما يضادها، فلما حدثت بدعة نفاة الصفات في أوائل المائة الثانية وبعد عصر الصحابة ﵃ على يد جماعة من النظار من الموالي، كـ الجعد والجهم -وهم أول من أظهر هذه المقالة، وهي منقولة عن بعض مقالات اليونان وفلسفة اليونان، وغيرهم من الملاحدة والكفار الذي تُرجم قولهم إلى المسلمين- فأنكروا صفات الله ﷾، وتقلد هذا المذهب أصحاب الاعتزال الذين كانوا يتكلمون في مسائل القدر والشفاعة والكبائر، فظهرت مقالة نفي الصفات على يد الجهمية -نسبة للجهم بن صفوان وهو الذي أظهر وأشاع المقالة- وصار عند السلف كل من نفى الصفات أو ما هو منها، وصف بالتجهم، نسبةً لهذا الرجل، وليس بالضرورة أن من وصف بالتجهم أو سمي جهميًا أنه يصدق أقوال جهم بن صفوان في سائر مواردها، فإن من ناظر في فتنة خلق القرآن سماهم السلف جهمية، مع أن أساطينهم الذين باشروا المناظرة هم المعتزلة، ونحن نعلم أن المعتزلة تخالف الجهم بن صفوان في أكثر آرائه، فهي تخالفه في مسألة الإرجاء، حيث هو غالٍ في الإرجاء وهم على النقيض من ذلك، ويخالفونه في باب القدر هو جبري وهم قدرية.
بل لا عجب أن في كتب المعتزلة تكفيرًا للجهم بن صفوان، وهذا نطقت به بعض كتب المعتزلة، أن أئمتهم يذهبون إلى تكفيره لمسائل قالها في بعض أصول الدين.
ومراد السلف بالتجهم هو نفي الصفات، وليس الشخص نفسه، وإذا ذكروا التجهم يقصدون به نفي الصفات، وليس التقلد المطلق لسائر ما نُقل عن جهم بن صفوان من الآراء أو المقالات والبدع.
وقابلهم المشبهة، والتشبيه لم يقع له أثر في الأمة كما وقع لمذهب التعطيل، فإن التعطيل استعمل تحت جملة التأويل، ولهذا درج عند غلاة المعطلة كالجهمية وأئمة المعتزلة، ثم شاع لما جاءت مدارس متكلمة الصفاتية، وهي التي أشاعت مادة من التعطيل باسم التأويل، وهم أصحاب ابن كلاب والأشعري والماتريدي وأمثال هؤلاء.
فتشبيه صفات الخالق ﷾ بصفات المخلوقين لم يقع له أثر كما وقع لمذهب التعطيل والتأويل، وذلك لأن ظهور بطلانه وتعذر استقامته من جهة التأويل بينة، ولهذا أصبح نفور عامة المسلمين عنه مشهورًا معروفًا، وإنما وجد في الأول عند بعض أئمة الشيعة الإمامية، كـ هشام بن الحكم وأمثاله، ثم عدلت عنه الشيعة الإمامية إلى طريقة المعتزلة، أو طريقة البغداديين من المعتزلة على وجه التحديد، ثم ظهر مذهب التشبيه على يد أحد المتأخرين المنتسبين للسنة من المتكلمين، وهو محمد بن كرام السجستاني، وهو من المرجئة الكرامية المنتسبين للسنة والجماعة كانتساب الأشعري، ولكنه استعمل مادة من التشبيه ليس كتشبيه الشيعة الأولى، وإنما وقع في مادة منه.
فأهل السنة والجماعة وسط في صفات الله، يثبتون الصفات على ما يليق به ﷾، دون إفراط على طريقة المشبهة، ودون تفريط يستلزم التعطيل على طريقة المعطلة والمحرفة.
[ ١٢ / ٤ ]
وسطية أهل السنة في أفعال العباد
قال المصنف ﵀: [وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم].
أفعال الله ﷾ لم يقع بين المسلمين في الجملة خلاف في تقريرها، وإنما مسألة النزاع الكبرى في هذا الباب، هي ما يتعلق بأفعال العباد، فهل العباد مجبرون على أفعالهم، ولا إرادة لهم ولا مشيئة لهم، أم أن العباد مستقلون بإرادتهم ومشيئتهم وخلقهم لأفعالهم والله لم يخلق أفعالهم ولم يردها ولم يشأها؟
هذان المذهبان في مسألة الأفعال مذهبان متناقضان كما ترى، تقلد الأول الجبرية، نسبة للقول بالجبر، وهو أن العبد مجبور على فعله، ولا إرادة وله ولا مشيئة له على الحقيقة، وأن الله جبر العبد على الفعل.
وأخص من تقلد الجبر الجهم بن صفوان، وكثيرون من الجبرية ولا سيما في الشام، وتقلد نفي القدر القدرية الذين قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يردها ولم يشأها، بل العبد مستقل بإرادته ومشيئته، وتقلد هذا المذهب المعتزلة وكثير غيرهم، وهم المسمون بالقدرية.
وكان من القدرية طائفة من الغلاة أنكروا علم الرب بأفعال العباد إلا عند كونها، ولكن هؤلاء من الزنادقة الذين انقطع أثر مذهبهم، والذين انتشر مذهبهم وبقي هم القدرية الذين يؤمنون أن الله يعلم ما كان وما سيكون، وإنما يقولون: إنه لم يرد أفعال العباد ولم يخلقها، وهذا ما يسمى بمذهب القدرية، وهو شائع في المعتزلة والشيعة وطوائف أخرى.
فأهل السنة والجماعة وسط في أفعال الله بين هؤلاء وهؤلاء، حيث يقولون: إن الله ﷾كما وصف نفسه في كتابه- هو الفعال لما يريد، وأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، وأنه لا يقع شيء في الكون من أفعال العباد وغيرها إلا بإرادته ومشيئته، وأنه الخالق لكل شيء، فقد دخل في عموم خلقه أفعال العباد وغير أفعال العباد؛ مع الإيمان بأن العباد لهم مشيئة وإرادة، وأنهم ليسوا مجبورين على أفعالهم.
وسيأتي تفصيل هذا
[ ١٢ / ٥ ]
قاعدة مهمة في الخلاف العقدي
ما من باب حدث فيه نزاع بين أهل القبلة إلا ومنه ما هو محل اتفاق.
فمن خرج عن موارد الاتفاق عند السلف، قيل: خرج من السنة إلى البدعة، وقد تكون هذه البدعة بدعة كفرية، لكن من خرج عن مورد اتفاق أهل القبلة، قيل: خرج من الإسلام إلى الكفر.
هذه قاعدة لا بد أن يعرفها طالب العلم.
قد يقول قائل: ما محل الاتفاق في الصفات؟
فأقول: من موارد اتفاقهم -أعني أهل القبلة: جميع المسلمين من أهل السنة وغير أهل السنة- في باب الصفات أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص.
قد يقول قائل: كيف أجمعوا على ذلك مع أن المعتزلة تنفي الصفات، ونفي الصفات نقص؟!
فأقول: إن أهل القبلة من المسلمين سنيهم وبدعيهم اتفقوا على أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص، وإنما اختلفوا في تحقيق المناط؛ أي: ما هو الكمال وما هو النقص، المعتزلة قالوا قولتهم، وهي في نظرهم كمال لا نقص، والأشاعرة يرون أن مذهبهم هو كمال الرب، والماتريدية يرون مذهبهم كذلك، والكرامية يرون مذهبهم كذلك، والشيعة يرون مذهبهم كذلك.
وأيُّ طائفة تقول قولًا وهي تعلم أنه نقص فهي طائفة غير مسلمة، لأنها خرجت عن اتفاق أهل القبلة من أن الله مستحق للكمال، منزه عن النقص.
إذًا: ما من أصل من أصول الدين إلا وفيه قدرٌ كلي مشترك بين سائر أهل القبلة، فمن خرج عن هذا الاتفاق فقد كفر، ثم يبقى فيه قدر من النزاع بين أهل السنة وغيرهم، فمن خرج عن اتفاق أهل القبلة خرج من الإسلام إلى الكفر، ومن خرج عن اتفاق أهل السنة خرج من السنة إلى البدعة.
وحين نقول: خرج من السنة إلى البدعة لا يعني ذلك أن البدعة لا تكون بدعة كفرية؛ بل قد تكون بدعةً كفرية وقد تكون دون ذلك، وإذا كانت بدعة كفرية، فلا يلزم أن قائلها يكون كافرًا، بل هذا معتبرٌ بشرطه وانتفاء مانعه.
[ ١٢ / ٦ ]
وسطية أهل السنة في الوعد والوعيد
قال المصنف ﵀: [وفي باب وعيد الله بين المرجئة وبين الوعيدية من القدرية وغيرهم].
الطوائف في تسميتها أحيانًا تنسب لشخص كالجهمية، فهي من حيث اللفظ نسبة إلى الجهم بن صفوان، ولكن مراد السلف المعنى، وهو نفي الصفات.
والمرجئة ليست نسبة لشخص، وإنما هي نسبة لمعنى، وهذا المعنى مشترك، بمعنى أن الإرجاء ليس وجهًا واحدًا، بل كما ذكر الأشعري في المقالات أن المرجئة ثنتا عشرة طائفة؛ فيهم الغلاة كـ جهم بن صفوان، وقد نطق جملة من أئمة السلف كـ أحمد ووكيع وابن مهدي أن قوله في الإرجاء كفر، وفي المرجئة قوم من الصالحين والعلماء المعروفين، وهم من يسمون بمرجئة الفقهاء كـ حماد وأبي حنيفة وأمثال هؤلاء.
ولكن في باب الوعيد يغلب على المرجئة التفريط.
أما الوعيدية من المعتزلة أو من القدرية -ويقصد بالقدرية هنا المعتزلة، إذ ليس كل قدري وعيديًا، فإنه زل في مسألة القدر أقوام ليسوا من أهل القول بالوعيد على طريقة المعتزلة والخوارج- فإنهم يرون أن أصحاب الكبائر مخلدون في النار، وهذا مذهب المعتزلة والخوارج، كما هو معروف، وقلدهم طائفة من الشيعة.
والمرجئة ليس لهم مذهب منضبط في هذا، وإنما يقال: إنهم في الجملة عندهم تفريط في باب الوعيد، فليس ثمة تقابل بين البدعتين من كل وجه، بمعنى أنه لما قالت الوعيدية من الخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة مخلد في النار، فلا يفهم من هذا أن المرجئة تقول أنه لا يعذب في النار أبدًا، بل هذا المذهب لم يصح عن أحد من المرجئة بعينه من الأكابر المعروفين، وهي جملة: (لا يضر مع الإيمان ذنب).
فهذه الجملة -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀- لم تنضبط عن قائل بعينه من المعروفين بالعلم والمقالات، ونسبها الأشعري في مقالاته وابن حزم في الفصل إلى مقاتل بن سليمان، ونص ابن تيمية في منهاج السنة أنها لا تصح عنه، وهي قد تكون جملة لغلاة من القدرية كانوا يذهبون إلى هذا المذهب، فليس هناك مانع أن ثمة طائفة تذهب إلى أنه لا أحد يعذب من أهل الكبائر.
والمقصود: أن هذا القول ليس مذهبًا متحققًا من حيث النقل التاريخي، لكن لا يمتنع أن يقول به قائل من غلاة المرجئة.
[ ١٢ / ٧ ]
وسطية أهل السنة في باب أسماء الإيمان
قال المصنف ﵀: [وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية].
أسماء الإيمان والدين يقصد بها تسمية العبد بالإيمان أو الإسلام أو الكفر أو الفسق، أو ما إلى ذلك.
ويقصد بالحرورية الخوارج، وهي نسبة إلى مكان اجتمعت فيه الخوارج، عند نقضهم خلافة علي بن أبي طالب ﵁.
وقد ذكر المصنف المعتزلة لأنهم أيضًا غلاة في هذا الباب؛ فالخوارج تسمي مرتكب الكبيرة: كافرًا، وجمهورهم يقولون: إنه كافر كفر ملة، وعبد الله بن إباض يقول: إنه كافر كفر نعمة.
والمعتزلة تقول: إنه فاسق، لكنه فسق مطلق لا يجتمع معه شيء من الإيمان، بخلاف الفسق الذي يعتبره أهل السنة في مرتكب الكبيرة، فهو فسق يجامع أصل الإيمان، هذا هو الفرق بين تسمية أهل السنة لمرتكب الكبيرة بأنه فاسق، وتسمية المعتزلة صاحب الكبيرة بأنه فاسق.
إذًا: ليس عند المعتزلة إلا اسم واحد في الخارج، إما المؤمن وإما الكافر وإما الفاسق.
فالكافر عندهم: من كفر بأصل الدين، كاليهود.
والفاسق عندهم: من ارتكب الكبائر.
والمؤمن عندهم: من سلم من الكبائر، ولا يجتمع اسمان لمسمى واحد.
ولا شك أن هذا مخالف لصريح النصوص، فإن الإيمان شعب، والفسق شعب، والكفر شعب، كما قال ﵊ في حديث أبي هريرة في الصحيح: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت)، وكما في قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم)، وكما في حديث أبي ذر في الصحيح: (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)، فإذا قال شخص لشخص: (يا كافر) وهو يعرف أنه مسلم، لكن سبه بقوله: (يا كافر) لأنه فعل فعلًا مشينًا أو فعل فعلًا من أفعال الكفار، أو ترك أخلاق المسلمين إلى أخلاق الكفار، لا يكون أحدهما كافرًا وخارجًا من الملة، ولا يخرج القائل من الملة، إلا إذا سماه كافرًا بما هو من الإسلام، لأنه كفر بالإسلام، وأما إذا قال شخص لشخص يا كافر، لأنه اشتبه عليه أنه كافر، فهذا تأويل.
وكذلك إذا قالها من باب السب لكون هذا الفاعل فعل ما هو من أفعال الكفار وأخلاقهم، كما كان بعض الصحابة ﵃ يقول أحيانًا: دعني أضرب عنق هذا المنافق، مع أنه يعرف أنه من الصحابة، لكنه فعل فعلًا ليس من أفعال المؤمنين، والأشبه أنه من أفعال المنافقين فيسميه به في حاله، فهذا ليس هو المقصود في قول النبي ﷺ، وإن كان لا يفهم من هذا: التسويغُ للسب بالكفر أو النفاق، فإن هذا لا يجوز، حتى لو فعل الفاعل خلقًا من أخلاق الكفار، كالغدر والسرقة والكذب وهي من أفعال المنافقين، أو الطعن في النسب، وهذه من خصال الكفر، فلا يجوز أن يُسب بالكفر.
هذه الطريقة ليست هي الطريقة العلمية الراجحة، ولهذا لم يستعملها أبو بكر في حياته مرةً واحدة، وهي قول: (نافق فلان، أو دعني أضرب عنق هذا المنافق، أو إنك منافق تجادل عن المنافقين)، صحيح أنها وقعت لبعض الصحابة في حالٍ معينة، حميةً لله ورسوله، ولكنها ليست من الطرق الراجحة في العلم، ولهذا ما استعملها الرسول ﵊ ولا أبو بكر ﵁.
لو كان هذا مما يسمى به لسمى به، كما قال لـ أبي ذر: (إنك امرؤٌ فيك جاهلية) فالصحابة يجب أن يُقتدى بهم فيما هو من سننهم البينة، لا في بعض الاجتهادات التي قد تكون مرجوحة، ولا يظن أحد: أن الرسول أقرها، لأن الإنكار للشيء لا يلزم ومنه أن الرسول ﷺ بصريح الكلام ويقول: أخطأت وكذبت، فأحيانًا من أحيانه ﷺ يُعْرَف أنه لا يريد هذا التعبير من انصرافه عن تصديقه، والرسول ﵊، في غالب الأحوال ينصرف عن تصديق هذا الكلام، أي: لا يؤيد أن هذا الرجل منافق، لكن لما قيل له: (دعني أضرب عنق هذا المنافق)، في قصة عبد الله بن أبي، صدق الكلام، لكنه اعتذر، وهذا من حكمته ﵊، ففي قصة ابن أبي صدق أن الرجل منافق، ولكنه اعتذر بقوله: (لا يتحدث الناس، أن محمدًا يقتل أصحابه)، ولما قيلت هذه الكلمة لرجل من السابقين ومن أهل بدر؛ حيث قال عمر ﵁: (دعني أضرب عنق هذا المنافق)، في قصة حاطب في الصحيح، قال ﷺ: (إنه شهد بدرًا) فهذا اعتذار عن تصديق الكلمة، (وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، فهذا الحديث منه هو نفي لكلمة عمر، وأن أهل بدر لا منافق فيهم.
وأحيانًا يقع منه ﷺ أنه لا ينصرف إلى تصديقها، ولا ينصرف إلى ردها، وإنما يعرض عنها، كأنه لم يسمعها، فهذا أيضًا فيه جمع بين المصلحتين: بين مصلحة حمد هذا المتكلم لغضبه وحميته لله ورسوله، حتى لا يقال: إنه أسقط غضبه أو رد فضله وديانته وحميته إلى غير ذلك، وفيه ترك للكلمة من حيث هي كلمة.
إذًا هذه الطريقة ليست طريقة يسلكها الرسول ﵊ ولا أبو بكر ولا عمر، حتى عمر قالها في مواضع فقط، ولم يقلها في كل موضع، وقالها ﵁ في مواضع اجتهادًا، بعضها كان في محله كقوله عن عبد الله بن أبي، وكقوله عن ذي الخويصرة التميمي الذي قال: (إنك لم تعدل يا محمد) وأحيانًا يجتهد عمر في مقام، فيعذره النبي ﷺ من وجه، ويبين له المراد في الوجه الآخر.
قال المصنف ﵀: [وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية].
المرجئة فرطوا في هذا الباب، وسموا أصحاب الكبائر بالمؤمنين، وهذا مما استقر عليه كلام المرجئة، أنهم يرون أن أصحاب الكبائر يسمون مؤمنين بالإطلاق، والجهمية هم وجه من أوجه المرجئة ولكنهم غلاة المرجئة.
[ ١٢ / ٨ ]
وسطية أهل السنة في الصحابة
قال المصنف ﵀: [وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة وبين الخوارج].
قوله: (وفي أصحاب رسول الله) أي: في حق الصحابة وعدالتهم وديانتهم.
(بين الرافضة) وهم الذين سبوا أصحاب النبي ﷺ، وتولوا علي بن أبي طالب ومن معه من آل البيت، ولهم مذاهب شتى في هذا الباب، ولعل المصنف لو قال: (الشيعة) لكان أظهر من جهة السعة، فإن عامة طوائف الشيعة تقع في الصحابة وإن كانوا على درجات في هذا الباب.
(وبين الخوارج) وهم من قابل الشيعة في هذا الباب، حيث كفروا علي بن أبي طالب ﵁.
وليس هناك مذهب متقابل على الإطلاق، فلا يفهم أن ثمة مكفرًا للصحابة وغاليًا في الصحابة، إنما يوجد وجه من الغلو في قوم وتكفير كما عند الشيعة، فهم يغلون في علي ويسبون آخرين، والخوارج تكفر عليًا وربما تحمد آخرين
وهلم جرًا.
[ ١٢ / ٩ ]