مسألة علو الله تعالى على خلقه من المسائل الأصول في باب الأسماء والصفات؛ لأن إثباتها يستلزم إثبات جملة من الصفات، وقد أثبت أهل السنة والجماعة هذه الصفة بدليل العقل والفطرة فضلًا عن الأدلة الشرعية.
[ ١٣ / ١ ]
علو الله على خلقه ومعيته لهم بعلمه والأدلة على ذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه عليٌّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤].].
بعد أن أجمل المصنف ﵀ أصول السلف أهل السنة والجماعة دخل بعد ذلك في ذكر مفصل جملة من مسائلها، فقال: (وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله ﵌).
قوله: (قد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله) هذا عود على مقدمة المصنف في أول رسالته، فحين قال: (أما بعد ..
فهذا اعتقاد الفرقة الناجية الطائفة المنصور إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة)، قال: (وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)، فجعل المسائل التي عرض لتفصيلها بعد ذلك متضمنة في الأصول الأولى التي أجملها، وهي الأصول التي ذكرها النبي ﵌.
وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وفي الجملة: أن عامة المسائل التي يفصلها المصنف من هذه الجملة إلى آخر الرسالة، لك أن تقول أنها داخل في الإيمان بالله، ولك أن تقول: إنها داخلة في الإيمان بالرسل، ولك تقول: إنها داخلة في الإيمان بالكتب إلى غير ذلك، وهذا باعتبار الدلالات المعروفة في الكلام، وهي ثلاث: (دلالة مطابقة، أو دلالة تضمن، أو دلالة التلازم).
فالإيمان بالعلو يُقال: (دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله) لأنه صفة من صفاته، وهو كذلك إيمان بالكتب، لأنه مذكور في الكتب السماوية، وهو كذلك إيمان بالرسل، لأن الرسل حدثوا قومهم بأن الله في السماء.
ولك أن تقول: وهو إيمان بالملائكة من جهة اللزوم، من جهة أن الوحي إنما جاء به ملك، فمن لزوم الإيمان بالملك الإيمان بتصديقه، وأن من تصديقه الإيمان بصدق ما أوحاه إلى النبي ﷺ من رب العالمين ﷾، فهذا باب واسع.
ولهذا لا عجب أن المصنف في مسألة يقول: (وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله) وفي مسألة بعدها يقول: (وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله وملائكته ورسله)، فهذا كله مبني على مسألة الدلالات، وفيها سعة عند اعتبارها، ولا سيما إذا اعتبرت دلالة التناسب.
وأول مسألة ذكرها المصنف هنا هي مسألة العلو، وهذا باعتبار أن هذا الأصل -وهو صفات الله ﷾- هو أشرف الأصول التي ذكرها في رسالته، فإنه ذكر في رسالته جملة من الأصول، كأنه أجملها في قوله: (وهم وسط في باب صفات الله )، (وهم وسط في باب أفعال الله ) فأشرف الأصول التي ذكرها ما يتعلق بالصفات، وقد درج كثير من السلف -بل وكثير من متكلمة أهل الإثبات- على العناية بتقرير مسألة العلو، وأعني بمتكلمة أهل الإثبات من يثبت العلو من متكلمة الصفاتية، كـ عبد الله ابن كلاب والأشعري وأمثالهم.
وإنما درجوا على ذلك، لأن هذه المسألة -أعني مسألة علو الله ﷾- تعد أصلًا في هذا الباب عند سائر الطوائف، فبثبوتها يلزم ثبوت جملة من الصفات، عند أهل الإثبات من السلف، وفضلاء متكلمة الصفاتية، كـ ابن كلاب والأشعري، وبنفيها عند النفاة كالجهمية والمعتزلة ومتأخري الأشاعرة، نفوا جملًا كثيرة من الصفات.
ولهذا تعد مسألة العلو أصلًا، باعتبار أن إثباتها يستلزم إثبات جملة من الصفات، وأن نفيها عند من نفاها يستلزم نفي جملة من الصفات، ولهذا هي موجبة طردًا وعكسًا، حسب المذاهب التي ظهرت عند طوائف من أهل القبلة في هذا الباب، ولهذا عُني السلف بها من هذا الوجه.
ومن جهة أخرى: قدم المصنف هذه المسألة لما لها من الشرف في كتاب الله ﷾ من جهة تفصيلها، فإن علو الله فصل في القرآن تارةً بأنه في السماء، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وتارةً بذكر فوقيته تعالى كقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] وتارةً بذكر علوه كقوله سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وتارةً بصعود الأشياء إليه أو بعروجها إليه أو بالنزول منه
إلى غير ذلك.
وهذا المذهب هو الذي تقتضيه الفطرة والعقل والشرع، فنقول: إن مسألة العلو -ومحصلها أن الله ﷾ فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه- دليلها وشاهدها الفطرة والعقل والشرع، واعتبار الدلالات العلمية، وهي من أهم المسائل التي حصل فيها غلط.
ولك أن تقول: إن أكثر غلط المتكلمين في مسائل الإلهيات والمعرفة عمومًا هو فرع أو لازمٌ عن غلطهم في فقه الدلالات، ولهذا يجب التنبيه على هذا النوع من الدلالات، خاصة أن الغلط فيها لم يقتصر على المتكلمين أو قدماء المتكلمين، بل دخل على متكلمة أهل الإثبات، وبعض المتأخرين من أصحاب السنة.
[ ١٣ / ٢ ]
أدلة علو الله على خلقه
الأدلة التي تشهد لمسألة العلو: الفطرة والعقل والشرع.
[ ١٣ / ٣ ]
دليل العقل
العقل: دلالة العقل: إما من حيث الضرورة أو المقتضى العقلي، وهو تقسيم معروف عند النظار من أهل المنطق، وإن كان فيه قدر من النزاع، لكنه هو المحصل من جهة الصواب، فثمة دلالة العقل الضروري ودلالة العقل النظري.
وعليه يمكن أن تقول: إن الأدلة باعتبار الإضافة تكون أربعة: إما أن يكون الدليل فطريًا، وإما أن يكون الدليل على مسألة ما عقلًا ضروريًا، وإما أن يكون الدليل عقلًا نظريًا، وإما أن يكون الدليل نقليًا أي شرعيًا.
والأفضل أن لا يُقال شرعي، إنما يقال نقلي؛ لأن العقل متضمن في الشرع، ولكن العقل ليس نقلًا، إنما هو اقتضاء إدراكي، قد يكون هذا الإدراك ضروريًا، وقد يكون هذا الإدراك نظريًا.
ولا يسمى العقل في الحالين نقلًا، وإذا وردت بعض صور العقل في خطاب الشارع سمي خطابًا عقليًا باعتبار، وسمي خطابًا شرعيا باعتبار كونه آيةً أو حديثًا عن رسول الله ﵌.
[ ١٣ / ٤ ]
دليل الفطرة
الفطرة: دلالة الفطرة هي معنىً من القوة يكون مع الإنسان عند وجوده، ولهذا دلالة الفطرة سابقة لدلالة العقل، يقول الرسول ﵊ كما في الصحيحين: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، يولد على الفطرة: أي على الإقرار بالتوحيد، وهنا يقول أهل العلم: إن توحيد الربوبية -مثلًا- فطري، لأن الرسول ﵊ قال: (كل مولود يولد على الفطرة ..) مع أن المولود عند ولادته لا يتمتع لا بالعقل الضروري ولا بالعقل النظري، لأن قوة العقل لم تتكون عنده، فدل الحديث على أن الفطرة قوة من المعنى الوجودي ثابت في النفس عند الخلق، فكما أن الإنسان يولد وله يد، فهو يولد وفيه فطرة.
قد لا يستطيع العقل أن يفقه عن مدرك الفطرة أكثر من هذا، لكنها شيء قائم، ولهذا قال ﵊: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) مع أنه عند تهوده وتنصره أو تمجسه، يكون قد شهد مدرك العقل، ولهذا لا يمكن أن الأبوين يهودان الصبي إلا عندما يكون عنده التمييز العقلي، حتى يفقه أن هذا مسلم وأن هذا يهودي .. إلخ.
[ ١٣ / ٥ ]
الفطرة تدل على عامة الأصول الشرعية أو تقتضيها
عامة الأصول الشرعية: إما أن تدل عليها الفطرة أو تقتضيها، وفرق بين الجهتين:
الجهة الأولى: أن تكون الفطرة دلت على طلب هذا الأصل.
الجهة الثانية: أن تكون الفطرة دلت على قبوله عند طلب الشارع له؛ بمعنى أن الفطرة تقتضيه.
ولهذا عامة التشريع تقتضي الفطرة طلبه ابتداءً أو تقتضي قبوله عند طلبه، ولا تنافيه، لكن الفطرة ابتداء لا تعين تفصيل مسائل الشريعة، فالفطرة لا يمكن أن تعين أن الصلوات خمس، وأن صلاة الضحى ركعتان إلى ثمان، وأن الظهر أربع .. إلخ.
الفطرة تقتضي وتطلب التعبد لله كجملة، الخضوع لله كجملة، العدل كجملة، لكن تفاصيل مسائل العدل المالية لا تتوصل إليها الفطرة قبل ورود الشرع.
إذًا الفطرة هي معاني كلية من هذا الوجه، إما أنها تقتضي الطلب، كاقتضاء الفطرة للتوحيد، وكل الأصول الكلية من الدين كالتوحيد تدل عليها الفطرة طلبًا، أي أن الفطرة ترغب في تحصيلها، وهذا معنى قوله ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة) وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، وقد تكون الفطرة دون درجة الطلب، ولكنها تقتضي الموافقة عند وجود الشيء تشريعًا أو خبرًا.
هذا ما يتعلق بذات الفطرة، وعليه ندرك أن التوحيد -توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات- تدل عليه الفطرة، ولا يصح أن يقال: إن الفطرة لا تدل إلا على توحيد الربوبية، فهذا الكلام غلط شديد، بل الفطرة تدل على توحيد الله، وتوحيد الله سبحانه -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀- معرفته وعبادته، فإن قيل: التوحيد هو العبادة، قيل: هذا ممتنع؛ لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة، ولا يمكن أن يعبد شخص ما لا يعرفه، حتى الذين يعبدون الأصنام يعرفونها كأصنام، ومن يعبد رجلًا صالحًا عنده عنه معرفة، وقد تكون هذه المعرفة فيها غلط، لكن عنده معرفة معينة، عنده إدراك معين، حتى من يعبد عيسى ﵊ عنده معرفة معينة، قد تكون هذه المعرفة فيها ضلال، ادعى أن فيه ألوهية أو ما إلى ذلك، لكن لديه مدركًا عن معبوده؛ بمعنى أن عبادة غير المدرك ممتنعة عقلًا، لا يمكن أن يعبد أحد من لا يعرف، لكن إما أن تكون المعرفة صحيحة أو غير صحيحة، ناقصة أو غير ناقصة، فهذه مسألة أخرى.
فتوحيد الله هو معنىً كلي واحد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (توحيد الله معرفته وعبادته)، وإنما قسم أهل العلم ﵏ التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاثة، أو إلى توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الإرادة والقصد من باب التراتيب العلمية.
ولهذا يقال: إن توحيد الله ﷾سواء كان جهة ربوبيته أو جهة ألوهيته أو جهة أسمائه وصفاته- هو من حيث أصله الكلي ثابت بالفطرة.
ولا يجوز أن يقال: إن توحيد الربوبية وحده فطري، وتوحيد الألوهية والعبادة تشريعي.
وأحيانًا يستشكل البعض هذا، ويقول: إن الرسل بعثوا بتوحيد الألوهية.
فأقول: نعم، حتى لو بعثوا بتوحيد الألوهية، لا يمنع ذلك أن أصله فطري؛ فإن الرسل بعثوا مع كون أصل الألوهية فطريًا من أجل أمرين:
الأمر الأول: درء الشرك الذي طرأ على التوحيد، أي: إبعاد الناس عن عبادة غير الله، ولهذا أول الرسل إلى الأرض نوح ﵊، ولم يحتج الناس قبل نوح إلى رسول، كما قال ابن عباس ﵄: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون على التوحيد) لأن ثمة إقرارًا وإفرادًا لله بالعبادة.
الأمر الثاني: من أجل تفصيل التوحيد؛ لأنا لا نقول: إن توحيد الألوهية بمفصله فطري، فقد تقدم أن الفطرة لا تدرك المفصلات، وإنما المفصل يدرك من الوحي، قال الله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] الصلوات الخمس من توحيد الألوهية، لأنها قيام لله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] ولأنها سجود لله، ولأنها ركوع لله، ولأنها دعاء لله .. إلخ.
والرسول ﵊ أو غيره لا يمكن بفطرته أن يدرك الصلوات الخمس: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى:١٣]، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى:٢١] من ادعى تشريعًا قبل الوحي فهو مدعٍ على الله ﷾.
إذًا تفصيل الألوهية شرعي، بخلاف أصلها الكلي فهو فطري، هذا هو الحق، كذلك الربوبية، وإن كان الإدراك الفطري في مقاماتها أكثر من الألوهية، إلا أن بعض مقامات الربوبية شرعي، فعندنا من ربوبية الله أنه ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، وفي هذا معنى من ربوبيته.
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله يقولون: توحيد المعرفة، وتوحيد الطلب، فيجعلون الربوبية والأسماء والصفات جهة واحدة، وجاء من بعدهم أو من قبلهم فقسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام، لأن الجهة التي حصل فيها شقاق من بعض أهل البدع -وهي من ربوبية الله- هي مسألة الأسماء والصفات، وخصوها لاختصاصها عند السلف، وهذا كله ترتيب علمي لا بأس به، لكن لا ينبغي أن يعطى أكثر من حقه.
إذًا: نزول الله ﷾ إلى السماء الدنيا الذي حدث به الرسول ﵊كما في المتفق عليه عن أبي هريرة - هو من معاني ربوبية الله، وهو أمر لم ندركه بالفطرة، بل أخبر به الرسول، ولما أخبر به قبلته الفطرة؛ لأنه كمال من كمال الله، والفطرة أصلها مبني على الإقرار بكمال الله كأصل كلي.
وحتى لو رجعنا إلى التقسيم الثلاثي، وأخذنا موضوع الربوبية على معناه الخاص، فهناك مسائل هي داخلة في الربوبية، كتفاصيل أفعال الله وقضاء الله وقدر الله، ومع ذلك لا تعرف إلا بإخبار الرسل، ولا يستطيع أحد أن يعرف قبل إخبار الرسول ﵊ أن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات بخمسين ألف سنة، فهذا مما لا تعلمه الفطرة، بل الكتابة ليست أصلًا ضروريًا لكمال الله ﷾ لولا أن الرسل حدثت بها، بخلاف علمه ﷾؛ فإن معرفة أن الله سبحانه بكل شيء عليم تدركه الفطرة، لكنها لا تدرك تفاصيل الكتابة أن الله كتب وأنه يرسل الملك، الفطرة تقبلها نعم، ولا تعارض شيئًا مما جاءت به الشرائع، لا خبرًا ولا تشريعًا.
والمقصود أن التوحيد -سواء كان جهة الربوبية أو الأسماء والصفات أو الألوهية- كله فطري من حيث أصوله، وإن كان مقام الربوبية أظهر في تفصيل الفطرة من مقام الألوهية عند عامة الخلق، ليس في نفسه، وإنما عند عامة الخلق، لأن ضلال الناس في باب الألوهية أكثر من ضلالهم في باب الربوبية، وهذا أمر لا جدل حوله، فمشركو العرب جهة ضلالهم أكثر في الألوهية، ولهذا بعث الله الرسل يدعون إلى توحيده أي إفراده بالعبادة، لأن أصل الربوبية مُسلّم عند عامة الناس، لكن لا يفهم من هذا أن مشركي العرب أو غيرهم كانوا محققين للربوبية.
ليس هناك أمة مشركة تحقق ربوبية الله أبدًا، هذا ممتنع عقلًا وشرعًا؛ لأن كل من يعبد الأصنام، كمشركي العرب أو قوم هود أو قوم صالح، وكل من يعبدون غير الله ﷾، كل هؤلاء يعتقدون في معبوداتهم أنها تجلب كشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنها تنفع وأنها تضر، وهم يستسقون بها، ويستشفون بها، ويسألونها رد الغائب وشفاء المريض، مع أن مسألة رد الغائب، وشفاء المريض وكشف الكربة وقضاء الحاجة.
واعتقاد النفع والضر هي من معاني ربوبية الله ﷿.
إذًا هم صرفوا قدرًا من ربوبية الله لغيره، لكن في باب آخر، وهو المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] لا شك أنهم في هذا الأصل يقرون، أن الله هو الخالق وأنه الرازق.
إذا قال قائل: إنهم لا يعتقدون في معبوداتهم أنها تنفع وتضر بذاتها، وإنما هي وسيلة، قيل: وحتى في عبادتها، فإنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فحتى في باب الألوهية، يشركونها مع الله: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) ولهذا كان المشركون في طوافهم يقولون: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك).
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ أن مسألة الربوبية عامة بني آدم يقرون بها، لظهورها من جهة الفطرة عند المسلمين وغير المسلمين، لكن الإقرار ليس هو التحقيق، بل التحقيق: أن من حقق الربوبية أقر بالألوهية، وهذه هي طريقة القرآن، والله ما أخبر عن المشركين، بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) من باب امتداحهم، إنما من باب إلزامهم، أن هذا الحق المجمل الذي عندكم -وهو الإيمان بأن الله هو الخالق- يستلزم التحقيق.
وتحقيق هذا الإيمان المجمل في الربوبية يكون بتقرير الألوهية، ولهذا لا ترى أحدًا حقق ربوبية الله ﷾ تحقيقًا تامًا إلا ولزمه أن يؤمن بألوهيته ﷾.
وأحيانًا يخطئ بعض طلبة العلم فيقول: إن توحيد الربوبية وحده هو الفطري، بخلاف توحيد الألوهية، ولذلك بعثت له الرسل.
نعم بعثت الرسل لتوحيد الألوهية، لكن لا يعني هذا أن أصله ليس فطريًا، قال ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة).
ألسنا نقول الآن: إن عامة الأمم تقر بالربوبية، وقد قال الرسول ﵊: (فأبواه يهودانه)، إذا نقلاه عن الفطرة باليهوديه، مع أن اليهودي يقرون بالربوبية، فالرسول ﵊ يقول: (فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، وفي لفظ: (أو يشركانه) أي: يقودانه إلى الشرك، وهو كذلك، حتى
[ ١٣ / ٦ ]
الجمع بين مقامي العلو والمعية
قال المصنف ﵀: [وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق].
نهى السلف عن التأويل الذي استعمله أهل البدع، وقد استشكل بعض المتكلمين المتأخرين ذلك وقالوا: إن السلف وقع في كلامهم مادة من التأويل، وذلك في مسألة المعية، حيث قالوا في آيات المعية العامة: إن الله مع الخلق بعلمه، وفي مثل قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] أن هذا من باب المعية الخاصة، ومقتضاها النصر والتأييد، فقالوا: إن الأولى معناها العلم والإحاطة، والثانية معناها النصر.
فظن المتكلمون أن هذا من باب التأويل، والأمر ليس كذلك؛ لأن التأويل باصطلاح أصحابه خروج عن المعنى الظاهر إلى المعنى الخفي لقرينة، أو خروج من حقيقة الكلام إلى مجازه، وآيات المعية ليس فيها خروج عن الحقيقة إلى المجاز ولا عن الظاهر إلى الخفي.
ولهذا من قال: إن قول السلف في معية الله العامة، أن الله معنا بعلمه، من قال: إن هذا تأويل، يرد عليه بعدة ردود.
ومن أخص الردود البينة القوية أن يقال: إذا كان هذا هو التأويل، فما هو الأصل؟ لأن المعتزلة حين قالوا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] استولى، قلنا: هذا تأويل، سيقول لك قائل: إذا سميت الاستيلاء تأويلًا، فما هو الحقيقة والأصل؟ تقول له: الحقيقة والأصل: العلو، فمعنى (استوى): علا على العرش.
إذًا: إذا قال أهل البدع: إن السلف أولوا المعية، فقالوا: إن الله معنا بعلمه، قلنا لهم: إذا سميتم هذا تأويلًا كان ذلك التأويل هو المعنى المجازي للسياق، باصطلاح أهل التأويل، فما هو المعنى الحقيقي للسياق الذي خرجنا عنه؟
فباتفاق الناس من أهل التأويل وأهل البدع أو من أهل السنة أن التأويل يستلزم أو يقتضي ثبوت أحد معنيين أحدهما الحقيقة أو الأصل أو الظاهر، وهو المتبادر، والثاني: إما أن يسمى مجازًا أو خفيًا أو خارجًا عن الأصل، لقرينة.
إذا قال المعترض: إن قول السلف في المعية: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] أنها معية بنصره، هو من التأويل، قيل له: إذا سميته تأويلًا فمعناه أنه معنىً مجازي، فأين حقيقة السياق؟ وأين ظاهر السياق؟ وأين أصل السياق من جهة المعنى؟ هنا لا مكان عنده إلا أن يقول: إن ظاهر السياق أن الله مع أبي بكر ورسوله بذاته، قلنا: هذا لا يمكن أن يكون ظاهر السياق، لأن ظاهر السياق هو المعنى المتبادر ابتداء من جهة اللغة.
ومن جهة العقل، ولا يتبادر لغة ولا عقلًا، أن الله بذاته مع الرسول وصاحبه، بل هذا ممتنع عقلًا، فلما كان ممتنعًا عقلًا، امتنع أن يسمى حقيقةً، بل المتبادر عقلًا والممكن عقلًا -وهو الواجب عقلًا- أن الله ﷾ مطلع وحافظ وناصر لنبيه، ولهذا كل معية خاصة فهي تتضمن معنى المعية العامة ولا عكس، فقوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] معية خاصة، تتضمن الحفظ والنصر وتتضمن أيضًا العلم والإدراك والإحاطة، فليس هذا من باب التأويل، هذه جهة.
الجهة الثانية: أن هذا ليس من باب التناقض أن الله سبحانه فوق سماواته، وأنه مع الخلق، لأن معيته بعلمه وفوقيته بذاته، وهناك فرق بين معنى الذات وبين معنى العلم، والمصنف هنا قال: لا توجبه اللغة؛ بمعنى أن كلمة (مع) في لسان العرب تقتضي مطلق المشاركة والمصاحبة بين الشيئين، ثم تكون هذه المصاحبة: إما بمعنى الذاتية، أو بمعنى العلم، أو بمعنى الإبصار، لا أحد يستطيع أن يحدد، إنما يقال: إن هذا بحسب ما يوجبه السياق، ولهذا لا يتعجب من بعض أهل البدع في ردهم على أهل السلف، يقولون: وظاهر آيات المعية أن الله بذاته مع الخلق، ثم يأتيك بقول من أقوال العرب في ذكر المعية الذاتية، وهذا غير ممتنع في لسان العرب، لكن السياق العربي يختلف.
ولهذا نجد في سياق كلام العرب ذكر المعية، ومعناها الإبصار، لا العلم ولا المخالطة الذاتية، مثل قولهم: (ما زلنا نسير والقمر معنا)، فهذه المعية ليست معية علمية ولا حفظًا ولا نصرًا ولا هي معية ذاتية، إنما معناها الإبصار.
ونجد في كلام العرب ذكرًا لحرف المعية، ويراد به الحفظ، أو النصر، أو العلم، أو المخالطة الذاتية، ولسنا نقول: إنه لا يوجد في لسان العرب مخالطة ذاتية، بل يوجد ذلك، لكن هذا مما يوجبه السياق، والمعية التي أضيفت إلى الله ﷾ يمتنع أن يَرِد في مقامها مسألة الاختلاط والحلول، لأن الله منزه عن هذا.
هذه جهة أن تقول: إن الله منزه، ولك أن تقول: إنها جهة سمعية عقلية.
ومن جهةٍ عقلية أخرى: لأنه منزه عن الحلول والاختلاط ﷾ وتقدس عن ذلك، لأنه ممتنع، فهو ليس منفيًا بخبر الشارع، هو منفي بخبر الشارع، ولكنه أيضًا ممتنع عقلًا.
قال المصنف ﵀: [بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر، أينما كان، وهو سبحانه فوق عرشه، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع عليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته.
وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة].
يعني المصنف ﵀ بذلك يعبر عن معاني صفاته في العلو وغيره بحروف القرآن والحديث، إلا أن يكون المخاطب يحتاج إلى تفصيل، فيعبر له بجمل من فصيح الكلام الذي ليس فيه إحداث وابتداع وليس فيه إجمال.
ولا تذكر الألفاظ المجملة الحادثة، في مقام صفاته ﷾، وإذا كان اللفظ مجملًا حادثًا، فهو يعرض عنه في تقرير عقيدة السلف.
ولهذا ينبغي الإعراض عن كلمة (ذاته) في المعية.
وأحيانًا يقع السؤال: هل نقول: إن الله معنا (بذاته) معيةً علمية، فنذكر كلمة (ذاته) هذه على وفق قواعد السلف وقواعد الشرع والعقل؟
فأقول: إن معرفته سبحانه يعبر عنها بأحرف الكتاب والسنة، وقد يبين المعنى المراد المذكور في الكتاب والسنة بحروف من فصيح الكلام الذي استعمله الأئمة، أو بفصيح الكلام الذي لم يستعملوه؛ بشرط ألا يكون هذا الحرف الذي لم يرد في الكتاب ولا في السنة مجملًا حادثًا.
فإن الألفاظ المجملة الحادثة محل ذم عند السلف، فلا يجوزون استعمالها في أفعال الله وصفاته.
وإذا رجعنا لكلمة (ذاته) نجدها مكونة من كلمتين: كلمة (ذات) مضافة إلى الله على معنى الصفة أو الفعل أو الوجود نفسه، وهي بهذا المعنى لا أصل لها في القرآن ولا في السنة، فهي إذن حادثة.
الثاني منع استعمالها، والذي نهى السلف عن التعبير به هو اللفظ الذي جمع أمرين: الإجمال والحدوث، أما إذا كان حادثًا لكنه مفصل، فهذا لا بأس به، مثل قولهم: بائن من خلقه، فهذه الكلمة لم يقلها الرسول وليست في القرآن، لكنها من مفصل الكلام، فلا بأس بالتعبير بها، وكل لفظ مجمل حادث يمتنع التعبير به، فكلمة (ذاته) حادثة، وإن كانت وردت عن أبي هريرة في الصحيح: (لم يكذب إبراهيم النبي إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله) فهذه لها معنى آخر، أي: في طاعة الله ونصرة دينه .. إلخ.
أما كلمة (ذات) بمعنى الصفة أو الوجود نفسه فإنها لم ترد، فهي حادثة، لكن هل هي مجملة أم ليست مجملة؟
الإجمال: إما أن يكون من أصل الوضع، وإما أن يكون بحسب الاستعمال وطروء الأقوال التي توجب إجمال حرف من الحروف.
فكلمة (ذاته) إذا استعملت في مقام لا يحتمل الإجمال، كقولك: الله ﷾ بذاته فوق سماواته، كان هذا استعمالًا صحيحًا، وإن كان لفظ (ذات) حادثًا إلا أنه في هذا السياق مفصل، لا يحتمل باطلًا، بل أريد به تصريح بالحق؛ فإن المخالف قد يقول: الله في العلو، ولكن هذا العلو ليس علو الذات، فيحتاج أن يقال: (بذاته) أما إذا استعملت كلمة (بذاته) في سياق المعية، فإنها تكون مجملة، لأن أصحاب الحلول والاتحاد يقولون: إن الله معنا بذاته، فكلمة (ذاته) توهم حلولًا، فأصبحت من هذا الوجه في هذا السياق المعين مجملة، وهي -كما قلنا- حادثة، ففي سياق المعية ينطبق على كلمة (بذاته) أنها مجملة حادثة، فهي إذن مما لا يعبر به.
وإن كانت المعية يمكن أن تفصل بمعنىً من الحق، فهذا باب آخر، ونحن نقصد هنا الحروف والألفاظ.
ولهذا يقال: لا يجوز التعبير بهذه الكلمة في سياق المعية؛ لأنها ليست من أصل النص ولا نطق بها القرآن ولا الحديث، ولما توهمه من الإجمال والإشكال.
قال المصنف ﵀: [مثل أن يظن أن ظاهر قوله: (في السماء) أن السماء تظله أو تقله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان].
بإجماع أهل العلم والإيمان وبإجماع العقلاء المؤمنين بحقه ﷾ أن الله ﷾ يمتنع أن يكون محتاجًا لشيء من مخلوقاته.
قال المصنف ﵀: [فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره].
محصل مسألة العلو هو أن الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، وهو مع خلقه أينما كانوا مدركًا وعليمًا ومحيطًا وحافظًا وناصرًا لأوليائه المؤمنين، وأن المخالفين لهذا هم الجهمية ومن سلك سبيلهم من طوائف أهل البدع، وعباراتهم وألفاظهم في هذا شتى، منهم من يعبر فيقول: ليس له مكان، ومنهم من يعبر فيقول: لا داخل العالم ولا خارجه، وهذا تعبير ابن سينا ومنهم من يقول: لا يقال: إنه داخل العالم ولا يقال: إنه خارجه، وهذا تعبير مقلدة ابن سينا كـ الرازي، وفرق بين التعبيرين، ابن سينا وأمثاله يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه، والرازي جاء وعدل في العبارة فقال: لا يقال: إنه لا داخل العالم ولا يقال: إنه خارجه، كإثبات نوع من الفرق بين قوله وقول الفلاسفة، وإلا فقوله في الأصل هو من جنس قول الفلاسفة.
وقابل مذهب النفاة من أهل التعطيل مذهب أهل وحدة الوجود وأهل الحلول من غلاة الصوفية المتفل
[ ١٣ / ٧ ]
إثبات أن الله قريب من المؤمنين
قال المصنف ﵀: [فصل: وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه ومجيب كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦].].
من فقه المصنف أنه ذكر مسألة القرب بعد مسألة المعية، من باب ترتيب المعاني العلمية، والفرق بين قربه ﷾ وبين معيته أن الله ذكر معيته عامة وخاصة، وأما القرب فإنه لم يرد في الكتاب أو في السنة إلا على وجه من الاختصاص بالمؤمنين، ولم يذكر مضافًا إلى سائر الخلق، ولهذا تقول: الله ﷾ مع سائر خلقه، لكن لا تقول: إن الله قريب من سائر خلقه، وذلك لأن النصوص فرقت بين المقامين، فإن لفظ القرب يقتضي قدرًا من الرضى والقبول، ولهذا ما ذكر عن الله في القرآن إلا في حق أهل الإيمان: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦].
قال المصنف ﵀: [وقوله ﷺ: (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)].
القرب هنا من هذا الوجه هو قرب خاص.
ويأتي ذكر القرب في القرآن، ويراد به قرب الملائكة كقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] فهذا فيه نزاع بين أهل العلم، منهم من يقول: قرب الله، ومنهم من يقول: إنه قرب الملائكة، وهذا هو الصحيح، لأن المقام هنا مقام عام، وهو انتزاع الروح، وهذا ما عُني شيخ الإسلام ﵀ بتقريره وأنه لا يصح هنا أن يقال: إنه قرب الله، بل القرب هنا قرب الملائكة، وهذا هو الذي يقتضيه الأصل في هذه الصفة ويقتضيه السياق.
[ ١٣ / ٨ ]
إثبات القرب والمعية لا ينافي إثبات العلو والفوقية
قال المصنف ﵀: [وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليم في دنوه، قريب في علوه].
فمن حقق الإيمان بهذه الجملة الشرعية العقلية أنه سبحانه ليس كمثله شيء، ذهب عنه جميع اللوازم التي تعرض لعقول من ضعف إيمانهم.
والله ﷾ لم يأمر الخلق أجمعين بالنظر، وإنما أمر بالنظر من استدعت حالته ذلك، بمعنى أنه اعترى فطرته وعقله الضروري قدر من الفساد، فهنا يؤمر باستعمال العقل النظري، لأن العقل النظري يستعمل فيه القياس الوسط، بخلاف الفطرة والعقل إذ ليس فيهما مادة من القياس، فقوله تعالى مثلًا: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] لا يعني أنهم ينظرون في شيء لا يدرك إلا بالنظر، كما فهمت المعتزلة، فإن الشيء الذي نبهوا إليه مدرك بأصل الفطرة، وبدليل العقل الضروري.
ولكن من اختلت فطرته أو مدرك العقل الضروري عنده، فإنه يؤمر بالنظر.
ولهذا غلط الأئمة طريقة المعتزلة لأنهم قالوا: أول واجب على المكلف النظر، قالوا: لأنه تحصيل للحاصل، وتحصيل الحاصل ممتنع.
فإن قالت المعتزلة: إن الله أمر بالنظر، قيل: أمر بالنظر في حق من سقط عنده مقام العقل الضروري ومقام الفطرة، وإلا فأصل مدرك العقل الضروري ومدرك الفطرة: أن الله ﷾ له الربوبية وله الألوهية، وله الكمال.
[ ١٣ / ٩ ]