من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة، وأنها أنواع، منها ما يختص برسول الله ﵊، ومنها ما يشاركه فيها غيره من الملائكة والنبيين والمؤمنين، وأعظم أنواع الشفاعة: الشفاعة العظمى، التي اختص بها الرسول ﷺ، وهي المقام المحمود الذي وعده ربه ﷾.
[ ١٧ / ١ ]
الشفاعة وأنواعها
قال المصنف ﵀: [وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه].
[ ١٧ / ٢ ]
الشفاعة العظمى
هذه الشفاعة هي الشفاعة العظمى، ودليلها القرآن بظاهره، والسنة بصريحها، وإجماع أهل القبلة، فإن هذه المسألة حكي إجماع المسلمين عليها، وممن حكى إجماع المسلمين عليها الإمام ابن تيمية، فقد قال: إنها مجمع عليها بين سائر طوائف أهل القبلة، وهي الشفاعة العظمى بإجماع المسلمين، فضلًا عن السلف، ودليلها صريح السنة، بما ثبت في الصحيحين وغيرهما من غير وجه.
وأما قولنا: وظاهر القرآن؛ فلأن القرآن ليس صريحًا في هذا، فهو لم يذكر هذه الشفاعة صريحة، وإنما الصريح هو اللفظ المفصل، وأما القرآن فإنه ذكر لفظًا مجملًا، وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فهذا المقام المحمود هو الشفاعة، ولهذا ذهب جمهور المفسرين من السلف والصحابة ومن بعدهم -كما ذكره ابن عبد البر، وابن تيمية وابن جرير، وغيرهم- إلى أن المقام المحمود في القرآن هو الشفاعة العظمى، هذا هو المأثور في تفسير هذه الآية، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك في حديث الأذان.
فيقال إذًا: إن دليل الشفاعة ظاهر القرآن، وصريح السنة، والإجماع القطعي، كما في حديث أبي هريرة، وكذلك جاء في البخاري وغيره عن أنس في سياق طويل؛ وفيه: أن الناس يأتون آدم فيعتذر، فيأتون نوحًا فيعتذر، فيأتون إبراهيم فيعتذر، فيأتون موسى فعيسى ..
فيأتون محمدًا ﷺ، قال: (فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه بشيء لم يفتح لأحد من قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع).
فهذه هي الشفاعة العظمى.
[ ١٧ / ٣ ]
الشفاعة لأهل الجنة بدخولها
قال المصنف ﵀: [وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له].
أما الأولى: فلا شك أنها خاصة به؛ لأنها مقام واحد، وهي شفاعته في فصل القضاء بين العباد، فيجاب بهذه الشفاعة، فينتهي الطلب؛ لأن الطلب هو الفصل والقضاء.
أما الثانية: وهي شفاعته في دخول أهل الجنة الجنة، فإن كان مقصود المصنف ﵀ ابتداءها؛ بمعنى أنه أول من يتبدئ الشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة؛ فهذا صحيح، ودليله بين.
وأما إن كان المقصود أن الشفاعة بدخول الجنة تختص به، فلا يشفع أحد بعده في ذلك؛ فهذا مما لم يأت فيه نص صريح، والله أعلم.
[ ١٧ / ٤ ]
الشفاعة لمن استحق النار أن لا يدخلها ولمن دخلها أن يخرج منها
قال المصنف ﵀: [وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها].
شفاعته في من استحق النار أي: من المسلمين، وليس من الكفار، فإن الكفار قد قال الله عنهم: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وفي مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، هذه هي الشفاعة بنجاة الكافر من عذابه، بمعنى: أن من ترك التوحيد فإن الشفاعة لا تنفعه، ولا تجزي عنه شيئًا، ولذلك نجد في القرآن نفيًا للشفاعة، ونجد في القرآن إثباتًا للشفاعة، كقول الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٦] وفي غير موضع من القرآن ذكر الله الشفاعة: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، فهذا النوع من الشفاعة هو شفاعة الرسل والصالحين من المؤمنين، وشفاعتهم هي في أهل الكبائر من المسلمين.
ولذلك لا يشفعون إلا إذا أذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له شرطه أن يكون مسلمًا؛ لأن الله ﷾ قال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، فإذا كان الله قد رضي عن المشفوع له بتحقيقه أصل التوحيد، فإنه يكون ممن ينال هذه الشفاعة، ولهذا لما قال أبو هريرة -كما في البخاري - للنبي ﷺ: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه).
فمن استحق دخول النار فدخلها -وهو من المسلمين- فيمكن أن يخرج من النار بشفاعة النبي ﷺ، وكذلك الأنبياء والصالحين، فإن الإسلام العام يدخل فيه كل من أسلم من أمة محمد أو من غيرهم؛ قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ﴾ [الحج:٧٨]، وفي تسمية إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧] إلى غير ذلك، فأهل الكبائر من المسلمين من أتباع الرسل يشفع لهم محمد ﷺ وإخوانه من الرسل، ويشفع لهم الصالحون من الأمم، فهذه الشفاعة لمن دخل النار متفق عليها بين السلف، ودليلها صريح ومتواتر.
وأما الشفاعة لمن استوجب دخول النار قبل أن يدخلها، فدليلها العمومات، ولم يثبت فيها نص مفصل، إلا في أحاديث ليست من جهة الصحة منضبطة، وقد نبه على هذا ابن القيم وجماعة، لكنها مما يدل عليه العموم، وبطريق الأولى، فإن الرسل إذا شفعوا فيمن دخل النار، فمن باب أولى أن تكون الشفاعة فيمن استوجب دخول النار؛ لأن من استوجب دخول النار أقرب إلى الصلاح والتقوى ورضا الله ﷾ واتباع السنن النبوية ممن دخل النار، فهذه الشفاعة لا ينبغي أن يتردد فيها كما تردد البعض، وعلل ذلك بعدم ثبوت دليلها، ولذلك أقول: بل دليلها منضبط، وهو العمومات، فإنهم من أهل الكبائر، والشفاعة لأهل الكبائر ثابتة بصريح السنة.
[ ١٧ / ٥ ]
إخراج الله سبحانه أقوامًا من النار بغير شفاعة
قال المصنف ﵀: [ويخرج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته].
بمعنى أن الله ﷾ يغفر لقوم من المسلمين ما هو من ذنوبهم، فلا يستتم عذابهم، لا بشفاعة أحد، وإنما بمحض فضله ﷾ ورحمته، فإن كل من يخرج من النار ممن دخلها إنما يخرج منها بفضل الله ﷾، ولذلك فإن التعبير الصواب أن لا يقال: إن من دخل النار يخرجون منها بالشفاعة أو إذا استوفوا عذابهم، فإنه لا أحد يستوفي ما يستحقه من العذاب؛ لأن كل من يخرج من النار من أهل الكبائر من موحدة المسلمين يخرجون بفضل من الله، ومن فضله ﷾ أنه يأذن بالشفاعة للأنبياء والرسل والصالحين وللملائكة.
وكل من خرج من النار حتى الذين يخرجهم ﷾ بفضله ورحمته، ليس معنى هذا أنهم قد استوفوا سائر ما يتعلق بهم من العذاب، فإنهم لو بقوا في النار زيادة على ذلك فلن يكون ذلك ظلمًا.
ولذلك يخرج الله ﷾ بفضله أقوامًا من النار، ففضله سبحانه ورحمته تلحق جميع المسلمين، برهم وفاجرهم، حتى من دخل النار، وحتى من لم تنله الشفاعة، فإنه يلحقه فضل من الله، وهذا معنى قوله ﷾ في الحديث القدسي: (إن رحمتي سبقت غضبي).
فالتعبير الصواب: أن لا يقال: من استوفى العذاب وجوزي على سائر عمله وسيئته، فإن هذا ليس في النصوص ما يدل عليه، وهو خلاف الأصل، فإن الأصل أن رحمته سبحانه سبقت غضبه، وأن الجميع بفضله ورحمته؛ لأن القرآن يقرر أن الله لو عذب الخلق وعاجلهم بعذاب في الدنيا لما كان ظالمًا لهم، فكذلك في مقام الآخرة؛ فإن العذاب عدل، والثواب والجزاء بالخير فضل منه ﷾.
قال المصنف ﵀: [ويبقى في الجنة فضلٌ عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة].
يبين المصنف ﵀ هنا: أن الجنة يبقى فيها فضل، أي يبقى بها مكان لم يستوفه المسلمون، فينشئ الله ﷾ خلقًا الله أعلم بماهيتهم، فيدخلون الجنة، وهذا من كرم الله ﷾ على هذا الخلق الذي ينشئه.
وأما النار فإنه لا يخلد فيها ولا يبقى فيها إلا من كفر بالله ﷾، وجهنم تمتلئ، كما ثبت في الصحيح وغيره.
وهذه الأصول -وهي ما يتعلق بمسألة الشفاعة- متفق عليها بين أهل السنة والجماعة، والمخالفون في مسألة الشفاعة هم الخوارج والمعتزلة ومن يوافقهم في هذا الباب من الشيعة.
فإن الخوارج والمعتزلة ينفون الشفاعة لأهل الكبائر؛ وذلك لأن مرتكب الكبيرة عند الخوارج والمعتزلة مخلد في النار، وقد استدلوا على نفي الشفاعة في حق أهل الكبائر بالآيات المذكورة في القرآن في حق الكفار، كقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، فحملوا هذه الآية على أهل الكبائر.
وهذا ليس في محله؛ لأن هذه الآية في قوم كفار، وأهل الكبائر هم من أهل الإسلام، وممن ثبت إسلامهم ودينهم كصريح دين المسلمين، وإلا للزم من ذلك أن جماهير المسلمين ليسوا من المسلمين، فإن المستقيمين على أمر الله الذين لم يقترفوا كبيرة ولم يأتوها هم القلة القليلة من الناس.
فالمقصود من هذا: أن الخوارج والمعتزلة ومن يوافقهم ينفون الشفاعة لأهل الكبائر، ويرون أنهم مخلدون في النار، وهذه من البدع المغلظة التي اختص بها هؤلاء عن طوائف المسلمين.
قال المصنف ﵀: [وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء، وفي العلم المورث عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده].
أشار المصنف لأخص الجمل، وأما التفصيل لباب اليوم الآخر وما يتعلق به، كالثواب والعقاب، فهذا مفصل في الكتاب والسنة والكتب المنزلة من السماء، أي: الكتب السماوية المنزلة على الرسل، كالمنزل على موسى وعيسى وداود وإبراهيم، وغيرهم من الأنبياء.
[ ١٧ / ٦ ]