عقيدة أهل السنة والجماعة في الدين والإيمان أنه قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، كما يعتقدون أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وأن من أتى معصية فلا يحكم عليه بالكفر بسبب إتيانها كما قالت الخوارج، وإنما يقال: هو مؤمن ناقص الإيمان.
[ ١٩ / ١ ]
مسائل الإيمان
قال المصنف ﵀: [فصل: ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح].
قوله: (ومن أصول أهل السنة) إشارة إلى قدر هذا الباب، وأن القول في مسمَّى الإيمان هو من الأصول المتفق عليها بين أئمة السنة والجماعة، وإذا كان القول من الأصول، فإن القاعدة فيه معروفة من جهة أنه لا يجوز مخالفته، ولا يجوز الاجتهاد بخلافه، حتى ولو كان الاجتهاد عند المجتهد أو الناظر مبنيًا على نوع من الدليل الشرعي، ولهذا فلا شك أن قول مرجئة الفقهاء -ولا سيما أئمة هذا القول كـ حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة - لم يكن مبنيًا على شيء من الأصول البدعية الكلامية، أما بدع الجهمية والمعتزلة التي خالفوا بها السلف فإنها بنيت على أصول من علم الكلام، بخلاف حماد بن أبي سليمان، فإنه لما قال مقالته -وهو أول من خالف من أئمة السنة في هذه المسألة- فلا شك أنه بناها على شيء من الدليل الشرعي، كالاستدلال بقول الله تعالى في القرآن كثيرًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧]، وظهر له من هذه السياقات أن العمل ليس من الإيمان.
فالمقصود: أن مثل هذا الاجتهاد لا يجوز ولو كان مبنيًا على دليل شرعي، وهذا من جهة أن الاجتهاد بعد ثبوت الإجماع يعلم غلطه ولا بد.
وإنما كان محرمًا ومنهيًا عنه؛ لأن الإجماع إذا انعقد علم أن الاجتهاد يتعذر أن يُحصَّل به صواب يخالف ما سبق الإجماع عليه.
وهذه قاعدة مطردة: أن الإجماع إذا تحصَّل امتنع الاجتهاد بخلافه، ولو كان المجتهد يبني اجتهاده على ظاهر دليل، وحتى لو كان ظاهر الدليل في نظره مخالفًا للإجماع، فما دام الإجماع محفوظًا، فلا يجوز النظر بخلافه؛ لأنه يعلم الغلط فيه ولا بد.
[ ١٩ / ٢ ]
الدين والإيمان قول وعمل
قال ﵀: (ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل).
المصنف هنا قال: (الدين والإيمان)، والاختلاف عند أهل القبلة إنما هو في اسم الإيمان، وأما اسم الدين فقد أجمع المسلمون على أن الدين قول وعمل، فهذا مما لا يختلفون فيه، وليس من موارد الخلاف، وأجمعت الطوائف جميعها على أن الإيمان من الدين، ولكن منهم من يذهب إلى الترادف بين الدين والإيمان، ومنهم من يفرق من وجه.
وكأن من محصِّل مذهب أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان -أو هذين الاسمين- على مسمىً واحد، بخلاف المرجئة، فإنهم باتفاقهم لا يجعلون العمل داخلًا في مسمَّى الإيمان وإن كانوا يجعلونه من الدين.
وحتى الطرف الآخر في المسألة وهم الخوارج والمعتزلة الذين يقولون: إن الإيمان قول وعمل ولكنه لا يزيد ولا ينقص، في ظاهر مذهبهم -وإن كانت هذه المسألة لا يعتنون بتحريرها- أنهم يفرقون بين الدين والإيمان.
لكن هناك فرق بين المعتزلة والخوارج، فالمعتزلة حكي في مذهبهم الخلاف، والخوارج منهم من يحكي الإجماع عندهم ومنهم من يحكي الخلاف.
فالمسألة -كما أسلفت- ليست محررة في كتبهم أو فيما نقل عنهم، لكن النوافل منهم من يجعلها من الإيمان، ومنهم من يقول: إنها من الدين وليست من الإيمان، فيتحصَّل أن الضبط لاسم الدين واسم الإيمان على هذا المعنى هو من المعاني المستقرة في كلام أهل السنة والجماعة.
فقول المصنف: (أن الدين والإيمان) أما الدين فلا خلاف فيه بين المسلمين أنه قول وعمل، وإنما الخلاف في اسم الإيمان.
فإن قيل: فإذا كان لا خلاف فيه فلم ذكره المصنف؟
فالجواب: أن هذا نوع من التصحيح، وهو نوع من الإلزام، بمعنى: أنه إذا كان مستقرًا عند المسلمين أن الدين قول وعمل، فينبغي أن يستقر عند المسلمين أن الإيمان قول وعمل، وإن كان النظَّار من المرجئة أو غيرهم يفرِّقون بين الدين والإيمان، فإن المستقر عند عامة المسلمين وحتى علماء المرجئة القاصدين للسنة والجماعة أن الأقرب إلى الأصول الشرعية والفطرية أن الدين والإيمان على معنىً واحد، فيكون هذا أدعى للتصحيح عند العامة، وهذا ليس من باب الخطاب بالعاميات؛ لأن المخالفين إنما خالفوا بأصولٍ مبتدعة، والأصول التي عند العامة تلقوها عن منهج الرسالة العام، فيكون الاستعمال لها حسنًا من هذا الوجه.
وقوله: (قول وعمل)، أجمع السلف ﵏ وأئمة السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل، وإن كانت عباراتهم قد اختلفت ألفاظها، فالمشهور عن جمهورهم أنهم يقولون: الإيمان قول وعمل ..
هذا هو التعبير الذي نطق به الجمهور من السلف، ومن السلف من قال: الإيمان قول وعمل واعتقاد.
ومنهم من يقول: إنه قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح.
ومنهم من يقول: إنه قول وعمل ونية واتباع للسنة.
كـ سهل بن عبد الله، وهو من النسَّاك، وإن كان عنده قدر من العلم، لكنه اشتهر بالعبادة والنسك.
وقال البخاري في صحيحه -في إحدى روايات صحيح البخاري -: الإيمان قول وفعل.
وإن كانت هناك رواية أخرى لصحيح البخاري فيها: أن الإيمان قول وعمل.
لكن الموجود في صحيح البخاري الآن: أن الإيمان قول وفعل.
وإن كان من الشرَّاح من تكلم على تعبير البخاري بالفعل.
والأصل في هذا ألا يبالغ في الفرق بين العبارات، وهذا منهج سبق أن نبهت إليه: أن التفقه في المعنى الاصطلاحي يُستعمل في مسائل التكليف، سواء كان هذا التفقه من النظر في كلام الله ﷾، أو كلام رسوله، أو حتى في كلام أهل العلم.
أما تعبير السلف في مسائل الأصول، فكلما قُصِدَ إلى أن الخلاف لفظي بينهم فإن هذا يكون أجود، فينبغي أن يجعل الخلاف في التعبير عن الأصول من الخلاف اللفظي، وعلى الأقل: ينبغي أن يجعل ذلك من خلاف التنوع، أما كثرة التفريق بأن هذا يشير بقوله كذا وكذا إلى كذا وكذا من المعاني، وقد يكون اللفظ محتملًا لذلك، لكن معرفة أن هذا المتكلم قصد ذلك فيه تعذر.
وفي الغالب أنه صدرت هذه الإجابات من الأئمة ليس عن كثير من هذه الإشارات، إنما كانوا يقصدون بها معنىً واضحًا: أن الإيمان قول وعمل، على ما فصَّله شيخ الإسلام هنا.
إذًا: تعبير السلف هنا مختلف، وإذا قيل: هل هذا التعبير من الخلاف اللفظي، أم من خلاف التنوع، أم من خلاف التضاد؟ فقطعًا أنه ليس من خلاف التضاد، ولكن البعض يقول: إنه خلاف تنوع، وهذا أيضًا غلط؛ لأنه إذا اختلف هذا التعبير مع التعبير الآخر فلا بد أن يتضمن أحد التعبيرين معنى ليس في التعبير الآخر، فعندها يكون الاختلاف من باب اختلاف التنوع، فيكون في أحد التعبيرين من المعنى ما ليس في الآخر، وإن كان لا ينافيه، فإذا وجد هذا قيل: إن الخلاف هنا خلاف تنوع.
أما اختلاف ألفاظ السلف في التعبير عن الإيمان فهو من باب الخلاف اللفظي، والخلاف اللفظي لا يفهم منه أنه لا ثمرة له كما هو مشهور عن مسائل الخلاف اللفظي عند كثير من أهل الأصول، إنما هنا وإن كان الخلاف لفظيًا إلا أن ثمرته هي إظهار أبين العبارات وأصدقها في التعبير عن الحقائق العلمية؛ ولذلك كان التعبير الذي يقول: إن الإيمان قول وعمل -وهو الذي عبَّر به الجمهور من السلف- هو أصدق هذه التعبيرات، أصدقها من جهة الألفاظ؛ لأنه أحكم لفظًا، ووجه كونه أحكم من جهة اللفظ: أن قولهم: الإيمان قول وعمل تضمن المقامات الأربعة: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، أما قول اللسان فمعروف، وأما قول القلب فهو تصديقه بما هو من التصديقات الشرعية، وأما عمل القلب فهو حركته بهذا التصديق بأعماله المناسبة له؛ كالمحبة والخوف والرجاء ونحو ذلك، وأما عمل الجوارح فهو بيِّن.
فهي أربعة مقامات: قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
وفي هذا بيان لفضل هذه الجمل: أن الإيمان قول وعمل.
وبالنظر البسيط إلى هذا التعريف: أن الإيمان قول وعمل، قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس أن يقول: أين الاعتقاد؟ فمن خلال ما سبق يتبين أن الاعتقاد هو قول القلب.
وهناك وجه آخر، وهو وإن لم يكن صريحًا لكنه أجود من جهة الإفادة، وهو: الإشارة إلى قدر من التلازم والتركب، ومعنى هذا الكلام: أن الإيمان في سائر موارده متركب من القول والعمل، سواء كان هذا التركب بطريق التضمن أو كان هذا التركب بطريق اللزوم؛ أما المطابقة فلا تكون إلا في شيء واحد، وإذا استعملت التركب فلا بد أن يكون عندك شيء وآخر، فهذا التركب يكون بطريق التضمن تارة ويكون بطريق اللزوم تارة أخرى.
ومن فَقِهَ هذا المعنى من النظر العقلي الشرعي، بانَ له أن سائر أقوال المرجئة ليست خاطئة فحسب؛ بل هي خاطئة من جهة العقل فضلًا عن الشرع، ووجه ذلك: أن سائر المرجئة -بل سائر أهل القبلة- يقولون: إن اعتقاد القلب وتصديق القلب هو الإيمان، وهو عند أهل السنة من الإيمان، والمهم أن اعتقاد القلب -الذي هو قول القلب- هو من الإيمان بلا جدل بين المسلمين.
فهنا يقال: إن كل ما هو من الإيمان عند السلف فهو مركب من هذين: قول وعمل، وهذا التركب إما أن يكون تضمنًا وإما أن يكون لزومًا.
والمرجئة لما جاءوا إلى العبادات الظاهرة كالصلاة قالوا: إنها ليست من الإيمان، مع أنهم اتفقوا على أن التصديق من الإيمان، ومنهم من يخصه به؛ فيرد عليهم أن الصلاة وسائر الأعمال الظاهرة حقيقتها أنها مركبة من قول القلب الذي هو تصديقه، ومن العمل، وليس هناك صلاة ولا عمل ظاهر ينفك عن التصديق؛ فالصلاة حقيقتها أنها مركبة من العمل الظاهر -وهي الحركات التي شرعت كالركوع والسجود ورفع اليدين، سواء كانت ركنًا أم كانت مستحبةً- ومركبة من الاعتقاد والتصديق.
والصلاة ليست ماهيتها تصديقًا محضًا لا عمل معه، ولو قال قائل: إن الصلاة هي تصديق محض لا عمل معه، لأنكر جميع النظَّار وجميع المسلمين ذلك.
ولو جاء شخص وقال: أنا أصلي بقلبي، أؤدي الصلاة بقلبي، وأقوم بهذه الأعمال بقلبي وأصدق بها؛ لقيل له: هذه ليست صلاة شرعية، فكذلك من زعم أن الصلاة -والصلاة مثال وسائر الأعمال الشرعية على حكم الصلاة في القاعدة- هي عمل وليست تصديقًا، فيقال للمرجئ إذا أقر أن الصلاة مركبة من العمل والتصديق: ألست تجعل التصديق من الإيمان؟
إذًا: عرفنا ضرورة عقلية وشرعية أن الصلاة ماهية مركبة من التصديق والعمل، من قول القلب والعمل، ولك أن تقول: إنها مركبة من ماهية الإيمان كله عند أهل السنة، وماهية الإيمان أربعة مقامات:
المقام الأول: قول القلب، والصلاة فيها قول القلب، فمن صلَّى وهو غير مصدق بأن الصلاة من الإسلام فصلاته باطلة، ومن صلَّى الظهر -مثلًا- وهو غير مصدق أن صلاة الظهر شرعها الله ورسوله أربعًا، فصلاته غير صحيحة، وكم من التصديقات اللازمة في الصلاة! فهذا قول القلب.
المقام الثاني: عمل القلب، فمن صلَّى وهو لا يصلي محبةً لله وخوفًا ورجاءً، فصلاته مثل صلاة عبد الله بن أبي، صلَّى لكنه ما صلَّى محبة وخوفًا ورجاءً، فإذًا لزم بالضرورة أن الصلاة مضمنة بعمل القلب.
المقام الثالث: قول اللسان؛ فالصلاة متضمنة لقول اللسان، فإن المصلِّي يقول: الله أكبر، ويقرأ الفاتحة، ويقرأ الشهادتين في آخر الصلاة وما إلى ذلك.
المقام الرابع: عمل الجوارح، فالصلاة متضمنة لعمل الجوارح، فإنه يركع ويسجد وما إلى ذلك.
ولو أن مصليًا أسقط أحد هذه المقامات الأربعة فصلاته باطلة بإجماع المسلمين.
إذًا: الصلاة الشرعية -والكلام هو في الأعمال الشرعية لا في الأعمال العادية- مركبة من ماهية الإيمان، فيمتنع هنا أن تقول المرجئة: العمل ليس من الإيمان، والتصديق من الإيمان، فقولهم هذا مبني على فرض أن الأعمال توجد منفكة عن التصديقات، وليس هناك عمل شرعي واحد ينفك عن التصديق، فإنه إذا انفك عن التصديق أصبح عملًا غير شرعي، ولو أن شخصًا دخل المسجد هروبًا من لص، أو ممن يريد قتله، أو من شيء من هذا القبيل، فأراد أن يظهر لمن يركض خلفه أنه منشغل بالصلاة، وأنه ليس هو الشخص الذي هرب، فبدأ يتحرك، فإن هذا لا يحتسب له أنه مصلٍّ، ومن قام ليري شخصًا كيفية الركوع الصحيحة، فهذا لا يقال:
[ ١٩ / ٣ ]
زيادة الإيمان ونقصانه
قال المصنف ﵀: [وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية].
يزيد بالطاعة، سواء كانت هذه الطاعة قلبية أو كانت ظاهرة، وسبق معنا أن مقامات الإيمان المركبة أربعة، فالزيادة والنقصان عند أئمة السنة هي في سائر المقامات الأربعة: في التصديقات، وفي عمل القلب، وفي قول اللسان، وعمل الجوارح.
وأبو محمد ابن حزم وإن كان كلامه في مسمَّى الإيمان حسنًا في الجملة إلا أنه قال: إن مقام التصديق القلبي لا يدخله الزيادة والنقصان، وهذا غلط، وممن نبه إلى غلطه فيه شيخ الإسلام ﵀، ونقل -أعني ابن تيمية - عن الإمام أحمد نصوصًا صريحة في أن التصديق يتفاضل ويزيد وينقص؛ لأن ابن حزم التفت إلى أن التصديق إذا نقص صار كفرًا أو شكًا، وهذا ليس بلازم، فإن التصديق يتفاضل، ومعلوم أن تصديق أبي بكر بالتشريعات والأخبار الشرعية وما إلى ذلك ليس كتصديق آحاد الناس، بل لا شك أن العمل في الجملة فرع عن تحقيق التصديق والإيمان القلبي.
[ ١٩ / ٤ ]
حكم أهل المعاصي عند أهل السنة
قال ﵀: [وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج].
أهل السنة بخلاف الخوارج، لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، ومن ضبط تعبيره أنه لم يقل: لا يكفرونهم بالمعاصي والكبائر؛ لأن الشرك معصية وكبيرة، والنبي ﷺ في حديث أبي بكرة قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله.
قال: الإشراك بالله )، وفي حديث ابن مسعود في الصحيح: (أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله ندًا وهو خلقك).
فالقصد: أن تسمية الشرك كبيرة أمر ثابت في السنة، وإن كانت الكبيرة إذا اقترنت بذكر الكفر أو الشرك انصرفت إلى ما دون الكفر، بخلاف ما إذا انفردت فإنه يذكر بها الكفر وما دونه.
فمن ضبط المصنف هنا أنه قال: بمطلق المعاصي، أي: بآحاد الكبائر.
والذين يكفرون بها هم الخوارج، وجمهورهم يقولون: إنه يكفر كفر ملة، وقالت الإباضية منهم: إنه يكفر كفر نعمة، مع اتفاق الطائفتين على أنه في الآخرة مخلد في النار.
قال ﵀: [بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]].
الأخوة الإيمانية ثابتة ولو مع الكبائر التي لا تنافي أصل الإيمان؛ خلافًا للمعتزلة الذين جعلوا الكبيرة موجبةً لإسقاط أصل الإيمان، ومسقطةً لأصل الأخوة في الدين، فيسلبون الفاسق الإيمان، ويجعلونه في منزلة بين الكفر والإيمان، وهذه منزلة مخالفة لأصول النظر والعقل؛ ولذلك ما يُزعم من أن المعتزلة هم أرباب العقل والانضباط العقلي هو تلبيس عظيم؛ فإن أول مبدأ المعتزلة كان في مسألة الكبيرة، فجاءوا بحكم مخالف للعقل، مخالف للذوق، مخالف للشرع من جميع الجهات، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار.
فهذا مخالف -إن صح التعبير- للانفتاح العقلي، فكيف يزعم بعض الكتاب أن المعتزلة هم أرباب الانفتاح العقلي في تاريخ المسلمين، وهم رواد العقل والانفتاح والحرية العقلية، وأن الأئمة والمحدثين كانوا هم أهل الانغلاق والتشدد؟! فمن يزعم ذلك فلا شك أنه لم يفقه مذهب المعتزلة.
فإن المعتزلة جميعهم قد اتفقوا على أن من ارتكب كبيرة من المسلمين صار مخلدًا في نار جهنم، وهذا من أصولهم، بل هو أول الأصول الذي انشقوا بها عن المسلمين، فأي انفتاح وأي اعتدال عقلي وأي سعة نظر يمكن أن يوصفوا بها مع هذا الأصل؟! هذه جهة.
الجهة الثانية: أنهم جاءوا باسم منغلق لا تستطيع أن تضع له مكانًا، فالخوارج على أقلِّ تقدير قالوا: هو كافر؛ لأن الناس إما كافر وإما مسلم، لكن هؤلاء قالوا: ليس بكافر وليس بمؤمن، بل في منزلة بين المنزلتين، فهذه المنزلة لا يوجد لها مكان في العقل، فمهما حاول العقل أن يثبت منزلة يكون صاحبها ليس مؤمنًا وليس كافرًا فإنه لا يستطيع.
قد يقول قائل: إن المعتزلة يقولون عنه: هو فاسق، فأقول: هذا الفاسق في مذهبهم ليس عنده شيء من الإيمان، ومن ليس عنده شيء من الإيمان يكون كافرًا، فالكافر هو منعدم الإيمان.
ولذلك لما كانت هذه المنزلة منزلةً وهمية في العقل، وكانت القضية قضية أسماء، استطاع المعتزلة أن يوجدوا لها هذا الاسم في الدنيا، وفسروا اسم الفاسق في القرآن بمثل هذا، لكن لما جاءهم مقام الآخرة، ومقام الآخرة لا يوجد فيه أسماء وهمية، بل هناك حقائق؛ إما جنة وإما نار؛ انغلق عليهم القول، فجعلوه مخلدًا في النار.
إذًا: مذهب المعتزلة في هذه المسألة مذهب ركيك من جهة العقل نفسه، وهم إنما تقووا بالعقل لما نقلوا هذا النقل من كتب الفلاسفة وما ركبوه في علم الكلام المولد من الفلسفة، وهذا ليس لهم فيه شرف؛ لأنه منقول عن غيرهم في الجملة.
قال المصنف ﵀: [وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]].
وجه الدلالة أن الله قال: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)، مع أنه يُعلم أنهم حال اقتتالهم لا بد أن يكون أحدهم ظالمًا والآخر مظلومًا، فلا بد أن يكون أحدهما باغيًا على الآخر، فسماهم مؤمنين، والمراد هنا أصل الإيمان، ولا يلزم بالضرورة أن يراد الإيمان الكامل؛ ولذلك قال بعد هذا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠].
قال ﵀: [ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية].
قيد المصنف اسم الفاسق بقوله: (الملي)؛ لأن الفسق يأتي في القرآن ويراد به الكفر بالله، قال الله تعالى عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]، وكالفسق المطلق في القرآن؛ فقد نص شيخ الإسلام على أن اسم الفاسق إذا أطلق في القرآن فإنه يراد به الكافر، بل هذا هو الغالب على موارد ذكره في القرآن، وإن كان قد استعمل في غير ذلك، كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات:٦]، فالفاسق هنا ليس المراد به الكافر، وإنما المراد به الكاذب أو ما إلى ذلك، هذا إذا فسرت الآية بما هو مشهور من جهة التفسير في سبب نزول هذه الآية.
قال ﵀: [ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]].
فالفاسق يدخل في اسم الإيمان، وإن كان لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، وهذه من حقائق مذهب السلف: أن اسم الإيمان ورد في كتاب الله موردًا متنوعًا، وهذه الحقيقة هي الموجبة لضبطهم لمسألة الإيمان، بخلاف غيرهم من الطوائف، فإن أصل غلطهم أنهم جعلوا مورد اسم الإيمان في القرآن واحدًا؛ فالخوارج والمعتزلة وجدوا أن القرآن يذكر المؤمنين عند الإطلاق على التحقيق، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] وما بعدها من الآيات، وكقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ [الأنفال:٢]، فوجدوا أن الاسم المطلق للمؤمنين إنما يكون لمن حقق الإيمان، فاعتبر الخوارج والمعتزلة مثل هذه السياقات.
وأما المرجئة فإنهم اعتبروا ظاهر التفريق من مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧].
والصواب: أن مورد الإيمان متنوع في كتاب الله، ولذلك فقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] المقصود هنا بالمؤمنة: من حقق أصل الإيمان، ولذلك يصح عتق الفاسق بإجماع الفقهاء.
قال ﵀: [وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ [الأنفال:٢] وقوله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)].
المؤمن هنا هو المؤمن المطلق المذكور في قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، فالزاني حين زنى لم يكن داخلًا في هذا الاسم؛ لكنه يدخل في قول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢].
قال ﵀: [ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته].
الجملة الأولى أفصح في مخالفة المرجئة؛ لأن جماهير المرجئة يقولون عن مرتكب الكبيرة: إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، كالأشعرية ونحوهم، لكنهم لا يجعلون إيمانه ناقصًا بموجب هذه الكبيرة، والسلف كانوا يقولون عنه أنه مؤمن ناقص الإيمان، وهذا أفصح من جهة مخالفة المرجئة.
قال ﵀: [فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم].
قوله: (لا يعطى الاسم المطلق) هو اسم الإيمان المطلق في سائر موارده، (ولا يسلب مطلق الاسم) بحيث لا يسمى مؤمنًا في سائر الأحوال، بل يسمى مؤمنًا بحسب المقام المقتضي له، والمقام المقتضي له ما يتعلق بأحكام الدنيا؛ كالعتق وما يتعلق بالشهادة له بأصل الإيمان ..
وهلم جرًا.
[ ١٩ / ٥ ]