معتقد أهل السنة والجماعة في الصحابة أنهم خير خلق الله بعد أنبياء الله، وقد اصطفاهم الله لصحبة نبيه ولحمل دينه وتبليغه لمن يجيئون بعدهم، كما يعتقدون فيهم أنهم يتفاضلون فيما بينهم، وأن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر وأصحاب بيعة الشجرة، ويعتقدون لزوم السكوت عما شجر بين الصحابة وسلامة القلوب والألسنة لهم رضوان الله عليهم أجمعين.
[ ٢٠ / ١ ]
موقف أهل السنة والجماعة من الصحابة
قال ﵀: [فصل: ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]].
قوله: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم)، ذكر القلوب والألسنة، لأن الواجب هنا أن يكون المسلم على فقه بشأن الصحابة وبما حصل من النزاع بينهم، يوجب له هذا الفقه ألا يقع في قلبه شيء على الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا يكفي في ذلك أنه لا يعبر؛ فإن بعض الناس قد يعرض في نفسه ما هو من الإشكال في شأن الصحابة ولا يعبر به، ومحقق الإيمان لابد أن يتصف بسلامة قلبه ولسانه لأصحاب النبي ﷺ.
وتعظيم شأن الصحابة قد قال بعض أهل البدع أنه لا يدخل في مسائل أصول الدين، وهذا غلط؛ لأن هذا من أخص مسائل أصول الدين، ومن طعن في الصحابة رضي الله تعالى عنهم فقد خالف ما هو من أهم الأصول وأخصها.
فإن قيل: فما موجب ذلك؟ قيل: لأن الله في القرآن جعل ثبات الإسلام ومنهج الإسلام مرتبطًا بأصحاب نبيه، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وهذه الآية من أقوى وأصرح ما في القرآن، وفيها خطاب شرعي وخطاب عقلي، فيمكن أن يستدل بها استدلالًا عقليًا في الرد على الروافض الذين يطعنون في الصحابة، فقوله جل وعلا: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) هذا أقوى مما لو كان في سياق الآية أن السابقين الأولين هم أهل الإيمان، أو هم أهل المنهج الحق، أو يجب اتباعهم؛ لأن الله قال: (رضي الله عنهم ورضوا عنه)، وهذه الدرجة -وهي الرضا- درجة عظيمة؛ قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فهي لا تكون إلا لأئمة المؤمنين المحققين للإيمان علمًا وعملًا، ولذلك فما وصف الله ﷾ أحدًا بالرضا إلا إذا كان محققًا لهذه المنزلة؛ وهي أنه محقق للإيمان علمًا وعملًا، فهذه شهادة صريحة من الله لهم بأنهم مؤمنون محققون للإيمان علمًا ومحققون له عملًا؛ لأن بعض الناس قد يكون صاحب نسك ولكنه ليس صاحب علم.
فقوله: (﵃) هو أقوى من التصريح بكونهم مؤمنين؛ لأن الرضا لا يكون إلا لمن حقق الإيمان، ولأن الرضا حكم متعلق بالمآلات، بخلاف اسم الإيمان الذي قد تعقبه مخالفة أو كفر أو ما إلى ذلك، فقوله: (﵃) هو حكم متعلق بالمآل على التمام، ولو كانت الآية وقفت عند هذا لكان هذا كافيًا في هذه الدلالة، ولكن الآية فيها تصريح أتم وأقطع لشبهة من عنده شبهة، فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فجعل هذا الذي عليه أصحاب نبيه هو الحق؛ لأنه قال: (والذين اتبعوهم)، فعُلم أن الهدي الذي كانوا عليه -أعني: السابقين من المهاجرين والأنصار- هو الحق الذي رضيه الله دينًا لعباده، فكان اتباع الصحابة حكمًا مطردًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى أن تقوم الساعة.
وكما أن قول الله تعالى عن القرآن: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] هو أمر باتباع ما أنزل؛ فكذلك الأمر باتباع الصحابة، فعُلم أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هديهم هو الدين الذي شرعه الله ورسوله، فمن خالفهم -فضلًا عمن طعن فيهم- لا شك أنه ليس على إيمان صحيح؛ لأن الإيمان الصحيح جعل الله له مسارًا واحدًا هو: (والذين اتبعوهم بإحسان)، فلم يقل: الذين اتبعوا القرآن، ولم يقل: والذين اتبعوا محمدًا ﵊، مع أنه لا شك أن اتباع القرآن واتباع محمد ﵊ أشرف من اتباع الصحابة، ولكن المقصود هنا أن هؤلاء القوم -وهم الصحابة- متبعون للقرآن، متبعون لمحمد ﷺ، فقال: (والذين اتبعوهم) ولم يقل: الذين اتبعوا مؤمنهم أو صادقهم، إنما قال: (اتبعوهم)، والضمير يعود إلى السابقين من المهاجرين والأنصار، وقد أضاف الاتباع إلى سائرهم.
وقال تعالى: (بإحسان) وهذا يدل على أن هذا الاتباع يجب أن يكون محققًا، وأنه لا يُجتهد بمخالفته بما يوجب مخالفتهم ولو كان هذا مبنيًا على الاجتهاد؛ ولذلك فإن أي قول في العلم في الأصول أو في الفروع يخالف ما هو من قول الصحابة فلا يجوز الالتفات إليه، حتى ولو كان صاحبه قد بناه على نوع من النظر والاجتهاد، يخالف منهج الصحابة وأصول الصحابة وقاعدة الصحابة أو ما انضبط عن الصحابة، أو ما إلى ذلك من المسائل.
وإذا اختلف الصحابة جاز الاجتهاد.
والمقصود: أن ما كان من منهجهم المنضبط أو أقوالهم المنضبطة لم يجز العدول عنه، فهذا هو معنى قول الله: (بإحسان)، فقيد الاتباع بكونه بإحسان، أي: أنه اتباع مقتصد، لا غلو فيه ولا تقصير، ولا إفراط فيه ولا تفريط.
فهذا يدل على أن الطائفة التي تسير على منهجهم هي التي ينتظر لها من المنزلة ما حصل للصحابة، وذلك لقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فهؤلاء مستحقون لهذه المنزلة، ولا تستحق منزلة الرضا إلا بهذا الاتباع، فعُلم أنه لا مسار للمسلمين إلا ما كان عليه أصحاب رسول الله، فما خالفه فهو بدعة وضلالة في الدين.
[ ٢٠ / ٢ ]
الرد على شبهات الرافضة حول الصحابة ﵃
بعض من يشكل على هذا الاستدلال يقول: إن الله تعالى قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ [التوبة:١٠٠] فقال: (السابقون) وقال: (الأولون)، ولم يجعل هذا في سائر الصحابة، بل قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] ولم يجعله في سائر الصحابة.
فنقول: نعم، السابقون الأولون لهم منزلة أعظم من منزلة سائر الصحابة، كما قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠] فالسابقون الأولون الذين آمنوا من المهاجرين أولًا أو من الأنصار أولًا، هؤلاء المتقدمون زمانًا هم الذين امتدحوا، وبقية الصحابة يدخلون في الذين اتبعوهم بإحسان؛ لأن الذين أسلموا كانوا يقتدون بمن سبقهم، ففي زمن النبوة كان الصحابة يقتدون بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ألم يقل النبي ﷺ: (فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا)؟! وهذا في الصحيح من حديث أبي قتادة في سياق طويل، مع أن النبي ﷺ كان وقتها حيًا.
إذًا: من بعد السابقين الأولين من بقية الصحابة هم داخلون في مسألة الاتباع، أنهم اتبعوهم بإحسان ..
هذه جهة.
الجهة الثانية: أنه لا توجد طائفة من المسلمين تزكي السابقين الأولين بالتحقيق وتستثني من بعدهم، إنما هذه شبهة يستعملها من يريد أن يشكك العامة في دلالة الآية على امتداح الصحابة، وإلا فمعلوم أن إمام السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هو أبو بكر، ولو انكف الشيعة والرافضة بخاصة عن الطعن في أبي بكر لكان هذا مؤذنًا بغيره، لكن أكثر من يقصدونه بالطعن هو أبو بكر ﵁.
إذًا: هذا متعذر أن يكون إيرادًا على الآية؛ لأنه مجاب عنه على سائر الموارد.
ومنهم من فرض أن المقصود بالسابقين الأولين هم أئمة آل البيت، والنبي ﵊ في حياته ما أعطى آل البيت القداسة التي صنعها التاريخ الشيعي لآل البيت، نعم النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون بالله حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، فيجب محبة مؤمنهم لكونه من أهل بيت النبي ﷺ، لكن ليس معنى ذلك أن المؤمن إنما يحب من هذا الوجه فقط، فالمؤمن يحب من هذا الوجه: من جهة أنه قد يكون من آل بيت النبي، كما يحب من جهة صدقه، ومن جهة بره، ومن جهة إحسانه، فموجبات المحبة للمؤمن كثيرة، فالنبي ﷺ في آل البيت جعل من موجبات محبة مؤمنهم أنه قريب منه.
وأبو بكر لا يوجد فيه هذا الوجه؛ لأنه ليس من آل البيت، لكن لا يعني ذلك أن من كان من آل البيت امتاز امتيازًا مطلقًا عن أبي بكر بوجه من أوجه المحبة، ولا شك أن عند أبي بكر من أوجه المحبة ما هو أعظم مما عند آل البيت في سائرهم ..
هذا مما يعرف.
وقد كان علي بن أبي طالب -وهو أفضل آل البيت ومن أصحاب النبي ﷺ- يعرف هذه المنزلة لـ أبي بكر، ولو كان النبي ﷺ يريد بذلك تقديم آل البيت على غيرهم -كما تفعله الشيعة المتعصبة- لقدم علي بن أبي طالب على أبي بكر، والرسول ﷺ في حياته ما قدم عليًا ولا مرةً واحدةً تقديمًا مطلقًا على أبي بكر، بل دائمًا الذي في المقدمة هو أبو بكر، إلا يوم خيبر حين قال: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله) وهذا لا إشكال فيه، فقد أعطاها عليًا هذه المرة، لكن النبي ﷺ عقد رايات كثيرة وأمر أناسًا كثيرين، فلم يكن في ذلك حجة لتقديمهم عليًا على أبي بكر.
لماذا لم يدع قوم أن بلالًا له اختصاص مطلق لأنه أُعطي الأذان؟! فإن أعطي علي الراية، فقد أعطي بلال الأذان، وأعطي هذا كذا وأعطي هذا كذا ..
وكم عقد النبي من رايات لغير علي بن أبي طالب!! فلماذا لا يقف هؤلاء إلا مع راية علي بن أبي طالب؟!!
هذه طرق فاسدة في العقل والشرع.
علي بن أبي طالب هو أفضل رجل في الأمة بعد أبي بكر وعمر وعثمان، وإن كان القول في عثمان فيه خلاف معروف عند أهل السنة، إنما المقطوع به هو تقديم أبي بكر وعمر عليه، هذا هو المجزوم به إجماعًا صريحًا عند السلف، فإما أن يكون الثالث، وإما أن يكون الرابع، وهذا هو المشهور عند أهل السنة، فلا شك في فضله، ولا شك أن من موجبات فضل علي أنه من آل البيت، والنبي ﷺ لما قال عن الحسن والحسين: (إنهما سيدا شباب أهل الجنة) فليس ذلك لأنهما من آل البيت، وإنما لكونهما من أهل الإيمان، وقد كان من آل البيت من هم كفار، وأبو النبي قال النبي ﷺ: (إن أبي وأباك في النار).
قد يتفضَّل الله لآل البيت المؤمنين بدرجات لقربهم من رسول الله، فهذا يقع، ولكن موجبات الإيمان هي العبودية لله، لا أن هذا من آل البيت وهذا ليس من آل البيت.
والإسلام لم يأت ليكرِّس سلطة عائلة معينة، والنبوة ليست اكتسابًا، ومن عقائد السلف بل من عقائد جمهور المسلمين إلا من شذ من المتفلسفة أن النبوة اصطفاء من الله، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فالإسلام ما جاء ليكرِّس سلطة عائلة، والسلطة في الإسلام -وهي السلطة وليست النبوة- وضع لهذا أنظمة كالشورى وغير ذلك، فما بالك أن تكرس القضية الدينية الإيمانية لسلطة عائلة، ويمكن أن تخلو هذه العائلة من العلماء؛ فهل ينزل عليهم وحي؟! هل هم معصومون؟! هذه أشياء يجب أن تُفقه.
الإسلام أكبر من ذلك، الإسلام دين الله، ومحمد ﵊ هو نبي اصطفاه الله، فتكريس مسائل السلطة في العائلة بحجة مسألة آل البيت، وجعل الإسلام كله كأنه يرجع للحسن والحسين وفاطمة وما حصل من قتل وظلم، فأين هي قضية العبودية والدين الإسلامي؟! هذا ضعف في تصوير الإسلام وبيان حقيقته العبادية الإيمانية.
والمقصود: أن هذه الآية دليل صريح من الشرع والعقل على أن هؤلاء القوم -أعني الصحابة- هم أهل الإيمان.
وردًا على من يقول: إن السابقين الأولين هم آل البيت، نقول: إن الله تعالى قال: (من المهاجرين والأنصار) وهب أن المهاجرين المقصودين في الآية كلهم آل البيت، فهل هناك أنصار من آل البيت؟! الأنصار معروف أنهم هم أهل المدينة النبوية، وهؤلاء ليسوا من قريش في الجملة أصلًا، وليسوا من آل بيت النبي ﷺ، والله يقول: (من المهاجرين والأنصار).
وهناك من يقول: (الأنصار) هنا هم الذين نصروا علي بن أبي طالب؛ فنقول: إن الآية نزلت قبل أن توجد مسألة الانتصار لـ علي بن أبي طالب، فهذا تحريف للقرآن، ولا شك أن الآية لما نزلت كانوا يسمون الأنصار، وهذا متفق عليه تاريخيًا وعلميًا وشرعيًا: أن أهل المدينة النبوية كانوا يسمون: الأنصار، فالقرآن لما نزل عرف أن المهاجرين هم أهل مكة، والأنصار هم أهل المدينة، والأنصار ليس فيهم من آل البيت أحد، من جهة النسب، فإن آل البيت هم من قريش ومن بني هاشم، والأنصار قبائل معروفة منفكة عن هذا من جهة الأصل.
أما من يقول: إن هذا وقت إيمانهم قبل أن يحصل منهم ما حصل، فنقول: إن الله تعالى قال: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩] ونقول: إن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ [التوبة:١٠٠]، وهذا خطاب للأمة كلها، حتى الذين اتبعوهم بعد وفاة الرسول ﵊؛ لأنهم متبعون لهم.
وأما من يقول: إن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فكأنه إشارة إلى أنه قد يحصل منهم الكفر أو الظلم.
فنقول: إذا كان يحصل منهم الكفر امتنع اتباعهم لا بإحسان ولا بغير إحسان؛ لأن من كفر لم يبق فيه شيء حتى يتبع بإحسان أو بغير إحسان.
وأما من يقول: إنه قد يحصل منهم ما هو من الظلم.
فنقول: هذا لو سُلِّم جدلًا أثبت تحقيق إيمانهم، وأنه قد يعرض منهم ما هو من النقص ..
وهذا ليس من مورد النزاع؛ لأنه لا يقال بعصمة آحادهم، إنما المعصوم هو اجتماعهم.
فالمقصود: أن الآية ينبغي التفقه فيها على هذا المعنى، وأن يُخاطب بها من عنده شيء في شأن الصحابة؛ لأنها صريحة في تحقيق هذه المسألة.
قال ﵀: [وطاعة النبي ﵌ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)].
وإن كان هذا الحديث قد قاله النبي ﵊ مخاطبًا به بعض الصحابة، وكان مقصوده ﵊ بالأصحاب هنا عند سبب ورود الحديث هم الأصحاب الأُوَل، ولكن إنما يذكره الأئمة لأنه إذا كان هذا في حال بعض الصحابة مع بعض، أي: أن متأخرهم لا يجوز أن يقع فيما هو من الذم أو السب لمتقدمهم، فمن باب أولى من بعدهم ممن ليسوا من الصحابة، فهذا من باب قياس الأولى.
فإذا قال عن بعض أصحابه: (فإن أحدكم لو أنفق) أي: أ
[ ٢٠ / ٣ ]
تفاضل الصحابة فيما بينهم
قال المصنف ﵀: [ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار].
تقديم المهاجرين على الأنصار هو باعتبار الجنس، أي: أن جنس المهاجرين أفضل من جنس الأنصار، وليس باعتبار الأعيان، بمعنى: أنه قد يوجد من أفراد الأنصار من هو أفضل من بعض أعيان المهاجرين، فتقديم المهاجرين باعتبار الجنس لا باعتبار الأعيان، وقد قدم المهاجرون لأن الله قدمهم في القرآن؛ فإنهم جمعوا بين الهجرة والنصرة، إلى غير ذلك من المعاني، لكن هذا تقديم باعتبار الجنس أو النوع لا باعتبار الأفراد والأعيان.
[ ٢٠ / ٤ ]
فضل أهل بدر
قال المصنف ﵀: [ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر -وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر-: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)].
هذه شهادة لأهل بدر ولأهل بيعة الرضوان: أن كل من شهد بدرًا أو بيعة الرضوان فإنه في الجنة؛ لأن النبي ﷺ قد قال في أهل بيعة الرضوان: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة)، وهذا جاء في أحاديث من غير وجه في الصحيحين، وأما أهل بدر فقد قال النبي ذلك في قصة حاطب لما كاتب من كاتب من المكيين، فقال النبي ﷺ: (إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وهذا كان اعتذارًا لـ حاطب بن أبي بلتعة ﵁.
لكن مما ينبه إليه: أن من يقول: إن ما حصل من حاطب هو مظاهرة المشركين على المسلمين، وهذا كفر ..
أن هذا كجملة عامة، لكن هذه الجملة تحتاج إلى فقه، فمن يقول: إن حاطبًا قد ظاهر المشركين -أي: ناصرهم على المسلمين- لما كتب يخبرهم ما كان من قصد النبي ﷺ؟
بعضهم يقول: إن ما حصل من حاطب هو من المظاهرة، لكنه لم يكفر؛ لأن النبي قال: (إن الله اطلع على أهل بدر) فاستثنى حاطبًا، فإن كان مقصوده أن هذا الفعل الذي حصل من حاطب لو لم يشهد بدرًا لكان به كافرًا مع إيمانه؛ فهذا غلط في التفسير؛ لأن شهادة بدر لا تمنع ارتباط الأحكام بأسبابها؛ من جهة الأصل الشرعي لا من جهة القضاء الرباني، فالقضاء الرباني سبق أن البدريين لم يكفروا، وهو معنى قول النبي ﷺ: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، ولذلك من يقول: لو حصل منهم الكفر فإنه يُغفر لهم، نقول له: إن الله لما اطلع على أهل بدر وقال: (اعملوا ما شئتم) كان ذلك؛ لأن قضاءه القدري سبق أن البدري يثبت على الإيمان، وإن كان قد يعرض له ما هو من النقائص، فهذا هو معنى قوله: (فقد غفرت لكم)، فأخطاؤهم تغفر؛ مثل قول النبي ﷺ: (الحج يهدم ما كان قبله)، فكذلك من حضر بدرًا فهي تهدم ما كان قبلها وما كان بعدها، مثل قول النبي ﷺ في بعض الأعمال: (غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).
وإن كان جمهور الأحاديث ليس فيها: (وما تأخر)، فإن هذا يذكر في حق النبي ﵊.
المقصود: أن هذه الإيراد جهل؛ لأن البدري سبق القضاء أنه لا يطبق على الكبائر، وهذا الذي حصل تاريخيًا، فكل البدريين بقوا مؤمنين ثابتين على الإيمان.
والمقصود هنا: أن من يقول: إن حاطبًا ما حصل منه قد كان به يكفر لو أنه لم يشهد بدرًا ..
هذا غلط أولًا: من جهة الأصول الشرعية ليس هناك عمل يمنع الكفر، فمن قال: لا إله إلا الله ويحقق الألوهية ويصلِّي لله ثم يكفر فإنه يحكم عليه بالكفر، ولا يقال: ما دام قد صلَّى سابقًا فإنه لا يكفر، فإن هذا يخالف الأصول الشرعية، إنما الذي يقال هو من جنس قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦] فما حصل من حاطب رضي الله تعالى عنه لا شك أنه كان خطأً ومعصيةً لله ورسوله، وهذا يدخل في المعاصي التي تدخل في قول الله: (اعملوا ما شئتم)، لكن لم يكن الذي حصل من حاطب هو من الكفر، وإن كان هذا الكلام لا يفهم منه ..
كما يفهم بعض الناس إذا قرر له هذا الكلام أنه يلزم منه أن كل من كان يراسل الكفار مظاهرة لهم على المسلمين لا يكفر بهذا العمل؛ فما دمنا قلنا: إن فعل حاطب لم يكن كفرًا منه، فيلزم منه أن كل من كاتب الكفار يخبرهم بأحوال المسلمين أنه لا يكفر بالعمل.
وهذا لا يلزم، فهذا الفعل قد يقع من معين ويكون به كافرًا، وقد يقع من معين آخر ولا يكون به كافرًا؛ هذا هو الجواب الشرعي الصحيح: أن مظاهرة المشركين كأصل عام كفر.
لكن هل هذا الفعل حقيقته أنه مظاهرة أم لا؟ هذا قد يختلف في بعض الأعيان، بمعنى: أن يغلب على معين ما هو من قصد درء المفسدة المتعلقة بأهله، ولا يظن أن هذا العمل مما يوجب الكفر، وتكون لديه جملة من الموانع، وهي أشبه ما يكون باجتماع الشروط وانتفاء الموانع، فما حصل من حاطب كان هناك مانع من كون هذا من الذي يكفر به.
إذًا: يبقى عندنا القاعدة: أن مظاهرة المشركين كفر، لكن الصور لا يلزم أن تطرد في سائر الموارد، بعض الصور من المظاهرة كفر لا يتردد فيه، وبعضها قد تكون من بعض الأعيان كفرًا ومن بعض الأعيان دون الكفر، وهذا هو الذي حصل من حاطب رضي الله تعالى عنه.
أما إذا قيل: إن كل من كتب لا بد أن يكون كافرًا على الإطلاق في سائر الموارد، والاستثناء في حاطب ليس من جهة إيمانه: أنه لم يشرح بالكفر صدرًا، وليس من جهة الموانع، إنما من جهة بدر فقط لأن الله ضمن مغفرتهم ..
فهذا غير صحيح، أما إذا قيل: إنه من جهة أن البدري مؤمن، فهذا أمر آخر، إذا قيل: إن البدري لا يكون إلا مؤمنًا ..
فهذا صحيح، لكن إذا قيل: إن البدري يغفر له حتى ما كان كفرًا، فهذا لا شك أنه غلط على أحكام الله ورسوله؛ لأن الله لا يرضى لعباده الكفر، ولا يمكن أن يغفر الكفر لأحد، وقوله: (اعملوا ما شئتم) ليس معناه: أنه قد يقع منهم الكفر، هذا قاله رب العالمين الذي يعلم مآلهم وحالهم.
[ ٢٠ / ٥ ]
فضل أهل بيعة الرضوان
قال ﵀: [وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة كما أخبر به النبي ﷺ، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ؛ كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة].
الأفقه والأكثر اتباعًا أن تُستعمل النصوص في هذا، فيقال في أهل بيعة الرضوان: لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة، وفي أهل بدر: إن الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم، ومن سمَّاه النبي بعينه في الجنة يسمى كذلك ..
فهذا يكون أصدق في الاتباع للنصوص.
[ ٢٠ / ٦ ]
فضل الخلفاء الراشدين
قال ﵀: [ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃].
تواتر عن علي أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، وكان يقول على منبر الكوفة: (لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري)، هذا مما تواتر عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وحتى لو فرض أنه لم يتواتر عن علي أو لم يصح عنه، فإن الاعتبار ليس بصحة هذا عن علي، فإن عليًا ليس هو الحاكم على الحقائق الشرعية، إنما هذا معتبر بأدلة الكتاب والسنة، وبإطباق الصحابة رضي الله تعالى عنهم زمن النبي وبعد زمن النبوة، ولذلك إذا قيل: إن عليًا لم يبايع في أول الأمر، قلنا: نعم، علي بن أبي طالب ﵁ لم يبايع في أول الأمر، لكن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لو كانوا يرون أن عليًا أفضل أو أن الخلافة في آل البيت أو ما إلى ذلك من المعاني لما بايعوا أبا بكر، فإن أبا بكر ما طلب منهم البيعة بقوة السيف، إنما المسلمون هم الذين قصدوا بيعته، ثم بايعوا من بعده عمر لما جعلها أبو بكر في عمر، ثم بايعوا من بعد عمر عثمان، فكان مستقرًا أن أبا بكر أفضل، فلما جاءت الاستشارة وصار عبد الرحمن بن عوف يطوف في المسلمين ثلاثة أيام يستشيرهم في علي وعثمان ..
بعد أن نزلت الخلافة إلى اثنين في قصة الستة الذين جعلها عمر فيهم، استقر الأمر على اثنين، ورضي علي بن أبي طالب بأن يستشير عبد الرحمن بن عوف المسلمين، وكان واثقًا من ابن عوف، وإلا لو لم يثق لما رضي بذلك.
والنتيجة التي حصلت أن أكثر الأصوات -إن صح التعبير- كانت لـ عثمان، مما يدل على أمور:
أولًا: أنه لو كان من فقه المسلمين أن الخلافة في آل البيت لما خالفوا سنة النبي ﷺ؛ ولذلك لا نقول عن علي بن أبي طالب ولا عن غيره أنهم كانوا يصرون على هذه المسألة، إنما كان علي بن أبي طالب قد اشتبه عليه الأمر في أول المقام أنه له في الأمر نصيب، لكنه بعد ذلك رضي وتابع.
[ ٢٠ / ٧ ]
تفضيل عثمان على علي ﵄
قال ﵀: [ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃ كما دلت عليه الآثار وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة قد اختلفوا في عثمان].
وإن كان هذا الإجماع فيه تردد من جهتين:
الجهة الأولى: أن المصنف ﵀ يقول: لكون الصحابة أجمعوا على تقديم عثمان في البيعة، فهذا -والله أعلم- ليس محققًا من جهة كونه إجماعًا؛ لأن عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما استشار المسلمين في علي وعثمان، وهما بمنزلة متقاربة، فمن المتعذِّر والبعيد كثيرًا أن كل الصحابة سيقولون: نريد عثمان، إنما ظاهر الأمر والقريب من العقل والإمكان، هو أن أكثرهم اختار عثمان وبعضهم أشار بـ علي، ومن المعروف أن بعض الصحابة كان يميل لآل البيت، ويرى أن عليًا أولى بهذا، وعلى أقل الأحوال آل البيت أنفسهم كان مجموعة منهم موجودة، فمن المتعذر أن الصحابة إذ ذاك كانوا قد حصلوا إجماعًا.
قد يقول قائل: إن مراد شيخ الإسلام بالإجماع هنا أن أغلبهم أطبق على ذلك.
فهذا يمكن أن يوجه بهذا التوجيه، لكن يبقى أنه ليس من الإجماعات القطعية أن الصحابة أطبقوا إطباقًا كليًا، إنما ظاهر الأمر أن جمهور الصحابة إذ ذاك قدموا عثمان، وإلا فإن الستة الذين جعلها عمر فيهم وهم أفضل الصحابة إذ ذاك في الجملة، حصل من هؤلاء أن أحدهم خرج فبقي خمسة، وهؤلاء الخمسة بقي منهم الثلاثة: علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، أما سعد والزبير فقد جعل أحدهما أمره لـ علي والآخر جعل أمره لـ عثمان، فظهر أن من الصحابة من كان يقدم عليًا.
إذًا: المسألة ليس فيها إجماع، إنما كان مراد الشيخ ﵀ الأكثر، أو أن مراده أنهم أجمعوا عليه خليفةً بعد بيعته، فهذا لا يسمى إجماعًا على هذا الوجه، فحتى لو أجمعوا على علي بعد خلافته فإنه يقال: قد حصل الإجماع عليه.
والذي أريده من هذا: أن الاستدلال على فضل عثمان بكونه إجماعًا فيه تعذر، ولو فرض أنه إجماع فهو إجماع في البيعة والخلافة، وليس إجماعًا في الفضل، ولا شك أنه إذا قيل: من الخليفة بعد عمر؟ قيل: عثمان بالإجماع، لكن هل هو الأفضل؟ لا يلزم، والله يقول: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، وشيخ الإسلام نفسه يقول: إنه في مسائل الولاية يعتبر الأمانة الدينية والقوة، يقول: وإذا وجد من فيه القوة وقدر يكفي من الأمانة فهو أولى ممن غلبت أمانته الدينية وقلت قوته السلطانية؛ لأن هذا لا يسوس الناس، فقد يعتبر في التقديم في مسألة الخلافة بالأقوى وبمن يجتمع الناس عليه، ولا يلزم أن يكون هو الأفضل.
والقصد: أن مسألة عثمان وعلي ليس فيها نص وليس فيها إجماع، وقد أنكر الإمام أحمد على من بدَّع المخالف فيها، أي أنها مسألة لا يبدَّع المخالف فيها على الصحيح من مذهب أحمد، وإن كان المشهور عند أهل السنة أن عثمان أفضل.
ونقول هذا الكلام لأن هذه المسألة لا ينبغي أن يغالى فيها مع الشيعة: أن عثمان أفضل من علي، كان هذا من مستقرات مذهبنا أنا نقدم عثمان على علي بن أبي طالب ﵄، لكن من التكلُّف أن يقال: إنه من الإجماعات والمستقرات، إنما القضية المستقرة الإجماعية تقديم أبي بكر وعمر، هذه هي التي لا جدال فيها، أما مسألة عثمان ففيها مجال للاجتهاد، ولو أن سنيًا ناظر بعض الشيعة وقال: إن عليًا عندنا أفضل من عثمان، لم يُنكر عليه، لكن إذا تكلمنا في الكلام العام قيل: الذي درج عليه أكثر أهل السنة أن عثمان أفضل من علي، مع أن هذا ليس فيه نص، وإنما قدم أبو بكر وعمر على علي للنص ليس إلا، هذا هو السبب: أن هذه لا جدال فيها لوجود نصوص فيها، أما عثمان فلا توجد نصوص، فله فضائل ولـ علي بن أبي طالب فضائل.
أما قول ابن عمر: (كنا نقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت)، فهذا ليس بلازم، هذا يحكيه ابن عمر أنه كان يقال هذا، لكن أن هذا كان مستقرًا عند المسلمين أو ما إلى ذلك، فهذا بعيد.
فالمسألة لا يقصد بها تفضيل علي على عثمان بقدر ما يقصد أنها ليست من مسائل الأصول، وليست مما يقطع فيه الجدل مع الشيعة.
قال ﵀: [مع أن بعض أهل السنة قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان ثم سكتوا أو ربَّعوا بـ علي، وقدَّم قوم عليًا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي].
والأقوال الثلاثة كلها ممكنة، من قدَّم عثمان أو قدَّم عليًا أو من توقف، هذه كلها أقوال ممكنة من جهة الاجتهاد، ولا يبدع المخالف فيها.
[ ٢٠ / ٨ ]
ترتيب الخلافة
قال ﵀: [وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله].
وهذه الجملة نقلت عن الإمام أحمد وغيره أنه قال: من لم يربع بـ علي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله.
وهذه من عقائد أهل السنة: أنهم يجعلون الخليفة الراشد الرابع بعد عثمان هو علي بن أبي طالب ﵁، وخلافته خلافة راشدة، وهؤلاء الأربعة هم خلفاء الرسول، وهذا معنى كونهم خلفاء، بخلاف الخليفة من بعدهم كـ معاوية أو يزيد أو بني أمية أو بني العباس، فهؤلاء وإن سُموا خلفاء فالمقصود بكونهم خلفاء أنهم سلاطين، خلفاء على المسلمين، أي: استخلفهم المسلمون عليهم، أما الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فمعنى أنهم خلفاء: أنهم خلفاء الرسول في الأمة، أما من بعدهم فلا يسمَّى خليفةً للرسول، هو مستخلف من المسلمين عليهم؛ ولهذا فليس لهم سنة.
[ ٢٠ / ٩ ]
خطأ من جعل عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين
لا يدخل في خلفاء الرسول عمر بن عبد العزيز؛ وإن قال بعض أهل العلم: أن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، فهذا من التكلف، فـ عمر بن عبد العزيز ﵀ وإن كان فقيهًا عادلًا؛ إلا أنه لا يمكن أن يصل إلى شأن الصحابة أبدًا ويقال: إنه خليفة خامس ..
وهذا أيضًا مخالف للسنة؛ لأن النبي ﷺ قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ..)، والإمام أحمد ﵀ لما بلغه عن بعض أهل العراق أنهم يقولون: إن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، أنكر ذلك، وقال: ألم يقل النبي: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)؟ فالخلافة ثلاثون سنة تنتهي بخلافة علي بن أبي طالب، ويبقى منها بضعة أشهر هي في إمارة الحسن بن علي بن أبي طالب، لكن لا يمكن أن تستوعب خلافة عمر بن عبد العزيز، ثم النبي قال: (ثلاثون)، أي: متصلة، فحتى لو فرض أنه بعد علي بن أبي طالب بقي سنة أو سنتان فإنها تكون لـ معاوية، ولماذا تذهب لـ عمر بن عبد العزيز؟ فلو فرض أنه بقي منها سنتان أو ثلاث أو أربع فإنها تكون لـ معاوية، فـ معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز، ولا جدال في هذا، أما كون عمر بن عبد العزيز موصوفًا بالعدل؛ فإن ذلك لأنه جاء والعدل سهل عليه؛ فـ عمر بن عبد العزيز ما واجه ابن الزبير في مكة معارضًا، ولا واجه الحسين بن علي معارضًا، ولا واجه غيرهم، عمر بن عبد العزيز جاء في ملك وسلطان ملكي مستقر، والدولة قوية، والسياسة قوية، والأمور كلها على التمام، والميزانية العامة قوية، وكل الأمور الداعية إلى الاستقرار قوية، لكنها تحتاج إلى صدق من الحاكم، فكانت كل أدوات الاستقرار موجودة، فجاء وعمر بن عبد العزيز، فصدق، فاستقر الأمر.
أما معاوية فالصدق موجود عنده، لكن أدوات الاستقرار السياسية -إن صح التعبير- غير موجودة، فهناك معارضون أقوى منه في الجانب الديني الشرعي، فـ ابن الزبير كان أقوى في الجانب الديني، وأهل مكة كانوا شبه مبايعين له إلى أن سمي بأمير المؤمنين، وقبل ابن الزبير كان علي بن أبي طالب، ومقامه عند المسلمين وشأنه أقوى من معاوية.
فـ عمر بن عبد العزيز ما واجه مثل هذا أصلًا، كان يواجه أناسًا ليس لهم هذه المنزلة الشرعية كمنزلة علي بن أبي طالب أو بعض الصحابة من بعد علي بن أبي طالب كـ ابن الزبير ونحوهم.
فالمقصود: أن عمر بن عبد العزيز ﵁ هو من الخلفاء وأئمة الفقهاء، ولكن لا يصح أن يقال: إنه خليفة خامس؛ لأن هذا مخالف للسنة من جهة، ولأنه يوحي بأنه أفضل من معاوية بن أبي سفيان من جهة، ومعاوية أفضل منه، وإن كان ابن تيمية ﵀ يقول: إن العدل الذي حصل في زمن عمر بن عبد العزيز كثير منه أو أكثره لم يحصل زمن معاوية ..
وهذا صحيح، وكلام شيخ الإسلام لا جدال عليه، لكن كما ذكرت سابقًا أن أدوات الاستقرار العدلية عند عمر بن عبد العزيز كانت متوفرة، فلا يمكن أن يكون هناك استقرار بدون اقتصاد، والاقتصاد المنضبط كان موجودًا، حتى قال بعض أهل العلم في قوله ﷺ: (يوشك أن يسعى قوم بالصدقة لا يقبلها أحد).
أن ذلك كان في زمن عمر بن عبد العزيز، فكان هناك استقرار، ومن أين جاء عمر بن عبد العزيز بهذا الاستقرار؟ الميزانية العامة التي كانت من فتوحات من قبله جاءت لـ عمر بن عبد العزيز شبه باردة.
فلا ينكر مقامه ﵀، لكن لا ينبغي كثرة الإطراء والزيادة إلى خلط مسائل العلم بهذه الطريقة، ولذلك كان جواب الإمام أحمد في هذا حسنًا وقويًا: أن هذا مخالف للسنة؛ لأن الخلفاء الأربعة هم خلفاء الرسول، وعمر بن عبد العزيز ليس له سنة، ومن قال: إنه له سنة فقد خالف السنة.
[ ٢٠ / ١٠ ]