الخلاف في أصول الدين لم يكن موجودًا في أول الإسلام، بل ولا حتى بعد وفاة النبي ﷺ، وإنما كان أول ظهوره بعد توسع دولة الإسلام في عهد عمر ومن بعده عثمان ﵄، إذ دخل في الإسلام أقوام كان لهم أديان وثقافات سابقة، وكانت هذه الثقافات أساسًا في ظهور أفكار مخالفة للمنهج القويم، خصوصًا عند من لم يصْفُ إيمانه ولم تستقم عقيدته من أهل تلك البلاد.
[ ٣ / ١ ]
منهج ابن حزم في أسماء الله وصفاته
قال المصنف ﵀: [ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل].
يستعمل المصنف ﵀ طريقة الإدخال على هذا الأصل الشريف الذي هو أخص الأصول، وهو الإيمان بالله ﷾.
قول المصنف ﵀: (ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ) استعمل المصنف ﵀ لفظ الوصف، مع أن هذا اللفظ لم يرد في القرآن، ولا في جمهور الحديث المروي عن النبي ﷺ، إلا في بعض الروايات التي اختلف موردها عند المحدثين، بمعنى أنه: قد يتعذر الجزم بأن هذا التعبير هو الحرف الذي عبر به النبي ﷺ.
ومن هنا فإن أبا محمد ابن حزم ﵀ لما ذكر في كتابه (الفصل) ما يتعلق بمعتقد أهل السنة والجماعة في مسائل الأسماء والصفات، كان مما ذكره أن هذا اللفظ لفظ مخترع، لا يضاف إلى الرب ﷾؛ لأنه لم يرد في الكتاب والسنة ..
وهذه طريقة متكلفة من أبي محمد ابن حزم، فإن هذا الإمام مع سعة علمه وسعة فقهه وفضل ديانته ﵀ إلا أنه لما ذكر تقرير المعتقد عند أهل السنة والجماعة اختلط الأمر عليه في كثير من الأبواب.
فهو من جهة ذم البدع والرد على أهل البدع من سائر الطوائف قد أغلظ في الرد حتى على الطوائف التي لم يغلظ عند محققي من أهل السنة المتأخرين شأنها بدرجة التغليظ الذي قاله ابن حزم، وكذلك المقالات التي لم يغلظ في شأنها بعض أئمة السنة الكبار.
ومع هذا فإن ابن حزم في هذا الباب شديد التمسك، لدرجة أنه وقع له قدر من الزيادة فيه، أعني: في الامتداح والحث على التمسك بمذهب أهل السنة والجماعة، والذم للمذاهب المخالفة، فإن من طرق ذمه أنه يكفر بعض الأعيان من المخالفين، وهذه الطريقة ليست مستعملة في كلام متقدمي من السلف، كما أنه قد يزيد في ذم بعض الأقوال بما لم يقع مثله في كلام السلف أو في كلام محققي أهل السنة والجماعة كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فهو في باب الانتساب لمذهب أهل السنة والجماعة محقق، بل عنده زيادة في التحقيق أيضًا، لكنه في باب التقرير مقصر.
هنا مسألة أحب أن ينتبه لها ولا سيما عند المتأخرين: وهي أن ثمة فرقًا بين الانتحال وبين التقرير، فإن طائفة من المتأخرين من أصحاب الأئمة ينتحلون السنة والجماعة، لكنهم يقصرون عند تقريرها، ففرق بين مقام تقرير المذهب وبين انتحاله -أي: الانتساب إليه- والولاء له والذم لمخالفه ..
فهذا الأخير سهل التحصيل في الغالب، لكن الشأن الأعظم في تقرير جمل الحق وتفاصيلها.
وهذا نجده عند أبي محمد ابن حزم، فإنه إذا انتهى إلى التفاصيل فإنه يبتعد عن الصواب، ومن أخص ذلك -بل هو أخص باب غلط فيه- باب الأسماء والصفات، فإنه انتهى فيه إلى نتيجة مركبة من مقالات أهل السنة والجماعة ومن مقالات المعتزلة، بل بعض طرقه -كما ذكر شيخ الإسلام ﵀- هي من طرق الفلاسفة التي لم تصرح بها حتى المعتزلة.
إذًا: قوله في هذا الباب قولٌ مختلف وملفق ومركب من غير مادة، ولهذا لا يعتبر قوله في باب الأسماء والصفات؛ فإن غلطه فيه أكثر من صوابه، ولكنه ﵀ في باب الإيمان والأسماء والأحكام قال كلامًا حسنًا، وذكر معتقد أهل السنة والجماعة بصورةٍ حسنة، وإن كان حتى في هذا الباب -أعني باب الأسماء والأحكام ومسمى الإيمان- عنده غلط فيه، لكن صوابه أكثر من خطئه فيه، فطريقته ليست منتظمة على جهة واحدة.
إذًا: عند التحقيق فإن أبا محمد ﵀ ليس ممن يؤخذ عنه التفاصيل، وكأن هذا -والله أعلم- هو المنهج اللائق بهذا الإمام حتى في فقهه؛ فإنه رجل محقق في النظر والبحث وتتبع الدليل، ولكن من جهة منهجه الفقهي فضلًا عن منهجه العقدي فإنه يقع له تقصير كثير.
ولهذا فإن من اعتبر منهجه ﵀ على طريقة الاستفادة بعد النظر في أقوال السلف وفي أقوال الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة وأئمة الاجتهاد من متقدمي السلف فإنه يقع له استفادة كبيرة من كلام ابن حزم: من تبيين بعض الأدلة أو التعليق عليها أو حسن الاستدلال أو المعارضة أو ما إلى ذلك.
ومن تأثر بطريقة ابن حزم في الفقه فضلًا عن الاعتقاد فإنه في الغالب يقع عنده كثير من الغلط والشذوذ والتقصير، والذي يعجب منه أن من يتأثر بطريقة ابن حزم لا يوافق ابن حزم على بعض أصوله، فمثلًا: ابن حزم لا يعتبر القياس، ومع ذلك فإن من تأثر بطريقته في الفقه لم يعتبر طريقته في الأصول، فإنه يرجح كثيرًا من المسائل باعتبار أن الدليل فيها عند الفقهاء هو وجه من القياس، والقياس ليس معتبرًا في الاستدلال عنده.
[ ٣ / ٢ ]
من أصول أهل السنة أن الله سبحانه موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص
قول المصنف ﵀: [ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه].
من أصول أهل السنة والجماعة أن الله ﷾ موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص.
قال الإمام أحمد: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث).
هذا الأصل الذي هو من أشرف وأخص أصول أهل السنة والجماعة هو أصل فطري باعتبار جمله الكلية، وهو أيضًا أصل عقلي باعتبار جمله الكلية وكثيرٍ من التفاصيل أيضًا، وهو أصل مفصل باعتبار دليل السمع.
فإن المشركين الذين بُعث النبي ﷺ فيهم من أجناس الكفار لم يقع عندهم إعراض عن هذا التوحيد، أو إبطال لأسماء الرب ﷾ وصفاته، ومن هنا تعلم أن هذا التوحيد هو الأصل في معتقد المسلمين، وأن الخروج عنه هو من الخروج عن صريح الكتاب والسنة.
[ ٣ / ٣ ]
ظهور الخلاف في مسائل أصول الدين
لما توفي النبي ﵌ لم يقع بين المسلمين اختلافٌ في مسائل أصول الدين، نعم قد حدثت الردة وارتد كثير من قبائل العرب، وقاتلهم الصديق في القتال المعروف بقتال المرتدين، لكن لم يحدث نزاع في مسائل أصول الدين بين المسلمين لا في المدينة النبوية ولا في بوادي العرب، حتى جاءت خلافة عمر، وأسلمت كثير من البلاد التي لم تكن كالجزيرة العربية في أمية أهلها، ففتحت العراق وبلاد أخرى، وكان أهل هذه البلاد المفتوحة أصحاب علمٍ سابق، ونظر سابق، وأصحاب ديانات سابقة؛ فهذه البلاد التي فتحت زمن عمر ﵁ وفي زمن عثمان ﵁ ..
أسلم أهلها من جهة الجملة، لكن إسلامهم لا يستلزم أنهم أصبحوا من أهل الإيمان والتحقيق، فإن الله سبحانه قال عن الأعراب: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] فأهل هذه البلاد أسلموا إسلامًا عامًا، وكثير منهم صار من المؤمنين الصادقين ومن أولياء الله ﷾، لكن في كثير منهم تقصير وفسوق وظلم وغير ذلك.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنه كما وجد النفاق في المدينة النبوية، فإن النفاق العلمي ظهر ووجد في مثل هذه الأمصار العراقية والشامية وغيرها، والتي فتحت زمن الخلافة الراشدة، فهذه الأمصار كثير من أهلها عندهم قدر من عدم التحقيق في هذه الأبواب الشرعية.
وهذه البلاد -أيضًا- كان عندها شيء من الثقافات السابقة، فأهالي العراق وبلاد فارس كانت موطنًا للفلسفات: فلسفات اليونان التي في أعالي العراق، وفلسفات الفرس، وفلسفات الهند، وهي فلسفات متداخلة.
هذه الفلسفات والأقوال والطرق بقي منها شيء، وكذلك بقي قومٌ على أصل دينهم وملتهم لم يدخلوا الإسلام
فهذا الإسلام المعروف تاريخيًا هو إسلام عام لا يعني تحقيق الإيمان، فقد كان في هؤلاء المقصر وفيهم الظالم وفيهم الفاسق وفيهم المنافق النفاق العلمي
وما إلى ذلك.
[ ٣ / ٤ ]
ظهور الخوارج
ومن هنا: فإن أول نزاع حدث في مسائل أصول الدين هو نزاع الخوارج، لما خرجت الخوارج وكفرت مرتكب الكبيرة من المسلمين.
ولكن الخوارج لم تأخذ هذه المقالة -وهي القول بأن مرتكب الكبيرة كافر- من ديانة سابقة أو نظرية من النظريات المعروفة في الديانات المخالفة لدين الإسلام أو حتى لدين المرسلين، بل هي مقولة دخلت على الخوارج لموجبات، أخصها: الطعن في السنة النبوية، حيث لم يعتبروا رواية الصحابة عن النبي ﷺ، وكذلك عدم الفقه لكتاب الله ﷾، ولو اعتبرت الخوارج الأولى القرآن، فإن القرآن صريح في أن أهل الكبائر ليسوا كفارًا.
ألا ترى أن الله ﷾ يقول في كتابه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ولو كان الزنا كفرًا لكان حكمه في كتاب الله القتل؛ لأنه (من بدل دينه فاقتلوه)؟
ألا ترى أن الله ﷾ يقول في قتل العمد: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] فسوغ العفو فيه، وجعل القاتل أخًا، ولم يسقط عنه حق الأخوة.؟
ألم تر أن الله سبحانه يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]؟ ولم يأمر بالقتل من باب الردة ؟ إلى غير ذلك.
والخوارج ليسوا معذورين في مسألة السنة، بل حتى القرآن؛ فإن سائر الأصول التي ضلوا فيها محققة في كتاب الله ﷾، فإن مسائل الأسماء والصفات، والقدر، والشفاعة، والإيمان ومسماه، والأسماء والأحكام وغيرها هي صريحة في كتاب الله، كما أنها أيضًاأيضأيضًا صريحة في سنة النبي ﷺ.
فالمقصود: أن مقولة الخوارج هي في هذا الوجه، مع ما في نفوس الخوارج من الشدة التي لم يقيدوها بهدي الشارع، وهدي الشريعة، والتي جاءت بأن تكف النفوس عن طباعها، فإن النفوس تميل إلى هذه الشدة، والله لما ذكر الإنسان من جهة جنسه قال: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] فإذا انفك الإنسان عن هدي الرسالة فإنه يميل إلى الشدة الكامنة فيه.
[ ٣ / ٥ ]
ظهور الشيعة
ثم ظهرت الشيعة في ذلك التاريخ، فظهر ثلاثة أصناف من الشيعة: مفضلة لـ علي ﵁ لم تسب أبا بكر وعمر ﵄، واشتهرت الشيعة السابة، وهؤلاء وهؤلاء نقول: إنهم من أهل الأهواء.
ثم ظهرت الشيعة المؤلهة لـ علي بن أبي طالب، وهذا القول ليس له مورد من الاشتباه في النصوص أو في الإسلام أو في حقوق آل البيت أو نحو ذلك.
[ ٣ / ٦ ]
أقسام البدع التي ظهرت في الإسلام
هذه الطريقة التي نتدرج في ذكرها الآن نحب أن نصل فيها إلى نتيجة وهي: أن البدع المخالفة للسنة والجماعة أو البدع المخالفة لمذهب السلف تنقسم في الجملة إلى قسمين:
[ ٣ / ٧ ]
القسم الأول: بدع غير منقولة
القسم الأول: بدع لم تنقل من خارج الإسلام إلى الإسلام، وإنما هي ضلال وعدم اقتداء من أصحابها بفهم كتاب الله والأخذ بهدي الرسول وأصحابه؛ كبدعة الخوارج وجمهور بدع المرجئة وغير ذلك.
[ ٣ / ٨ ]
القسم الثاني: بدع منقولة
القسم الثاني: بدعٌ ليس عليها أثارة من هدي الرسالة، بل هي بدع منقولة، وإن كان أصحابها لما نقلوها بما يظهرونه وينتسبون به إلى الإسلام استعملوا معها جملًا من جمل القرآن الكلية.
وبهذا يتبين أن البدع المخالفة ليست وجهًا واحدًا، وهذا يقودنا بعد ذلك إلى مسألة أحكامها.
فمن القسم الثاني -وهي البدع المنقولة- بدعة الشيعة المؤلهة لـ علي بن أبي طالب، فإن هذه البدعة لا يجوز ولا يعقل أن يقال: قد اشتبه عليهم هذا الأمر؛ فهؤلاء ليسوا مسلمين، ولا هم من الإسلام ولا من اليهودية ولا من النصرانية في شيء؛ بل هم قومٌ نقلوا بدعتهم هذه من أحد المذاهب الفلسفية التناسخية الموجودة في بلاد فارس والهند، وهي موجودة إلى الآن في بلاد الهند، ولهذا ترى أن أصحابها ممن يميلون إلى هذا المذهب ينتحلون مثل هذا القول.
ومسألة تناسخ الأرواح نظرية مغرقة في التاريخ عند كثير من أهل المشرق من عبدة الأوثان الغالين في شركهم ووثنيتهم.
ومن البدع المنقولة التي ظهرت: بدعة القدرية الغلاة، الذين قالوا: إن الله سبحانه لا يعلم أفعال العباد إلا عند كونها، فلم يثبتوا العلم السابق، ومن لم يثبت العلم السابق فليس من الإسلام في شيء، وهذه البدعةٌ بدعة منقولة، كان عليها طائفة من فلاسفة اليونان، تكلموا في مسألة الواحد الأول، وهل المعدوم يمكن العلم به أو لا يمكن العلم به، وقالوا: إن المعدوم شيء لا يمكن العلم به.
والمقصود أن بدعة القدرية الغالية هي من بدع الزنادقة المحضة، وأصحابها كفار بإجماع أهل السنة والجماعة، بل وبإجماع المسلمين حتى القدرية منهم، وهذا من طريف الحال، فإن أئمة القدرية من غير الغلاة هم المعتزلة، ومع ذلك فإن أئمة المعتزلة كالقاضي عبد الجبار في كتبه يصرح بأن القدرية الغالية -أي: الذين ينكرون علم الرب بما سيكون- كفار، وأن الملة بريئة منهم.
ومن البدع المنقولة بدعة نفي الصفات، وهي أكثر هذه البدع إشكالًا لكونها اختلطت على كثير من القاصدين إلى السنة وإلى الحق، فبدعة تأليه علي بن أبي طالب، وبدعة القدرية الغلاة لم تشكل على أحد، فلم ينتحلها إلا الزنادقة، ولكن بدعة نفي الصفات تختلف عنهما؛ باعتبار أن شأنها اشتبه على كثير من الطوائف فيما بعد، فدخلت على بعض من لا يصح أن يضاف إلى الزندقة والإلحاد.
هذه البدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا في سنة نبيه ﷺ، بل لا أصل لها حتى في العقل، وإنما هي نظرية منقولة، نقلها أئمة النظار الذين حدثوا في الدولة الإسلامية الأموية إذ ذاك، وهي نظرية منقولة من الفلسفة اليونانية، وبخاصة فلسفة أرسطو طاليس، فإن فلسفته تنتهي إلى نفس الطريقة التي يذكرها الجهم والجعد، ومن بعدهم أبو هذيل العلاف وإبراهيم بن سيار النظام وأمثال هؤلاء من أئمة النظر من الجهمية والمعتزلة.
ومن هنا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (درء تعارض العقل والنقل): (إن سائر البدع التي حدثت بين أهل القبلة يقع عند أصحابها استدلالٌ بالكتاب والسنة واشتباه في بعض مواردها، إلا بدعة الجهمية، ولهذا كان من فقه بعض المتقدمين من السلف -كـ ابن المبارك - أنهم يخرجون الجهمية عن أهل القبلة).
وهذا لا يلزم منه أن عبد الله بن المبارك ﵀ يرى أن كل من وقع له قول من أقوال الجهمية وقال به أنه لا يضاف إلى أهل القبلة، بل هذا من تحقيقه أن هذه البدعة بدعةٌ دخلت على المسلمين من مذهب وثني كافر بمسائل الربوبية، فضلًا عن الألوهية.
ولهذا لما جاء من صرح بمسائل نفي الصفات -وهو ابن سينا وأبو نصر الفارابي - بعد أن كان المتكلمون يجملون هذا القول ولا يصرحون بالانتساب لأئمة الفلاسفة اليونان، لما جاء المصرحون بهذا المذهب في القرن الرابع وما بعده -ومنهم أبو الوليد ابن رشد مع فقهه وانتسابه للشريعة، لكنه انتحل طريقة الفلسفة المحضة- صرحوا بأن نفي الصفات على هذه الطريقة التجريدية هي الطريقة التي كان يذكرها أرسطو في كتبه.
إذًا هذا مذهب منقول؛ وكأن هذا من التعليق على ما سبق القول فيه في مسألة فهم السلف الصالح، حين قلنا: إن هذا القيد قيد حسن بياني، لكن من قال: إنه على الكتاب والسنة، وقد عرف عنه أنه من أصحاب السنة والجماعة لا يستدرك عليه، ولا يقال: إنه لم يذكر الجملة الثالثة وهي فهم السلف الصالح، إلا إذا كان المقام يستوجب ذلك، كالبيان في مقام خاص أو كان القائل لهذا الكلام يعرف عنه إسقاط فهم السلف أو إسقاط الإجماع.
فإننا لو استدركنا هذا الاستدراك لاستدركنا على جمهور الأئمة المتقدمين، فإنه يقع في كلامهم أن طريقتهم هي الأخذ بالسنة، وتارة يصرحون بمسألة الإجماع، وتارة يسكتون عنها؛ لأن ثمة تلازمًا، فإن من قال: إنه على الكتاب، فإنه إن لم يعتبر السنة فإنه لم يعتبر الكتاب، كما قال الله عن المشركين: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] والنبي ﷺ وهو في خطبة الوداع التي شهدها الخاصة والعامة يقول: (وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله) ولا يصح لأحد أن يقول: لماذا لم تذكر السنة؟ ومثله إذا قيل: الكتاب والسنة ..
وهلم جرًا.
فهذا الذكر لفهم السلف الصالح ذكر شريف، لكنه من الأمور البيانية التي لا تلزم إلا إذا قام موجبها.
القصد: أن بدعة نفي الصفات بدعة منقولة؛ ولهذا يتعامل معها على أنها من منكر القول وزوره.
[ ٣ / ٩ ]
الشبهات التي قامت عليها بدعة نفي الصفات
بدعة نفي الصفات أحدثها الجعد والجهم وأمثالهما، وهذا باعتبار العلم التاريخي، وقد يكون هناك من تكلم بها قبلهم ممن لم ينضبط النقل عنهم.
فهذه البدعة أحدثها الجعد والجهم، لكن الذي نظرها وقررها وأشاعها هم أئمة المعتزلة، الذين انضبطت لهم مدرسة في العراق، ودخلت على كثير من الأمصار في فارس وبلاد ما وراء النهر.
والمعتزلة -فضلًا عن الجهمية الغالية الذين ينفون الأسماء والصفات- لم يقع لهم في كتبهم أنهم اعتبروا نفي صفة من الصفات بآيةٍ من كتاب الله فضلًا عن حديث من سنة النبي ﵊، وإنما هو معتبرٌ بما يسمى دليل العقل، وهو دليل الأعراض.
وهذا الدليل عبارة عن نظرية مولدة على أحسن تقدير، ومعنى هذا الكلام أن هذا الدليل مركب من جمل شرعية عامة، وجمل عقلية عامة، لكن هذه الجمل العقلية الكلية أو الجمل الشرعية الكلية لا تؤثر في نتيجة هذا الدليل، إنما المؤثر في نتيجة هذا الدليل هو القسم الثاني منه، وهي المقدمات الفلسفية التفصيلية، المتلقاة عن أرسطو أو غيره.
فالذين تكلموا في نفي صفات الرب ﷾ إما من الجهمية والمعتزلة، وإما من الفلاسفة المحضة كـ ابن سينا وابن رشد وأمثالهم، وإما في نفي ما هو من الصفات كمتكلمة الصفاتية من الأشعرية وغيرهم؛ هذه الطوائف في نفيها لما نفته ترجع إلى ثلاثة من الأدلة الفلسفية الكلية:
الدليل الأول: دليل الأعراض، وهو أشهر هذه الأدلة، وهو المستعمل عند جمهور المعتزلة وجمهور متكلمة الصفاتية.
الدليل الثاني: دليل التركيب، وهو الغالب على طرق الفلاسفة كـ ابن سينا وابن رشد.
الدليل الثالث: دليل التخصيص، وقد انتحله بعض المتأخرين من متكلمة الصفاتية كـ أبي المعالي الجويني ونحوه.
ومن طريف الحال أن دليل الأعراض لم يستدل به نفاة الصفات فقط، بل حتى المشبهة من المتكلمين قد استدلوا به، فإن المتكلمين وإن كان جمهورهم معطلة نفاة للصفات إلا أن خلقًا منهم على طريقة التشبيه والتمثيل، فـ محمد بن كرام -وهو من المجسمة- كان من أرباب علم الكلام، الذين يعتبرون دليل الأعراض.
فأقوال المجسمة، بل وحتى المشبهة كـ هشام بن الحكم وأمثاله من متقدمي الشيعة الرافضة، وكذلك المعطلة من نفاة الصفاة أو ما هو منها؛ مدار أقوال جميعهم على دليل الأعراض في الجملة، ومتفلسفتهم يستعملون دليل التركيب، وبعض متأخريهم يستعملون دليل التخصيص.
ودليل الأعراض دليل فلسفي باعتبار جوهره، وإن كان فيه جملٌ عقلية كلية وجمل شرعية كلية، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذه جملة كلية يستعملها معطلة الصفات في مثل هذا الدليل، وأما تفاصيل الدليل وحقيقته فإنها مقدمات فلسفية منقولة.
فعلم الكلام وإن لم يكن فلسفة محضة -بل فيه جمل من الشريعة وفيه جمل من العقل، ولهذا تجد أن أصحابه تأولوا الشريعة والنصوص إليه- إلا أنه مولد من الفلسفة، أما فيه من الجمل العقلية أو الشرعية فإنها ليست مؤثرة في الجملة في نتائجه، وإنما نتائج هذا العلم من نفي صفات الرب ﷾ معتبرة بالمقدمات الفلسفية، ولا يعترض معترض بأن أئمة النظار ككثير من أئمة المعتزلة كانوا يردون على الفلاسفة في مسألة قدم العالم وغيرها -فلا شك أن المتكلمين لهم ردود مشهورة على الفلاسفة- لكنهم وإن ردوا عليهم إلا أنهم قد انتحلوا كثيرًا من مادتهم وأصولهم.
إذًا: هذه البدعة -بدعة نفي الصفات- ليس لها أصل في نصوص الأنبياء، فإن قال قائل: إنا إذا نظرنا كتب المعتزلة وجدنا أنهم يستدلون على نفي الصفات بشيء من مفصل النصوص، كقول الله تعالى في الرؤية: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣].
نقول: القاعدة السالفة على وجهها: أن المعتزلة لا تستدل على قول من أقوالها في الصفات بمفصل النصوص، وأما هذان الدليلان فإن المعتزلة تعتقد وتقرر في مذهبها أن رؤية الله ﷾ ممتنعة، بمعنى أننا لو سلمنا جدلًا أن قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] بمعنى: لا تراه الأبصار، وأن هذا في الدنيا والآخرة، لو سلمنا جدلًا بهذا المعنى، فهذا المعنى ليس هو مذهب المعتزلة، لأن المعتزلة عندهم مذهب زائد يستلزم هذا الأصل وما فوقه، بمعنى: أن هذه الآية لو سلمنا جدلًا أنها تقتضي نفي الرؤية على الإطلاق فإنه ليس فيها إلا نفي الرؤية، لكن المعتزلة تقول: إن الرؤية ممتنعة، وتعلم أن الشيء المنفي يبقى غيبًا، فقد ينفى لامتناعه، وقد ينفى لعدم إرادة الله له، أو لعدم قيام سببه؛ فإن النفي لا يلزم منه أن الشيء ممتنع؛ فلو كانت المعتزلة صدقت في الوقوف على الاستدلال بالآيتين لقالوا: الرؤية منفية بآية الأنعام وآية ذكر موسى لكن -الله أعلم- هل هي ممكنة في حق الله أو ممتنعة؛ فإنهم لو قالوا بهذا المذهب لقلنا: اشتبهت عليهم النصوص كما اشتبه قول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [السجدة:٢٠] على الخوارج، لكن المعتزلة تكفر في كتبها من يعتقد أن الرؤية ممكنة وإن قال بنفيها؛ لأن مجرد القول بالإمكان يستلزم -عندهم- أن الله في جهة، والقول بالجهة يستلزم أن الله جسم، وكل هذا يعتبر عندهم من الكفر الصريح بالله سبحانه.
فيتبين عند التحقيق أن القوم لا يستدلون على قولهم بمفصل، ومن هنا استعملوا ما يسمى بالتأويل لنصوص الأسماء والصفات، وما استعملوا التأويل إلا لكون النصوص من الكتاب والسنة لا توافق قاعدتهم العقلية الكلامية، ولو كانت توافقها ما احتاجوا إلى ما يسمى بالتأويل.
بل فوق ما يسمى بالتأويل تحصل عندهم قانون صريح: عند تعارض العقل والنقل، يعنون بالعقل علم الكلام الذي هو العلم الفلسفي المنقول إلى المسلمين.
أما أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون: إن العقل لا يعارض النقل، لكن العقل الذي قرره المعتزلة يعارض النقل؛ لأنه عبارة عن نظرية قررها قوم -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀- ليسوا مشركين في الألوهية فحسب، بل هم من أئمة الملاحدة في الربوبية، فهي منقولة عن أرسطو طاليس وغيره، الذي لا يثبت ربًا خالقًا للعالم، -وإن كان أرسطو يعتبر من أقربهم إلى دين الأنبياء- فضلًا عن المثاليين كـ أفلاطون وغيره.
فهذا العقل الذي زعموه هو الفلسفة التي نقلوها وقربوها إلى دين المسلمين؛ ولهذا ظهر عندهم هذا القانون تعارض العقل والنقل، ولا شك أنهم أتوا بضلال، وبكفر، وبزندقة نقولها إلى المسلمين، وبالطبع فإن الباطل والحق يقع بينهما التعارض ولا بد.
ولهذا لما جاء محققوهم -وأعني بكلمة (محققيهم) من يصرحون بحقيقة هذا المذهب الذي أحدثه الجهم والجعد والمعتزلة- المصرحون من أصحاب هذا المذهب، منعوا التأويل، وأبطلوا مسألة التأويل، كما هي طريقة ابن سينا الذي قال: إن القرآن مليء بإثبات الصفات، وليس فيه إشارة إلى التوحيد أصلًا -أي: إلى الحق أصلًا- ولهذا جعله كتابًا للعامة، وليس كتابًا للخاصة.
فهذه البدعة لا بد أن يعرف فيها هذا القدر، وإذا عرف فيها هذا القدر، فهي من جهة أصلها نقول: إنها بدعة كفرية زندقية دخلت على هذا الوجه.
لكن إذا جئنا إلى الأعيان، فإنه يقال: إن بدعة نفي الصفات دخلت على خلقٍ ممن يعرف عنهم أنهم من أهل الديانة والإسلام مع ما فيهم من الظلم والتقصير والبدعة والخطأ، فجمهور من تكلم بهذه البدعة من متكلمة الصفاتية وجمهور المتأخرين من المعتزلة الذين انتسبوا للفقهاء؛ لا يضافون إلى الزندقة والكفر، فإن ثمة فرقًا بين المقالة وبين أصحابها.
فإن المقالة قد تكون في حال كفرًا وزندقة، ثم يدخلها قدر من الاختلاط والشبهة وما إلى ذلك، أو ينتحلها بعض من انضبط علمه أو انضبطت ديانته عند المسلمين، فتشتبه عليه ويظن أنها من مقالات العلم والإيمان؛ ولهذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن بدعة الجهمية التي اتفق السلف على أنها كفر دخلت على خلق من أهل العلم والإيمان، قال: (بل دخلت على خلقٍ ممن هم من أهل الولاية عند الله ﷾).
ولهذا فإن الطريقة التي اعتمد عليها أبو إسماعيل الأنصاري الهروي ومن يدور في فلكه من المتأخرين في تكفير الأشعرية هي طريقة مبالغ فيها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إن أبا إسماعيل الأنصاري الهروي مبالغ في ذم الجهمية وتكفيرهم) فإذا كان هذا الحكم في قوله عن الجهمية فمن باب أولى قوله في الأشعرية، مع أن الهروي نفسه -مع أن له كثيرًا الفضائل- عنده بدع لو أخذ بها على منهجه لربما لزمه حكم يقارب الحكم الذي ألزم به الأشعرية.
[ ٣ / ١٠ ]
معنى التحريف والتعطيل
قال: [من غير تحريف ولا تعطيل].
التحريف في اللغة: الميل.
وإنما ذكره المصنف لكونه مستعملًا في القرآن، فإن الله لما ذكر اليهود ذكر أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فكل من لم يهتد في هذه المسألة فإنه محرفٌ لكتاب الله، وأيضًا هذا ليس من الزيادة على الجهمية؛ لأن بدعتهم بدعة منقولة؛ ولهذا فإنهم محرفون للنصوص، والقول بأنهم من أهل التحريف هو حكم مناسب في حقهم.
قوله: (ولا تعطيل).
التعطيل: هو الخلو والفراغ، كما في قول الله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج:٤٥] والمقصود: أنهم سلبوا الرب ﷾ ما يجب له من صفات الكمال، وقد ذكر المصنف لفظ التعطيل؛ لأن السلف عبروا به، ولأنه مناسب لحقيقة مذهب نفاة الصفات.
[ ٣ / ١١ ]
معنى التكييف والتمثيل
قال: [ومن غير تكييف ولا تمثيل].
هذه إبانة لمذهب المشبهة، وإن كان المشبهة ليسوا كمذهب المعطلة في الانتشار والظهور، وسيأتي الكلام في تفصيل ذلك عند قوله: [فهم وسط بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة].
والتكييف: حكاية كيفية الصفات، أي: تعيين كيفية لصفات الله، كالقول بأن لله يدين كيدي المخلوق، أو أن الله جسم لا كالأجسام أو ما إلى ذلك، فتعيين الكيفية للصفة في الإثبات أو النفي هو من طرق التكييف.
والتمثيل: هو ذكر مثال للصفة، وهو تشبيه الرب ﷾ في باب أسمائه وصفاته.
وقد ذكر المصنف ﵀ لفظ التمثيل؛ لأنه هو المنفي في كتاب الله، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
وأما لفظ التشبيه، فلم يذكره، لكون السياق فيه لفظ أشرف منه، فهو اللفظ المذكور في القرآن.
وبعض الناظرين يرى أن لفظ التشبيه لا يسوغ التعبير به؛ لأنه ما من شيء وآخر إلا وبينهما قدر من الاشتباه ..
وهذا تكلف في تعليل المسائل، بل لفظ التشبيه في باب الأسماء والصفات تواطأ الأئمة وأهل السنة على نفيه.
والإمام ابن تيمية ﵀ يذكر أن باب الأسماء والصفات فيه قدرٌ مشترك من المعنى لابد من ثبوته في الاسم، وأن هذا القدر المشترك لا وجود له في الخارج وإنما يعقل به الخطاب ..
فمن نهى عن التعبير بلفظ التشبيه فقد أبعد وزاد، وإن كان الأولى والأقوم في اللفظ باعتباره واردًا في القرآن وفي المعنى أيضًا التعبير بنفي التمثيل، لكن من عبر بنفي التشبيه، فهذا قولٌ مناسب، ولا سيما أن السلف والأئمة قد استعملوه.
[ ٣ / ١٢ ]
عظم مسألة الأسماء والصفات
بين المصنف ﵀ في مقدم رسالته أن معتقد أهل السنة والجماعة هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ثم أبان بعد هذا جملًا مفصلة تدخل في هذه الأصول الشرعية، فابتدأ بذكر مسألة الأسماء والصفات، فقال: (ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله محمد ﵌ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل).
فهو بعد أن ذكر أصول الإيمان الستة التي هي مبنى معتقد أهل السنة والجماعة؛ ابتدأ عند التفصيل بذكر مسألة الصفات.
وقد يقول قائل: لماذا لم يبدأ بذكر مسألة توحيد العبادة؟
نجيب عن ذلك بجواب مجمل نوضح به طريقة المصنف، فنقول: إن مراده بهذه الرسالة تمييز معتقد أهل السنة والجماعة عن غيرهم، وإنما ذكر هذه المسألة -أعني مسألة الأسماء والصفات- لأنها من جهة مناطها فيها قدر واسع من النزاع بين طوائف المسلمين، وإنما علق النزاع بمناط هذه المسألة الشريفة -وهي مسألة الأسماء والصفات- لأن مبدأها الكلي ليس فيه خلاف بين المسلمين؛ من جهة أن الله ﷾ مستحق للكمال وأنه منزه عن النقص؛ فإن باب الأسماء والصفات محصله إثبات الكمال المطلق لله ﷾، والتنزيه له سبحانه وتعالى عما لا يليق به، فهذا القدر الكلي متفق عليه بين سائر طوائف المسلمين، ولا أحد من الطوائف ينازع في هذا.
وإنما اختلف أهل القبلة في مناط الكمال ما هو، وفي مناط النقص ما هو، وعن هذا تفرع نفي الصفات عند المعتزلة، ونفي جملة من الصفات -وهي ما يتعلق بصفات الأفعال- عند متكلمة الصفاتية كـ عبد الله ابن كلاب وأتباعه، وأبي الحسن الأشعري وأتباعه، وأبي منصور الماتريدي وأتباعه، وعن هذا المناط الكلي تحصَّل مذهب أهل السنة والجماعة المثبت لأسماء الرب ﷾ وسائر صفاته التي ثبتت في الكتاب والسنة.
إذًا: إنما ابتدأ المصنف بذكر مسألة الصفات على التفصيل باعتبارها أخص مسائل النزاع بين أهل القبلة، فإن سائر ما اختلف فيه المسلمون لا يصل قدره إلى مسألة الصفات، فهي أعظم مسألة حصل فيها النزاع؛ ولهذا انقرض عصر الصحابة ﵃ ولم يحدث في هذه المسألة نزاع، بخلاف بعض المسائل كمسائل الإيمان والأسماء والأحكام، فإن النزاع فيها حصل، وقد أدرك جملة من الصحابة، وحين يقال: إنه أدرك جملة من الصحابة، لا يعني ذلك أن أحدًا من الصحابة أخذ هذا الخلاف أو اعتبره، وإنما المقصود: أن بعض المسلمين قد أحدث شيئًا من البدع في مثل مسائل الأسماء والأحكام والإيمان، ومن الصحابة بقية؛ بخلاف مسألة الأسماء والصفات، فإن شأنها يختلف؛ فهي أجل مسألة حصل فيها النزاع؛ ولهذا لم يذكر المصنف مسألة توحيد العبادة المتعلقة بصرف العبادة لله وحده والبراءة من الشرك؛ لأن هذه المسألة من جهة أصولها النظرية ليس فيها نزاع بين أهل القبلة.
والمقصود بأهل القبلة طوائف المسلمين من أهل السنة أو غيرهم.
فمسألة توحيد العبادة أو توحيد الألوهية ليس في أصول مسائلها النظرية نزاع بين المسلمين.
وحين يقال: إنها ليست مسألة نزاع فهذا باعتبار أصولها النظرية الكلية، وإلا فمن جهة الوقوع ثمة خلل كبير لا يختص بأهل البدع، بل يقع حتى عند بعض العامة من أهل السنة، كمسائل شرك الألفاظ أو بعض مسائل التوسل التي هي نوع من البدع أو الشرك، فمثل هذا يقع بين جملة من العامة، فضلًا عن بعض الطوائف التي يكون منهجها موجبًا لمثل هذا الجهل والغلط في توحيد العبادة، كما يقع عند جملة من الصوفية أو الشيعة أو غيرهم.
فلا نزاع في هذه المسألة باعتبار أصولها النظرية ولا أحد من المسلمين يقول: إنه يجوز صرف شيء من العبادة لغير الله، وإن كان بعض أعيانهم قد يقع منه شيء من صرف العبادة لغير الله، لكن لا يتحقق له أن هذا مما يخالف القاعدة الأصل.
ويذكر بعض أهل السنة والجماعة أن المتكلمين لا يذكرون توحيد العبادة، وهذه جملة ينبغي أن تفقه على وجهها، فإنهم -أعني المتكلمين- في كتبهم لا يذكرون هذا التوحيد، ولا يبنون الأصول عليه، وهذا قدر ثابت عنهم، وأما أنهم لا يؤمنون به أو لا يعتبرونه من التوحيد أو ما إلى ذلك، فليس كذلك؛ بل جميع المسلمين يتفقون على أصل توحيد العبادة، وإن كانت بعض الأصول النظرية فضلًا عن بعض التطبيقات العملية يقع فيها خلل واسع عند جملة من العامة وبعض نظار الطوائف، وخاصة طوائف الشيعة أو طوائف الصوفية؛ ولهذا لم يذكر شيخ الإسلام ﵀ مسألة توحيد العبادة؛ باعتبارها مسألة مسلَّمة بين المسلمين.
وأما مسألة الصفات، فكما أسلفت: قد وقع النزاع في مناطها، وأما من جهة أصلها -الذي هو إثبات الكمال لله- فهي محل اتفاق.
[ ٣ / ١٣ ]
قاعدة في إثبات الأسماء والصفات والفرق بينها وبين باب الإخبار
الإثبات لاسم من أسماء الله ﷾ أو صفة من صفاته عند أهل السنة والحديث معتبر بمورد النص المفصل، فلابد أن يكون مبنيًا على دليل مثبت له: إما من كتاب الله، وإما من سنة النبي ﵌.
ولا بد للناظر في مسائل الأسماء والصفات أن يعرف فرقًا عند أهل السنة والجماعة بين مورد الإثبات وبين مورد النفي؛ فإنا إذا ذكرنا الإثبات للأسماء والصفات قلنا: إنه مبني على مفصَّل النصوص؛ فلا يثبت اسم من الأسماء ولا صفة من الصفات، إلا وقد ثبتت وجاءت به النصوص؛ إما مطابقةً وإما تضمنًا.
والمطابقة نعني بها التصريح بالصفة كالرحمة والعلم والسمع أو التصريح بالاسم كالعليم والسميع والبصير.
والتضمن مستفاد من باب الإخبار عن الرب ﷾، والذي يقول فيه أهل السنة: إن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء.
فهذا -أعني باب الأخبار أو باب الإخبار، ولك أن تقول هذا وهذا والثاني أقرب- مبني على النصوص المفصلة من جهة التضمن.
فإذا قال قائل: كيف يقال: إن باب الإثبات مبني على النصوص مع أن أهل السنة يتوسعون في باب الإخبار، أو يفرِّقون بين باب الأسماء وباب الإخبار عن الرب ﷾؟
فيقال: إن باب الإثبات مبني على النصوص المفصلة، لكن دلالة النصوص قد تكون مطابقة، وهذا ما يصرح به في الأسماء كالسميع والبصير ونحوها، أو في الصفات كالسمع والبصر والرحمة والعلم، أو تقع الدلالة تضمنًا، وهذا يفيد ما يسمى بباب الأخبار، ولهذا يخبر عن الرب ﷾ ببعض الأفعال وبعض الإضافات التي هي على طريقة الأسماء في اللغة الإضافية، وإن كان هذا الاسم الإضافي لم ترد به النصوص على التصريح، فيقال: إن هذا ليس من الأسماء الحسنى، وإنما هو من باب الإخبار.
فإذا قيل: من أين جاء الدليل على الإخبار؟
قيل: دلت عليه نصوص من الصفات تضمنًا، وقد يؤخذ هذا التضمن من صفة واحدة، وقد يكون هذا المعنى الإخباري أُخذ تضمنًا من أكثر من صفة أو أكثر من اسم.
وهنا تكون النتيجة: أن باب الإثبات للأسماء والصفات أو الإخبار عن ذلك مبني على مورد النصوص، إما مطابقة وهو ما يسمى صفةً أو اسمًا، وإما تضمنًا وهو ما يسمى في اصطلاح أهل السنة باب الإخبار، وهذا مصطلح فيه قدر من التأخر، وإن كان قد ذكره الشيخ أبو عثمان الصابوني ﵀ وجمعه، وذكره الإمام ابن تيمية من بعده.
فباب الإثبات مبني على النص، فإن كان مطابقة، قيل: هو اسم أو صفة بحسب مورده، وإن كان تضمنًا، فهو باب من الخبر الذي قد يكون محصَّلًا من اسم واحد أو صفة واحدة، وقد يكون محصَّلًا من أكثر من ذلك.
ومن هنا ذكر الدارمي ﵀ الحركة من باب الإخبار عن الله، وهذا لفظ فيه قدر من النزاع من جهة: دخوله في باب الإخبار أو عدم دخوله.
ولهذا يقال: إن باب الإخبار قد يقع في بعض إطلاقاته أو بعض حروفه قدر من التردد بين الأئمة، فهذا لا ينبغي أن يُشكل على معتقد أهل السنة والجماعة، وليس هو من باب الخلاف بينهم في الصفات، فإن ما صرحت به النصوص من اسم أو صفة، فإنهم مجمعون عليه، وأما باب الإخبار فكما ترى أنه محصَّل من جهة دلالة التضمن، وقد يكون هذا التحصيل فيه قدر من النزاع، وقد يكون في اللفظ الذي أريد للمعنى المحصل قدر من التردد؛ ولهذا لا عجب أن يقع بين جملة من أهل السنة قدر من التردد في هذا، ولا سيما وقد اشتغل كثير من المتأخرين بهذا الباب -أعني باب الإخبار- فتوسع ابن مندة ﵀ في كتاب الأسماء والصفات، ومثله البيهقي في هذا الباب في كتابه الاعتقاد، كذلك ابن مندة في كتاب الإيمان أو كتاب التوحيد.
وأنبه إلى أن شيخ الإسلام ﵀ أحيانًا يستعمل لفظ الاسم على مورد الخبر، فهنا لا يقال: إن شيخ الإسلام يجعل هذا المورد من الأسماء الحسنى، فإنه ربما قال: وعند جمهور أهل السنة أن الله يسمى كذا؛ مع أن هذا الاسم الذي أورده بمثل هذا السياق لا ترى أن النصوص جاءت به على التصريح، فمثلًا قوله: (وعند جمهور أهل السنة من أصحابنا وغيرهم أن الله يسمى دليلًا) فهذا ليس من باب أن الإمام ابن تيمية يجعل الدليل من الأسماء الحسنى التي هي على سياق السميع والعزيز والحكيم ..
إلى غير ذلك، فكلمة (يسمى) في مثل هذا السياق لـ شيخ الإسلام هي بمعنى: يخبر عنه بذلك، وتعلم أن الألفاظ مشتركة، فإنك لك أن تقول في سائر الأسماء والصفات أنها خبر عن الله، فإن هذا باب فيه لفظ مشترك واسع.
[ ٣ / ١٤ ]
باب التنزيه (النفي) وقواعده
نفي النقص أو التنزيه للباري سبحانه وتعالى عما لا يليق به هل هو مبني على مورد النصوص، أم أنه ليس مبنيًا على مورد النصوص؟
نقول: الجواب عن هذا السؤال يقع باعتبار المراد بهذه الجملة، ومعنى هذا: أنه لك تقول: إن التنزيه أو النفي مبني على مورد النصوص، ولك أن تقول: إنه ليس كباب الإثبات من جهة بنائه على مورد النصوص، وكلا الجوابين صحيح، ومن هنا قد يقع للمتأمل في كلام أهل السنة أنهم تارةً يسوون بين البابين -أعني: باب الإثبات وباب النفي- فيقولون: إنه يُثبت لله ما أثبته لنفسه، أو يوصف الباري بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، ويُنفى عنه ما نفاه عن نفسه.
وشيخ الإسلام تارةً يستعمل الطريقة الأولى التي يُفهم منها التسوية بين باب الإثبات وباب النفي، وتارة يُفهم من كلامه -كما هي طريقته في الرسالة التدمرية- أن ثمة فرقًا بين البابين، وأن باب النفي ليس مبنيًا على مورد النصوص كباب الإثبات، وكلا الاستعمالين صحيح، ولكن يفقه المعنى المراد، فإن مرادهم حين يقولون: إن باب النفي مبني على النصوص؛ أي: أن كل نقص لا يليق بالله ﷾؛ فإنه يعلم أن النصوص سواء المجملة أو المفصلة قد جاءت بنفيه؛ ولهذا سائر ما يمكن أن يفرض من المعاني التي لا تليق بالله ﷾ يصح أن يقال: إنها منفية بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وإنها منفية بمثل قول الله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]، وإنها منفية باعتبار منافاتها لصفات الكمال المفصلة.
وبهذه الطريقة فإن كل نفي يمكن أن يستدل عليه بالنصوص النبوية أو القرآنية المجملة أو المفصلة، فهذا مقصودهم حين يقولون: إن الإثبات والنفي مبنيات على النصوص.
وقد يفرقون بين البابين، كـ شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، حيث يقول: (إنه لا يصح الاعتماد في باب النفي على مورد النصوص) ومراده بهذا أن النصوص في كتاب الله لم تفصِّل بالتعيين مورد النفي والتنزيه، فإن عامة صفات النقص لم يذكرها الله ﷾ تصريحًا في القرآن؛ بل الذي ذُكر مفصلًا من صفات النقص قدر يسير منها؛ كالظلم في قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] وكالنوم في قوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى غير ذلك؛ فالمعاني التي لا تليق بالله لم يذكر منها مفصلًا في النصوص إلا قدر يسير، فمثلًا: صفة الجهل ما نطقت بها النصوص نفيًا بالتصريح؛ فلا يقل قائل: أين الدليل في نفي هذه الصفة عن الله على جهة التصريح؟ فإن هذه الصفة يُعلم أنها منفية بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وكذلك يُعلم أنها منفية بأن الله أثبت لنفسه صفة العلم، والعلم والجهل متقابلان، فإذا ثبت أحدهما لزم نفي الآخر ..
إلى غير ذلك من الطرق؛ ولهذا قد يقال: إن مورد التنزيه ليس مبنيًا على النصوص على مثل هذا المعنى، وقد يقال: إنه مبني على النصوص على مثل ذاك المعنى، فهذا لفظ مجمل قد يقع فيه الإطلاق على هذه الجهة أو على هذه الجهة.
[ ٣ / ١٥ ]