جميع طوائف المسلمين يقرون بأن باب الأسماء والصفات بني على الإثبات والنفي، ولكن أهل السنة امتازوا في هذا الباب بطريقتهم المبنية على منهج القرآن، وهي أنهم يثبتون التفصيل فيما يتعلق بالأسماء والصفات المثبتة، ويثبتون الإجمال في الأسماء والصفات المنفية، وعند وجود الإجمال في المثبت من الأسماء والصفات فهو لا يخالف التفصيل بل يدل عليه.
[ ٧ / ١ ]
قواعد النفي والإثبات إجمالًا وتفصيلًا
[ ٧ / ٢ ]
ما ورد في سورة الإخلاص من الأسماء والصفات
قال المصنف ﵀: [وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]].
قوله ﵀: (وقد دخل في هذه الجملة) يعني بـ (هذه الجملة) قوله: (وقد جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات).
فأراد المصنف هنا أن يبيِّن لك طريقة القرآن والحديث في ذكر الإثبات وذكر النفي، ولك أن تقول هنا: إن جمهور طوائف المسلمين يسلِّمون أن هذا الباب -أعني: باب الأسماء والصفات- مبنيٌ على الإثبات والنفي، فهذا في الجملة محل إقرار عند جمهور الطوائف.
ولكن طريقة أهل السنة والجماعة في هذه الجملة مبنيَّة على منهج القرآن، فإنه إذا قيل: إنه قد جمع سبحانه فيما سمَّى ووصف به نفسه بين النفي والإثبات، فإن ثمَّة طريقةً بينةً في كتاب الله في مقام الإثبات وطريقةً في مقام النفي، حيث أن المفصَّل ذِكْرُه في القرآن والحديث هو الإثبات، وأما النفي فإن الأصل فيه في القرآن هو الإجمال.
ولك أن تقول: إن الأصل في الإثبات هو التفصيل، وإن الأصل في النفي هو الإجمال، وإذا قيل: الأصل في الإثبات التفصيل؛ فإن الإثبات كذلك يقع مجملًا، ومجمله يُعلم ضرورة أنه لا يعارض المفصل؛ بل يدل عليه.
أما مجمل الإثبات في الأسماء، فهو قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] فهذا إثبات للأسماء الحسنى، ولكنه إثبات مجمل، وأما الإثبات المجمل للصفات، فهو قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] أي: الوصف الأكمل.
وقال قوم من أهل السنة والجماعة عند تفسير الآية وبيان معناها: إن كل كمال لا نقص فيه بوجهٍ من الوجوه ثبت للمخلوق، فإن الخالق أولى به.
فهذه قاعدةٌ مقرِّبة إلى بعض المعاني المناسبة، ولكن لك أن تعتبر أنها ليست قاعدة لازمة لفقه هذا الباب، وكأن الاستغناء عنها أولى؛ لأنه قد يعترضها بعض التطبيقات التي تُوجب كثيرًا من الغلط عند بعض المطبِّقين لهذه القاعدة.
ولهذا ينبغي لطالب العلم ألا يبني فقهه على مثل هذه الحدود والضوابط التي تُسمى في بعض الكتب بالقواعد، فإذا ما قيل: (إنها قاعدة) انقدح في ذهن السامع لها أنها جامعة مانعة، وأنها قاعدة كلية، وأنها محكمة من جهة الشريعة ..
إلى غير ذلك؛ وإذا تحققت وجدت أنها حد ونظر مناسب، لكنه يحتاج إلى كثير من الفقه؛ إذ ربما تخلَّف نظرهم من جهة فقهها، فرتَّبوا عليها بعض التطبيقات التي لا تناسبها، فهي قاعدة صحيحة، ولكنها ليست من أصول القواعد في هذا الباب ..
فهذا مقام الإثبات المجمل.
وأما الإثبات المفصل الذي قلنا: إنه الأصل في الإثبات، فهو ما تراه في كتاب الله مفصلًا لأسماء الرب ﷾ وصفاته؛ كقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر:٢٣] وكقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٣] إلى آخره، وكمفصَّل الصفات في قول الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا﴾ [المائدة:١١٩] وغير ذلك.
وأما النفي فإن الأصل فيه الإجمال، كقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] وقد يقع النفي في القرآن مفصلًا كقول الله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقول النبي ﵊ في حديث أبي موسى ﵁: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام).
وسبب ورود النفي المفصل في القرآن أو في شيء من السنة، هو وجود قدر من المناسبة التي تستدعي ذلك، وهو يُذكر في مقام يستلزمه أو يستدعيه، أما أن يكون منهجًا مطردًا، فهو ليس كذلك في الكتاب أو في السنة.
وما من إثبات مفصَّل إلاَّ ويستلزم نفيًا مفصَّلًا، أو يتضمنه، وإن كان لم يصرح بذكره، فإن ذكر العلم يستلزم نفي الجهل، من باب أن العلم والجهل متقابلان، وثبوت أحد المتقابلين يسلتزم نفي الآخر.
[وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]].
ابتدأ المصنف ﵀ بذكر سورة الإخلاص لوجوه، من أخصها: أن هذه السورة قد جُمع فيها بين النفي والإثبات، ولأن هذه السورة فيها ذكرٌ للإثبات المفصَّل والإثبات المجمل، وفيها ذكر للنفي المفصَّل وللنفي المجمل.
فهذه السورة ذُكر فيها النفي بمقاميه، والإثبات بمقاميه، فقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] * ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] هو إثبات مفصل لاسمين من أسماء الله: (الله)، (الصمد).
فإن قال قائل: فأين الإثبات المجمل؟
قلنا: الإثبات المجمل هو في هذين الاسمين، فإنهما باعتبار كونهما من أسمائه المختصة (الصمد) و(الله) هو وجه كونهما في مقام التفصيل، وأما وجه كونهما في مقام الإجمال، فباعتبار أن هذين الاسمين فيهما دلالة عامة على الكمال؛ ولهذا سائر أوجه الكمال تكون مناسبة لهذين الاسمين، ولك أن تقول: إن أوجه الكمال المطلقة التي تليق بالله ﷾ يدل عليها هذان الاسمان من باب دلالة اللزوم، فإن الله لما قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ [الإخلاص:١] عُلم أنه متكلم ..
لماذا؟ لأنه سمَّى نفسه الله، أي: المألوه المعبود محبةً وتعظيمًا، والذي يُعبد محبةً وتعظيمًا لا بد أن يكون متكلمًا.
فمن هنا رأيت أن هذا الاسم -وهو (الله) - فيه دلالة على مقام الإجمال باعتبار أنه يستلزم الكمالات.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه يستلزم الكمالات؟
قلنا: لأن معناه يستلزم الكمالات من الصفات، والدليل على هذا: أن الله لما ذكر عبودية قوم موسى للعجل قال: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] فدلَّ على أن مقام الاستحقاق للعبودية يقتضي أن يكون المعبود متكلِّمًا.
ومن هنا نقول: إن هذين الاسمين -أعني: الصمد والله- هما في مقام التفصيل، وهذا بيِّن، ولكنهما كذلك في مقام الإجمال، أي: الدلالة على الكمالات؛ فإن عامَّة ما ذكر من مفصل الكمالات يكون متضمنًا أو مستلزمًا لهذين الاسمين؛ ولهذا نقول: إن اسم الله دلَّ على الكلام، وإن اسم الله دلَّ على السمع والبصر، والدليل على ذلك أن الله هو المألوه المعبود، ولا بد أن يكون سميعًا بصيرًا، ولهذا قال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم:٤٢].
وتضمَّنت هذه السورة النفي في مقامين: المجمل والمفصَّل، فقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] هو نفيٌ مجمل، وقوله سبحانه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] هو نفيٌ مفصل.
فكانت هذه السورة جامعة في باب التوحيد؛ فهي جامعة لمعنى الألوهية في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ [الإخلاص:١] وجامعة لمعنى الربوبية في جملة سياقها، وجامعة لمعنى الأسماء والصفات حسبما تقدم، فتضمنت تحقيق التوحيد في موارده الثلاثة: الألوهية والربوبية والأسماء والصفات على أتمِّ تحقيق؛ ولهذا سميت هذه السورة بسورة الإخلاص.
قال المصنف: (التي تعدل ثلث القرآن).
أما أنها تعدل ثلث القرآن فهذا ثابت في السنة، وقد تكلَّم العلماء في معنى كون هذه السورة تعدل ثلث القرآن، ومن أشهر أقوالهم المعروفة والمذكورة في كتب الشروح للعقيدة الواسطية وغيرها: إن القرآن ينقسم إلى خبر، والخبر منه قصص وعقيدة تتعلَّق بمعرفة الله وألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وأحكام.
فهي ثلاثة أقسام: القصص والمعتقد -وهو الإيمان بالله ومعرفته- والأحكام، وهذه السورة تضمنت المعتقد، وإن لم يذكر فيها القصص ولا مفصَّل الأحكام، والقرآن جاء على هذه الأقسام الثلاثة.
فإذا فُسِّر هذا الحرف النبوي بمثل هذا المعنى فإنه يكون لائقًا به، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا لا يستلزم أن يكون تحصيلًا محضًا لمراد النبي ﵌، فربما كان مراده ﵊ أوسع من ذلك.
فالظاهر أنها تعدل ثلث القرآن باعتبار الأجر؛ فإن النبي ﵌ قال: (أيعجزُ أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟) فلما سأله الصحابة قال: «قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن) فكأن هذا في مقام الثواب.
ولك أن تقول: إنه يمكن أن يكون مراده ﵌ في مقام المعاني وفي مقام الثواب، ولكن إذا حُمل مراده ﵊ على مقام الثواب، فثمَّة مسألة لا بد منها، وهي: هل من قرأ (قل هو الله أحد) يكون له من الأجر ما يثبت لمن قرأ عشرة أجزاء من القرآن ويكون مماثلًا له، وإنما يتفاضلان باعتبار عوارض من الحال المقترنة بهما كأن تقول: إن هذا أخشع وهذا أكثر إخلاصًا، لكن باعتبار أصل العمل؛ فإن الأجر بينهما على التماثل المطلق، لأن النبي ﵌ قال: (تعدل ثلث القرآن)؟
الجواب: لا ..
لأن النصوص ليست صريحة بأن المراد من حرف النبي ﵌ هو مقام الثواب ..
هذه جهة.
فإن قيل: إن النبي ﷺ قال لأصحابه: (أيعجز أحدكم) قيل: هذا وجه ممكن أنه أراد الثواب، ولكن لعلَّه ﵊ أرا
[ ٧ / ٣ ]
ما ورد في آية الكرسي من الأسماء والصفات
[وما وصف به نفسه في أعظم آية بكتابه، حيث يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يثقله ولا يكرثه ﴿حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]].
أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، والدليل على ذلك: ما جاء في صحيح البخاري: أنها أعظم آية في كتاب الله.
وهذه آية جامعة للتوحيد كله بسائر معانيه، باعتبار أن فيها تحقيقًا لمقام المعرفة ولمقام العبودية لله ﷾، وباعتبار أن فيها ردًا على المخالفين المكذبين للرسل، فهي قاعدة في التوحيد في مقام التقرير، وهي قاعدة في التوحيد في مقام الرد على المخالفين، ومن هنا صارت أعظم آية في كتاب الله باعتبار عظم معناها.
وهذه الآية يقال فيها قول مقارب لما قيل في سورة الإخلاص من جهة شمولها لقاعدة المصنف التي ابتدأ بذكرها.
[ ٧ / ٤ ]
مسألة الكرسي
المشهور الذي عليه جمهور أهل السنة أن الكرسي هو موضع القدمين لله، هذا هو قول الجمهور، وليس في ذلك نصٌ صريح من السنة، ولكنه مرويٌ عن ابن عباس ﵄ وأصحابه، ولم يظهر فيه نكارة عند المتقدمين من السلف، ومن هنا فإن هذا القول هو أجود ما يُفسَّر به هذا الحرف من كتاب الله.
[ ٧ / ٥ ]
فضل آية الكرسي
قال المصنف ﵀: [ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح].
يشير المصنف إلى أن ما ورد في حديث أبي هريرة في قصته مع الشيطان: (أن من قرأ آية الكرسي لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح) كأنه مناسب لمعناها، ولا شك أن ثمَّة مناسبةً بين هذا الفضل -الذي هو أنه لا يقربه شيطان- وبين معنى الآية، ولكن من جهة التعيين، فإن التعيين ليس فرعًا عن المعاني، وإنما هو فرع عن التوقيف؛ لأنك إذا قلت: إنه فرع عن المعاني؛ فإنه قد يقال في آيات كثيرة وسور كثيرة بعض هذه المعاني.
[ ٧ / ٦ ]
الحي الذي لا يموت
[وقوله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]].
يذكر المصنف الآيات التي جمعت بين الإثبات والنفي، فقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] هنا إثبات مفصل، وهو ذكر لمقام النفي المفصل الذي هو من باب تحقيق الكمال.
[ ٧ / ٧ ]
الإطلاق والتقييد في ذكر أسماء الله وصفاته
[وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]].
هذه أسماء مقترنة، والله ﷾ في سياق القرآن يذكر ما يتعلق بأسمائه وصفاته على طريقة مُحكمة.
وقد سبق التنبيه إلى أن بعض المتأخرين حتى من أهل السنة -وهذا يكثر في هذا العصر عند كثير من طلبة العلم والباحثين- ينقلون الأسماء المذكورة في باب الأسماء والصفات من سياقاتها على سبيل الإفراد والعد.
وهذا الإفراد والعد لها يخرجها عن سياقاتها، فيسلبها ذلك تحقيقها للكمال، ولذلك يجب أن يُلتزم مورد النصوص، فما ذكر في النصوص مطلقًا يُذكر فردًا مطلقًا، وما لم يُذكر في النصوص إلا مقيَّدًا فإنه لا يناسب أن يذكر في حق الله فردًا مطلقًا، وهذه قاعدة لا بد من فقهها.
فالعلم والسمع والبصر ذُكرت في النصوص مطلقة ومقيدة، ولهذا ناسب أن تُذكر مطلقة وناسب أن تذكر مقيَّدة، ذكرت مقيدة في مثل قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ولكنها جاءت مطلقة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨].
ولكن جملةً من الصفات ولا سيما ما يتعلق بصفات الأفعال لم تأت في النصوص إلا مقيَّدة، فلا يجوز الخروج بها عن مورد النصوص بقطعها عن التقييد إلى حال مطلقة من الإفراد؛ كالمكر والكيد وأمثال ذلك من الأفعال التي ذكرت مقيدة؛ ولذلك لا تذكر إلا مقيدة؛ لأن هذا هو الكمال.
ففي قول الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] لا يُناسب أن يقال: ومن صفاته المكر على الإطلاق، وإنما يبيَّن هذا المعنى؛ فإن الله لم يذكره في القرآن إلا مبينًا؛ وهذه المقيَّدات من الصفات والأفعال لم تستعمل في القرآن في مورد الأسماء، بخلاف ما كان من الصفات مطلقًا، فإنه اسُتعمل في القرآن في مورد الأسماء كالسميع والبصير والقدير والعزيز والحكيم ونحو هذا.
فلا بد لطالب العلم -وللمسلم عمومًا- أن يلتزم هدي القرآن وطريقة القرآن في هذا.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ذكر الله (الأول) ثم قال: (والآخر) باعتبار أن الكمال على هذا الوجه من التحقيق، وهذا قدر من البيان، وقال: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] وهذا أيضًا قدر من التحقيق للكمال.
ولكن هنا سؤال: هل هذا من باب تحقيق الكمال بيانًا، أم أن الكمال لا يقع إلا بهذا الاقتران في الذكر؟ فإذا لم يحصل الكمال إلا بالاقتران، لم يجز أن يُعبَّد أحد باسم وقد فُكَّ عن الآخر، فلا يجوز أن يسمى أحد: عبد الأول، أو عبد الآخر، أو عبد الظاهر أو ما شابه ذلك.
فأقول: الصواب أن كل اسم وحده يدل على الكمال المطلق، وإنما ذُكر في القرآن مقترنًا من باب البيان لتحقيق الكمال، وليس من باب أن الكمال لا يحصل بواحدٍ إذا اختص.
وهذه الأسماء (الأول والآخر والظاهر والباطن) فسرها النبي ﵌ فقال كما ثبت في الصحيح: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) فقوله: (أنت الأول فليس قبلك شيء) هذا من أصل مُعتقد المسلمين: أن الله ﷾ ليس شيء معه -أي: يقارنه بالزمان- فإن الله ﷾ ليس له زمان يختص به، وهو ﷾ الأول الذي ليس قبله شيء.
[ ٧ / ٨ ]
مسألة تسلسل الحوادث
هناك مسألة عُرفت في كلام شيخ الإسلام ﵀، وهي مسألة تسلسل الحوادث، وهل لها أول أو ليس لها أول؟ وليس الغرض أن ندخل في هذه المسألة، ولكن أحب أن يكون بينًا أن شيخ الإسلام ﵀ قد أصاب في هذه المسألة، وأن كل من ردَّ عليه أو بين غلطه، فهو في الغالب لم يفهم مقصوده؛ فإن كلامه ﵀ لا يستلزم قدم شيء من الحوادث، وإذا قيل عن الشيء بأنه حادث، فإن كل حادث مسبوق بالعدم، ومن هنا امتنع أن يكون شيء أول ليس قبله شيء إلا الله ﷾، ولكن تسلسل الحوادث قدر واسع يُقره العقل، وهو الذي حصَّله شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه، ولا سيما في بعض رسائله أو كتبه المطولة كدرء التعارض.
فالمقصود: أن كلام الشيخ ﵀ في هذه المسألة ليس فيه شيء من الغلط، بل هو كلام محكم ليس معارضًا للنصوص فضلًا عن معارضته للعقل.
وقوله: (والظاهر فليس فوقك شيء) أي: ليس فوقه شيء، لا في فوقية الذات ولا في فوقية القدر وفوقية الصفات والقهر، ومن هنا دلت الآية والحديث على علو الرب ﷾.
وأما قوله: (وأنت الباطن فليس دونك شيء) فإن معناه: أي: لا يخفى عليك شيء.
[ ٧ / ٩ ]
إثبات صفتي العلم والحكمة
قال المصنف ﵀: [وقوله سبحانه: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢].
وقوله: (العليم الحكيم) قطع المصنف الآية عن السياق، لأن العليم أو الحكيم استعمل في القرآن على سبيل الإطلاق، ومن موارد الإطلاق أن يُستعمل اسمًا، فكل ما استعمل اسمًا عُلم أنه مطلق.
[ ٧ / ١٠ ]
العلم بالأشياء كليها وجزئيها
[﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢]].
وهذا علمٌ مُفصِّل، فإن علم الرب ﷾ قد أحاط بكل شيء، وهو يعلم الأشياء كليَّها وجزئيَّها، وقد كذبت الفلاسفة الذين تكلموا في مسألة العلم بالجزئيات، ومن هنا كفرهم جمهور المسلمين من أهل السنة أو من المتكلمين بهذه المسألة.
[ ٧ / ١١ ]
مفاتيح الغيب
قال المصنف ﵀: [﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] ..
﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]].
مفاتح الغيب فيها قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن مفاتح الغيب هي الخمس المذكورة في قول الله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤] إلى آخر الآية.
القول الثاني وهو الصواب: أن مفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله، وأن هذه الخمس منها، لكن لا يُجزم أن قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] تعلَّق بهذه الخمس وحدها، بل هذه منها، وأما تفصيلها وكمالها وسائر مواردها فالله أعلم به.
[وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]].
هذا مما اختصَّ الله ﷾ بعلمه، وهو أنه يعلم ما في الأرحام.
وقد يقول قائل: إن الطب الحديث أصبح يكشف ما في رحم المرأة أهو حي أو ليس حيًا، ويكشف ما في رحم المرأة أهو ذكر أو أنثى قبل الولادة.
الجواب: أن الله ﷾ يعلم ما في الأرحام، و(ما) من صيغ العموم، والطب بحاله الحاضرة أو القديمة أو المستقبلية لا يمكن أن يصل إلى العلم المطلق لما في الأرحام، فعلم من ذلك اختصاص الباري بالعلم المطلق.
والذي يعلمونه إنما هو شيء مشاهد وليس شيئًا غيبيًا، ولهذا لا يستطيعون العلم إلا باصطحاب الحس والمشاهدة، وذلك باستخدام وسائل التصوير.
[وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]].
قرن ﷾ مسألة القدرة بمسألة العلم، وذلك لأن القدرة فرع عن العلم الذي أحاط الله ﷾ به سائر الأشياء، فهو على كل شيء قدير، فقدرته لا تفارق علمه، ومن هنا فإنه على كل شيء قدير وفي نفس الحال بكل شيء عليم.
[ ٧ / ١٢ ]