من المعلوم عند أهل النظر ومن يقرون بأصل وجود الله وربوبيته من المسلمين وغيرهم أن ذات الباري ﷾ تختلف عن ذوات المخلوقين، فإن كانت ذاته بالفطرة والعقل مباينة لذوات المخلوقين، فإن الصفات تكون ثابتة للذات. وكما أن بعض الصفات التي يتصف بها الرب جل وعلا لا تصح إضافتها إلى المخلوقين، فإن بعض الصفات يمكن إضافتها إلى الخالق والمخلوق على الحقيقة، ولكنها إضافتها إلى الله تكون على وجه يليق به سبحانه، كما أن إضافتها إلى المخلوق تكون على وجه يليق به.
[ ٨ / ١ ]
إثبات صفتي السمع والبصر
[وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]].
وهذا إثبات لاسم السميع والبصير، وكل اسم في كتاب الله أو سنة نبيه فإنه يتضمن صفة، وهذه الصفة إما أن تكون مطابقةٍ للاسم وإما أن تكون لازمةً له، فالارتباط بين الأسماء والصفات قائم على قاعدة الدلالات، فإنك تقول: إن اسم العليم يدل على صفة العلم بالمطابقة، ويدل على صفة الحياة، بالتلازم والتضمن، فإن العليم لا بد أن يكون حيًا.
[ ٨ / ٢ ]
إثبات مشيئة الله وإرادته
[وقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]].
هذا إثبات لمشيئته، ومشيئته ﷾ عامة لكل شيء، وهناك فرق بين المعاني التي ذكرت بها الإرادة وبين المعاني التي ذكرت بها المشيئة، فإن الإرادة تُذكر ويراد بها الأمر، وتذكر ويراد بها معنى المشيئة، وهو الذي يسمَّى عند بعض أهل السنة بالإرادة الكونية أو الإرادة القدرية.
[وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]].
يعلق الله ﷾ سائر الحوادث بمشيئته، وهذا هو تحقيق ربوبيته ﷾، ومشيئته الشاملة لكل شيء تُذكر في القرآن: إما مجملةً وإما مفصلة، وتفصيلها لا يختص بالخير، بل في بعض أوجه الفساد في الأرض وأوجه الشر يذكر الله ﷾ أن هذا بمشيئته وإرادته.
ولكنَّ الإرادة والمشيئة العامة -أعني: الإرادة الكونية- غير الإرادة الشرعية.
وخالف في ذلك خلق من الصوفية الذين وقعوا فيما يسمَّى بالفناء عن شهود السوى.
ولمزيد من الإيضاح أقول: إن الفناء على ثلاثة أقسام:
الأول: فناء عن وجود السوى، وهذا فناء غلاة الصوفية كـ ابن عربي وابن الفارض والتلمساني وأمثال هؤلاء.
الثاني: فناء عن شهود السوى، وهذا فناء متوسطيهم الذين يشهدون مقام الربوبية ويسقطون به مقام الألوهية -أي: مقام الأمر والنهي- وهؤلاء عندهم قدر من المعارضة بين القدر والشرع.
الثالث: فناء عن إرادة السوى، وهذا مقام توجد فيه مخالفة.
ويستعمل أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتابه (منازل السائرين) الذي شرحه ابن القيم ﵀ في كتابه (مدارج السالكين) شيئًا من الغناء عن شهود السوى؛ فـ أبو إسماعيل المعروف بشيخ الإسلام الهروي الحنبلي صاحب المنازل، وهو ذو مقام فاضل في الصفات، لكنه صوفي مغرق في التصوف، وعنده أصول أخرى من الأخطاء.
والإمام ابن القيم ﵀ لمَّا شرح المنازل اعتذر كثيرًا لـ أبي إسماعيل، وهذا الاعتذار الذي سلكه ابن القيم في مدارج السالكين كأنَّ بعضه ليس مناسبًا، وينبغي أن يكون الحق أغلى وأعلى من قدر أبي إسماعيل الأنصاري أو غيره.
ولا شك أن الهروي ﵀ كان من المجاهدين الصادقين في علمهم وفي ديانتهم، هذا فيما يتعلق بحكمه العام، وأما مآله فهو إلى الله، ولكنه ممن يُرجى له الخير الكثير، فإنه إمام وعالم وناصر للسنة في مقامات وصاحب ديانة.
ومقام التقريرات التي غلط فيها في كتابه صرفها ابن القيم ﵀أو صرف كثيرًا منها- إلى معاني تُناسب أهل السنة.
وهذا ليس من المناسب، بل كان الأنسب أن يُقال: إن الهروي أخطأ في هذا الكلام، فإنَّ المتكلم إذا تكلم بكلام على مرادٍ ما، وهذا الكلام من جهة حروف اللغة يمكن أن يحمل على مرادٍ آخر، فلا يحقُّ لمن نظر هذا الكلام أن يحمله على معنىً ممكن ومؤلِّفه وصانعه والمتكلِّم به قد أراد به مرادًا آخر، بل يجب أن يقال: إنه غلط.
كما أن التلمساني -وهو المسمى بـ العفيف - قد تكلَّف في حمل كلام أبي إسماعيل على مراد غلاة الصوفية، فـ ابن القيم أبعده عن مرادات ضلاَّل الصوفية، والتلمساني أرجع كلام الهروي إلى مرادات الغلاة من الصوفية، وكان ينبغي أن يُوقف عند كلام الهروي على مراده، ويبيَّن أن مراده غلط، ولا سيما أنه استخدم ألفاظ الصوفية التي لا تحتمل التأويل ولا الاعتذار، خاصة أنه استخدم فصيح اللغة الذي فيه قدر من السعة في التعبير.
فما حصل في كتاب المدارج ينبغي أن يُتفطَّن له، ومن أخطاء الهروي كذلك أنه بالغ في تقرير بعض مقامات العبودية، وفي قصر النفس عليها.
وهذا التنبيه لا يُقصد منه التعليق على حال الإمام ابن القيم ﵀، لكن يُقصد منه أن كتاب المدارج -وهو كتاب في السلوك والتربية- كتاب شديد، أي: أنه لا يستطيع أن يقيم عليه حالًا شخص عنده تفرُّد أو عنده مقاربة لأحوال الصوفية وتفرُّداتهم.
بمعنى: أن من أراد أن يُطبِّق كتاب المدارج كتربية عامة للمسلمين، فإنه يجد أن تطبيقه عزيز جدًا؛ لأن فيه تعلقًا بأحوال لم يكن النبي ﵊ يذكرها للأمة، لأنها نوع من الإهلاك للنفس، فإن النفس كما ذكر الله شأنها في القرآن خُلقت على حالين: الخير والشر، والله ﷾ ألهم هذه النفس فجورها وتقواها، ففيها قدر واسعٌ من الشر والقبول له، وفيها قدر واسعٌ من الخير والقبول له.
فالتدقيق في أحوال النفس من جنس التدقيق الذي كان عليه الحارث بن أسد المحاسبي قد يؤتي نتيجة فاضلة لبعض الخاصة، لكن العامة لا يستطيعونه، ولا سيما أن أهل السنة ليس عندهم طريقة للخاصة وطريقة للعامة، والهروي وجّه رسالته هذه للخاصة، فهو لم يوجهها لخاصة الخاصة، ولم يوجهها للعامة، لكن قصد بها الخاصة، وهم أصحابه من الصوفية، من ذوي الصُحبة العامة.
[وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١]].
الشاهد من سياق الآية هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] فحُكْمه ﷾ مبنيٌ على إرادته، والحكْم الأصل فيه: أنه الفصل بالحق.
لكن قد قال النبي ﵊: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) فذكر الحكْم في غير مورد الصواب.
فنقول: إنه الأصل فيه، بمعنى: أنه إذا أُطلق فإنه يراد به الصواب، ولكن إذا ذُكر في مقام الغلط فلا بد أن يكون مقيَّدًا؛ ولهذا يقال: إذا حكم فاجتهد فأخطأ.
[وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]].
هذه إرادته ﷾ العامَّة التي هي بمعنى المشيئة؛ لا بمعنى الأمر، فمعنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] من شاء الله هدايته شرح صدره للإسلام، ومن شاء الله ضلاله، فإنه يجعل صدره ضيقًا حرجًا.
وهذه الآية من كتاب الله سبحانه صريحةٌ في إبطال مذهب المعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعاله، وإن الله لا يهدي ولا يُضل؛ فإنها صريحة بأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهدايته فضل، وإضلاله عدل، فليس معنى: (أن الله يضل من يشاء) أنه يصرف قلب أحد أراد الإيمان عنه؛ فإنه لم يقع في الحس أن أحدًا أراد الحق والإيمان إلا ويُسِّر له هذا المراد.
[ ٨ / ٣ ]
إثبات صفة المحبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]، وقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]]:
بعد أن ذكر المصنف ﵀ قاعدة مطردة عند أهل السنة والجماعة في باب أسماء الرب سبحانه وصفاته شرع بعد ذلك في ذكر الآيات من القرآن الدالة على جملة من الأسماء والصفات.
وعُنِي بذكر هذه الآيات على طريقةٍِ فيها قدر من التفصيل، وهذه العناية موجبها ابتداءً أن هذا الباب عند عامة المسلمين من أهل الإثبات من السلف والفقهاء وغيرهم مبني على النصوص؛ فمن قواعد أهل السنة والجماعة أن باب الأسماء والصفات باب توقيفي.
ولهذا لا عجب أن يستطرد المصنف بذكر هذه الآيات المتضمنة للأسماء والصفات.
وهنا مقام آخر وهو: أن الإثبات لهذا -الخبري وهو باب غيبي في جملة تفاصيله- لا بد أن يكون معتَبَرًا بالخبر.
فإنه وإن قيل: أن الكليات في باب الأسماء والصفات تدرَك بالعقل، وأن بعض الصفات تدرَك بالعقل، فلا شك أن العلم بتفاصيل هذا الباب لا بد أن يكون متلقَّى عن الدليل الخبري القرآني أو النبوي.
وهنا مسألة عُنِي المصنف ﵀ بتقريرها، فإنه يقول: إن هذا الباب الذي ذكره الله ﷾ مفصلًا في كتابه، لا بد أن يفقه فيه معناه، فإن الله وصف نفسه في القرآن بالإثبات والنفي، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وهذا الإثبات الذي غلب عليه التفصيل في القرآن، بعض ما ذُكِر منه مضافًا إلى الله ﷾ قد جاء ذكره مضافًا إلى العبد المخلوق.
وهذه المسألة تعد عند الطوائف أصل فقه هذا الباب، ولهذا لا بد من العناية بها، فإن الله ذكر رحمته وعلمه ومحبته، وبتعبير آخر: ذكر العلم، والرحمة، والمحبة، والسمع، والبصر، مضافةً إليه، أي: أنها صفات من صفاته.
وجملة هذه الصفات قد جاء ذكرها في القرآن مضافةً إلى العبد، وهذا واضح في السياق الذي ذكره المصنف؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ذكر لصفة المحبة أضافها الله ﷾ إلى نفسه في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة:٥٤] وأضاف الصفة إلى عبده بقوله: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وهلم جرًا.
وإن كان لا يلزم أن كل صفة اتصف الرب ﷾ بها يصح أن تكون مضافةً إلى العبد، لكن لا شك أن قدرًا من الصفات المفصلة في القرآن، أضيفت إلى الله في سياق، وأضيفت إلى العبد في سياق آخر.
وقد ذهب السلف ﵏ إلى أن الإضافتين كليهما على الحقيقة، فهذه إذا أضيفت إلى الله صفة له على الحقيقة، وإذا أضيفت إلى العبد فهي صفة للعبد على الحقيقة، ولا يلزم من ذلك التشابه والتماثل؛ لأن صفة الله أضيفت إليه فهي لائقة به، وصفة العبد أضيفت إليه وهي لائقة به.
وكما عُلِم بإجماع أهل الفطرة ومن يقرون بأصل وجود الله وربوبيته من المسلمين وغير المسلمين أن ذات الباري ﷾ تختلف عن ذوات المخلوقين أجمعين، من بني آدم وغيرهم، فإذا كانت ذاته بالفطرة والعقل وإجماع عامة العقلاء من المسلمين وغيرهم؛ مباينة لذوات المخلوقين؛ فإن الصفات تكون تابعة للذات؛ بل إن الذات لا يمكن أن تنفك في العقل والوجود عن صفاتها؛ ولهذا يمتنع أن ذاتًا قائمة بنفسها تكون موجودة إلا وهي متصفة بجملة من الصفات.
وجملة كثيرة من الوهم الذي دخل على أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في باب صفات الله انبنت على أن الصفات منفكة عن الذات، أو كما يعبرون: أن الصفات قدر زائد على الذات، وهذا كله لغوٌ في العقل والوجود، فإنه لا يمكن أن ذاتًا توجد منفكةً عن صفاتها، ولا يمكن أن يقال: إن الصفات قدر زائد على الذات، بل هذا التقسيم أمر يفرضه العقل، وكثير من الآراء التي تكلم بها المخالفون للسلف وزعموا أنها من العقل، حقيقتها أنها من فرض العقل، وليست من حكمه.
وكما قلت سابقًا -وهذه قاعدة ينبغي أن يستفاد منها في سائر العلوم، ليس في هذا الباب وحده، بل حتى في مسائل الأصول، والفقه، والتقاسيم، وتنزيل المسائل، وتحصيل موارد النزاع في المسائل، إلى غير ذلك-: إن ما يسمى في المنطق والقواعد بالسبر والتقسيم، أو ما يسمى عند الأصوليين وكثير من الفقهاء بتحصيل مورد النزاع في المسائل، هذا كله ينبني على تحكم العقل، أي: فروضات العقل، فلا بد أن يفرق الناظر وغيره من طلبة العلم بين أمرين:
بين الشيء الذي يفرضه العقل فرضًا، وبين الشيء الذي يتصوره العقل ويحكم به.
فإن ما فرضه العقل لا يكون له حقيقة علمية إلا إذا قبل العقل تصوره وتحكيمه، أما إذا عرض عرضًا للعقل، فهذا لا قيمة له.
فطوائف المبتدعة يقولون: إن العقل يفرق بين الذات والصفات، ونسميه فرضًا في العقل؛ ولكن العقل لا يمكن أن يتصوره.
والمسائل التي يفرضها العقل ليست هي من العقل، بل هذا أول المنازل لتحصيل المعارف، وهو من تقدير الله ﷾ لهذه القوة في الإنسان ليعلم بها الأشياء ويعرف بها الحقائق.
فالمقصود أن هذا الباب لا بد من فقهه على هذا الاعتبار، فإن سائر ما أضافه الله إلى نفسه لائق به، وسائر ما أضيف إلى العباد لائق بهم، ومن هنا يمتنع أن تكون صفة واحدة من صفاته ﷾ مشابهة أو مماثلة لصفات المخلوقين، وليس الجواب عن هذه الإضافة وهذه الإضافة أن يقال: إنها -أي: هذه الصفات- حقيقة في العبد وهي مجاز في حق الله، فإن هذا حقيقته التعطيل لصفات الله ﷾، فإن الصفة من هذه الصفات إذا أضيفت إلى مخلوق في سياق، وأضيفت إلى مخلوق آخر في سياق آخر، لم يلزم من ذلك تماثل الصفة التي أضيفت إلى مخلوقَين في سياقين مختلفين، وموجب عدم تماثل الصفة أن ذات المخلوق الأول تختلف عن ذات المخلوق الثاني، فإذا كان الأمر كذلك، علم أن ما أضيف إلى الله من الصفات يمتنع أن يكون مماثلًا لصفة مخلوق، لأن الصفة تابعة للذات، والله ﷾ ليس كمثله شيء.
وإذا قيل: إن إثبات صفة لله أضيفت إلى العبد يستلزم التشبيه والتمثيل.
قلنا: هذا حقيقته القول بإنكار وجود الله؛ لأن العقلاء من المسلمين وغير المسلمين الذين أقروا بوجود الله -وهم عامة بني آدم- يقولون: إن الله موجود، وإن هذه المخلوقات موجودة، ومع ذلك لم يكن وجوده ﷾ كوجود المخلوقات، بل جميعهم يتفقون على أن وجوده ﷾ وجود أزلي، وهذا هو معنى كونه ربًا ومعنى كونه خالقًا، ولو كان وجوده مسبوقًا بالعدم لما كان ربًا خالقًا.
فإذا كان وجوده باتفاق العقلاء من المسلمين وغيرهم يختلف عن وجود غيره من المخلوقات -والعالم وما فيه من الحوادث- دل ذلك على أن لفظ الوجود لفظ أضيف إلى الله وأضيف إلى هذه المحدثات جميعها، ومع ذلك اختلف مراده واختلف معناه في حق الله وحق خلقه.
وهذه قاعدة: أن كل من عارض في صفة من الصفات وزعم أن إثباتها يستلزم أن تكون مشابهة للصفة المضافة إلى المخلوق، فإنه يبين غلطه ومفارقتُه للحق بذكر صفة الوجود، فيقال له: إنك تؤمن بأن الله موجود، والمحدثات موجودة، ووجودهما مختلفان، فوجوده تعالى هو -كما يسمى- وجود واجب، ووجود المخلوقات وجود ممكن، أو بعبارة أخرى: وجود الله وجود لا أول له، وهو وجود أزلي، كما قال النبي ﷺ: (أنت الأول فليس قبلك شيء)، ووجود المحدثات مسبوق بالعدم.
ويعارَض كذلك ويغلَّط بصفة العلم، فإن الله يتصف بالعلم، والمخلوق يتصف بالعلم، فمن قال: إن العلم في حق المخلوق حقيقة وفي حق الله مجاز -ومعنى المجاز عند أهل المجاز أنه ما صح نفيه- فحقيقة قوله نفي العلم عن الله، وهلم جرًا.
فهنا تعلم أن هذا الباب -باب الأسماء والصفات- لا بد أن يعتبر فيه سياق القرآن، ومن هنا قصد المصنف إلى ذلك.
وهذه الآيات التي ذكرها المصنف هي في تقرير صفة المحبة، وصفة المحبة: من صفاته ﷾ المضافة إلى نفسه، وقد ذكرها الله ﷾ في غير موضع، كما ذكر المصنف هنا، وذكرها النبي ﵌.
ومعناها عند أهل السنة والجماعة كغيرها من الصفات، أن الله ﷾ يوصف بالمحبة.
ولكن أنبه إلى أمر مهم سبق الإشارة إليه ولا بد من تقريره على وجه أكثر تفصيلًا، فأقول: إن القاعدة المعروفة عند أهل السنة من أن الله ﷾ يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ، لا بد أن يلتزم فيها بالسياق الذي ذكره الله ﷾.
فصفة المحبة لم يذكرها الله ﷾ من صفاته المطلقة، وإنما ذكرها من صفاته المضافة في مقام مختص، فإنها ما ذكرت إلا في حق المؤمنين، ولهذا فإن معنى محبته ﷾ على الحقيقة: أنه يحب المؤمنين محبة تليق به ﷾، ليست كالمحبة التي تضاف إلى المخلوق.
[ ٨ / ٤ ]
تأويل صفة المحبة عند أهل البدع
وأهل البدع مع هذه الصفة على قسمين:
- غلاتهم يفسرون المحبة بالنعمة والحوادث المخلوقة، وهذه طريقة المعتزلة ومن وافقهم.
- تعداد من انتسب منهم للسنة من المتكلمين المخالفين كالأشاعرة ونحوهم يفسرون محبة الله ﷾ بالإرادة، فيقولون: المحبة هي إرادة الإنعام.
فأما من فسر المحبة بالنعمة، فلا شك أنه مخالف لصريح القرآن؛ فإن ثمة فرقًا بين نعمته ﷾ وبين فعله، ولا يكون هذا المذهب إلا عند معطلة الصفات.
وإنما الذي التبس على كثير من أهل العلم المتأخرين وقلدوا فيه بعض المتكلمين، أنهم يفسرون محبة الله بإرادة الإنعام، فمثلًا: في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] يقولون: معنى ذلك أنه يريد الإنعام عليهم.
ولا شك أن هذا من التأويل المخالف للسنة، فإن ثمة فرقًا في اللغة وفي الشرع وفي العقل بين صفة الإرادة وبين صفة المحبة.
حتى إذا قيل: إنها إرادة الإنعام، فإن إرادة الإنعام في العقل والشرع لا تستلزم المحبة، فإن الله ﷾ أنعم على سائر بني آدم نعمًا، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] ولا شك أن نعمه التي تفضل بها على عباده من المسلمين وغير المسلمين، هي بإرادته بضرورة الشرع والعقل.
فإذا قيل: إن المحبة المذكورة في حق المؤمنين هي إرادة الإنعام، فلن يكون هناك فرق بين المؤمنين وغيرهم؛ لأن إرادة الإنعام لا تختص بالمؤمنين، فالكفار يسمعون ويبصرون، وما إلى ذلك، أي: قد أعطاهم الله جملة من النعم الظاهرة التي لا يمكن لأحد أن يجادل فيها، وحتى إذا قيل أنهم حرموا أعظم النعم وهي نعمة الهداية، فالمقصود أن الله أعطاهم جملة من النعم، وهذا بيِّن في الحس، هذه النعم بإرادته تعالى؛ فإنه لا يمكن أن يكونوا حصلوا هذه النعم من ذوات أنفسهم.
فعُلم أن إرادة الإنعام لا تختص بالمؤمنين، بل تقع إرادة الإنعام لقوم من الكفار ابتلاءً وغير ذلك، لأنه لو لم ينعم عليهم ﷾ لما استطاعوا القيام بالأمر، فلو كانوا لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فلا يمكن أن يكلَّفوا؛ فهذه النعم لا بد منها لقيام التكليف وما إلى ذلك.
إذًا: هذا التفسير غلط من جهة اللغة، فإن ثمة فرقًا عند العرب بين المحبة وبين إرادة الإنعام، والإنسان قد يريد الإنعام على شخص لا من باب محبته إنما من باب دفع شره أو من باب تحصيل مصلحة أو ما إلى ذلك من الإضافات والمتعلقات.
فهذه جهة تبين الغلط المحض في هذا التفسير.
الجهة الثانية: أن يقال: لماذا لا تفسرون المحبة هنا بوجهها الصحيح؟
قالوا: إن هذا يستلزم التشبيه.
فنقول: إن كل معنىً من التشبيه فرضتموه في صفة المحبة فإنه يلزمكم في صفة الإرادة.
فهم لم يثبتوا المحبة على ظاهرها؛ لأن هذا عندهم من التشبيه.
نقول: أنتم فسرتم المحبة بالإرادة، فعندكم أن الله متصف بالإرادة، والمخلوق متصف بالإرادة، فإن قلتم: إن المحبة هي كذا وكذا في المخلوق، ويلزم أن تكون في حق الله كذلك وهذا لا يليق بالله، قيل: والإرادة كذلك.
فإذا كان معنى المحبة الذي يليق بالمخلوق لا يليق بالله، فكذلك أيضًا: الإرادة اللائقة بالمخلوق لا تليق بالله.
فإن قالوا: إرادة الله تختلف عن إرادة المخلوق.
قلنا: فمحبة الله تختلف عن محبة المخلوق.
فما من شيء يفرون منه في صفة المحبة، إلا ويلزمهم في صفة الإرادة، ومهما قالوا من التفريق في صفة الإرادة، فإنه يلزمهم في الصفة الأخرى.
الفرق بين تأويل المعتزلة وتأويل متكلمة الإثبات:
الفرق بين تأويل المعتزلة وتأويل متكلمة الإثبات من الأشاعرة والكلابية والماتريدية أن متكلمة الإثبات في الغالب لا يؤولون الصفات بالمخلوقات؛ بل يؤولون الصفات بصفات أخرى يثبتونها؛ وذلك لأنهم يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها، فصار ما ينفونه إذا ورد ذكره في القرآن تأولوه على الصفات التي يثبتونها؛ فهم يثبتون صفة الإرادة، فإذا جاءهم ذكرٌ لصفة المحبة وصفة الغضب وصفة الرحمة وما إلى ذلك من الصفات، تأولوا هذا النوع على معنى الإرادة، فصارت المحبة إرادة الإنعام، وصار الغضب إرادة الانتقام، وهكذا.
وأما الغلاة كالمعتزلة فإنهم يؤولون الصفات بالمخلوقات، وهؤلاء الرد عليهم أظهر؛ لأنهم مخالفون لصريح القرآن مخالفةً تامة.
ويقال عن الفئة الأولى -الأشاعرة والماتريدية والكلابية-: إن كل من تأول صفة ورد ذكرها في القرآن على معنى صفة يثبتها هو وطائفته فرارًا من التشبيه، فإنه يلزمه في الصفة التي أثبتها مثل ما يلزمه في الصفة التي نفاها، ولا فرق.
[ ٨ / ٥ ]
تميز أهل السنة في العبودية لله من فقههم لصفات الله
إن المعاني التي تذكر في مقام العبودية عن محبة الله لا يدركها أولئك المتكلمون، وهذا يبين أن مسألة الأسماء والصفات ليس صحيحًا أنها من المسائل النظرية، بل هي من المسائل الإيمانية المتعلقة بالعبادة.
ونقصد بهذا أن محبة الله ﷾ لما فسرها من فسرها من المتكلمين بإرادة الإنعام، صاروا إذا ذكرت هذه الصفة في القرآن في مقام العبودية يقصر فهمهم عنها.
مثلًا: الأصول الثلاثة للعبادة، وهي أصول العبودية عند الصحابة ﵃، وهي عبادته ﷾ محبة، وعبادته خوفًا، وعبادته رجاءً؛ ترى كثيرًا من الصوفية ومن تأثر بهم، وكذلك بعض المتكلمين الذين تكلموا في الأحوال ومسائل العبادة والسلوك إذا ذكروا الخوف فسروه بالخوف من العذاب أو من عذاب جهنم، وإذا ذكروا رجاء الله قالوا: يعبد ﷾ رجاء جنته، وما فيها من النعيم.
ولا شك أن تفسير الخوف والرجاء بهذا تفسير قاصر؛ لأن أعظم الرجاء ليس هو رجاء الجنة، بل أعظم الرجاء هو رجاء محبته ﷾ ورضاه؛ ولهذا قال تعالى في سياق ما وعد به المؤمنين: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فرضاه ﷾ ومحبته لعباده أعظم رجاء منهم إليه مما في جنته ﷾ من النعيم.
وكذلك الخوف؛ فإنه لا شك أن الخوف من النار من الخوف الشرعي ومن الخوف العبادي؛ لكن أشرف الخوف في مقام العبودية هو الخوف من سخطه وغضبه ومقته وما إلى ذلك.
فبفقه هذه الأسماء والصفات يقع لأهل السنة في مقام الأحوال والسلوك ما لا يقع لغيرهم من التقرير.
إذًا: قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] إثبات لصفة المحبة.
وكذلك قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] إثبات لها كذلك.
وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧] إثبات لها كذلك.
هذه الآيات الثلاث فيها قدر آخر من المعنى فيه اشتراك، فإن الله علق محبته لعباده بمقام العدل.
فإن قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] ذكر لمقام العدل، فإن أشرف مقامات العدل: الإحسان، ولهذا قال النبي ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) كما في الصحيحين، وهذا عدل من جهة، وإحسان من جهة أخرى.
ولهذا نقول: إن كل عدل فإنه إحسان، وليس صحيحًا ما يتبادر أن الإحسان هو الأمر الذي يقع على سبيل التفضل، أو أن الإحسان هو الأمر الذي لا يكون واجبًا، وأن الأمر إذا كان واجبًا لا يسمى إحسانًا، بل الإحسان هو الفعل لما يستحق، سواء كان هذا الاستحقاق على الوجوب أو لم يكن كذلك.
ولهذا لما ذُكِرَتْ مقامات العبودية، جُعِل أشرفها مقام الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه).
وكذلك قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة:٧] هذه كلها تحقيق لمبدأ العدل.
ولهذا مِن أشرف مسائل العبودية المتعلقة بحقوق الخلق أن يكون العبد على قدر من العدل والإحسان.
ولهذا لما ذكر النبي ﵊ المخرج من الفتن -كما في حديث عبد الله بن عمر في الصحيح- قال: (فمن أحب أن يُزَحْزَح عن النار ويُدْخَل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر.
ثم قال: وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه).
[ ٨ / ٦ ]
إثبات صفة الرحمة وأن الله غفور رحيم ودود
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]، وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]، وقوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]].
من صفاته ﷾ (الرحمة)، وثمة فرق بين ذكر رحمته وبين ذكر محبته، فإن الله سبحانه ذكر رحمته صفةًَ، وذكر سبحانه أن من أسمائه: الرحمن، ومن أسمائه: الرحيم، ولم يجعل من أسمائه المحب، وما إلى ذلك، وذلك لأن مقام الرحمة أوسع من مقام المحبة، ولهذا تعلقت رحمته بجميع خلقه من المسلمين وغير المسلمين، بخلاف محبته، فإنها لم تتعلق إلا بأهل الإيمان والطاعة، وكأن هذا هو الفرق أو الموجب لكون المحبة لم تذكر في باب الأسماء، وإنما ذكرت في باب الصفات، بخلاف الرحمة فإنها ذكرت اسمًا وذكرت صفةً، لأن الرحمة أوسع، بمعنى أنها متعلقة بسائر مَن خلق الله.
ولهذا قال النبي ﷺكما في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة -: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمةً واحدة، فبها يتراحم العباد، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأبقى تسعًا وتسعين يرحم بها عباده يوم القيامة)، وجاء في بعض الروايات في الصحيح: (إن الله خلق مائة رحمة)، وهذا لا يُشْكِل، ولا يجوز أن يكون حجة لمعطلة الصفات على أهل السنة، لأن الرواية الأخرى المروية عن النبي ﷺ يقول فيها: (إن الله خلق مائة رحمة)، وتعلم أن صفات الله ليست مخلوقة، بل هي قائمة بذاتها.
فهنا قاعدة: (إن بعض ما ذكر صفة في القرآن أو في السنة، قد يذكر على معنى المفعول والأثر)، بمعنى أن الرحمة قد تذكر صفةً، وقد تذكر في مقام آخر، ويراد بها الأثر الذي يقع عن الرحمة، كقوله تعالى مثلًا: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم:٥٠] فأنت تقول: إن هذه النعم هي آثار رحمة الله.
أليس كذلك؟
وعن السمع تقول: هذه رحمة الله أو نعمة من الله.
فهل السمع هو الصفة القائمة بذات الرب؟
كلا؛ لأن السمع أو البصر أو العقل أو الصحة أو ما إلى ذلك، هي أشياء مخلوقة.
فهذه تقول: إنها آثار لرحمة الله، فهذه الآثار تارةً تسمى آثارًا وتارةً تسمى باسم موجبها وهي الصفة، فتسمى نعمة أو رحمة أو ما إلى ذلك من الأسماء.
فقوله: (إن لله مائة رحمة) المقصود به الآثار (إن الله خلق مائة رحمة) أي مائة أثر، وهي الرحمة المخلوقة التي تقوم في نفوس الناس، وبها يتراحمون، قال: (وأبقى تسعًا وتسعين) أي من آثار رحمته، وإلا فإن رحمته ﷾ لا تحد بعدد.
وفي قوله تعالى:: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] مسألة مهمة، وهي أن الله يكتب على نفسه، هذه جاء ذكرها في القرآن وجاء ذكرها في السنة في مثل قول النبي ﷺ: (إن الله كتب في كتاب عنده فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي).
وفي رواية: (إن رحمتي سبقت غضبي) والحديث رواه البخاري من رواية ابن عباس وأبي هريرة.
فهذه الكتابة المضافة إلى الله ﷾: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام:٥٤]، (إن الله كتب في كتاب عنده) تثبت على ظاهرها، ولا تُتأوَّل؛ فإن القاعدة فيها كغيرها، أنها تثبت على ظاهرها.
وقد ذكر المتأخرون مسألة: هل للعباد على الله حق واجب، أم ليس كذلك؟
فتكلمت المعتزلة بقدر واسع من الإيجاب على الله، وذلك أن أفعال العباد عندهم مخلوقة للعباد، وأن الله يثيب العباد على محض أفعالهم، وليس من باب رحمته.
وهم قوم يبنون قواعدهم على المعاوضة، ولهذا توسعوا في إثبات الكتابة على الله بما لم يقع مثله في الشرع.
وبالغ قوم كالأشعرية ونحوهم بنفي ذلك.
والصواب أن ما ذكر مما ورد في النصوص في هذا الباب فهو حق على ظاهره.
وقد قال النبي ﷺ: (ما حق العباد على الله؟ وما حق الله على العباد؟) فللعباد حق عليه ﷾ أن لا يعذب من لم يشرك به؛ وهذا الحق ليس مما ينقص مقام الربوبية.
[ ٨ / ٧ ]
إثبات صفة الرضا
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]].
في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] إثبات لصفة الرضا.
والمعتزلة وغيرهم من المعطلة: أوَّلوها بالنعم.
والأشاعرة: تأولوها بالإرادة.
وقد تبيَّن ما في المسلكين من الغلط.
[ ٨ / ٨ ]
قاعدة في الصفات الفعلية
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]].
فيه إثبات غضبه ﷾، وإثبات لعنه، ولكن غضبه ولعنه لا يذكر مطلقًا، بل يذكر مضافًا.
ويعاب على كثير من المتأخرين من أهل السنة أنهم قرروا صفات الله ﷾ بوجه ليس له أصل في القرآن، فلا يفرقون بين ورود صفة العلم وبين ورود صفة المكر، ولا شك أن هذا ليس من الكمال.
فتجدهم يقولون: ومن صفاته: العلم، والرحمة، والغضب، والمكر، والقدرة، والعزة، مع أن مقامها في القرآن ليس واحدًا، فهناك جملة من الصفات جاء ذكرها اسمًا، أي: سمي الله ﷾ بمدلولها، فصار من أسمائه الرحمن، والعليم، والسميع، والبصير.
ولا شك أن ما جاء ذكره من الصفات اسمًا، فهو مبني على الإطلاق، وأما ما لم يرد بذكره اسم، فقد يكون له وجه من الإطلاق، وقد يكون له وجه من الإضافة.
فلا بد أن تلتزم هذه القاعدة في تقرير صفات الرب ﷾؛ لأن الله ما ذكر المكر صفة مطلقة له، فلا يحق لأحد أن يقول: إن من صفاته: المكر، والقاعدة في هذا الباب مبنية على اللغة وعلى العقل، والاعتبار الأول للعقل، واللغة أداة للفهم، فهي وسيلة يتوصل بها إلى مدلولات العقل بحسب تخاطبات بني آدم، ولهذا لا يلزم أن تكون اللغة هي العربية، إنما نزل القرآن بلغة العرب، لكن نزلت التوراة والإنجيل بغير العربية، وجمهور كتب الأنبياء لم تكن بالعربية، فليس بالضرورة أن نقول: لغة العرب، وإنما نقول: اللغة.
ومن جهة حكم العقل على المعاني يختلف المعنى المطلق عن المعنى المضاف المقيد، ولا أحد من العقلاء يعطي المعاني المضافة أحكام المعاني المطلقة، فكما أن التقييد للمطلق وهم، فكذلك الإطلاق للمقيد وهم، والمعنى المقيد في العقل يختلف عن المعنى المطلق.
وهناك معانٍ إذا قيدها العقل فسدت؛ لأن العقل لا يقبلها إلا مطلقة، ولا تكون كمالًا إلا مطلقة، فلو قيد علم الله ﷾ بأشياء دون أشياء، فإن ذلك لا يكون كمالًا؛ بل يكون نقصًا؛ لأنه يستلزم أن ثمة قدرًا من المتعلقات يلحقها الجهل؛ وكذلك الصفات المقيدة لا يجوز إطلاقها؛ لأنها إذا أطلقت أصبحت نقصًا.
فليس من صفات الله المطلقة: المكر؛ لأن هذه الصفة على الإطلاق ليست مدحًا، ولهذا ذكرها الله ﷾ مقيدة.
فيجب أن يُلْتَزَم سياق القرآن في الصفات.
تذكر ولا إلا بألفاظ القرآن والسنة، أو بتعبير من المتكلم؛ لكن يكون هذا التعبير موافقًا لسياقها المذكور في القرآن أو في السنة.
[ ٨ / ٩ ]
مسألة لعن المعين
قال المصنف ﵀: [قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]].
في هذه الآية إثبات: غضب الله على قاتل المؤمن وإثبات لعن الله له، هذا هو المعنى المراد في الآية، وفيها مسألة أخرى، وهي لعن المعين من الفساق، فإن الله ﷾ ذكر بعض الكبائر ولعن أصحابها، فهل يلعن أصحابها أم لا يلعنون؟
أما لعن الجملة: فقد جاء ذكره في القرآن والسنة، مثل: لعن آكل الربا، ولعن السارق، كقول النبي ﷺ: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)، كما في حديث عائشة في الصحيح، فهذا اللعن للنوع لا بأس به.
أما لعن المعين: كسارق بعينه، أو قاتل بعينه، أو ما إلى ذلك ممن لُعن في القرآن أو في السنة نوعه، فالجمهور من السلف -وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد وكبار المتقدمين- أن هذا لا يجوز؛ لأن هذا لم يرد ذكره في النصوص.
ولعن النوع لا يستلزم لعن المعين، ولا سيما إذا اعتبرت قاعدة أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر.
فإنه لا يلزم أن يلحقهم اللعن على معناه؛ لأنه قد يغفر الله لهم، والله ﷾ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فقد يغفر له ولو لم يتب، ومن هنا لا يلزم أن يكون هذا اللعن لاحقًا له.
إذًا: عندنا جهتان في عدم لعن المعين:
الجهة الأولى: أن هذا ليس له سلف في تفصيل القرآن والسنة وهدي الرسول وأصحابه.
الجهة الثانية: جهة المعنى، فإنك تقول: إذا كانت قاعدة أهل السنة: أن الله قد يغفر لأهل الكبائر، أو لمن لُعنوا من أهل الكبائر مغفرة محضة، وهذا متفق عليه بين السلف، حتى ولو لم يتوبوا، فقد يغفر الله لهم عفوًا وفضلًا، وقد تكون لهم حسنات أكثر من سيئاتهم، إلى غير ذلك.
فإذا غفر الله لهم لم يلحقهم اللعن، ولم يلحقهم الوعيد؛ لأن اللعن من الوعيد ..
ومن لعن معينًا كمن لعن سارقًا مثلًا، فهذا اللاعن إما أن يكون لعْنُه للسارق يقصد به الإخبار، فلعنه على جهة الإخبار لا يجوز، لأن الإخبار جزم، والجزم ليس سائغًا؛ لأن الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وإما أن اللاعن يلعن المعين لا من باب الإخبار، وإنما من باب الدعاء، فلعنُه دعاءً فيه إغلاق للرحمة.
وقد يقول قائل: على هذا يلزم أن لا يجوز الدعاء على أحد.
نقول: ليس كذلك؛ لأن ثمة فرقًا بين مطلق الدعاء وبين الدعاء باللعن ونحوه.
ومن هنا ترك أئمة السنة كـ أحمد وغيره اللعن للمعين من الفساق، وسوَّغه جماعة من أصحاب الأئمة كـ ابن الجوزي، وكـ أبي حامد الغزالي.
ومع ذلك نقول: إن هذه المسألة ليس فيها إجماع، وقد حكى بعض المتأخرين إجماع السلف على عدم جواز لعن المعين الملعون نوعُه في القرآن أو في السنة، وهذا الإجماع ليس بصحيح، نعم هو المشهور في مذهب المتقدمين، وهو المنقول في جوابات كثير من الأئمة، لكنه ليس إجماعًا؛ فالجزم بالإجماع لا وجه له؛ لأن هذا الإجماع لم ينضبط.
إذًا: ذكرنا وجهين لمنع لعن المعين:
الوجه الأول: التأسي بالسلف الذين ما كانوا يلعنون.
الثاني: أن في اللعن قدرًا من الإغلاق.
بعض المتأخرين يقول: إن سبب عدم جواز اللعن للمعين: أن اللعن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله والإقصاء المطلق، ومرتكب الكبيرة كالسارق -مثلًا- مُسلِم؛ فلا يُدعَى عليه بالإقصاء المطلق عن رحمة الله؛ لأن الإقصاء والطرد والإبعاد عن رحمة الله إنما يكون في حق الكفار.
وهذا وإن كثر في كلام بعض المتأخرين، إلا أنه ليس بصحيح؛ لأنه لو كان هذا هو المعنى لما أمكن لعن حتى النواة.
إذا فُسِّر اللعن بأنه: الطرد والإبعاد المطلق عن رحمة الله، لما أمكن اللعن حتى للنواة، إلا على طريقة بعض الصوفية، الذين يقولون: إن اللعن هنا من باب التخويف، وليس من باب الحقيقة، وإلا لو لحق اللعن، ولو لواحد، فإنه يكون قد أبعد عن رحمة الله مطلقًا، وليس له أدنى حظ من الرحمة.
ومن هنا فسروا اللعن المذكور في النوع بأنه ليس على الحقيقة، وإنما هو من باب الزجر والتخويف.
وهذا ليس بصحيح.
بل كما قال شيخ الإسلام ﵀: (ما من وعيد ذكر في القرآن أو في السنة إلا وله حقيقة، وما من وعد ذكر في القرآن أو في السنة إلا وله حقيقة).
وقال ﵀: (ومع أن الله ورسوله ﷺفيما جاء في الكتاب والسنة- قد تحقق من قولهما أن أهل الكبائر تحت مشيئة الله؛ ولكن هذه المشيئة وإن كانت غير مقيدة في القرآن إلا أنه لما جاء ذكر وعيده ولعنه وغضبه ﷾ لجملة الفساق علم أن المغفرة المحضة لا تلحقهم).
ولهذا كان من إجماعات أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر: أن قومًا منهم يعذبون، وقومًا منهم يغفر لهم، ولم يقل أحد من السلف: إن جميع أهل الكبائر قد يغفر لهم، بل أجمعوا على أن قدرًا منهم يعذبون، وهذا صريح في نصوص الشفاعة، وهذا هو تحقيق الوعيد، وغفرانه ﷾ لجملة منهم هو تحقيق الوعد.
فإذًا: قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] هذا وعد، والوعد والوعيد كثيرٌ في القرآن، فكل وعد أو وعيد لا بد له من حقيقة، ولا يمكن أن يكون المقصود به مجرد التخويف.
ولكن لما قال بعض أئمة السنة المتقدمين في بعض نصوص الوعيد: إنها على ظاهرها، أو قالوا جملة نحو ذلك، ظن بعض المتأخرين أن مقصود السلف أنها لا حقيقة لها، وإنما يقصد منها مجرد التخويف.
يقول شيخ الإسلام ﵀: (ومن فسر قول بعض المتقدمين من السلف بهذا، فهذا حقيقته أنه لم يفقه قول الله ورسوله، ولم يقدر قول السلف حق قدره، بل ليس في الكتاب ولا في السنة وعيد إلا وله حقيقة)، وأما مجرد التخويف الذي معناه أنه لا حقيقة له، فيُنَزَّه الباري ﷾ عنه، لأن حقيقته الوهم، ولا يمكن أن يتأثر مخاطب إذا عرف أن هذا الوعيد ليس له حقيقة.
وليس معنى هذا أن كل وعيد مطلق يلزم كل معين، فإننا نعلم أن الله يغفر لقوم من أهل الربا، وقوم من أهل الزنا، وقوم من أهل الخمر، ومن أهل السرقة، إلى غير ذلك، ومغفرته ﷾ قد تكون بتوبة، وقد تكون بحسنات ماحية، وقد تكون بمصائب مكفرة، وقد تكون بدعاء.
والإمام ابن تيمية ذكر عشرة أسباب مسقطة للوعيد والعقوبة: التوبة واحد منها.
إذًا: كأن من الوهم أن يقال: اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله بإطلاق، وهذا التفسير ورد في كلام المفسرين كثيرًا، وحُكِي حتى عن بعض المتقدمين، وهذا الإطلاق فيه نظر؛ لأن الله لعن بعض الفساق ومعهم أصل الإيمان، فليس المقصود من لعنهم: الطرد والإبعاد المطلق عن رحمته.
إذًا: ليس الموجب لعدم لعن المعين أن اللعن هو: الطرد والإبعاد المطلق، بل الموجب ما تقدم من التأسي، وما فيه من الإغلاق أو الجزم.
[ ٨ / ١٠ ]
مسألة قبول توبة القاتل
قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ [النساء:٩٣]: المراد مسلمًا، سواء كان فاسقًا أو برًا صادقًا، وليس الوعيد فقط خاصًا بمن قتل من يكون من أهل الإيمان المحقق، فإن الإيمان هنا يراد به أصل الإيمان وليس الإيمان المطلق.
من قتل مؤمنًا متعمدًا هل له توبة أو ليس له توبة؟
الجمهور من السلف والخلف على أن له توبة.
وصح عن ابن عباس -فيما رواه مسلم وغيره من رواية سعيد بن جبير - أن القاتل عمدًا ليس له توبة، وهذا المذهب لا شك أنه ليس بصحيح، وإن قاله ابن عباس ﵄، فإن القرآن والسنة متواتران على أن كل أحد له توبة حتى المشرك، وابن عباس يقول بهذا، فإذا كان المشرك له توبة، فمن باب أولى أن القاتل عمدًا يكون له توبة.
فإن قيل: إن القاتل عمدًا تعلق به حق آدمي.
قيل: فيلزم على هذا أن كل من تعلق به حق آدمي لا توبة له، وهذا لا يقول به ابن عباس؛ فهذا مذهب ضعيف لا شك في ضعفه.
لكن ما معنى قول ابن عباس؟
حَكى ابن حزم أن ابن عباس يذهب إلى أن القاتل عمدًا يعذب، وهذا ليس بصحيح، ولم يقله ابن عباس، وابن عباس أفقه من هذا، إنما ابن عباس يقول: (لا توبة له)، وليس معناها أنه يعذب؛ بل المعنى أنه يوافي ربه بالذنب، وإذا وافى ربه بالذنب صار عند ابن عباس وغيره تحت قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
إذًا: فرقٌ بين أن يقال: إن ابن عباس يقول: (لا توبة له) وبين أن يقال: إن ابن عباس يقول: إنه يعذب ويدخل النار.
وأشد من ذلك غلطًا: قول من قال: إن ابن عباس يقول: إنه مخلد في النار.
إذًا: هناك غلطان في الكتب المتأخرة على ابن عباس:
من يقول: إنه يعذب بقدر ذنبه، ثم يخرج من النار.
فهذا ابن عباس لا يجزم به.
وأشد منه غلطًا من يقول: إن ابن عباس يقول: إنه يخلد في النار.
فهذا لا يمكن أن يذهب إليه ابن عباس، وهو الذي ناظر الخوارج في مسألة الكبيرة.
إنما المنضبط عن ابن عباس أنه يقول: (لا توبة له)، أي: أنه يوافي ربه بالذنب.
وقد جاءت رواية أخرى عن ابن عباس تدل على رجوعه.
هل رجع ابن عباس أو لم يرجع؟
هذه مسألة مختلف فيها، والأظهر: أنه لم يرجع عن قوله ﵀ ورضي عنه؛ ولكن هذا قول قاله باجتهاد وقد خالف النصوص، فلا إشكال في ترك قوله.
[ ٨ / ١١ ]
مسألة قتل المسلم لنفسه
أشكل على قوم من أهل العلم ما ورد في قاتل نفسه من النص، فإن النبي ﷺ قال كما في الصحيحين: (من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًا فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) فصار بعض المتأخرين يقولون: إن قتل النفس عمدًا يستلزم الخلود في النار، وصار بعضهم يتوقف في من قتل نفسه عمدًا، هل يخلد في النار، أم أن مآله إلى الجنة.
أما الذين يقولون: إنه يخلد في النار، فهم لا يحققون هذا مع قاعدتهم المعروفة في أهل الكبائر عند سواد أهل السنة والجماعة؛ بل عامة المسلمين أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار.
لكن الذي ينبغي أن ينبه إليه وهو الذي وقع فيه بعض أهل العلم حتى من المعاصرين: أنهم توقفوا في من قتل نفسه: هل يخلد في النار، أم أن مآله إلى الجنة.
فقالوا: الله أعلم، هذه مسألة مشكلة، الأصول تقول: إنه كأهل الكبائر، والنص يقول: (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا).
وهنا قاعدة فاضلة، وقد ذكرها الله ﷾ في القرآن وهي من باب أولى فيما أشكل من أحرف السنة، مع أن القرآن من جهة الثبوت قطعي، بخلاف السنة، فإن منها ما هو قطعي الثبوت، ومنها ما هو ظني، والظن يتردد إلى درجات كثيرة.
الله ﷾ يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] فدل هذا على أن في القرآن محكمًا ومتشابهًا.
والوارد من أحاديث النبي ﵌ قد يكون فيه بعض المتشابه، وسبب التشابه هنا قد يكون جهة الثبوت، وهذا هو الغالب، ولهذا ليس هناك نص من السنة انضبطت صحته عن الرسول ﷺ يخالف نصًا صريحًا في كتاب الله أو يخالف قاعدة.
وقاعدة: أن أهل الكبائر تحت مشيئة الله، وأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، من القواعد القطعية في القرآن والسنة.
فقد تكون هناك بعض النصوص المشكلة؛ لكن إذا تأملت فيها وجدت أنها ليست قطعية الثبوت.
فهل يقال فيها بالرد؟
الجواب: لا يلزم أن يقال فيها بالرد والتكذيب، كما يسلكه بعض المتكلمين، أن ما خالف القطعي من الظني يكذبونه ويردونه، أي: يبطلون صحته، ثم هم في تحديد القطعي على إشكال، فهم يختلفون حتى في تحديدهم لِمَا هو قطعي.
فإن المنهج المعتدل عند السلف: أنهم لا يبطلونه ردًا، ولكنهم يفسرونه على معنىً يناسب القاعدة القطعية.
فكل ما كان من الأحرف مشتبه الثبوت لا يلزم ردُّه؛ لكن لا يصح أن يفسر بما يعارض القطعي.
فهذا الحديث الذي ثبت في البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة فيه قوله: (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) يعارض بظاهره القاعدة التي تنص على أنه لا يخلد في النار إلا الكفار.
وعلى هذا نقول: لا يمكن أن يكون هذا الحديث على المعنى المتبادر، وهذا أجود من أن نقول: لا يمكن أن يكون الحديث على ظاهره؛ لأنه ربما كان هناك فساد في ذوق اللغة عند أكثر المتأخرين، وعصرنا داخل في هذا الإشكال.
فإذا أردت أن تفسر الحديث أو القرآن تفسيرًا لغويًا فلا تعتبر الكلمة المفردة، وجمهور التفسير اللغوي للقرآن والسنة لا يعتمد على الكلمات المفردة، وإنما يعتمد على السياقات.
العرب كانوا يتذوقون اللغة، ولاسيما الجاهليين منهم.
فكونك تحس ذوق اللغة ليس أمرًا سهلًا، ولا يتحقق ذلك من خلال نظرك في قاموس أو في معجم أو ما إلى ذلك، فإن اللغة لسان، وليست علمًا يُتَعَلم، ولهذا ما كان علمًا محددًا أمكنك أن تكتبه، بخلاف الشيء إذا ما كان ذوقًا، إذ ليس له نظام يستطيع أحد ضبطه.
صحيح أن علماء اللغة وضعوا القواميس ودرسوا البلاغة وما إلى ذلك؛ لكن بقي أن اللغة أُفُقُها أُفُقٌ واسع.
فأولًاَ: هل قوله (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) يلزم من لغة العرب التأبيد المذكور في حق الكفار؟
فأقول: إذا كان النبي ﵌ قد قال هذا الحرف وهو: (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) فإننا نعلم أن اللغة لا تستلزم ما يتبادر إلى الأذهان من التأبيد؛ إذ لو كانت اللغة تستلزم هذا المعنى للزم من ذلك أن النبي يريد هذا المعنى، وهو أن من قتل نفسه يحبط عمله، ولو كان مؤمنًا برًا صالحًا صائمًا قائمًا، لكنه تضايق من مشكلة في الدنيا، فتعجل وقتل نفسه.
والخلاصة أنه ليس لدينا إلا أحد فرضين:
إما أن تكون هذه الكلمة (أبدًا) لم يقلها الرسول ﵊، وهذه طريقة قد ذكرها الإمام الترمذي، والحديث وإن كان في البخاري ومسلم، إلا أن لدينا قاعدة مهمة وهي: (أن ما خالف قطعيًا من نص صريح أو قاعدة محكمة قد يُتَرَدَّد في ثبوته)، وهذا يُتَرَدَّد في ثبوته، ولو كان في البخاري ومسلم.
وقد يقول قائل: كيف يصح ذلك وقد قال الإمام ابن تيمية وغيره: (إن ما اتفق عليه الشيخان فهو متفق عليه بين أهل الحديث)؟
فأقول: هذه القاعدة قد تصح وقد لا تصح، وكذلك نحن لم نتردد في صحة الحديث، فالحديث لا شك أنه ثابت، إنما ترددنا في قوله: (أبدًا).
فـ الترمذي وجماعة يقولون: إن هذه الرواية وهم.
وفي ظني أن هذا قريب، ولا سيما أن هذا الحديث في رواية البخاري ومسلم مداره على الأعمش، فلم يذكر هذه اللفظة إلا الأعمش في روايته، وقد رواه غيره ولم يذكروا هذه اللفظة، فهي لفظة غريبة من جهة علم الحديث، ولَمَّا كان هذا اللفظ غريبًا مداره على رجل واحد -وإن كان إمامًا إلا أنه من المدلسين، وإن احتمل الأئمة تدليسه- كان مما لا يجوز أن تعارض به أصول شرعية مطردة وقواعد سلفية قاطعة، خاصة أن أئمة السلف قرروا قاعدة أهل الكبائر ولم يستثنوا شيئًا، ولم يعلق إمام من أئمة السلف من أهل القرون الثلاثة الفاضلة على هذا الحديث بما تبادر عند المتأخرين من أن معناه تأبيد القاتل لنفسه كالكافر في نار جهنم.
إذًا: إما أن هذا الحرف وهم، فلا إشكال، وإما أن يكون هذا الحرف ثابتًا في نفس الأمر وقد قاله الرسول ﵊، فنعلم أن اللغة لا تستلزم ذلك؛ لأن القواعد المحكمة قاطعة في هذا السياق، ولا يجوز أن يتردد في كون مَن قتل نفسه متعمدًا من المسلمين الذين مآلهم إلى الجنة، وإن لحقهم الوعيد.
[ ٨ / ١٢ ]