شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [١٢]
جاء الإسلام بجلب المصالح ودفع المفاسد، ومن ذلك أنه حرم كل ما يوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحث على تزكية النفس، وصلاح القلب، ومن أعظم أسباب صلاح القلب تدبر القرآن والخشوع في الصلاة.
[ ١٢ / ١ ]
سبب وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ؟ وهذا التفريق الذي حصل من الأئمة: علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة:١٤].
فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب].
كلام المؤلف كلام عظيم يكتب بماء الذهب، وهذه الجمل التي قرئت كلمات عظيمة ينبغي أن تكتب بماء الذهب لعظم شأنها، وليس المراد أن تكتب بماء الذهب فقط للتجمل، بل لما اشتملت عليه من العلم العظيم المأخوذ من الكتاب والسنة، فجدير بطالب العلم أن يتأمل هذه العبارات ويعمل بها.
يقول المؤلف: كيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ.
وقد يكون السبب في إطلاق هذه المسميات؛ لأن هذا ينتسب إلى بلد، أو لأن هذا ينتسب إلى مذهب، أو لأنه ينتسب إلى فرقة، أو هذا ينتسب إلى قبيلة، ويفرق كل التفريق بين الناس في هذه الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان.
والأصل أن التفريق بين الناس يكون بالإيمان والكفر والسنة والبدعة، هذا هو الميزان، فالموالاة والمعاداة تكون على وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، أما الأسماء المبتدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان فلا يجوز أن تفرق بين الناس بسبب أن هذا موافق لك؛ لأنه من أهل بلدك فتواليه، وإذا كان من غير بلدك تعاديه، أو إذا كان يوافقك في المذهب تواليه وإذا خالفك تعاديه، أو من أهل فرقتك، فهذه الأمور ما أنزل الله بها من سلطان.
ثم قال المؤلف ﵀: وهذا التفريق الذي حصل من علمائنا ومشائخنا وأمرائنا وكبرائنا هو الذي أوجب تسلط الأعداء علينا، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله.
يعني: أن تفرق الأمة وتفرق علمائها وأمرائها وكبرائها أوجب تسلط الأعداء عليهم؛ لأنهم إنما تفرقوا بالباطل لا بالحق، حيث إنهم تركوا العمل بطاعة الله ورسوله، ومن ترك طاعة الله ورسوله وفرق بين الناس في أمور ما أنزل الله بها من سلطان فهو عاصٍ، ومن عصى الله سلط عليه الأعداء وحلت به العقوبات والنكبات، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:١٤].
انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة:١٤] فأخذ الله عليهم الميثاق والعهد، والميثاق ذكره الله في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة:١٢] والميثاق هو: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة:١٢]، والجزاء هو ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:١٢]، وقال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة:١٤] ولكنهم لم يلتزموا فقال الله عنهم: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:١٤].
ولقد جازاهم الله بهذا وذلك بسبب معصيتهم، ثم جاء التهديد أيضًا: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:١٤].
إذًا الأمر خطير، والتفريق بين الأمة في أمور ما أنزل الله بها من سلطان، والموالاة والمعاداة من أجلها، وترك العمل بطاعة الله يسبب العداوة والبغضاء وتسليط الأعداء، كما أن النصارى لما أخذ الله منهم الميثاق ولم يعملوا به جعل الله بأسهم بينهم، وجعل الله بينهم العداوة والبغضاء؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، فإذا ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وتركوا العمل بطاعة الله وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا وقعت العداوة والبغضاء تفرقوا، وإذا تفرقوا فسدوا وهلكوا، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥].
وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب؛ ولهذا بين الله ﷾: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس:١٩].
وذم الله المختلفين في آخر سورة هود فقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، فاستثنى من وصفهم بالرحمة من الاختلاف، أي: إلا من رحم الله فليسوا مختلفين.
﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩].
إذًا: فالفرقة عذاب، والجماعة رحمة وصواب.
[ ١٢ / ٢ ]
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ثم بين المؤلف الشيء الذي يجمع هذا بعد ذلك فقال رحمه الله تعالى: [وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣] إلى قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]، فمن الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع والنهي عن الاختلاف والفرقة، ومن النهي عن المنكر: إقامة الحدود على من خرج عن شريعة الله تعالى].
هذا الأمر الذي سبق أن ذكرته له شيء يجمعه، وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا هو الذي يجمعها، فإذا أمر الناس بالمعروف ونهوا عن المنكر صلحت أحوالهم واستقامت أمورهم، واستقاموا على دين الله وكانوا أبعد ما يكونون عن الفرقة والخلاف، وسلموا من العقوبات والنكبات في الدنيا والآخرة، ولهذا قال المؤلف: وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣] إلى قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤].
يقول: كيف يكون جماع ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: فمن الأمر بالمعروف الأمر بالائتلاف والاجتماع ومن النهي عن المنكر النهي عن الاختلاف والفرقة، ومن النهي عن المنكر كذلك إقامة الحدود على من خرج عن شريعة الله.
إذًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجمع هذا الأمر الذي سببه استقامة الناس وصلاحهم وسلامتهم من الفرقة والاختلاف والعذاب والنكبات؛ لأن من الأمر بالمعروف الأمر بالائتلاف والاجتماع، ومن النهي عن المنكر إقامة الحدود على من خرج عن شريعة الله، فإذا أقام الناس الحدود على من خرج عن شريعة الله وأمروا بالائتلاف والاجتماع سلموا من العداوة والبغضاء والفرقة والاختلاف ثم يسلمون من العقوبات والنكبات وتسليط الأعداء.
[ ١٢ / ٣ ]
حكم المرتد القتل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن اعتقد في بشر أنه إله، أو دعا ميتًا، أو طلب منه الرزق والنصر والهداية، وتوكل عليه أو سجد له فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
ومن فضل أحدًا من المشايخ على النبي ﷺ أو اعتقد أن أحدًا يستغني عن طاعة رسول الله ﷺ استتيب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وكذلك من اعتقد أن أحدًا من أولياء الله يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى ﵇ فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه؛ لأن الخضر لم يكن من أمة موسى ﵇ ولا كان يجب عليه طاعته بل قال له: (إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلم، وكان مبعوثًا إلى بني إسرائيل -كما قال نبينا ﷺ- وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة).
ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قلته].
مع أن كل هذه الأعمال التي ذكرها المؤلف أعمال كفرية وشركية تخرج الإنسان عن الإسلام، وتجعله في عداد الوثنية، ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها وأن يرقمها ويجعل تحتها خطًا.
الأمر الأول من الأعمال الكفرية: من اعتقد في بشر أنه إله فهو كافر، فمن اعتقد في أي بشر أنه إله يستحق العبادة فهذا كافر بإجماع المسلمين دون خلاف، وإذا مات على هذا الاعتقاد فهو من أهل النار خالدًا مخلدًا في النار، وكفره أعظم من كفر اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى أهل كتاب خص كفرهم وهذا وثني.
ثانيًا: من دعا ميتًا فإنه يكون كافرًا، ومن قال للميت: يا فلان، ودعاه، وناجاه: أن اشفع لي، حتى ولو نادى الرسول ﷺ، فإذا قال: يا رسول الله! اشفع لي، فهذا كفر وردة، أو قال: أغثني، أو طلب منه الرزق أيضًا، من طلب من شخص ميت الرزق يكون كافرًا، أو طلب من الميت أن ينصره على عدوه يكون كافرًا.
أو طلب منه أن يهديه حتى لو طلب الهداية من الحي، فإذا قال له: اهدني يعني هداية التوفيق والتسديد فقد كفر، أما إذا قال: اهدني إلى الحي يعني اهدني هداية الإرشاد فلا بأس بذلك، وكذلك من توكل على المخلوق أو على ميت يكون كافرًا، أو سجد لحي أو ميت وكل واحد منهم يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ولا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم، وإذا مات على ذلك فهو من أهل النار.
ومن أنواع الكفر أيضًا: من فضل أحدًا من المشايخ على النبي ﷺ.
فمن فضل أحدًا على النبي ﷺ من شيوخ الصوفية وغيرهم واعتقد أنه أفضل من محمد فهذا مرتد كافر إن تاب وإلا قتل، أو اعتقد أن أحدًا يستغني عن طاعة الرسول ﷺ، وقال: لا حاجة لي بطاعة الرسول، فأنا أستغني عن طاعة الرسول.
وإذا قال شخص: أنا أستغني عن طاعة الرسول بطاعة شيخ الطريقة، أو بطاعة ملك من الملوك، أو بطاعة فيلسوف فهذا يصير مرتدًا فإن تاب وإلا قتل.
فلا أحد يستغني عن طاعة الرسول؛ لأن طاعة الرسول طاعة لله.
وكذلك من الأعمال الكفرية: من اعتقد أن أحدًا من أولياء الله يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى، فهذا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرًا.
فموسى ﵊ من أنبياء بني إسرائيل وهو من أولي العزم الخمسة.
ثبت في صحيح البخاري أن رجلًا سأل موسى فقال: (من أعلم الناس؟ فقال: أنا -يعني في زمانه- فعتب الله عليه؛ لأنه لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: بلى عبدنا خضر أعلم منك، فقال: يا رب! أين أجده؟ قال: بمجمع البحرين).
وجعل الله له علامة وهي أن يفقد الحوت فإذا فقده وجده، فسافر وذهب معه فتاه يوشع بن نون الذي كان نبيًا بعد وفاته، وقد فتح يوشع بن نون بيت المقدس.
فجلسا مجلسًا فذهب الحوت، ثم انطلقا فلما أحس موسى بالجوع قال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢] فقال: (إني نسيت الحوت)، فقال له موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف:٦٤]، فلما ذهب ورجع وجد رجلًا مسجى وسلم عليه، فرفع رأسه وقال: وأنى بأرضك السلام؟! يعني: أن الخضر استغرب منه السلام؛ لأنه في أرض ليس فيها سلام! قال: من أنت؟ قال: أنا موسى.
قال: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، فقال: لم جئت؟ قال: جئت أتعلم ولتعلمني مما علمك الله.
فقال -كما في بعض الروايات- أو لم تكفك التوراة التي أنزلها الله عليك؟ ثم جلس معه وتعلم، وهذا يدل على أهمية وفضل طلب العلم، فموسى هو كليم الله ومن أولي العزم الخمسة ومع ذلك ذهب يتعلم من الخضر وهو أقل منه فضلًا، لكن الله أعطاه علمًا ليس عند موسى، فجلس موسى يتعلم، قال له الخضر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٧] فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩] فذهبا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فأوقفها وهم يعرفونه، فوقفت وركبوا، فركبا في السفينة، فلما ركبا جاء بالقدوم وجعل يكسر السفينة، لقد أركبوهم بدون أجرة؛ لأنهم يعرفون الخضر، فجعل يكسر السفينة حتى خرق السفينة ودخل الماء، فصاح موسى: سبحان الله! ناس أحسنوا إلينا وأركبونا بدون أجرة وتخرب سفينتهم؟ ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف:٧١ - ٧٣]، فسمح له، ثم جاءت المسألة الثانية وهي أعظم وأعظم، فجعلا يمشيان فمر بغلام يلعب مع الصبيان فاقتلع الخضر رأس الصبي ورماه في الشارع، فصاح موسى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤]، قال: هذا أمر عظيم كيف أصبر عليه، فشدد عليه الخضر قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ [الكهف:٧٥] الأولى قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ [الكهف:٧٢] وهذه أكدها بـ (لك)، ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٥] قال: هذه آخر مرة، فإن اعترضت عليك مرة أخرى نتفارق.
فلما ذهبا إلى بلدة فيها جماعة من الناس لؤماء ردوهم ولم يعطوهم الضيافة، فجاء على جدار يكاد أن يسقط فجعل يبنيه، وبنى سوى الجدار وعمله بدون أجرة فاعترض عليه موسى فقال: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] كما قص الله علينا في القرآن.
والشاهد أن موسى يتعلم ممن هو أقل منه في المكانة، وقد اختلفوا في الخضر هل هو نبي أو عبد صالح؟ والصواب أنه نبي، والجمهور على أنه عبد صالح.
والخضر له شريعة مستقلة؛ لأنه يوحى إليه، وموسى له شريعة تختلف عن شريعة الخضر، إذًا: فـ الخضر غير مأمور باتباع موسى في شريعته؛ لأن موسى لم يُرسل إلى الخضر وإنما أُرسل إلى بني إسرائيل وهم قومه، والخضر خرج عن شريعة موسى ويجوز له ذلك؛ لأن شريعة موسى ليست عامة.
يقول المؤلف ﵀: كذلك من اعتقد أن أحدًا من الأولياء يكون مع محمد ﵊ كما كان الخضر مع موسى -يعني: يخرج عن شريعته- فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
فلو قال شخص: أنا لا ألتزم بشريعة محمد كـ الخضر عندما لم يلتزم بشريعة موسى، فنقول لمن يقول هذا الكلام: أنت كافر؛ لأن الخضر خرج عن شريعة موسى ولم يكفر به، فهناك فرق بين حالك مع محمد، وبين حال الخضر مع موسى، فالأمر الأول أن شريعة موسى ليست عامة إلى الثقلين بل هي خاصة لبني إسرائيل، ومحمد شريعته عامة، فليس لك أن تخرج عنه.
ثانيًا: الخضر نبي يوحى إليه، وأنت لست نبيًا، فمن زعم أنه يجوز له الخروج عن شريعة محمد كما أنه جاز للخضر الخروج عن شريعة موسى فهو مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرًا.
ولهذا بين المؤلف ذلك فقال: لأن الخضر لم يكن من أمة موسى ﵊ وما كان يجب عليه طاعته بل قال الخضر لموسى: إني على علم من الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه.
وكان موسى مبعوثًا إلى بني إسرائيل كما قال نبينا ﷺ: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة).
ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله.
[ ١٢ / ٤ ]
كفر من كفر المسلمين أو استحل دماءهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك من كفر المسلمين أو استحل دماءهم وأموالهم ببدعة ابتدعها ليست في كتاب الله ولا سنة رسوله فيجب نهيه عن ذلك وعقوبته بما يزجره ولو بالقتل أو القتال، فإذا عوقب المعتدون من جميع الطوائف، وأكرم المتقون من جميع الطوائف كان ذلك من أعظم الأسباب التي ترضي الله ورسوله وتصلح أمر المسلمين، ويجب على أولي الأمر -وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها- أن يقوموا عامتهم ويأمروهم بالمعروف، وينهوهم عن المنكر، ويأمرونهم بما أمر الله به ورسوله، وينهونهم عما نهى عنه ورسوله ﷺ].
كذلك من كفر المسلمين أو استحل دماءهم وأموالهم ببدعة، مثل ما يفعل الخوارج فهم يكفرون الناس بالمعاصي وبالكبائر ففي اعتقادهم أن من زنى كفر، ومن شرب الخمر كفر، ومن عق والديه كفر، فهذا يجب نهيه عن ذلك وعقوبته بما يزجره، فإن لم ينزجر إلا بالقتل قتل، وإن كانت طائفة يقاتلون حتى يتوبوا من هذه البدعة.
قال المؤلف: فإذا عوقب المعتدي وأكرم المتقون من جميع الطوائف كان هذا من أعظم الأسباب التي ترضي الله ورسوله، ويجب على أولي الأمر وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها أن يقوموا عامتهم ويأمروهم بالمعروف، وينهوهم عن المنكر، ويأمرونهم بما أمر الله به ورسوله، وينهونهم عما نهى الله، فهذا واجب عليهم، فيجب أن توجد طائفة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فإن تركت الأمة هذا الأمر فقدت الخيرية التي وصفها الله تعالى بقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] أمة أي: طائفة.
﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] فما هي الأمور التي يأمر بها الإنسان؟ وما هي الأشياء التي ينهى عنها؟ وما هو المعروف؟ المعروف: كل ما أمر الله به ورسوله، والمنكر: كل ما نهى الله عنه نهي تحريم أو تنزيه.
[ ١٢ / ٥ ]
أمثلة المعروف التي يجب الأمر بها
المؤلف سرد لنا أمثلة للمعروف وأمثلة للمنكر فقال رحمه الله تعالى: [فالأول مثل شرائع الإسلام وهي الصلوات الخمس في مواقيتها، وإقامة الجمعة والجماعات من الواجبات والسنن الراتبات كالأعياد وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح وصلاة الجنائز وغير ذلك.
وكذلك الصدقات المشروعة، والصوم المشروع، وحج البيت الحرام.
ومثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره.
ومثل الإحسان وهو: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك].
فكل هذه الأمور المعروفة تُعد من المعروف، فصلاة الجمعة والسنن الرواتب والأعياد والكسوف والاستسقاء والتراويح وصلاة الجنائز وحج البيت كلها معروفة، ويجب على المسلم أن يأمر بها؛ لأنها من الدين وقد أمر الله بها ورسوله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومثل سائر ما أمر الله به ورسوله من الأمور الباطنة والظاهرة، ومثل إخلاص الدين لله، والتوكل على الله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجاء لرحمة الله، والخشية من عذابه، والصبر لحكم الله، والتسليم لأمر الله.
ومثل صدق الحديث، والوفاء بالعهود، وأداء الأمانات إلى أهلها، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والتعاون على البر والتقوى، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين، والعدل في المقال والفعال، ثم الندب إلى مكارم الأخلاق مثل: أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٠ - ٤٣]].
فكل هذه أمثلة للأمر بالمعروف، والقاعدة في المعروف هي: كل ما أمر الله به ورسوله، سواء أمر وجوب أو أمر استحباب، وسواء كان من الأمور الباطنة أو الأمور الظاهرة، فالأمور الباطنة مثل إخلاص الدين، والتوكل على الله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجاء لرحمة الله، والخشية من عذابه، والصبر لحكمه والتسليم لأمره، والأمور الظاهرة مثل صدق الحديث، والوفاء في العهود وأداء الأمانات إلى آخر ذلك وهي أمور واضحة.
[ ١٢ / ٦ ]
أمثلة للمنكر الذي يجب النهي عنه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله فأعظمه الشرك بالله وهو: أن يدعو مع الله إلهًا آخر إما الشمس وإما القمر، أو الكواكب، أو ملكًا من الملائكة، أو نبيًا من الأنبياء، أو رجلًا من الصالحين، أو أحدًا من الجن، أو تماثيل أشخاص معينين أو قبورهم أو غير ذلك مما يدعى من دون الله أو يستغاث به أو يسجد له، فكل هذا وأشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله].
وهذا هو أعظم المنكرات.
والمنكر القاعدة فيه هي: كل ما نهى الله عنه ورسوله، وأعظم المنكرات الشرك بالله، كما أن أعظم الأوامر توحيد الله.
ثم يلي أعظم الأوامر بعد التوحيد الصلوات الخمس، وأعظم المنهيات الشرك ويليه قتل النفس، ولهذا بين المؤلف أن أعظم المنكرات الشرك الذي نهى الله عنه ورسوله، وله أمثلة: أن يدعو الإنسان مع الله إلهًا آخر، كأن يدعو الشمس أو القمر أو الكواكب، أو يدعو ملكًا أو نبيًا أو رجلًا صالحًا أو جنيًا أو تماثيل أو طقوس يدعوها من دون الله أو يسجد لها أو يستغيث بها فكل هذا من الشرك.
ثم يليه بعد ذلك قتل النفوس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد حرم الله قتل النفس بغير حقها، وأكل أموال الناس بالباطل إما بالغصب وإما بالربا، أو الميسر كالبيوع والمعاملات التي نهى عنها رسول الله ﷺ، وكذلك قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وتطفيف المكيال والميزان، والإثم والبغي بغير الحق].
فكل هذه أمثلة للمنكر، وأعظمها بعد الشرك قتل النفس، ثم أكل المال بالباطل عن طريق الغصب أو الربا أو الميسر أو الغش أو الخداع وتنفيق السلعة بالحلف الكاذب وجحد الدين والحق فكل هذا من المنكرات، والبيوع والمعاملات التي نهى الله عنها ورسوله، وقطيعة الرحم وعقوق الوالدين، وتطفيف المكيال والميزان، والإثم والبغي بغير الحق فكل هذه أمثلة للمنكرات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك مما حرمه الله تعالى أن يقول الرجل على الله ما لا يعلم، مثل أن يروي عن الله ورسوله أحاديث يجزم بها وهو لا يعلم صحتها، أو يصف الله بصفات لم ينزل بها كتاب من الله ولا أثارة من علم عن رسول الله ﷺ سواء كانت من صفات النفي والتعطيل مثل قول الجهمية: إنه ليس فوق العرش ولا فوق السماوات، وإنه لا يرى في الآخرة، وإنه لا يتكلم ولا يحب، ونحو ذلك مما كذبوا به الله ورسوله، أو كانت من صفات الإثبات والتمثيل مثل من يزعم أنه يمشي في الأرض أو يجالس الخلق أو أنهم يرونه بأعينهم، أو أن السماوات تحويه وتحيط به، أو أنه سار في مخلوقاته إلى غير ذلك من أنواع الفرية على الله].
وهذه كذلك من الأمثلة للمنكر، وأكثر الأمثلة التي ذكرها المؤلف هنا تعتبر من الكفريات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨].
فالقول على الله بلا علم جعله الله فوق الشرك؛ لأنه يدخل في الشرك وغيره.
ومن يروي أحاديث يجزم بها وهو لا يعلم صحتها فهذا من الكذابين يقول النبي ﷺ: (من حدث عني حديثًا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين أو الكذابين).
كذلك من وصف الله بصفات لم ينزل بها كتابه، وسواء كانت من صفات النفي أو التعطيل مثل قول الجهمية: إنه ليس فوق العرش ولا فوق السماوات إله! فهذا كفر وردة، فقد كفر العلماء من أنكر علو الله على خلقه، وكذلك من قال: إن الله لا يُرى في الآخرة، كفره الأئمة كذلك.
ومن صفات الإثبات والتمثيل مثل من يزعم أن الله يمشي في الأرض، أو أن الله يجالس الخلق، أو أنهم يرونه بأعينهم أو أن السماوات تحويه وتحيط به، أو أنه سار في المخلوقات مثلما يقوله الاتحادية، يقولون: إن الله سارٍ في المخلوقات مثلما يسري الدهن ويسري الماء في العود، ومثلما تسري النار في الفحم! فهذا كفر وردة، وكلها أقوال كفرية.
نعوذ بالله.
وهي من أعظم الفرية على الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فإن الله شرع لعباده المؤمنين عبادات فأحدث الشيطان عبادات ضاهاها بها مثل أنه شرع لهم عبادة الله وحده لا شريك له، فشرع لهم شركاء وهي عبادة ما سواه والإشراك به، وشرع لهم الصلوات الخمس وقراءة القرآن فيها والاجتماع له، والاجتماع لسماع القرآن خارج الصلاة أيضًا فأول سورة أنزلها على نبيه ﷺ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، أمر في أولها بالقراءة وفي آخرها بالسجود بقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩]].
وهذه أيضًا أمثلة للعبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] فلو شرع الإنسان لنفسه بأن يتعبد لله بزيادة ركعة في الصلوات ففي الرباعية صلى خمسًا، أو في الثلاثية صلى أربعًا، أو شرع لنفسه صلاة ثالثة، فكل هذا من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، وقد تكون كفرًا وضلالًا، ثم بين أن الله شرع لعباده المؤمنين عبادات، فأحدث لهم الشيطان عبادات ضاهاها بها، يعني: ماثلها، فالله تعالى شرع لعباده عبادات، والشيطان أحدث لأوليائه عبادات يماثلون ويضاهون بها ما شرع الله، ومثال ذلك: أنه شرع لهم عبادة الله وحده لا شريك له، وشرع الله لهم أن يعبدوه ويخلصوا له العبادة، فشرع الشيطان لهم شركاء وهي عبادة ما سواه والإشراك به.
وشرع الله للمسلمين الصلوات الخمس، وقراءة القرآن والاستماع للقرآن خارج الصلاة، فأول سورة أنزلها على نبيه ﷺ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، أمر الله في أولها بالقراءة وفي آخرها: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩].
فالشيطان يشرع لهم أشياء تضاهي هذه العبادات حتى تخرجهم من السنة إلى البدعة.
كل هذه أمثلة للمنكرات.
[ ١٢ / ٧ ]
فضل قراءة القرآن وكيفية قراءته الصحيحة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا كان أعظم الأذكار التي في الصلاة قراءة القرآن، وأعظم الأفعال السجود لله وحده لا شريك له، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤].
وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون، وكان عمر بن الخطاب يقول لـ أبي موسى ﵄: ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون.
ومر النبي ﷺ بـ أبي موسى ﵁ وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته، فقال: (يا أبا موسى، مررت بك البارحة فجعلت أستمع لقراءتك.
فقال: لو علمت لحبرته لك تحبيرًا.
وقال: لله أشد أذنًا - أي استماعًا- إلى الرجل يحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته)].
قال ﵀: ولهذا كان أعظم الأذكار التي في الصلاة: قراءة القرآن، يعني: أن الصلاة هي أعظم المعروف بعد توحيد الله ﷿، وأعظم الأذكار فيها قراءة القرآن، قال: ولهذا كان أعظم الأذكار التي في الصلاة قراءة القرآن، وأعظم الأفعال السجود لله وحده لا شريك له، إذًا فالصلاة فيها أقوال وأفعال، فأعظم الأقوال والتي هي الأذكار في الصلاة: قراءة القرآن، وأعظم الأفعال السجود لله ﷿، وبه تختم الركعة، فالسجود أعظم الأفعال في الصلاة؛ لأن الساجد يعفر وجهه بالتراب ويجعله على الأرض والوجه هو أشرف شيء، وذلك خضوعًا لله ﷿.
وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] يعني: وقراءة الفجر، وقرآن الفجر هو صلاة الفجر، فسميت صلاة الفجر قرآنًا لأن أطول ما فيها القراءة، فلهذا سميت قرآنًا، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] يعني: وصلاة الفجر.
﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] يعني: صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فيصعد ملائكة الليل ويبقى ملائكة النهار.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون، فيتأملون ويتدبرون ويتفكرون في الآيات، وكذلك الحديث فكان يقرأ واحد الحديث والباقي يستمعون إليه، أو القصيدة المفيدة التي تحوي على الحكم فيقرأ واحد والباقي يستمعون، أما ما يفعله بعض الناس من الأناشيد الجماعية الآن وتجده يلحن الأناشيد تلحين الغناء، فلا يفرق بينه وبين الغناء، وبعضهم ينشد نشيدًا جماعيًا، يرفعون فيه الصوت رفعًا واحدًا ويخفضونه خفضًا واحدًا، هذا معناه أن المستمع إنما يتلذذ بالأصوات وبالنغمات فقط، ويتأمل متى يرفعون الصوت ومتى يخفضون الصوت دون أي فائدة، وهذا فيه مشابهة للصوفية، فنصيحتي للشباب: أن يتركوا ما يسمونه بالأناشيد الإسلامية، فهذه ليست أناشيد إسلامية، والإسلام منها بريء، كونه بصوت واحد ويلحنونها تلحين الغناء، حتى لو لم يلحنوا فلا فائدة فيها، فالمسلم لا يستفيد منها، إلا من النغمات فقط، لكن إذا قرأ واحد قراءة عادية ليس فيها تلحين والباقي يستمعون، سواء كان يقرأ القرآن وهو أعلى الذكر، أو حديث أو قصيدة مفيدة، واحد يقرأ والباقي يستمعون، أما جماعة يقرءون فلا فائدة في ذلك، ولا أحد يتدبر، ولا أحد يتأمل، ولا ينظر إلا إلى النغمات، وهذا من استحواذ الشيطان على بعض الشباب الطيبين والذين عجز عنهم الشيطان أن يسمعوا الغناء فجاءهم من هذا الباب، بحجة أن هذه أناشيد إسلامية وهي ليست كذلك، فكانوا يأمرون واحدًا يقرأ والباقي يسمع، وهذا الذي يقرأ لا يلحن تلحين الغناء، فإذا لحن تلحين الغناء ما حصل المقصود، مثلما يفعل بعض الناس يقرء القصيدة لكنه يلحنها تحلين الغناء ويتأوه ويمطط، فهذا لا يجوز، حتى في قراءة القرآن، فبعض القراء والعياذ بالله يغني، وبعض المغنين، يغني قل هو الله أحد، والعياذ بالله.
أو يغني بالحديث، حتى الأذان وقراءة القرآن ينبغي أن تكون قراءة عادية فلا يكون فيها تطريب، ولهذا ثبت في صحيح البخاري أن عمر بن عبد العزيز قال لمؤذن له: أذن أذانًا سمحًا وإلا فاعتزلنا.
فبعض الناس إذا أذن يمطط الأذان تمطيطًا، وتلحينًا، ويأتي إذا انتهى الصوت بصوت آخر بعده، ولهذا قال العلماء: يكره الأذان الملحن وتكره القراءة الملحنة.
وبعض المؤذنين يعدم المناسبة فتجده لا تتناسب تكبيراته، فالتكبيرة الأولى قصيرة، فينبغي أن تكون التكبيرات متعادلة، التكبيرة الأولى تعادل التكبيرة الثانية.
والشهادة الأولى تعادلها الشهادة الثانية في الطول.
وبعض المؤذنين يعجب بأذان المطربين والملحنين فيقلدهم، فالتلحين في الأذان مكروه، كما أن قراءة القرآن تكون بأن يقرأ واحد والباقي يستمعون، فلو قرءوا القرآن بشكل جماعي فهذا ليس مشروعًا إلا إذا كان من باب تعليم الصبيان؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون، فلا يقرءون قراءة جماعية، أما أن يقرءوا قراءة جماعية فهذا لا فائدة فيه.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لـ أبي موسى ﵄: ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون؛ لأن الصلاة تذكر بالله ﷿.
ومر النبي ﷺ بـ أبي موسى! ﵁ وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته، فقال: (يا أبا موسى، مررت بك البارحة فجعلت أستمع لقراءتك، فقال: لو علمته لحبرته لك تحبيرًا).
يعني: من أجل استماع النبي ﷺ فأقره على ذلك فتحسينها مشروع وليس المراد من قوله: (حبرته لك) الرياء، وإنما المقصود بقوله: (حبرته لك) يعني: باستماعك له، حتى تحصل فضيلة تحسين الصوت، وحتى يستفيد من إقرار النبي ﷺ له.
وقال النبي ﷺ: (لله أشد أذنًا - أي: استماعًا - إلى الرجل يحسن صوته بالقراءة من صاحب القينة إلى قينته).
وهذا من صفات الله، والأذن هو الاستماع، وهي من الصفات التي تليق به ﷾ كسائر الصفات.
(لله أشد أذنًا - أي: استماعًا - من الرجل يحسن صوته من صاحب القينة إلى قينته).
يعني: المغنية إلى مغنيته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا هو سماع المؤمنين وسلف الأمة وأكابر المشايخ كـ معروف الكرخي والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ونحوهم، وهو سماع المشايخ المتأخرين الأكابر كالشيخ عبد القادر والشيخ عدي بن مسافر والشيخ أبي مدين وغيرهم من المشايخ ﵏.
وأما المشركون فكان سماعهم كما ذكره الله في كتابه بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥].
قال السلف: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق باليد، فكان المشركون يجتمعون في المسجد الحرام يصفقون ويصوتون ويتخذون ذلك عبادة وصلاة، فذمهم الله على ذلك وجعله من الباطل الذي نهى عنه، فمن اتخذ نظير هذا السماع عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله فقد ضاهى هؤلاء في بعض أمورهم، وكذلك لم تفعله القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ ولا فعله أكابر المشايخ.
وأما سماع الغناء على وجه اللعب فهذا من خصوصية الأفراح للنساء والصبيان كما جاءت به الآثار؛ فإن دين الإسلام واسع لا حرج فيه].
وهذا فيه بيان سماع المؤمنين وسماع المشركين، فسماع المؤمنين هو سماع القرآن، يستمعون القرآن وذلك بأن يقرأ أحدهم والباقي يستمعون كما كان الصحابة رضوان الله عليهم، وكما كان عمر يقول لـ أبي موسى الأشعري، وكما استمع النبي ﷺ لقراءة أبي موسى الأشعري، فهذا هو سماع المؤمنين وسلف الأمة وأكابر المشايخ ومثلهم معروف الكرخي والفضيل بن عياض وأبي سليمان وغيرهم، سماعهم هو سماع القرآن ومنه سماع الأحاديث أيضًا، سماع القصائد المفيدة.
وأما المشركون فسماعهم -كما ذكر الله- هو المكاء والتصدية، أي: الصفير والتصفيق، ويتعبدون بذلك، يقول المؤلف: فكان سماعهم كما ذكره الله في كتابه في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥].
قال السلف: المكاء الصفير والتصدية التصفيق باليد، فكان المشركون يجتمعون في المسجد الحرام يصفقون ويصوتون ويتخذون ذلك عبادة وصلاة، فذمهم الله على ذلك وجعل ذلك من الباطل الذي نهاه، والتصفيق ليس من شأن الرجال وإنما هو من شأن النساء، ولهذا إذا صلى في المسجد رجالًا ونساء وأخطأ الإمام في صلاته سبح الرجال وصفقت النساء، فالرجل يسبح يقول: سبحان الله سبحان الله، والمرأة تصفق تنبيهًا للإمام، ويكون التصفيق بباطن كفها اليمنى على ظهر كفه اليسرى تنبيهًا، وذلك لئلا يفتتن بصوتها، ولكن تجد بعض الناس في الحفلات إذا أعجبهم شيء صفقوا ويصفرون أيضًا، وهذا لا ينبغي لأهل الإسلام أن يتشبهوا بالكفرة وبالنساء، بل إذا أعجبك شيء قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أو سبحان الله سبحان الله، فقد كان النبي ﷺ إذا أعجبه شيئًا سبح أو كبر.
يقول المؤلف: فمن اتخذ نظير هذا السماع عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله فقد ضاهى هؤلاء في بعض أمورهم، أي: أنه اتخذ هذا السماع وهو المكاء والتصدية قربة يتقرب إلى الله فقد شابه المشركين، وهذا لم يفعله أحد من القرون الثلاث التي أثنى الله عليهم
[ ١٢ / ٨ ]
وجوب الاعتناء بالصلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعماد الدين الذي لا يقوم إلا به هو: الصلوات الخمس المكتوبات، ويجب على المسلمين من الاعتناء بها ما لا يجب من الاعتناء بغيرها، كان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من العمل أشد إضاعة.
وهي أول ما أوجبه الله من العبادات، والصلوات الخمس تولى الله إيجابها بمخاطبة رسوله ليلة المعراج، وهي آخر ما وصى به النبي ﷺ أمته وقت فراق الدنيا، وجعل يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)، وهي أول ما يحاسب عليه العبد من عمله، وآخر ما يفقد من الدين فإذا ذهبت ذهب الدين كله، وهي عمود الدين فمتى ذهبت سقط الدين، قال النبي ﷺ: (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)، وقد قال الله في كتابه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩].
قال عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره: إضاعتها تأخيرها عن وقتها ولو تركوها كانوا كفارًا.
وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] والمحافظة عليها: فعلها في أوقاتها.
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] وهم الذين يؤخرونها حتى يخرج الوقت].
هذا فيه بيان عظم شأن الصلاة وأنها عماد الدين، يقول المؤلف ﵀: عماد الدين الذي لا يقوم إلا به هو الصلوات الخمس المكتوبات؛ لأن الصلوات الخمس هي أفرض الفرائض وأوجب الواجبات بعد توحيد الله ﷿، وهي صلة العبد بربه، فإذا ترك العبد الصلاة قطع الصلة التي بينه وبين الله، وكيف يرجو الإنسان المدد من الله ويرجو رحمة الله وفضله وجوده وبره وهو قد قطع الصلة التي بينه وبينه؟! وكيف يقر له قرار؟ وكيف يهنأ بعيش؟ وكيف يهنأ بأكل وشرب؟ وكيف يتمتع بالحياة وقد قطع الصلة بينه وبين الله؟!!
[ ١٢ / ٩ ]