شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [٣]
لقد كرم الله هذه الأمة، وخصها بخصائص دون غيرها من الأمم، ومن ذلك: أن بعث إليها خاتم الأنبياء والمرسلين محمدًا ﷺ، فلم يجعل لها نبيًا بعده، بل جعل لها أئمة مهديين يجددون لها أمور دينها، وخصها أيضًا بعدم الاجتماع على الضلالة، وجعلها وسطًا بين الأمم، وسطًا بين اليهود الجافين والنصارى الغالين، وجعل منها الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة، المبشرين برضوان الله والجنة بإذن الله ذي المنة.
[ ٣ / ١ ]
خصائص هذه الأمة من الشريعة والهدي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما الثاني: كما أنزل الله من السورة المدنية من شرائع دينه ومن سنة الرسول ﷺ لأمته، فإن الله سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة، وامتن على المؤمنين بذلك، وأمر أزواج نبيه بذكر ذلك، فقال: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣].
وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران:١٦٤].
وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤].
فقال غير واحد من السلف: الحكمة: هي السنة].
وهذا الأمر الثاني الذي خص الله به هذه الأمة وميزها وفضلها به من الشرعة والمنهاج، وهو: ما أنزله الله في السور المدنية، من شرائع دينه، من الأوامر والنواهي، والحدود، والقصاص، وما سنه النبي ﷺ من الشرائع لأمته، كل ذلك ميز الله به هذه الأمة، وخصها بالعمل به، فتمتثل الأوامر، وتجتنب النواهي؛ إذ أن الله سبحانه أنزل الكتاب والحكمة عليه أي: النبي ﷺ، والكتاب: هو القرآن الكريم، والحكمة: هي السنة المطهرة، وامتن على المؤمنين بذلك كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٤].
وامتن بذلك على نبيه فقال: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣].
وقال ممتنًا على المؤمنين أيضًا: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤].
وأمر أزواج النبي بذكر ذلك فقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، وكما تقدم فالحكمة: هي السنة التي جاء بها النبي ﷺ، وهذا مما امتن الله به على المؤمنين من هذه الأمة.
[ ٣ / ٢ ]
تعريف الحكمة في القرآن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال غير واحد من السلف: الحكمة: هي السنة؛ لأن الذي كان يتلى في بيوت أزواجه ﵅ سوى القرآن هو سنته ﷺ، ولهذا قال ﷺ: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) وقال حسان بن عطية: كان جبريل ﵊ ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن].
فيما ذكر ﵀ بيان أن السنة هي الحكمة؛ فإذا جاء أن الله أعطى النبي الحكمة، وأنزل عليه الحكمة، فالمراد به السنة المطهرة، لأنه كما قال: الذي يتلى في بيوت النبي ﷺ سوى القرآن هو السنة، ولهذا قال ﷺ: (ألا إني أوتيت الكتاب) يعني: القرآن (ومثله معه) وهو الوحي الذي أوحاه الله إليه، ومثله معه: وهي السنة المطهرة.
وقال حسان بن عطية: كان جبريل ﵊ ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن فيعلمه إياها، كما يعلمه القرآن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذه الشرائع التي هدى الله بها هذا النبي وأمته مثل: الوجهة، والمنسك، والمنهاج، وذلك مثل الصلوات الخمس في أوقاتها بهذا العدد، وهذه القراءة، والركوع والسجود، واستقبال الكعبة].
يعني: أن هذه الشرائع التي هدى الله بها هذا النبي وأمته فسرها لهم وأنزلها لهم مثل: الوجهة، ويقصد بها: التوجه إلى القبلة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، والمنسك: وهو العبادة، ويدخل في ذلك: الذبائح، كالعقيقة والهدي والأضحية، وقوله: المنهاج، أي: الطريق الذي سار عليه ﵊، ومثل بالصلوات الخمس في أوقاتها بهذا العدد، والكيفية، فهذا وما تقدم مما خص الله به هذه الأمة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومثل فرائض الزكاة ونصبها التي فرضها في أموال المسلمين من الماشية، والحبوب، والثمار، والتجارة، والذهب، والفضة، ومن جعلت له حيث يقول: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠]].
كل هذه أمثلة للشرائع التي هدى الله بها هذا النبي وأمته، وذكر منها هنا فرائض الزكاة ونصبها، ومعلوم أن الزكاة تجب في نصاب الذهب والفضة، وعروض التجارة ومقدارها ربع العشر، ويجب نصف العشر من نصاب الحبوب والثمار إذا كانت تسقى بمؤنة، والعشر إن كانت تسقى بغير مؤنة، هذا كله مما هدى الله به هذه الأمة، ومما يذكر عن الزكاة أيضًا الأنصبة، ومعلوم أن نصاب الذهب: عشرون مثقالًا، ونصاب الفضة: مائتا درهم، ونصاب المواشي من الغنم: أربعون، ونصاب البقر: ثلاثون، ونصاب الإبل: خمس، هذه كلها أمثلة لفرائض الزكاة، وأما قوله: ومن جعلت له، فيعني به: من هم أهلها أي: الذين يعطون الزكاة، وهم ثمانية أصناف ذكرهم الله في كتابه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومثل صيام شهر رمضان، ومثل حج البيت الحرام، ومثل الحدود التي حدها لهم في المناسك، والمواريث، والعقوبات، والمبايعات، ومثل السنن التي سنها لهم: من الأعياد والجمعات والجماعات في المكتوبات، والجماعات في الكسوف والاستسقاء، وصلاة الجنازة والتراويح].
وهنا ما زال المصنف ﵀ يعدد أمثلة لما خص الله به نبيه وأمته، فذكر صيام شهر رمضان، وقد كان الصيام مكتوبًا على من قبلنا، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، لكن تحديد شهر رمضان بالصيام هو من خصائص هذه الأمة، ومثل حج بيت الله الحرام، ومثل الحدود التي حدها لهم، فلا يتجاوزون حدوده في المناسك، والمواريث حيث جعل الله للأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين، كما فرض الله تعالى أيضًا للآباء والأمهات، والإخوة والأخوات أنصبة في الأموال، وقوله: والحدود أي: التي حدها لهم في المناكح، والمواريث، والعقوبات، والمبايعات، كل هذه يجب أن يقف الإنسان عندها ولا يتجاوزها، وكذلك السنن التي سنها لهم: من الأعياد كالجمع والجماعات في المكتوبة من الصلوات المفروضة، وجماعات الكسوف، وجماعات الاستسقاء، وصلاة الجنازة، والتراويح، كل هذا مما هدى الله له هذه الأمة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما سنه لهم في العادات مثل المطاعم والملابس والولادة والموت، ونحو ذلك من السنن والآداب والأحكام التي هي حكم الله ورسوله بينهم في الدماء والأموال والأبضاع والأعراض والمنافع والأبشار، وغير ذلك من الحدود والحقوق، إلى غير ذلك مما شرعه لهم على لسان رسوله ﷺ].
كل هذا داخل فيما خص الله به هذه الأمة من الشرائع، وذكر هنا ما سنه الله لهم في العادات مثل: (المطاعم) فبين كيف يطعم، وكيف يكسب المال من طرقه الحلال والوجوه المشروعة، ثم ينفقها في مصارفها الشرعية، ومثل: (الملابس) وما يشرع للإنسان عند لبس الثوب، (والولادة) كذلك وما يشرع في تسمية المولود، وحلق رأس الذكر، وإنفاق وزن شعره ذهبًا، وتحنيكه، والعقيقة عنه، (والموت) كذلك، فبين ما يفعل في الميت من تغسيله ثم الصلاة عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، ونحو ذلك من السنن والآداب والأحكام التي هي حكم الله ورسوله فكل ذلك من خصائص هذه الأمة في السنن والآداب، (وفي الأحكام التي حكم الله ورسوله بينهم كالأحكام في الدماء) وأن القاتل يقتل قصاصًا، إلا إذا سمح أولياء القتيل في الدماء (وكذلك ما شرعه الله في الأموال) وهو أن يكسبها من الوجوه المشروعة، وينفقها في الوجوه المشروعة، (وكذلك ما شرعه الله في الأبضاع) فشرع للناس الزواج الشرعي، وحث على حفظ الأعراض، وأنه ينبغي للإنسان أن يذب عن عرض أخيه فضلًا عن ألا يتكلم فيه لا بالغيبة ولا بالنميمة، وقوله: (والمنافع) يريد ما ينتفع فيه العباد من المآكل والمشارب وغيرها.
وقوله: (والأبشار) يعني: ما يصيب بشرة الإنسان، وأن ليس لإنسان أن يعتدي على بشر، وله أن يقتص وغير ذلك من الحدود والحقوق، إلى غير ذلك مما شرعه الله لهم على لسان رسوله ﷺ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، فجعلهم متبعين لرسوله ﷺ، وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة كما ضلت الأمم قبلهم، إذ كانت كل أمة إذا ضلت أرسل الله تعالى رسولًا إليهم كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]].
وذكر المصنف ﵀ هنا: أن من خصائص هذه الأمة أن الله ﷾: حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، فجعلهم متبعين لرسوله ﷺ، وهذا من نعمة الله تعالى ومنته على عباده المؤمنين، كما حبب الإيمان إلى أتباع الأنبياء السابقين، كما قال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨].
وعصم هذه الأمة، فمن خصائصها: أن الله تعالى عصمها من أن تجتمع على ضلالة كما ضلت الأمم من قبلها، ولهذا كان إجماع هذه الأمة حجة؛ لقول النبي ﷺ: (لا تجتمع أمتي على ضلالة).
ولقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].
وقال ﵊ في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎).
وقد كانت كل أمة إذا ضلت أرسل الله تعالى إليهم رسولًا يأمرهم وينهاهم، ويخرجهم من الضلال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤].
وأما هذه الأمة فإن نبينا ﷺ هو خاتم الأنبياء فليس بعده نبي، ولهذا عصم الله أمته من اجتماعهم على الضلالة، وكان إجماعهم حجة.
[ ٣ / ٣ ]
لا ضلالة فيما تجتمع عليه الأمة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومحمد ﷺ خاتم الأنبياء لا نبي بعده، فعصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، ولهذا كان إجماعهم حجة كما كان الكتاب والسنة حجة، ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة والسنة والجماعة عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنة رسول الله ﷺ وعما مضت عليه جماعة المسلمين].
ومعلوم أن محمدًا ﷺ هو خاتم الأنبياء فلا نبي بعده، وهذا بإجماع المسلمين، فمن قال: إن بعده نبي فهو كافر بالله.
ولما كان نبينا ﷺ هو خاتم النبيين عصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، وهذا من فضل الله وإحسانه، كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎).
وقال ﵊: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)، رواه أبو داود بسند لا بأس به.
وقال ﵊: (لا تجتمع أمتي على ضلالة).
بل لابد أن يوجد في هذه الأمة من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، ولهذا كان إجماعهم حجة؛ لأنها لا تجتمع على ضلالة، كما كان الكتاب والسنة حجة، فالقرآن حجة، والسنة حجة، والإجماع حجة، ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة وأهل السنة والجماعة يعني: تميز أهل الحق وأهل السنة والجماعة عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنة رسول الله ﷺ وعما مضت عليه جماعة المسلمين، تميزوا وانحرفوا عن الحق وأهله، وأهل الحق هم أهل السنة والجماعة وهم الطائفة المنصورة فقد امتازوا عن الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنة رسول الله ﷺ وعما مضت عليه جماعة المسلمين، أي: أن هذه الطائفة التي تزعم أنها تتبع الكتاب العزيز ولكن تعرض عن السنة طائفة ضالة منحرفة، ويسمون أنفسهم: القرآنيين، ويزعمون أنهم يعملون بالقرآن، ولا يعملون بالسنة، وهذا من أبطل الباطل، فإن كانوا صادقين في عملهم بالقرآن فإن الله أمرهم باتباع السنة، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:١٣٢].
وقال أيضًا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].
فأهل الحق أهل السنة والجماعة امتازوا عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يقتصرون على العمل بالكتاب ويعرضون عن سنة النبي ﷺ وعما مضت عليه جماعة المسلمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن الله في كتابه أمر باتباع سنة رسوله ﷺ ولزوم سبيله وأمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]].
فوضح أن الله تعالى أمر في كتابه باتباع سنة الرسول ﷺ ولزوم سبيله وأمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فهذا أمر صريح بطاعة الرسول وأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله؛ لأن الرسول ﷺ معصوم، فلا يأمر إلا بما فيه طاعة لله، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وهذه الآية تسمى: آية النحلة عند العلماء؛ لأنه ادعى قوم أنهم يحبون الله فامتحنهم بهذه الآية، فجعل علامة حب الله: اتباع الرسول ﵊، فمن كان متبعًا للرسول كان علامة على إيمانه، ومن لم يكن متبعًا للرسول كان علامة على زيغه وضلاله.
وكذلك قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] وهذه الآية فيها نفي الإيمان عمن لم يحكم الرسول ﷺ في النزاع، بل لابد أن يحكم ثم لا يجد في نفسه حرجًا ويسلم تسليمًا، أي: يطمئن طمأنينة كاملة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]].
وحبل الله هو دينه، وما جاءكم من الشرع، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران:١٠٣] أي: اتفقوا ولا تتفرقوا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]].
هذه الآية فيها ذم لأهل الاختلاف، والآية الأولى فيها الأمر بالاعتصام والنهي عن الاختلاف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]].
وهذه الآية فيها أمر بإخلاص العبادة لله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]].
وهذا واضح في أن الله تعالى أمر الخلق جميعًا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء أي: مائلين عن الشرك إلى التوحيد، ومخلصين له الدين أي: مخلصين له العبادة، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥].
والدين له معاني: فيأتي بمعنى العبادة كما في هذه الآية.
ويأتي بمعنى الجزاء والحساب، مثل قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤].
وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٨].
وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، والدين هو: ما جاء به كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في أم الكتاب: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)].
ذكر المصنف ﵀ هنا قوله ﷾ في أم الكتاب التي هي الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وهذا دعاء وسؤال لله أن يهديك الصراط المستقيم، وصراط المنعم عليهم، غير طريق المغضوب عليهم، وغير طريق الضالين، وهذا أنفع دعاء وأجمع الدعاء، وحاجة العبد إلى هذا الدعاء أكثر من حاجته إلى الطعام، بل إلى نفسه التي بين جنبيه.
و(المغضوب عليهم) هم اليهود كما قال المؤلف، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون).
وكذلك من فسد من هذه الأمة فإنه يكون شبيهًا لليهود، فإن كان من فسد من علماء هذه الأمة فيه شبه باليهود، وإن كان من عبادهم فيه شبه بالنصارى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأمر سبحانه في أم الكتاب التي لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، والتي أعطيها نبينا ﷺ من كنز تحت العرش، والتي لا تجزئ صلاة إلا بها، أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم: كاليهود، ولا الضالين: كالنصارى].
وهذا الدعاء أمر الله به في أم الكتاب التي هي الفاتحة التي لم تنزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، فقد ثبت أنه لم ينزل في التوراة، وهو الكتاب الذي أنزله الله على موسى، ولا في الإنجيل الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، ولا في الزبور وهو الكتاب الذي أنزله الله على داود، ولا في الفرقان وهو القرآن الذي أنزله على محمد، لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا الفرقان مثل الفاتحة، وهي سبع آيات، والتي أعطيها نبينا ﷺ من كنز تحت العرش، والتي لا تجوز صلاة إلا بها، فقد أمرنا في آخرها
[ ٣ / ٤ ]
أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن النبي ﷺ روي عنه من وجوه متعددة رواها أهل السنن والمسانيد: كالإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم أنه قال: (ستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة).
وفي رواية: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)].
والحديث كما ذكره المؤلف ﵀ ثابت من وجوه متعددة رواها أهل السنن: وهي الكتب التي صنفت على الأبواب مثل: سنن الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن ابن ماجة، وسنن النسائي، والمسانيد: وهي الكتب التي ألفت على أسماء الصحابة، يذكر الصحابي ثم يذكر بعده ما له من الحديث، كالإمام أحمد، والبزار، وأبي عوانة وغيرهم، أن النبي ﷺ قال: (ستفترق هذه الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة)، فحدد أن الفرقة الناجية هي: الجماعة.
وفي رواية: (من كان على مثل أنا عليه اليوم وأصحابي).
فهم الجماعة وهم الذين كانوا على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهم أهل السنة والجماعة، وهم الطائفة المنصورة، وهم أهل الحق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذه الفرقة الناجية].
والفرق عداها متوعدة بالنار وهم مبتدعة، كغلاة القدرية الذين ينفون علم الله، فإنهم كفار يخرجون من الثنتين والسبعين فرقة، وكذلك الجهمية الذين يسلبون الله أسماءه وصفاته نص على كفرهم جمع من أهل العلم، وذكر ابن القيم أنه كفرهم خمسمائة عالم في شرح الكافية الشافية قال ﵀: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان فخمسون في عشرة أي: خمسمائة.
واللالكائي الإمام حكاه عنهم بل قد حكاه قبله الطبراني فالثنتان والسبعون فرقة هم من فرق المبتدعة، ولا يسلم إلا أهل السنة والجماعة.
[ ٣ / ٥ ]
الفرقة الناجية وسط في النحل كما أن ملة الإسلام وسط في الملل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذه الفرقة الناجية -أهل السنة- وهم وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل، فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى حيث ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]].
فالفرقة الناجية، وهم أهل السنة والجماعة، وهم أهل الحق، وهم الطائفة المنصورة، وهم وسط في النحل أي: بين أهل البدع، فهم وسط بين الجبرية والقدرية، فالجبرية غلوا في نفي أفعال العباد حتى قالوا: إن العبد مجبور على أفعاله، وأفعاله هي أفعال الله.
والقدرية: جفوا وفرطوا فقالوا: إن العباد لا يخلقون أفعالهم ولكن الله خلقها، وقالوا: إن العباد هم الخالقون لأفعالهم، ولم يخلقها الله فجفوا وفرطوا.
أما أهل السنة فهم وسط، فلم يقولوا بقول هؤلاء، ولا بقول هؤلاء، فقالوا: إن الله تعالى خلق العبد وخلق قدرته وإرادته، والأفعال هي أفعال العباد تنسب إليهم فهي من الله خلقًا وإيجادًا وتقديرًا، ومن العباد فعلًا وتسببًا وكسبًا.
كما أنهم وسط بين الخوارج والرافضة، فالرافضة غلوا حتى كفروا الصحابة وفسقوهم، وغلوا في أهل البيت حتى عبدوهم.
والنواصب -وهم الخوارج- نصبوا العداوة لأهل البيت.
وأهل السنة وسط بين مذهب الرافضة وبين مذهب النواصب، وهكذا فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، ولا جفوا كاليهود.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا، وقتلوا فريقًا].
وهذا تتمة قول المؤلف في بيان وسطية الإسلام بين الملل، وفحواه: أن أهل السنة وسط بين فرق المبتدعة، كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم، فهي وسط بين النصارى واليهود، فالنصارى غلوا، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة:٣١]، وقالوا: إن عيسى رب وإله، واليهود جفوا كما ذكر، فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، ولم يجفوا كما جفت اليهود، فإن اليهود كانوا يقتلون الأنبياء بغير الحق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، والقسط: العدل، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا، وقتلوا فريقًا، وهذا من جهلهم، ولفرط خبثهم قالوا: إن عيسى ابن زنا نعوذ بالله.
أما النصارى فغلوا فيه وقالوا: إنه ابن الله، وغلوا في أحبارهم ورهبانهم فاتخذوهم أربابًا من دون الله، فأهل الإسلام والدين الحق وسط هذه الأمة، فهم وسط بين النصارى، وبين اليهود، فلا يجفون كاليهود، ولا يغلون كالنصارى، وإنما يعظمون الأنبياء ويقولون: هم أنبياء أرسلهم الله لهداية الناس، لكن لا يعبدون.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزروهم ونصروهم ووقروهم، وأحبوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم، ولم يتخذوهم أربابًا كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠]].
وهذا هو شأن المؤمنين، فهم آمنوا برسل الله، وعزروهم أي: عظموهم واحترموهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم، ولم يتخذوهم أربابًا، إن المسلمين حينما عظموا الأنبياء واحترموهم ووقروهم لم يصل بهم هذا التعظيم إلى عبادتهم من دون الله، فلا يعبدونهم ولا يتخذونهم أربابًا؛ لأن العبودية حق الله ﷿ وحده ثم استشهد بالآية كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩]، فقد أخبر الله ﷾ أنه ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يدعو الناس إلى عبادة نفسه؛ لأن الرسل معصومون عصمهم الله من الشرك والخطأ فيما يبلغون عن الله، وعصمهم الله من الكبائر، أما الصغائر فإنها قد تقع منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠].
[ ٣ / ٦ ]
وسطية المؤمنين في المسيح بين شذوذ اليهود وغلو النصارى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك: أن المؤمنين توسطوا في المسيح فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة كما تقول النصارى، ولا كفروا به وقالوا على مريم بهتانًا عظيمًا، حتى جعلوه ولد بغية كما زعمت اليهود، بل قالوا: هذا عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، وروح منه].
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهكذا حال الأمة الوسط، وهو حال مؤمني هذه الأمة، فقد توسطوا بين الأمم السابقة في المسيح عيسى بن مريم ﵊، ويسمى المسيح؛ لأنه يمسح الأرض، وأما الدجال فيسمى مسيحًا؛ لأن عينه اليمنى ممسوحة كأنها عنبة طافية، فأهل الحق من هذه الأمة توسطوا في المسيح فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة كما تقوله النصارى، ولا كفروا وقالوا على مريم بهتانًا عظيمًا حتى جعلوه ولد بغي كما زعمت اليهود، بل قالوا الحق: إن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته التي ألقاها إلى مريم؛ لأن الله خلقه بكلمة ألقاها إلى مريم العذراء البتول، وروح منه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء، ويمحو ما شاء ويثبت كما قالته اليهود، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢].
وبقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:٩١]].
أي: أن المؤمنين لم يحرموا على الله ما حرمه اليهود، حيث حرموا على الله أن ينسخ ما يشاء، ويمحو ما يشاء، كما حكى الله عنهم ذلك بقوله حينما حولت القبلة: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:١٤٢].
إذ أنه لما حولت القبلة استنكروا، ومعلوم أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس للصلاة ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، ثم وجهه الله إلى الكعبة، وقد كان يقلب وجهه في السماء، ويحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:٩١]، هذه حال اليهود الذين آمنوا بما أنزل الله عليهم فحسب وقالوا: يكفينا ما أنزل إلينا من التوراة، ويكفرون بما وراءه مما سواه، وهو الحق مصدقًا لما معهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا جوزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا، وينهوا عما شاءوا كما يفعله النصارى، كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] قال عدي بن حاتم ﵁: (قلت: يا رسول الله! ما عبدوهم! قال: ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم)].
وفيه: بيان لطريق أهل الحق واعتقادهم، حيث لا يجوزون لأكابرهم وعلمائهم وعبادهم ولا لأحد أن يغير دين الله، فيأمر بما يشاء، وينهى عما يشاء كما تفعل النصارى؛ لأن النصارى حرفوا كتاب الله الذي أنزله الله على عيسى، وهو إنجيل واحد، فكثرت الأناجيل حتى بلغت أربعين إنجيلًا، كل هذا من وضع النصارى، فالنصارى جوزوا لأكابرهم وأحبارهم وعلمائهم أن يأمروا بما شاءوا، وينهوا عما شاءوا كما ذكر الله عن ذلك بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]، والأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد، ولما نزلت هذه الآية في النصارى حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وكان قد أسلم عدي بن حاتم ﵁ سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] فقال: يا رسول الله! ما عبدوهم! وفي لفظ: (لسنا نعبدهم، فقال له النبي ﷺ: أليسوا يحرمون ما أحل الله وتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتكم إياهم).
فبين أن عبادتهم: طاعتهم في التحليل والتحريم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره، ﴿ِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥]، فأطاعوا كلما أمر الله به، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١].
وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيمًا].
فهو سبحانه له الخلق فلا خالق غيره، وله الأمر فلا آمر غيره، فالخلق خلقه والأمر أمره ﷾، والمراد بالأمر: كلامه ﷾ الذي أنزله إلى خلقه من الكتب المبينة للأوامر والنواهي، فالمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر، بخلاف أهل الاشتراط فإنهم لا يجعلون الأمر لله، بل يشرعون لأنفسهم شرائع من عند أنفسهم، يقول المؤلف: فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره، أي: كما لا يخلق إلا الله فلا يأمر إلا الله، بل يقولون: سمعنا وأطعنا، بخلاف أهل الكتاب فإنه أخبر أنهم قالوا: سمعنا وعصينا، أما أهل الإيمان فأطاعوا كلما أمر الله به وامتثلوه وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١].
وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى، ولو كان عظيمًا؛ إذ المخلوق مأمور مربوب مقهور مجبر ليس له أن يبدل أمر الله ولو كان عظيمًا.
[ ٣ / ٧ ]
ضلال اليهود والنصارى في وصف الله تعالى
[ ٣ / ٨ ]
وصف اليهود لله تعالى بصفات المخلوق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك في صفات الله تعالى، فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء، وقالوا: يد الله مغلولة، وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت، إلى غير ذلك].
إن اليهود -قبحهم الله- وصفوا الله بصفات المخلوق، فقد أخبر الله عنهم بأنهم وصفوا الله بأنه فقير، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] قال الله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران:١٨١]، وهذا تهديد ووعيد شديد.
وكذلك أخبر الله عنهم أنهم قالوا: يد الله مغلولة، فرد الله عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤].
وقالوا أيضًا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت؛ لأن الله تعالى خلق الخلق في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة، والسبت ليس فيه خلق، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق:٣٨] وأولها الأحد وآخرها الجمعة، وأما السبت فليس فيه خلق، فقالت اليهود -قبحهم الله-: إن الله لما خلق الخلق في ستة أيام تعب واستراح في اليوم السابع، وهو يوم السبت، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، أي: من تعب وإعياء.
فهذه مقالات شنيعة لولا أن الله ذكرها في كتابه عنهم لما صدق المسلم أن أحدًا يتجرأ ويقول هذا على الله، فكيف يتجرأ هؤلاء الكفرة ويقولون: إن الله فقير، ويقولون: يد الله مغلولة، ويقولون: إن الله تعب واستراح يوم السبت؟! وكون السبت ليس فيه خلق في ذلك حكمة بالغة، وما جاء في صحيح مسلم من أن الله خلق الخلق في سبعة أيام فهذا الحديث حصل فيه خطأ وإن كان في صحيح مسلم، فقد حصل خطأ في رفعه، فالحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وإنما هو مأخوذ عن كعب الأحبار، وكعب الأحبار من بني إسرائيل، أسلم وكان يحدث عن بني إسرائيل.
فاليهود وصفوا الله بصفات المخلوق الناقصة، ومن ذلك: أنهم وصفوا أنفسهم بالغنى ووصفوا الله بالفقر، وقال الله عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، قبحهم الله، بل يده سحاء الليل والنهار، لا تنقص خزائنه، ولا يفنى ما عنده.
[ ٣ / ٩ ]
وصف النصارى المخلوق بصفات الخالق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق، ويغفر ويرحم، ويتوب على الخلق، ويثيب ويعاقب].
يعني: أن النصارى -والعياذ بالله- وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب، فجعلوه إلهًا مع الله، وقالوا: إنه ابن الله، وقالوا: إنه ثالث ثلاثة: الله وعيسى ومريم، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، فالنصارى رفعوا عيسى من مقام النبوة إلى مقام الإلهية والربوبية فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق، واليهود وصفوا الله بصفات المخلوق الناقصة فقالوا: إنه فقير، ويده مغلولة، وتعب واستراح يوم السبت.
[ ٣ / ١٠ ]
وسطية المؤمنين في وصف الله تعالى بين اليهود والنصارى
وأما المؤمنون أهل الحق فوسط بين النصارى الذين غلوا، وبين اليهود الذين جفوا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمؤمنون آمنوا بالله ﷾، ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفوًا أحد، وليس كمثله شيء؛ فإنه رب العالمين، وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]].
لقد وفق الله المؤمنين وهداهم إلى الحق، فصاروا وسطًا بين ضلالين: ضلال اليهود وضلال النصارى، فاليهود جفوا ووصفوا الله بصفات المخلوق الناقصة، وقالوا: إن الله فقير، ويده مغلولة، واستراح يوم السبت.
والنصارى غلوا ووصفوا المخلوق بصفة الخالق فقالوا: إن عيسى يخلق ويرزق، ويغفر ويرحم، ويتوب على الخلق، ويثيب ويعاقب.
والمؤمنون آمنوا بالله ﷾ وقالوا: ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفوًا أحد، وليس كمثله شيء؛ فإنه رب العالمين، وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
فهدى الله المؤمنين فلم يقولوا بقول اليهود الذين جفوا، ولم يقولوا بقول النصارى الذين غلوا، بل كان قولهم وسطًا على حسب ما جاء في الكتاب والسنة.
[ ٣ / ١١ ]