الوسطية الشرعية هي المنهج الحق الذي بعث الله به الأنبياء ﵈، وجعل هذه الأمة أخص الأمم في تحقيق هذه الوسطية، وأهل السنة والجماعة هم أهل الوسطية في هذه الأمة، أما من خالفهم فإنهم انحرفوا عن الوسطية إما إلى الإفراط وإما إلى التفريط، ومنهم الصوفية، الذين خرجوا عنها لموجبات عرضت لهم، ظنوها حقًا وهي بخلاف ذلك.
[ ٥ / ١ ]
الوسطية الشرعية
تقدم أن أول مسألة من مسائل أصول الدين ظهر فيها الخلاف هي: مسألة العمل، وقد طرأ الخلاف في مسألة العمل في ابتدائه من جهة رتبة العمل وحكمه، وقلنا: إن المخالفين في رتبة العمل وحكمه ابتدأ الأمر بالخوارج، ثم قاربتهم المعتزلة، ثم قابلتهم على جهة المقابلة المضادة طرق المرجئة، هذا من حيث الرتبة والحكم للعمل.
أما من حيث الجهة الثانية وهي مفهوم العمل وتطبيقه، فهذه كانت بداية الغلط فيها في أثناء المائة الثانية من الهجرة ببعض الأغلاط التي سبقت الإشارة إليها، أي: لم تكن على عصر النبوة وإن كان الجمهور من الفقهاء قد يعذرون في كثير منها أو أكثرها.
ثم تميز هذا المنهج في مفهوم العمل وتطبيقه بظهور اسم الصوفية بطرقها الخاصة، وظهرت أوجه التصوف على ثلاث درجات: الاختصاص بالاسم والشيء من العمل الذي لا أصل له، ثم الدرجة التي بعدها التصوف المنظم بمصطلحاته المعروفة التي يغلب عليها أنها مصطلحات مولدة في الإسلام، ومصطلحات رمزية، هذا نسميه: التصوف المنظم بمصطلحات رمزية مولدة، كمصطلح الكشف، والوجد والسكر والصحو والفناء، وأمثال ذلك.
ثم تغلظ التصوف بأثر الفلسفة وظهور التصوف الفلسفي المباعد للحقائق الشرعية التي كان عليها أئمة السلوك والعبادة في أول الأمر.
وقد تكلمنا عن هذا الأمر كمقدمة، ثم بعد ذلك تحدث شيخ الإسلام عن الوسطية الشرعية، والوسطية الشرعية هي المنهج الحق الذي بعث الله به الأنبياء، وجعل هذه الأمة هي أخص الأمم في تحقيق هذه الوسطية، وقول الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] ليس معناه أن الأنبياء الآخرين لم يبعثوا بالوسطية، وإنما معناه: أن أتباع هذا النبي هم أخص الأمم لتحقيقها، ولذلك قال: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣].
ومن جهة الآية يعلم أنه لا يجوز أن يقوم بالشهادة على الناس إلا من حقق منهج الوسطية الشرعية، أما من لم يكن وسطًا بل كان إما صاحب خفض وإنقاص للحقائق الشرعية، وإما صاحب رفع وغلو، فإن هذا لا يجوز أن يكون شاهدًا على أحد من المسلمين، لا من أهل الصواب ولا من أهل الخطأ؛ لأن الله ﷾ حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرمًا، وكان أئمة السنة المحققون أنصف لمخالفيهم من المخالفين أنفسهم بعضهم مع بعض.
وقد ذكر الإمام ابن تيمية ﵀ أن بعض طوائف الشيعة نصوا -في بعض كلامهم- على إنصاف أهل السنة لهم أكثر من إنصاف بعضهم لبعض.
ومن أمثلة ذلك: مسألة التكفير في كلام أئمة السنة المحققين، فإنهم أعدل بل لا يوجد من الطوائف من اعتدل في هذه المسألة كاعتدال الأئمة.
[ ٥ / ٢ ]
الخروج عن الوسطية الشرعية
إن الخروج عن الوسطية ليس الذي يبتلى به هم فقط أهل البدع الخارجون عن السنة والجماعة، بل إن بعض المتأخرين من أصحاب السنة والجماعة قد يعرض لهم أوجه إما من الخفض وإما من الرفع في مقامات من مقامات العلم، أو من مقامات الحكم على المخالف، حيث يكون هذا الحكم خارجًا عن الوسطية الشرعية التي كان عليها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.
ومن الأمثلة على ذلك: إذا جئت إلى مسألة أحكام المخالفين من أهل القبلة، قد تجد في كلام بعض المتأخرين من الزيادة ما ليس مذكورًا في طرق الأئمة المتقدمين، فضلًا عن النصوص الشرعية: نصوص الكتاب والسنة.
ومن مثال ذلك: ما يقع في كلام أبي إسماعيل الهروي صاحب المنازل؛ فإن له عناية بالانتصار لمذهب السلف في أسماء الله وصفاته، وكلامه في الأسماء والصفات حسن في الجملة، لكنه اشتد على المخالفين في هذه المسائل ونحوها؛ حتى إنه لما تكلم عن أبي الحسن الأشعري وصفه بأوصاف مغلظة، فقد ذكر في كتابه (ذم الكلام) أن أبا الحسن الأشعري لا يصلي ولا يتوضأ، وأنه مات متحيرًا، ووصف هذا الطائفة بنوع من الزندقة وما إلى ذلك.
ولا شك أن هذا تجاوز للعدل وتجاوز للقسطاس المستقيم الذي بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ولذلك تجد في حكم المحققين كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أصحاب أبي الحسن ما هو من العدل في تحقيق السنة وضبطها، مع بيان ما هم عليه من الصواب في مسائل، وما هم عليه من الغلط والبدعة في مسائل أخرى.
قال شيخ الإسلام عن كتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره: "وأما من قال منهم -أي: الأشاعرة- بما في كتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة".
وليس المقصود هنا الكلام عن اسم أو طائفة معينة، وإنما المقصود أن نعلم أنه قد يعرض لبعض الفضلاء المنتسبين للسنة والجماعة أو من هم من أصحابها بعض الخفض والإنقاص، أو بعض الرفع والزيادة، فالحكم على المخالف يعتبر بأصول الكتاب والسنة، وما مضى عليه هدي السابقين الأولين والأئمة المتقدمين.
وفي هذا العصر أصبحت كلمة الوسطية فيها نوع من الاقتباس لمناهج لا تحكي وسطية شرعية، فنجد أنه ربما حمل اسم الوسطية على نوع من المجاملات، أو الخفض في تقرير مسائل الشريعة، وإسقاط حقائق الأصول، وإسقاط قدرها، والتهوين من شأن البدع وما إلى ذلك تحت اسم الوسطية في المنهج، وبالمقابل قد يوجد ما يقابل ذلك.
فالوسطية الشرعية هي المنهج الشرعي الذي يجب على طالب العلم أن يعتبره.
وقد تقدم أن الوسطية تعتبر بثلاثة أصول:
الأصل الأول: اعتبار العلم بالنص الذي هو الكتاب والسنة والإجماع، فهذه الأصول الثلاثة هي الجامعة لعلم المسلمين وعقيدتهم.
الأصل الثاني: اعتبار فقه النصوص بالقواعد التي مضت بها الشريعة، والمقاصد التي بعث الله بها الأنبياء، وإننا نتكلم عن علم وعن فقه، أما العلم فهو العلم بالدليل: الكتاب والسنة والإجماع، وأما فقه الدليل فهو اعتبار هذا الفقه بقواعد الشريعة ومقاصدها.
الأصل الثالث: التفريق بين الأصول والفروع، وبين المحكم والمتشابه، وقد تقدم الكلام عن مفهوم الأصول والفروع وما قيل في ذلك.
هذه هي الوسطية التي مضى عليها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وإذا تكلمنا عن المنهج المخالف له في مسألة السلوك، فهو ما طرأ في طبقات الصوفية الثلاث:
الأولى: طبقة المقتصدين من الصوفية.
الثانية: طبقة من فوق ذلك.
الثالثة: طبقة الغلاة من الصوفية.
[ ٥ / ٣ ]
موجبات الخروج عن الوسطية الشرعية عند الصوفية
الخروج عن الوسطية الشرعية بأصولها الثلاثة يكون القول فيه على وجهين:
الوجه الأول: يتعلق بالخاصة.
الوجه الثاني: يتعلق بالعامة.
فإن الناس إما خاصة وإما عامة، وهذا الاصطلاح ليس اصطلاحًا بدعيًا، بل هو اصطلاح مستعمل في حقائق الكلام وكلام العرب، وقد استعمله بعض الأئمة المعتبرين كالإمام الشافعي؛ فإنه يوجد في كلامه في الأم والرسالة ونحوها ذكر الخاصة والعامة.
والمقصود بالخاصة: الخاصة من أهل العلم والإمامة في السلوك ونحو ذلك، والعامة: هم من عوام المسلمين الذين لا يصلون إلى هذه الرتبة من الفقه بأصول الشريعة أو الإمامة في وجه من أوجهها.
فإذا جئنا للخاصة والعامة في الصوفية، وعرفنا أنهم طبقات مختلفة: فمنهم المقتصدون، وهم من يسميهم ابن تيمية بفضلاء الصوفية، ومقتصديهم ومقاربيهم للسنة والجماعة، أو يسميهم أصحاب السنة والحديث، أو جئنا إلى من فوقهم من المتأثرين بطرق المتكلمين ونحوها، أو جئنا للغلاة المتأثرين بأوجه الفلسفة، فإن الخاصة موجب خروجهم عن الوسطية أمور، وسنذكر هنا أمرًا واحدًا بالتفصيل؛ لأن المصنف أشار إليه في هذه الرسالة، وهو الاجتهاد المخالف للشريعة، هذا هو الموجب للخروج عن أصول الوسطية الثلاثة في حق الخاصة، وهو أخص الموجبات، ولا نقول: هو الموجب الفرد.
أما إذا جئنا للعامة فإن أخص موجبات الخروج عن الوسطية في حقهم هو التعصب، وسيأتي بيانه لاحقًا.
أما أصول الوسطية الثلاثة فقد يكون الخروج عنها خروجًا مقتصدًا في حق مقتصدة الصوفية الذين يسميهم ابن تيمية: فضلاء الصوفية.
وقد يكون الخروج عن الوسطية الشرعية بأصولها الثلاثة فوق هذا، وهذا يكون في حق من هم فوق هذه الدرجة، وقد يكون الخروج عن هذه الوسطية خروجا غاليًا، وهذا يكون في حق الغلاة ولعله بهذه الطريقة قد انتظم رسم المنهج.
[ ٥ / ٤ ]
الاجتهاد المخالف للشريعة
إذا تكلمنا عن الاجتهاد فقد يكون من المستغرب الكلام عن مصطلح الاجتهاد في مسائل السلوك؛ لأن المألوف أن مسألة الاجتهاد مسألة من مسائل أصول الفقه، فإن جمهور كتب الأصوليين تكلمت عن مسألة الاجتهاد، وعن الشروط التي يجب أن تتوافر في المجتهد: من علمه بالحلال والحرام، والناسخ والمنسوخ، واللغة وما إلى ذلك، وهذا الذي يذكرونه في الجملة يقصدون به المجتهد في فقه فروع الشريعة.
ولكن هذه الكلمة -أعني: كلمة الاجتهاد- كلمة عامة لا تختص بمسائل الفقه المتعلق بالعبادات أو بالمعاملات، بل هذا التضييق لهذه الكلمة ليس حكيمًا، ويمكن أن يقال: إن الاجتهاد ينقسم إلى: اجتهاد شرعي، واجتهاد مخالفٍ للشريعة، وهذا التقسيم لا من جهة الشريعة، ولا من جهة اللغة، ولا من جهة الحقائق البشرية المجردة؛ لأن اجتهاد الإنسان قد يكون اجتهادًا مأذونًا فيه، وهذا حتى في التصرفات العادية البعيدة عن الشريعة، قد يجتهد الإنسان في عمل فيكون مخطئًا في تحركه بهذا الاجتهاد وقد لا يكون كذلك.
فإذا قلنا: إن الاجتهاد ينقسم إلى قسمين: اجتهاد شرعي، واجتهاد مخالف للشريعة، فالسؤال: هل يلزم من الاجتهاد الشرعي أن يصل صاحبه إلى الصواب؟
الجواب: لا؛ فإن الاجتهاد الشرعي قد ينتج عنه في حق المجتهد صواب، وقد ينتج عنه في حق المجتهد غلط وخطأ، وهو في الحالين على وجه من الشريعة وقبولها، وهذا ما ذكره الرسول ﷺ كما في الصحيحين عن عمرو بن العاص: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر).
إذًا: الاجتهاد الشرعي قد يقع عنه صواب في حق المجتهد، وقد يقع عنه غلط، ولكن إذا جرى المجتهدون في مسألة من مسائل الشريعة باجتهاد شرعي، فإنه وإن غلط بعضهم إلا أنه يلزم حكمة وشرعًا أن بعضهم يصل إلى صواب، فلا يمكن أن سائر المجتهدين من الأئمة يضلون الصواب في المسألة؛ لأن الله ﷾ مضى قدره أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة.
أما الاجتهاد المخالف للشريعة فهو بحسب الأبواب، إذا تكلمت في باب العقائد والتصديقات فله كلام، وإذا تكلمت في باب الفقه وما يتعلق به فله كلام، وإذا تكلمت في باب السلوك -وهو الباب المقصود هنا- فله كلام.
فأقول: إن الاجتهاد الذي ابتلي به الخاصة من الصوفية -وهو اجتهاد مخالف للشريعة- له ثلاث صور قد تكون هذه الصور متداخلة مع أبواب أخرى من أبواب الإسلام لا تختص بالسلوك، لكن في هذا الباب نقول: الاجتهاد له ثلاث صور، كل صورة تختلف بوجه ما، ونقول: بوجه ما لأن طبقات الصوفية -كما تقدم- قد تكون مقتصدة معتدلة، وقد تكون فوق ذلك، وقد تكون غالية.
[ ٥ / ٥ ]
الاجتهاد مع وجود النص
أما الصورة الأولى التي تختلف بوجه قد يكون مقتصدًا وقد يكون فوق ذلك، وقد يكون غاليًا مع الأصل الأول الذي هو بناء العلم على الدليل من الكتاب والسنة والإجماع، فهي هو ما نسميه: وجود الاجتهاد مع النص، أو استعمال كثير من الخاصة من الصوفية للاجتهاد مع النص، وهناك القاعدة الشرعية: أنه لا اجتهاد مع النص.
وليس المقصود بذلك أنهم اجتهدوا في أوجه من العبادات أو العمل في السلوك والأحوال والمقامات تختلف مع النصوص خاصة؛ فإن هذا قد يكون وجهًا، لكن قد لا تطرد أمثلته المتقابلة.
لكن عندنا قاعدة أضبط، وهي أن النصوص الشرعية مضت بأن العبادات توقيفية، وهذا يعتبر قضاء نص، وحكم نص، بل حكم نصوص منضبطة؛ فمن أوجد صورة من صور العمل والسلوك -سواء صورة قلبية نطبقها في الحالة القلبية، أو صورة الحركة والعمل- وليس فيها نص معين، فإن هذا حتى لو قصد بها القربة إلى الله، ورأى أن فيها صلاحًا لنفسه أو ما إلى ذلك، فما دام أنه استعمل هذه الصورة على جهة التعبد ولا يوجد فيها نص، فتسمى هذه الصورة إذا صدرت من الخاصة اجتهاد مع النص.
حتى لو قال: إن هذه الصورة تقربه إلى الله، أو ما إلى ذلك، فإن هذا وحده ليس كافيًا، بل لا بد أن تكون هذه القربة التي توصل العبد إلى ربه من الطرق والعبادات التي كان يفعلها النبي ﷺ ويشرعها لأمته.
وعليه فهذا الوجه من الاجتهاد هو اجتهاد مع النص، وقد يكون هذا النص نصًا صريحًا منع من هذه العبادة ونهى عنها، كمن أراد أن يصوم فلا يفطر أو يقوم فلا يفتر، فنقول: إنه جاء عن النبي ﷺ من النصوص ما يمنع التعبد بهذا الوجه، كما في قصة النفر في حديث أنس وغيره.
لكنّ هذا المقام يطرد أكثر؛ لأن العبادات المحدثة لم تحدث كلها في زمن النبوة حتى ينص النبي ﷺ على منعها، بل إن القليل هو الذي حدث ونص النبي ﷺ على منعه، وقد يحدث في القرن شيء لم يحدث في القرن السابق.
فقد يقول قائل: ما الدليل على أن هذه الصورة من الذكر أو السجود أو القيام في زيارة القبر أو أي عمل من الأعمال، ما الدليل على أن النبي ﷺ نص على منعها؟
فنقول: الدليل أن النصوص قضت أن العبادة توقيفية، بل هذا من أخص أصول الإسلام، يقول الله ﷿: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى:١٣]، ويقول تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فإذا اعتبرنا هذه القاعدة فإن الفوات الذي دخل على كثير من خاصة الصوفية -حتى مقتصديهم وفضلائهم- إنما دخل عليهم من جهة أنهم اجتهدوا في عبادات من الذكر والصلاة والقيام والأحوال القلبية يجدون فيها تقريبًا إلى الله -أي: تقريبًا لنفوسهم إلى الله ومحبة وما إلى ذلك- ولم يلتفتوا إلى جهة أخرى مقصودة في الشريعة، بل هي من أخص أصولها، وهي المطابقة لصريح الهدي؛ فإن الأصل في العبادات التوقيف.
وإذا تأملت أحوال الصوفية في سابق تاريخهم وفي حالهم اليوم، وجدت أن ثمة صورًا كثيرة من العبادات التي قد يكون التأخر إنما دخل عليها من جهة الزمان أو من جهة التخصيص في مكان، أو نحو ذلك من العوارض التي تمنع شرعية العبادة، وذلك مثل الصلاة على النبي ﷺ؛ فإنه معلوم أن الصلاة عليه ﷺ من أشرف القربات، بل قد تكلم أهل العلم في وجوب الصلاة عليه ﷺ، والله ﷾ أمر المؤمنين أمرًا فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
لكن طرق الصلاة والسلام على رسول الله هذه قد يدخلها بعض الصورة المتكلفة التي تعتبر محدثة في الإسلام.
وقد يكون أصل العبادة مشروعًا ولكنه اتخذ صورة أو زمانًا أو مكانًا من التخصيص ليس على تشريعه دليل، فهذا ما نسميه: الاجتهاد مع النص، وهذا كثير في الأفعال التي دخلت على الصوفية، أنهم اجتهدوا في عبادات هي من حيث الأصل قد تكون مشروعة، فالذكر أصله مشروع، فهو عبادة أثنى الله ﷾ على من يقوم بها، وكذلك الرسول ﷺ، ولكن الماهيات يجب أن تكون مطابقة للشريعة.
وهنا مسألة مهمة: وهي أن المطابقة للشريعة هي مطابقة فقهية، بمعنى: أن بعض الصور قد يختلف الفقهاء في جوازها أو في كونها مشروعة، وقد تقدم أن ثمة أمثلة تكلم فيها الفقهاء فإذا وصلت المسألة إلى انفكاك عن فقه الفقهاء المتقدمين، وعرف أن الفقهاء المتقدمين لا يرون تحصيل هذه الصورة من العمل من فقه الشريعة، فهذا هو الذي نستطيع أن نسميه: اجتهادًا مع النص.
أما إذا كانت هذه الصورة من العمل جوزها بعض الفقهاء المتقدمين وفقهها من بعض النصوص، وإن خالفه من خالفه، ففرق بين فعلها والقيام بها، وبين إنكارها وتبليغها، فإن التبديع لا يصح إلا إذا انضبط أن هذه الصورة مخالفة لصريح السنة.
أما إذا كان -مثلًا- مالك أو الشافعي أو الأوزاعي أو الثوري جوز فعلًا من الأفعال وفقهه من النصوص، وخالفه الجمهور في ذلك، فهذه المسألة لا تصل إلى درجة أن نسميه اجتهادًا مع النص، وإن كان بعض الناس ظهر له أن النص جاء بخلافها، فهذا أمر لا تناهي له.
فالذي نقصده بالاجتهاد مع النص: هو تلك الصور من الفعل والعبادة والحركة التي ربما أصولها شرعية لكن تطبيقها الخاص لم يقر عند أحد من الفقهاء المتقدمين.
وهذا يختلف مع الأصل الأول من أصول الوسطية، وهو إحكام العلم بالكتاب والسنة والإجماع، ونقول الإجماع؛ لأنه إذا لم يوجد إجماع بل وجد خلاف بين المتقدمين، فمن اختار وجهًا فلا نقول إنه اجتهد مع النص إذا رأينا أن اجتهاده ليس صوابًا، بل هذا يدخل في الاجتهاد الشرعي الذي قال فيه النبي ﷺ: (وإذا أخطأ فله أجر).
[ ٥ / ٦ ]
الاجتهاد في فقه النص على غير قواعد الشريعة
الصورة الثانية من صور الاجتهاد التي دخلت على الخاصة، هي ما نسميها: الاجتهاد في فقه النص على غير قواعد الشريعة التي مضى عليها السابقون الأولون، وهذا وجد عند كثير من خاصة الصوفية أو أكثرهم، وصورته: أنه فقه لكثير من النصوص في مسائل السلوك والعمل على غير القواعد التي مضى عليها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فليس هذا من الفقه، بل إن هذه الأوجه من المحدثات والبدع في السلوك، وقد ترسم هذا الفقه لما انتظم التصوف، فأصبح كثير من الصوفية يفسرون كثيرًا من النصوص بالتفسير الرمزي، فيجعلون الآية رمزت إلى معنى في الفعل، وظهرت رمزية بمصطلحاتها، وصاروا يفهمون -مثلًا- من خلع النعلين في قصة موسى معنىً من التعبد والقيام، حتى صنف من صنف منهم تحت هذا الاسم كتابًا.
فمسألة الرمزية والإشارة -مع أن مصطلح الإشارة موجود في تنظيم الأصوليين، وهو ما يسمى بدلالة الإشارة ودلالة الإماء وما إلى ذلك -لكن مفهوم الرمزية هذه أو المراميز- كما يسميها ابن سينا والغزالي المراميز والإشارات- هو في تحصيل معاني قلبية يتعبد بها بالقلب، أو معاني حركية، أي: تقوم في حركة العمل الظاهر، من خلال سياقات من القرآن أو من السنة لم يكن الصحابة يفقهونها، فيسمى هذا فقهًا، أي: أنهم فقهوها من نصوص، لكن هذا الفقه لم يبن على قواعد الشريعة التي مضى على فقهها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.
[ ٥ / ٧ ]
تفسير النصوص بالظاهر والباطن
وقد تمثل هذا أكثر -أي: أنه تجاوزت مسألة الإشارة وأنه في هذه الآية أشار إلى هذه العبادة أو هذه الحركة، أو هذا العمل القلبي- تمثل بظهور مصطلح الظاهر والباطن، وصار النص له دلالة تقود إلى عمل ظاهر، ودلالة تسمى بدلالة الباطن، فصار للنص تفسير ظاهر وتفسير باطن.
وهذه المسألة -مسألة الظاهر والباطن- التي شاعت في كلام كثير من خاصة الصوفية، هي التي أوجدت اجتهادًا في فقه النص على غير قواعد الشريعة، وهو على غير قواعد الشريعة لأنه لم يكن السابقون الأولون يفهمون أن النص له فقه ظاهر وفقه باطن، فبمجرد هذا الافتراض وإيجاد هذا المعنى المنفصل فإن هذا من الاجتهاد؛ ولذلك فإن كثيرًا من أوجه الحركة والعمل أخذت هذا المعنى الذي يسمونه: الظاهر والباطن، وما زال الأمر هنا محاولة في تحصيل مناهج السلوك عندهم من خلال النصوص، ولكن تحت نظرية الرمز والإشارة، وتحت نظرية الظاهر والباطن.
هذا الاجتهاد نسميه: الاجتهاد في فقه النص على غير القواعد التي مضى عليها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وقد تمثل هذا في الرمزية والإشارات بفرض الظاهر والباطن في النص ظاهرًا.
ومن المعلوم أن أئمة الصحابة -وهم أبو بكر وعمر وأمثالهما من السابقين الأولين- لم يكن عندهم شيء من هذا الفقه، وإن كان -وهذا من باب ضبط المسائل- لـ علي وابن مسعود وابن عباس ﵃ بعض الكلمات التي اتكأ عليها من يتكلم في الظاهر والباطن، ومن ذلك قول علي ﵁ كما روى البخاري معلقًا: (حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!)، وكقول ابن مسعود: (ما أنت محدث قوم حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)، وهذا معناه أن علي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄ كانا يفقهان أن للنصوص ظاهرًا وباطنًا، وهذا غير صحيح، وإنما هذا من باب أن بعض المسائل الشرعية قد لا يحدث بها ابتداء بعض العامة قبل أن تسكن قلوبهم بأصول هي أجل منها في الشريعة، فإن التسليم بالأصول يقود إلى التسليم بالفروع؛ ولذلك كان منهج الأنبياء أنهم يخاطبون أقوامهم المشركين بالأصول، فأول ما قام النبي ﷺ داعيًا للعرب لم ينههم عن شرب المسكرات، إنما ابتدأهم بمسألة التوحيد، فمن وحد الله وجعله هو وحده سبحانه المستحق للعبادة وسلم بالنبوة وأن محمدًا رسول الله صار عنده التسليم، وإذا تحقق التسليم تحققت الاستجابة، سواء فقه العلة أو لم يفقهها.
فهذا هو مقصود علي بن أبي طالب ﵁ من أن بعض الكلام قد لا يحدث به العامة، مثل بعض أحاديث الفتن أو ما إلى ذلك، مثل من يكون غارقًا في المعاصي، فقد لا يناسب أن يحدث بأحاديث رويت عن النبي ﷺ وهي صحيحة، لكن فيها قدر من التخويف.
ومثال ذلك: إنسان يرتكب معصية معاكسة النساء، فلا يقال له: إن رجلًا -كما في حديث أبي أمامة في الصحيح- جاء إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! إني خالفت امرأة بالمدينة وأصبت منها كل شيء إلا النكاح، فأعرض عنه، ثم أعرض عنه، ثم قال: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤])، فهذا الحديث يحدث به قوم دون آخرين؛ لأنه من أحاديث الرجاء، وهي تناسب مقامًا، وأحاديث الخوف تناسب مقامًا، فـ علي وابن مسعود ﵄ لم يكونا يتكلمان عن نظرية الظاهر والباطن.
أيضًا نجد أن العرب الجاهليين لم يكونوا يفقهون أن هذا الكلام -كلام الله أو كلام الرسول ﵊- له في لسانهم فقه ظاهر وفقه باطن؛ بل إن إرادة معنيين مختلفين من المتكلم الواحد إرادة ممتنعة، يقول ابن تيمية ﵀: "إذا قيل: للنص ظاهر وباطن، أي: معنى ظاهر ومعنى باطن، فإن كان الظاهر موافقًا للباطن فلا جديد، وإذا كان الباطن مخالفًا للظاهر فإرادة معنيين مختلفين إرادة ممتنعة"، أي: إذا كان المعنى مضادًا للمعنى فهذا ممتنع من المتكلم.
هذه هي الصورة الثانية من صور الاجتهاد، وهي تختلف مع الأصل الثاني، وهو فقه النص بقواعد الشريعة ومقاصدها، وهذا الاختلاف قد يكون اختلافًا غاليًا أو مقتصدًا أو بينهما.
[ ٥ / ٨ ]
اجتهاد بعض الخاصة في ترتيب منازل الشريعة
الصورة الثالثة من صور الاجتهاد التي دخلت على الخاصة منهم، وهي من صور الاجتهاد المخالف لقواعد الشريعة، ونسميها: اجتهاد بعض الخاصة في ترتيب منازل الشريعة؛ فإن الصورة الأولى والثانية هي التي ترسم الأعمال المفردة الخاصة من الأحوال والمقامات، إما الظاهرة وإما الباطنة في السلوك، فوجد لدى الخاصة إشكال في ضبط هذه الأعمال والحركات والأحوال والمقامات؛ إما لموجب اجتهاد مع النص، وإما لموجب اجتهاد في فقه النص على غير قواعد الشريعة، فوجدت عندهم كثير من الأحوال القلبية والحركات الظاهرة التي لا أصل لها شرعًا: إما مطلقًا وإما من حيث التطبيق الخاص.
فالذي لا أصل له مطلقًا كالرقص والحركات المفتعلة التي لم توجد زمن النبوة لا بشكل ولا بآخر، فهذه -وإن قال من قال: إنه يحصل تحتها حضور قلبي أو ما إلى ذلك- لا أصل لها في هدي المرسلين ودينهم، بل بعض الحركات التي يفعلها الغلاة من هؤلاء أحيانًا تكون أشبه بالخرافات والأساطير، وإن كان مقتصدوهم وعارفوهم برآء من هذه الأحوال.
والصورة الثانية: أن تكون عبادة لها أصل شرعي، ولكنها من حيث التطبيق الخاص لا دليل عليها، كبعض تطبيقات الذكر وما إلى ذلك.
أما الصورة الثالثة من صور الاجتهاد فنسميه: اجتهاد بعض الخاصة في ترتيب منازل الشريعة؛ فإن الشريعة لها منازل، أجلُّها معرفة الله ﷾ وإفراده بالعبادة، هذا هو أجل مقامات الشريعة، قال النبي ﷺ: (بني الإسلام على خمس)، وفي حديث ابن عمر ﵁ المتفق عليه: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى)، ولما ذكر الإيمان قال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته) ..
إلخ، وقال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) ولما ذكر الله سبحانه أهل الإيمان قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، فذكر أصول المنازل، ولما قال الله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] بين صفات المتقين وهي المنازل العالية، ولما ذكر: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] جاء في صفتهم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ [التوبة:١١٢]
الآية.
فواضح من سياق نصوص الكتاب والسنة أن الشريعة لها منازل، وأن منازل الناس تكون بحسب تحقيقهم لمنازل الشريعة؛ فإن الله سبحانه لم يجعل المؤمنين وجهًا واحدًا، بل قال سبحانه: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] ..
الآية، ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢].
إذًا: لا خلاف في أن الشريعة منازل، وأجل منازلها معرفة الله وعبادته، وهذا ما تجمعه كلمة التوحيد وهي شهادة أنه لا إله إلا الله؛ فإنها تضمنت معرفة الله وإفراده في العبادة.
فكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) تدل على توحيد الألوهية؛ لأنها كلمة تتضمن الإقرار بربوبية الله ﷾ والإقرار بألوهيته؛ فمن شهد أنه لا إله إلا الله وحقق هذه الشهادة فإنه يكون مفردًا لله ﷾ بالعبادة، فإن معناها: لا معبود بحق إلا هو سبحانه، ومن عبد الله وأفرده في العبادة فقد آمن بربوبيته، فتكون الربوبية متضمنة لتحقيق الألوهية.
وأهل العلم يقولون: توحيد الألوهية يتضمن الإقرار بالربوبية، وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، ولذلك لما أقر المشركون بجملة الربوبية جاء سياق القرآن ملزمًا لهم بالإقرار بتوحيد الألوهية.
فمن الغلط أن تجعل هذه الكلمة في مفهوم الربوبية، وهذا الغلط هو ما فسر به كثير من المتكلمين كلمة الشهادة، فقالوا: معناها: لا خالق إلا الله؛ فإن الله ﷾ هو الإله المعبود بحق، وإذا كان هو الإله المعبود بحق، فهذا يتضمن الإقرار بكونه هو الخالق والرب والمالك والمدبر.
إذًا: نقول: الصورة الثالثة من صور الاجتهاد المخالف الذي دخل على بعض خاصتهم: الاجتهاد في ترتيب منازل الشريعة على غير المنهج الذي اطردت به نصوص الكتاب والسنة.
ومن الأمثلة المبسطة لهذا: أن أخص ما يقرب العبد إلى الله هو أداء الفرائض، كما ثبت في الصحيح في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه)، فأخص القرب هي الفرائض، وأخص الفرائض العملية هي الصلوات الخمس ..
وهلم جرا.
فإذا غلب على قوم أنهم يعنون بشيء من الأحوال التي قد تكون مبتدعة، أو قد لا تكون مبتدعة ولكنها ليست من الرتب العالية في الشريعة، واشتغلوا بها عن العبادات الشرعية -سواء كانت من عبادات الباطن أو عبادات الظاهر، أي: من عبادات القلب أو عبادات العمل- فإن هذا اختلاط في ترتيب منازل الشريعة.
[ ٥ / ٩ ]
مصطلح الشريعة والحقيقة عند الصوفية
يوجد هذا الاختلاط الذي دخل على كثير من الخاصة في مصطلح متداول في كلام كثير من خاصتهم، وهو ما يسمى بالشريعة والحقيقة، حتى أدى الأمر عند جملة منهم إلى الفصل بين الشريعة وبين الحقيقة.
ولذلك غلب شهود مقام الربوبية -وهذا عند كثير من خاصة الصوفية حتى بعض المقاربين للسنة كـ الهروي صاحب المنازل- عن شهود مقام الألوهية؛ فـ الهروي يقول: "إن العارف والمحقق -أي من وصل إلى الحقيقة- لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة"، وليس معناه أنه يقول: يفعل الحرام ولا يبالي، لكن يقول: إن مسألة الاستحسان للحسنة والسيئة يتجاوزها إلى مسألة الشهود لحقيقة الرب المدبر الذي العبد يتدبر ويتحرك من جهته.
ولهذا مالوا إلى مسألة عدم تعليل أحكام الشريعة، وهذا أصل نظري كان أصله من الجهمية، ثم دخل على كثير من متكلمة الصفاتية وكثير من المتصوفة، فهم يرون أن العلة في أفعال الرب ﷾ أنه يأمر بما يشاء لمحض المشيئة وليس لحكمة معينة، وينهى عباده عما يشاء لمحض المشيئة وليس لحكمة معينة، فجردوا فعله ﷾ عن الحكمة، وهذا من باب -في نظر الصوفية- أن هذا هو المقصود الإلهي الأول، أنه لتحقيق معنى العبودية تتبع المشيئة المطلقة، دون أن يشهد العابد والعارف -كما يقول الهروي - معنىً مناسبًا يقوده إلى القيام بهذا العمل، أو معنىً مناسبًا يقوده إلى ترك العمل، بل يكون المحرك لفعله هو مطابقة المشيئة المطلقة.
فالمقصود أن ترتيب منازل الشريعة ترسم عند كثير من الخاصة بما سموه: مصطلح الشريعة والحقيقة، وجعلوا العارف هو من وصل إلى مقام الحقيقة، وجعلوا للحقيقة منازل، ثم تختلف درجاتهم في منازل الحقيقة بحسب الطبقات، فمنهم مقتصد ومنهم فوق ذلك، ومنهم من يكون غاليًا في تفسيره للحقيقة.
فالتفريق بين مسألة الشريعة والحقيقة من الاجتهاد الذي دخل عليهم في ترتيب منازل الشريعة، وهذه الصورة من الاجتهاد تختلف بوجه مع الأصل الثالث من أصول الوسطية، ولذلك قلنا: إن الفقه المعتبر عند المتقدمين هو التفريق بين الأصول والفروع.
فإن من منازل الشريعة الصحيحة: أن للشريعة أصولًا وفروعًا، وقد تقدم أنه لا إشكال في هذا المصطلح، فإن توحيد الله وما إلى ذلك يسمى أصولًا، وهذا لا أحد يجادل فيه إلا ربما ناقص العقل والتفكير، لكن الذي قد يتردد فيه بعض الناس عند كلمة الأصول هو: ماذا يقابلها؟
ففي كلام الأئمة من السلف يكثر ذكر مسألة أصول الدين ..
أصول السنة ..
أصول الإيمان ..
فكلمة الأصول مستفيضة في كلام أئمة الشريعة.
إنما الذي لم يستفض هو مصطلح التقابل: أصول وفروع، وإن كان بعضهم كـ أبي عبيد القاسم بن سلام قد صرح به، وكذلك الشافعي، ثم لما انتظمت الاصطلاحات نبه الإمام ابن تيمية إلى الغلط الذي دخل في تفسير هذا المصطلح.
إذا: ً فقه الأصول والفروع وفقه المحكم والمتشابه هذا هو المنهج الذي تنضبط به منازل الشريعة: أن يفرق العابد والعارف والسالك بين العبادات والسلوك الأصول وبين العبادات والسلوك الفروع، كما قال الشارع ﵊: (أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، مع أن إماطة الأذى عبادة وقربة إلى الله ﷾ إذا وقعت على جهة التقرب، ومع ذلك ليست هي كالصلاة، وصلاة الضحى ليست كالصلواتالخمس، بل إن الشارع فضل بين بعض الصلوات بعضها على بعض، فذكر نصوصًا في بعضها لم تذكر في غيرها، وكذلك النوافل، فراتبة الفجر هي أجل الرواتب ..
وهلم جرا.
فهذا فقه بين في الشريعة، كان الصحابة يفقهونه فقهًا ظاهرًا بينًا لا جدال فيه.
إذًا: الصورة الثالثة من صور الاجتهاد المخالف للشريعة التي دخلت على كثير من خاصتهم هي اجتهادهم في ترتيب منازل الشريعة على غير ما مضت به النصوص، وانتظم هذا في مصطلح الشريعة والحقيقة، وهذا يختلف بوجهٍ -قد يكون هذا الوجه مقتصدًا، أي: ليس مطردًا، وقد يكون فوق ذلك، وقد يكون غاليًا- مع الأصل الثالث من أصول الوسطية الشرعية، وهو فقه الفرق بين الأصول والفروع والمحكم والمتشابه.
ونتج عن ذلك أن اشتغل كثير من هؤلاء بأوجه من العمل أقل ما يقال فيه: إنه متشابه، فاشتغلوا به عن المحكم، فضلًا عن العمل المبتدع في الإسلام الذي هو أوجه من الغلو، فهذا شأن ابتلي به كثير منهم، وإن كان لم يطرد عند أئمتهم العارفين من السابقين الذين كانوا على قصد من السنة والجماعة، وكثير من هؤلاء قد يكون سماه الناس صوفيًا وهو لم يتسم بذلك، إلى غير تلك التعليقات والتقييدات التي سبق أن أشرت إليها.
فهذه النظرية التي دخلت على الصورة الثالثة من صور الاجتهاد -وهي مسألة الشريعة والحقيقة- أدت عند الغلاة إلى الفصل بين الشريعة وبين الحقيقة، حتى صار المقصود عند الغلاة منهم هو الوصول إلى الحقيقة وليس إلى تحقيق أو إلى رتبة الشريعة.
[ ٥ / ١٠ ]
مصطلح الشريعة أجل من مصطلح الحقيقة
لا شك أن مصطلح الشريعة أجل من مصطلح الحقيقة؛ لأن مصطلح الشريعة أصله حرف شرعي، فإن الله ذكر مسألة الشرع والتشريع في مثل قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى:١٣] وما إلى ذلك، فوصل الغلو عند بعض الخاصة إلى الفصل بين الشريعة وبين الحقيقة، حتى صار عند كثير من هؤلاء الغالية أن أوصلوا كثيرًا من الشريعة العملية لأحوال ومقامات جعلوها من الحقيقة التي هي في نظر غاليتهم أجل من الشريعة.
وإن كان ليس كل من تكلم بالشريعة والحقيقة منهم يلزم أن يكون على هذا الفصل، بل منهم من يكون مقتصدًا في تقرير هذا المعنى، ومنهم من يكون غاليًا فيه.
هذه الصور الثلاث من صور الاجتهاد هي التي أوجدت عند الخاصة خروجًا عن الوسطية الشريعة، وقد ابتلي الخاصة بهذا الاجتهاد، وهم قد لا يسمونه اجتهادًا، وإنما يسمونه ذوقًا أو كشفًا أو مقامًا أو حالًا أو ما إلى ذلك، فهو حال اجتهاد بمعنى: حركة في رسم مفهوم السلوك وتطبيقه، وهو إما اجتهاد مع نص، والنص هنا إما نص كلي وإما قاعدة كقاعدة أن العبادات توقيفية، وإما أنه اجتهاد في فقه على غير قواعد السابقين الأولين لتحصيل العبادة والفعل من أوجه من النصوص، وإما أنه اجتهاد في ترتيب منازل الشريعة على غير الترتيب الذي مضت به النصوص.
هذه الصور الثلاث هي التي ابتلي بها كثير من الخاصة أو أكثرهم، وإن كانت مخالفتهم فيها قد تكون مخالفة مقتصدة، وقد تكون فوق ذلك، وقد تكون غالية؛ فإن من الصوفية مقتصدين، أي: مقاربين للسنة والجماعة في الجملة، ومنهم فوق ذلك، ومنهم من يكون غاليًا في تصوفه.
[ ٥ / ١١ ]
ظهور الانفصال عند المسلمين في أبواب الشريعة بعد ظهور التصوف
هنا مسألة: وهي أنه لما ظهر اسم التصوف وانتظم هذا الاسم في أواخر المائة الثانية، ظهر إشكال لم يكن له وجود في زمن القرون الثلاثة الفاضلة، فإنه لما حصل ما يمكن أن نسميه: انفصال بين العلوم، بدأ المسلمون -حتى الخاصة منهم- ينقسمون، فتجد أن بعض الخاصة مشتغل بفقه الفروع، وأمضى جل عقله وتفكيره ونظره في تحصيل مسائل الفروع على مذهب معين، والانتصار لهذا المذهب، وتحرير المذهب، ولذلك قد تجد في أعيان الفقهاء المتأخرين من هو ليس من أهل حسن القول، لا نقول: من أهل السلوك في شخصه، فهذه أحوال بينه وبين الله، الأصل فيهم العلم والفضل، لكن في تقريرهم وكتابتهم ليس لهم اشتغال بتكييف وتقرير مسائل السلوك، وليس لهم اشتغال ربما بما هو ألصق بالفروع التي يتكلمون بها وهي مسائل الحديث؛ ولذلك ظهر عند كثير من الفقهاء الاستدلال بالضعيف أو بالمتروك أحيانًا في الانتصار لمذهب من المذاهب الفقهية، فظهر من يشتغل بالفقه اشتغالًا محضًا، ووجد من يشتغل بعلم الحديث اشتغالًا محضًا، ووجد من يشتغل بالوعظ اشتغالًا يغلب عليه، ومن يشتغل بالسلوك والتصوف اشتغالًا يغلب عليه، ومن يشتغل بالكلام والجدل والنظر اشتغالًا يغلب عليه.
وهذا حقيقته نوع من الانفصال في حركة العلوم، ابتدأت فيما يظهر من أواخر القرن الرابع، ثم انتشرت انتشارًا ذريعًا في القرن الخامس والقرن السادس.
وهذا الإشكال امتد إلى هذا العصر، ولذلك يلاحظ في العالم الإسلامي أن الوعاظ يغلب عليهم أنهم ليسوا من أهل الفقه والعلم المتين، مع أنه قد يكون عندهم شيء من العلم اليسير.
[ ٥ / ١٢ ]
ظهور التعصب والتكلف بسبب الفصل بين أبواب الشريعة
فهذا الانفكاك أدى إلى نوع من الشعور الداخلي أحيانًا لدى المشتغل بالفقه أن الذي يشتغل بمسألة الصحيح والضعيف والعلل ليس على شيء كبير، وأن مسألة دراسة الإسناد انتهت مع الزهري والإمام أحمد ويحيى بن سعيد وابن معين، ومن يشتغل بالحديث يرى أن الذي يشتغل بالفروع إنما يجهد ذهنه في تقليد وتحصيل مذهب، وأن اشتغال الفقهاء المتأخرين كان فيه قدر من التكلف، وكذلك المنقطعون للسلوك.
وفعلًا ربما وجدت أوجه من التكلف في هذا الانفصال، وأنا أقول هذا الكلام لأصل إلى هذه النتيجة.
ولذلك لما تكلم ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم عن مسائل التشبه بغير المسلمين من أهل الكتاب أو غيرهم قال: "إن التشبه قد يدركه كثير من العامة، ومع الأسف يدركه كثير من الخاصة على أنه في اللباس"، ولذلك تجد بعض الإخوة الآن ينكرون على عوام الناس وربما على الأطفال أحيانًا بعض مظاهر اللباس الذي فيه تشبه بغير المسلمين، وهذا فقه جيد، لكن بعض طلبة العلم أحيانًا قد يبتلون بأوجه من التشبه بأهل الكتاب، ربما هي أشكل شرعًا -أي أشد شرعًا- من تشبه صبي في لباس معين.
يقول ابن تيمية ﵀: ومن أخلاق الأمم الكتابية المنحرفة عن كتابها ما ذكره الله في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١١٣]، يقول ابن تيمية: وهذا الخلق عند منحرفة أهل الكتاب قد دخل كثير منه على أهل الإسلام، فترى صاحب العلم والشريعة -أي: المشتغل بالعلوم- لا يرى صاحب الزهد والعبادة على شيء، وترى صاحب العبادة والأحوال والمقامات لا يرى صاحب العلم على شيء، وترى صاحب الجهاد ما يرى أصحاب العلم على شيء ..
ولربما بعض أصحاب العلم لا يرون أصحاب العبادات على شيء وهكذا.
وهذا ليس مختصًا بأهل الكتاب، بل هذا خلق مباين للإسلام الذي بعث به الأنبياء ﵈؛ فإن الله لما ذكر أجناس الكفار ذكر المفترقين على كتب الأنبياء ووصفهم بقوله سبحانه: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، وهذا كثير منه اليوم سببه نقص العقل، وقد يكون عنده شيء من العلم لكن ما عنده هذا العلم مع الفقه فيه.
[ ٥ / ١٣ ]
اشتغال الإنسان بما يناسب نفسه وطبيعته
لذلك نقول: من أمانة الإنسان -لأنه سيحاسب على كل قوله- إذا لم يجد عقلًا متينًا في الحكمة والفصل والتصحيح والتضعيف للأقوال والأفعال فليبتل نفسه بما آتاه الله؛ لأن الله يقول: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة:٤٨].
بعض الناس يدرك من نفسه وطبيعته - قد تكون وراثية أو غير وراثية- أنه رجل حاد، رجل شديد، رجل لا يحتمل الأخذ والعطاء، فلابد أن يكون الإنسان عاقلًا مع نفسه، ويعيش -إن صح التعبير- سلامًا مع نفسه.
فإن أبا ذر رضي الله تعالى عنه لما سأل النبي ﷺ الإمارة قال له الرسول ﷺ: (يا أبا ذر) لاحظ الحقيقة والتشخيص النبوي والوضوح، فلا يعني إذا كنت طالب علم أنك ستصير طالب علم، وإذا كنت داعية أنك ستصير داعية، قال: (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تتأمرنّ على اثنين) أي: حتى اثنين لا تتأمر عليهم.
لكن لما تشوف بعض الصحابة ﵃ إلى الإمارة، ما عاب النبي ﷺ بعض تشوقهم، بل قصد ﵊ إلى أن يعطي الإمارة قومًا كان أبو ذر رضي الله تعالى عنه أفضل منهم في المقام؛ لأن الإنسان الذي يصلح لكل شيء هم الرسل والأنبياء؛ وذلك لأن الله اصطفاهم واختصهم.
أما من لم يكن نبيًا ولا رسولًا فإنه يصلح لأشياء ولا يصلح لأشياء، والقدماء كانوا متعقلين في تناولهم الأمور، فهذا أبو حنيفة ﵁ ورحمه كان فقيهًا، حتى قال الشافعي ﵀: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة "، لكن لم يتيسر له الاشتغال بعلم الحديث، فلم يركب فيه صعبًا، وهكذا العاقل، فالشيء الذي لا يحسنه لا ينبغي أن يركب فيه صعبًا، خاصة في مسائل الدين والفتوى والحكم والفصل بين الناس، فقد قال النبي ﷺ في حديث خولة بنت حكيم في البخاري: (إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق، لهم النار يوم القيامة)، فهذا فيمن يتخوض في مال الله بغير حق، فما بالك بمن يتخوض في دين الله بغير حق؟!
ومن المعلوم أنه ليست هناك نظم للفصل: هذا يصلح لهذا وهذا لا يصلح لهذا، لكن يجب أن يحاسب الإنسان نفسه ويتبصر في الأمور، ولا يقول القول إلا وقد اطمأنت نفسه إليه، ولا يستبعد أن يتوقف في كثير من المسائل؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، فلا يستنكف أن يتوقف في مسائل وأن يعرض عن مسائل وأن يقول: لا أدري، في مسائل ..
وغير ذلك من آداب الشريعة التي تجدونها مبسوطة في كلام الله وكلام رسوله ﵌.
[ ٥ / ١٤ ]
تقصير كثير من أهل السنة في الكلام عن السلوك بحجة أنه من اختصاص الصوفية
الشاهد: أنه لغلبة مسائل السلوك في تاريخ الإسلام بعد المائة الثالثة على الصوفية؛ أصبح هناك تقصير عند كثير من أصحاب السنة والجماعة في تقديرهم لمسائل السلوك، وكأن القول في السلوك لا يقول فيه إلا واعظ قليل العلم، ولربما أحيانًا قليل العقل.
أما أنها مسائل تختص بالتصوف، فهذا ليس بصحيح؛ فإن فقه الإسلام والعبادة -بمصطلح أصح- والعمل هو من أصول الإسلام، ومن المعلوم أن السلف يقولون: الإيمان قول وعمل، فيجب أن يكون أهل السنة والجماعة وأصحاب السنة والجماعة على قدر من العناية بفقه مسائل السلوك وترتيبها والقول فيها.
والصوفية الذين تكلموا في ذلك لا أحد يجادل في أن كثيرًا من الكلام الذي قاله المحققون والمقتصدون منهم أنه كان كلامًا حسنًا، وقد تقدم جواب ابن تيمية لمن سأله عن كتاب إحياء علوم الدين لـ أبي حامد الغزالي، وأبو حامد إمام في مسائل السلوك على تصوفه المعروف، وله إمامة في أصول الفقه، وإن لم يكن إمامًا مطلقًا على تحقيق السنة والجماعة، كما يقال: الإمام الشافعي؛ لأن البعض يستشكل قولنا: هذا إمام، فنقول: هو إمام في فقه الشافعية، وفي أصول الفقه، فإن له كتاب المستصفى، وهو من أخص كتب الأصول التي نظمت مسائل الأصول، مع أنه متأثر بإشكالية معروفة، وهي إشكالية علم الكلام، لكنه ليس من الأئمة الذين يحملون الإمامة المطلقة، كما حملها الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
وقد أطلق هذا اللفظ الإمام ابن تيمية ﵀ لما عرض له القول في عبد الله بن سعيد بن كلاب، فقال ﵀: "وأبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام له علم وفقه ودين"، فمسألة الإمامة مسألة إضافية.
فمسائل السلوك أولى بالفقه فيها من عنده أصول محققة، وهي أصول السلف، وأصول أئمة السنة والجماعة، وذلك حتى لا يكون هذا الباب متاهة لعوام المسلمين في أوجه من البدع والمحدثات في الدين، أو الاشتغال بالمتشابه من العمل عن محكمه، فضلًا عما قد يصل إليه من درجات الغلو والخرافات والأساطير.
[ ٥ / ١٥ ]