دين الله تعالى وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، فقد وجد من أهل البدع من غلا في دين الله وأفرط، ومنهم الخوارج الذين غلوا في جانب العبادة حتى مرقوا من الدين كما مرق السهم من الرمية.
[ ٦ / ١ ]
الإفراط والتفريط كلاهما مذموم
قال المصنف ﵀: [وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر، إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه].
التفريط يغلب على أهل المخالفة والمعصية، والإفراط هو الذي يتحرك به الشيطان ليضل به من هو قاصد للعلم والسنة والتدين، فهؤلاء يحركهم الشيطان، ويتحرك الشيطان إليهم بعبارة أصدق، فيدخل عليهم من باب الإفراط.
والإشكال في هذا الأمر أن شعور العبد بتأثير الشيطان عليه في مسائل المعاصي والمخالفات شعور مكشوف ومباشر؛ فإن الذي يسرق يعلم أنه أتى معصية بأثر الشيطان وتهوين الشيطان لها، وما إلى ذلك، لكن الإشكال أن الذي يقع في الإفراط لا يدري أن ذلك من تأثير الشيطان وإضلاله، والمشكلة اليوم أن كثيرًا من العوام وبعض الخواص تربوا على أنه كلما شب الإنسان في قضية من القضايا، وكلما أعطى أحكامًا مغلظة أشد، فمعناه: أن لديه تدينًا أكثر وصدقًا أكثر وصلاحًا أكثر، وهلم جرا من المعاني؛ لأن هذا هو الصالح، وهذا هو السلفي الصحيح، والسني الصحيح والذي لا تأخذه في الله لومة لائم ..
وما إلى ذلك.
وقد ينشأ هذا عن صلاح في النفس، وهذه قوة، لكن القوة توزن بميزان الشريعة؛ فإن أول فتنة انشق أصحابها عن جماعة المسلمين وعن صحابة رسول الله ﵊ هي فتنة الخوارج، وقد ذكر النبي ﷺ الخوارج ولم يذكرهم بترك العبادات، بل قال ﵊: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم).
[ ٦ / ٢ ]
إفراط الخوارج في العبادة
قال المصنف ﵀: [وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه، قد اعترض الشيطان كثيرًا ممن ينتسب إليه، حتى أخرجه عن كثير من شرائعه، بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة].
قوله: (من أعبد) أي: من أكثر هذه الأمة عبادةً وورعًا، حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرمية.
قال المصنف ﵀: [وأمر النبي ﷺ بقتال المارقين منه، فثبت عنه في الصحاح وغيرها من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن حنيف].
هذه النصوص متواترة، قال الإمام أحمد ﵀: "صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه"، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه حديث الخوارج من هذه الأوجه، وأخرج البخاري طرفًا منه، وفي حديث أبي سعيد ﵁ المتفق عليه أن النبي ﷺ بعث إليه علي ﵁ بذهب من اليمن في أديم مقروض ..
فقسمة النبي ﷺ بين أربعة نفر، فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: (اعدل يا محمد!)، فلم يقل: حقي يا محمد، إنما قال: اعدل يا محمد! وهذه هي الإشكالية، فإن هذا الرجل قل أدبه أكثر من اللازم لما قام أمام النبي ﷺ، مع أنه هو الإمام العدل.
فأحيانًا بعض هذه الصور النفسية توجد لدى البعض من الناس حينما يرى أن نفسه -إن صح التعبير كما في بعض الكتابات- نفس ملائكية، أي: يرى نفسه نفسًا فاضلة؛ فتجده ينظر إلى الآخرين على أنهم ليسوا جادين في التمسك بالسنة، وفي الغيرة على دين الله، وحدود الله، والغيرة على المسلمين، والاهتمام بقضايا المسلمين.
فمسألة الانطلاق من المبدأ السامي الصحيح لا يلزم بالضرورة أن الإنسان يأمن على نفسه أن يكون الشيطان قد وظف هذا المبدأ في نفسه بمعنى يخالف الشريعة، فهذا الرجل قال: (اعدل يا محمد! فإنك لم تعدل، فقام خالد بن الوليد -وفي رواية: عمر بن الخطاب والروايتان في الصحيح- فقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: لعله أن يكون يصلي)، وهذا من فقه الشرع، أن مسائل القرائن لا تعتبر في مسائل الظاهر كثيرًا، فإن هناك مسائل من الظاهر مثل مسألة الدماء فلا يستبيح الإنسان دم المسلم بقرائن، ومثال ذلك: قصة أسامة بن زيد -كما في الصحيحين من أوجه- أنه لما قاتل أسامة رجلًا من المشركين، فلما أدركه بالسيف بعد أن لاذ منه في شجرة ورأى أن أسامة ﵁ قاتله، قال الرجل: لا إله إلا الله، فواضح من جملة القرائن المحتفة أن الرجل إنما قالها تعوذًا؛ لأنه خرج يقاتل المسلمين، فهو لم يفكر بالإسلام، فلماذا لم يأته الإسلام إلا لما رأى السيف؟! فلما قتله أسامة وجاء إلى النبي ﷺ وأخبره، قال له: (يا أسامة! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! إنما قالها خوفًا من السيف -وفي رواية: إنما قالها تعوذًا- قال: أفلا شققت عن قلبه؟)، ومعنى كلمة: (أفلا شققت عن قلبه؟) أن القرائن لا تحكم هذا التصرف.
ففي هذه النصوص من الفقه ما ينبغي لطالب العلم أن يعتبره، وهذا من أجل الفقه، فهو أهم من أن تعرف فرعًا في مسألة في تفاصيل معاملة من المعاملات أو شيء من هذا، فإن هذا هو الفقه الأكبر، وهو فقه العقائد، وفقه مقاصد الشريعة الكلية.
وكما قال أبو حنيفة عن باب العقائد والتوحيد أنه الفقه الأكبر، حتى ذكر له كتاب في هذا، وإن كان الغالب أنه ليس له.
والمقصود: أن النبي ﷺ قال (لعله أن يكون يصلي.
قال خالد: يا رسول الله! وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس بقلبه، فقال ﵊: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم)، هكذا في رواية الصحيح، فكيف لم يؤمر أن ينقب عن قلوب الناس مع أن الرجل قد تلفظ وقال: اعدل يا محمد! ومع ذلك لم ير رسول الله ﵊ قتله، حفظًا لمقاصد الإسلام العامة، وكما قال في عبد الله بن أبي: (حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه).
[ ٦ / ٣ ]