شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [١٣]
الشفاعة نوعان: شفاعة صحيحة وهي الشفاعة المثبتة بشروطها، وشفاعة غير صحيحة وهي الشفاعة المنفية عن الذين لم يحققوا أصلي الإيمان: الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، التوحيد والمعاد، أما أهل الكبائر من هذه الأمة فقد ثبتت الشفاعة في حقهم بالنص خلافًا لمن أنكرها من الخوارج والمعتزلة وغيرهم.
[ ١٣ / ١ ]
فصل في الشفاعة المنفية في القرآن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد.
فبعون الله وتوفيقه نستأنف دروسنا في الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد وصلنا إلى موضوع الشفاعة، والحديث عن الشفاعة هو استكمال للحديث عن الاستغاثة والاستعانة، وكما تلاحظون أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في حديثه عن العبودية قد ركّز في هذه الفصول والتي تليها على أعظم وأكثر أنواع العبادة استعمالًا من العباد، وهي مسألة الاستعانة عمومًا، والتي يتجزأ منها ويدخل فيها الاستغاثة، كما تدخل فيها أيضًا الشفاعة، والاستعانة بابها واسع تشمل جميع أنواع الدعاء التي فيها استعانة واستغاثة ونحو ذلك، بينما الاستغاثة جزء من الاستعانة، وكذلك الشفاعة هي جزء من الاستعانة.
وقد تكلم الشيخ في الفصلين السابقين عن موضوع الاستغاثة ومال إلى التفريق بين الاستغاثة وعموم الاستعانة، وذكر صورًا من الاستغاثة.
ولعلي أذكّر بخلاصة في موضوع الاستغاثة فأقول: إن الاستغاثة هي الاستعانة التي يصحبها شيء من الإلحاح، وطلب العون العاجل، وعلى هذا فهي أخص من عموم الاستعانة.
أما الشفاعة فلها لون آخر من الاستعانة، وهي اتخاذ الوسيط مع أصل للانتفاع بهذا الاتخاذ، والشفاعة قد تكون صحيحة وهي الشفاعة المثبتة بشروطها، وقد تكون غير صحيحة وهي الشفاعة المنفية، وهذا ما سيتحدث عنه شيخ الإسلام في هذا الفصل والذي يليه.
قال رحمه الله تعالى: [فصل: في الشفاعة المنفية في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وقوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]، وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]، وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف:٥٣] وأمثال ذلك].
[ ١٣ / ٢ ]
سبب فساد احتجاج الخوارج والمعتزلة وغيرهم على نفي الشفاعة لأهل الكبائر وغير ذلك
قال رحمه الله تعالى: [واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر، إذ منعوا أن يُشفع لمن يستحق العذاب، أو أن يخرج من النار من يدخلها، ولم ينفوا الشفاعة لأهل الثواب في زيادة الثواب].
هذا تناقض، وعلى أي حال فمسألة احتجاج الخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهم بظاهر هذه الآيات على منع الشفاعة مطلقًا، رغم أنهم تناقضوا فيما بعد فأثبتوا نوعًا من الشفاعة، أقول: إن هذا يعد من المناهج التي ضلت بها الفرق عمومًا في الاستدلال، والتي حادوا بها عن الحق، فوقعوا في الخلط والخبط والتناقض والاضطراب، ورد الحق البيّن، بل رد المتواتر من النصوص، هذا المنهج المعوج يتمثل في الاستدلال ببعض النصوص دون الرجوع إلى القواعد الحاكمة لها، أو إلى النصوص الأخرى الحاكمة عليها، ذلك أن نصوص الشرع بعضها للقياس في القواعد العامة الحاكمة، وبعضها جزئيًا لا بد أن يرد إلى القواعد الحاكمة، ثم إن نصوص الشرع لا بد أن يؤخذ بجملتها، ذلك أن المستدل إذا أراد أن يستدل على قضية معينة لا بد أن يستقرئ النصوص الثابتة كلها من القرآن والسنة، ثم يجمع النصوص الواردة في مسألة معينة وينظر فيها، فقد يجد فيها العام الذي له مخصص، وقد يجد فيها المطلق الذي له ما يقيده، وقد يجد فيها المجمل الذي له ما يفسره ويبينه، وقد يجد فيها الناسخ والمنسوخ إلى آخر ذلك.
وهذه القاعدة، أعني: رد النصوص بعضها إلى بعض، والاستدلال بمجموع النصوص، قاعدة قد اختلت عند الخوارج والمعتزلة، فصاروا يضربون النصوص بعضها ببعض، ولا يرجعون النصوص إلى النصوص الأخرى، وعلى سبيل المثال: نصوص الشفاعة هذه التي أوردها المؤلف ﵀، فتُشعر بأنه لا شفاعة مطلقًا، وذلك دون النظر إلى النصوص الأخرى، مثل قوله ﷿: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وغيرها من النصوص التي تضع للشفاعة المثبتة شروطًا وضوابط، وتضع لمنع الشفاعة استثناءات، وهذه الاستثناءات هي التي تعرف بشروط الشفاعة المثبتة.
وعليه فأقول: إن هذا منهج تسلكه كثير من الفرق، فيستدلون ببعض النصوص دون النظر في البعض الآخر، وهذا الخلل قد يوجد عند الفرق، وقد يوجد عند أفراد ممن يقل فقههم في الدين، بمعنى: لا يظن ظان أنه لا يقع في هذا الانحراف في الاستدلال إلا الفرق، أو من كان على سبيل الفرق، بل قد يقع المتعالي المغرور وقليل الفقه وقليل العلم، ومن لم يتورع ومن لم يرجع إلى العلماء، ومن لم يأخذ العلم على أصوله الصحيحة، ولذلك ترون من يقع في نزعات الخوارج والمعتزلة وغيرهم من أفراد قد لا يكونون من أهل هذه الفرق، لكنهم سلكوا هذا المسلك، وهو عدم الأخذ بأصول الاستدلال، وعدم فقه منهج الاستدلال الذي عليه السلف، فترد النصوص بعضها إلى بعض، والنظر إلى النصوص بمجموعها، ولذلك يشترط النظر في القواعد العامة وفي مناهج الدين الرسوخ في العلم، وأهم ضوابط وشروط الرسوخ في العلم بعد الأمور القلبية من إخلاص وصدق وغيرها: الإحاطة بالنصوص، ولذلك ندرك خطورة المسالك الحديثة التي سلكها كثير من طلاب العلم، عندما حرصوا على التخصصات دون العلم الشمولي، فتجد الواحد منهم يتخصص في التفسير حتى يكون بارعًا فيه، لكنه يجهل الحديث، وهذه كارثة، وقد يتخصص في الفقه لكنه يجهل التفسير والحديث، وقد يتخصص في العقيدة لكنه يجهل الحديث والتفسير وهكذا.
ولذا فإن هذا المنهج المنحرف قد يوجد عند غير الفرق، فيوجد عند أفراد لم يكتمل علمهم، ولم يفقهوا قواعد الدين وقواعد الاستدلال، ويوجد عند الذين مالوا إلى التخصصات الجزئية في علوم الدين، وغفلوا عن أن علوم الدين متكاملة لا يستغني بعضها عن بعض، وإن كنا قد لا نقول: إنه يجب على طالب العلم أن يتبحر في كل علم من العلوم الشرعية، وقد يتخصص في علم من العلوم، لكن يجب عليه أن يلم بأصول العلوم الشرعية الأخرى، أعني: الأصول الضرورية التي لا بد أن يلم بها، فإذا كان متخصصًا في علوم الحديث مثلًا فيجب عليه أن يلم بقواعد التفسير وعلوم القرآن والعقيدة، وإذا كان متخصصًا في العقيدة فلا بد أن يلم إلمامًا جيدًا بأصول العلوم الأخرى بما في ذلك اللغة العربية، إذ إن اللغة العربية شرط لجميع العلوم الشرعية، شرط لاستيعابها وفقهها والنظر والاستدلال، ولذلك قال كثير من السلف: إن كثيرًا من الفرق قد أتيت في عدم فهمها لقواعد الاستدلال ومناهج الدين من العجمة، فلم يفقهوا العربية، فنظروا في النصوص بعجمتهم وبعدم فقههم العربية، فضلوا فيما انتزعوه من أحكام ومواقف وأقوال ومقالات، فضلوا بها عن السنة وأهلها.
والشاهد هنا: أن هذه النصوص والآيات ظاهرها منع الشفاعة مطلقًا لمن لم يرد هذه النصوص إلى النصوص الأخرى التي فيها الاستثناء، وهو أن الله ﷿ يقبل الشفاعة بشروط وبأحوال لأناس معينين يرتضيهم الله ﷿ ويرضى عنهم، وهذا الاستثناء لا يخل بالقاعدة، لاسيما وأن الذين تشملهم الشفاعة إلى مجموع الكفار عددهم قليل جدًا، فيكون الأصل في الذين لا يستحقون الشفاعة منع الشفاعة م
[ ١٣ / ٣ ]
مذهب السلف في الشفاعة لأهل الكبائر وغيرهم وبيان ضابطها
قال رحمه الله تعالى: [ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
وأيضًا فالأحاديث المستفيضة عن النبي ﷺ في الشفاعة، فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم، وفيهم المؤمن والكافر، وهذا فيه نوع شفاعة للكفار، وأيضًا ففي الصحيح (عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك.
قال: نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، وعن عبد الله بن الحارث قال: (سمعت العباس يقول: قلت: يا رسول الله! إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن رسول الله ﷺ ذُكر عنده عمه أبو طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه).
فهذا نص صحيح صريح لشفاعته في بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب، بل في أن يجعل أهون أهل النار عذابًا، كما في الصحيح أيضًا عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إن أدنى أهل النار عذابًا منتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه)، وعن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه)، وعنه قال: قال رسول الله ﷺ (إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا).
وهذا السؤال الثاني يضعف جواب من تأول نفي الشفاعة على الشفاعة للكفار، وإن الظالمين هم الكافرون.
فيقال: الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق، وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته، فأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع لم يكن مستقلًا بالشفاعة، بل يكون مطيعًا له، أي: تابعًا له في الشفاعة، وتكون شفاعته مقبولة ويكون الأمر كله للآمر المسئول].
[ ١٣ / ٤ ]
عدم شفاعة الشافعين يوم القيامة إلا بإذن ورضا الله ﷾
قال رحمه الله تعالى: [وقد ثبت بنص القرآن في غير آية أن أحدًا لا يشفع عنده إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وأمثال ذلك.
والذي يبين أن هذه هي الشفاعة المنفية: أنه قال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤] فأخبر أنه ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع.
وأما نفي الشفاعة بدون إذنه، فإن الشفاعة إذا كانت بإذنه لم تكن من دونه، كما أن الولاية التي بإذنه ليست من دونه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].
وأيضًا فقد قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤] فذم الذين اتخذوا من دون الله شفعاء، وأخبر أن لله الشفاعة جميعًا، فعُلم أن الشفاعة منتفية عن غيره، إذ لا يشفع أحد إلا بإذنه، وتلك فهي له.
وقد قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨].
ومما يوضح ذلك: أنه نفى يومئذ الخلة بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، ومعلوم أنه إنما نفى الخلة المعروفة ونفعها المعروف، كما ينفع الصديق الصديق في الدنيا، كما قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٩]، وقال: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٥ - ١٦]، لم ينف أن يكون في الآخرة خلة نافعة بإذنه، فإنه قد قال: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٧ - ٦٨]، وقد قال النبي ﷺ: (يقول الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين فيَّ)، و(يقول الله تعالى: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي).
فتعين أن الأمر كله عائد إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا ينفع أحد ولا يضر إلا بإذن الله، وأنه لا يجوز أن يعبد أحد غير الله، ولا يُستعان به من دون الله، وأنه يوم القيامة يظهر لجميع الخلق أن الأمر كله لله ويتبرأ كل مدع من دعواه الباطلة، فلا يبقى من يدعي لنفسه معه شركًا في ربوبيته أو إلهيته، ولا من يدعي ذلك لغيره بخلاف الدنيا، فإنه وإن لم يكن رب ولا إله إلا هو فقد اتخذ غيره ربًا وإلهًا وادعى ذلك مدعون.
وفي الدنيا يشفع الشافع عند غيره، وينتفع بشفاعته وإن لم يكن أذن له في الشفاعة، ويكون خليله فيعينه ويفتدي نفسه من الشر، فقد ينتفع بالنفوس والأموال في الدنيا، النفوس ينتفع بها تارة بالاستقلال، وتارة بالإعانة وهي الشفاعة، والأموال بالفداء، فنفى الله هذه الأقسام الثلاثة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:٤٨]، وقال: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، كما قال: ﴿لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا
[ ١٣ / ٥ ]