شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [٦]
من أعظم مباني العبودية التوكل على الله تعالى والاستعانة به، ودعاؤه، وهذه هي صفة أتباع الأنبياء الذين وعدهم الله بالنصر لقوة توكلهم عليه، وقد حذر ﷾ من التشبه باليهود والنصارى، وما هم عليه من الكفر والضلال الذي سببه الغلو في الدين.
[ ٦ / ١ ]
معنى قوله تعالى: (ربيون)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: بعون الله وتوفيقه نستأنف دروسنا في الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قال رحمه الله تعالى: [ولما سلط الله العدو على الصحابة يوم أحد قال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [آل عمران:١٦٥] الآية، وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران:١٤٦] الآيات، والأكثرون يقرءون: (قاتل)، والربيون الكثير عند جماهير السلف والخلف هم الجماعات الكثيرة، قال ابن مسعود وابن عباس ﵃ في رواية عنه والفراء: ألوف كثيرة.
وقال ابن عباس في أخرى ومجاهد وقتادة: جماعات كثيرة، وقرئ بالحركات الثلاث في الراء، فعلى هذه القراءة فالربيون الذين قاتلوا معه الذين ما وهنوا وما ضعفوا، وأما على قراءة أبي عمرو وغيره ففيها وجهان: أحدهما: يوافق الأول، أي: الربيون يُقتلون، (فما وهنوا)، أي: ما وهن من بقي منهم لقتل كثير منهم، أي: ما ضعفوا لذلك ولا دخلهم خور ولا ذلوا لعدوهم، بل قاموا بأمر الله في القتال حتى أدالهم الله عليهم وصارت كلمة الله هي العليا].
في هذه السطور لا يزال الشيخ يقرر مسألة التوكل على الله ﷿، وهي من أعظم مباني العبودية، فهو ﵀ من أول الكتاب يقرر مسألة العبودية والإلهية لله ﷿، ولا يزال يقرر مسألة التوكل حتى في هذا المقام، وهو هنا يقرر أن الذين ما ضعفوا ولا استكانوا، ونصرهم الله ﷿ أو وعدهم بالنصر لقوة توكلهم، هم الخلص الذين كانوا مع الأنبياء؛ لأنهم حققوا التوكل الذي هو من أعظم مباني العبودية، مع أن الشيخ بعد قليل سيقرر في هذه المسألة معنى الربّيون وأقوال الناس فيها، وهي استطراد منه ﵀ لاستكمال الموضوع.
قال رحمه الله تعالى: [والثاني: أن النبي ﷺ قُتل معه ربيون كثير، فما وهن من بقي منهم لقتل النبي ﷺ، وهذا يناسب صراخ الشيطان أن محمدًا ﷺ قد قُتل، لكن هذا لا يناسب لفظ الآية، فالمناسب أنهم مع كثرة المصيبة ما وهنوا، ولو أريد أن النبي ﷺ قُتل ومعه ناس لم يخافوا لم يحتج إلى تكثيرهم، بل تقليلهم هو المناسب لها، فإذا كُثّروا لم يكن في مدحهم بذلك عبرة.
وأيضًا لم يكن فيه حجة على الصحابة، فإنهم يوم أحد قليلون والعدو أضعافهم، فيقولون: ولم يهنوا؛ لأنهم ألوف ونحن قليلون.
وأيضًا فقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ [آل عمران:١٤٦] يقتضي كثرة ذلك، وهذا لا يُعرف أن أنبياء كثيرين قُتلوا في الجهاد.
وأيضًا فيقتضي أن المقتولين مع كل واحد منهم ربيون كثير، وهذا لم يوجد، فإن من قبل موسى من الأنبياء لم يكونوا يقاتلون، وموسى وأنبياء بني إسرائيل لم يُقتلوا في الغزو، بل ولا يُعرف نبي قتل في جهاد، فكيف يكون هذا كثيرًا ويكون جيشه كثيرًا؟].
هذه فائدة نادرة من شيخ الإسلام، والتي كثيرًا ما يتكلم عنها عن علم واستقراء، فقوله: (ولا يُعرف نبي قُتل في جهاد) مبني على استقرائه ﵀، بمعنى: أنه لم يرد في النصوص الشرعية التي ذكرت قصص الأنبياء أن نبيًا قد قتل في جهاد، فهذه من الدرر التي كثيرًا ما يشير إليها شيخ الإسلام في كتاباته؛ لأن الله قد أعطاه علمًا وإحاطة بكثير من المراجع، فكان إذا قرأ الكتاب استوعبه، ومع كثرة قراءته كانت كثيرًا من استنتاجاته صائبة؛ لأنها مبنية على الاستقراء، ولذلك نجده في حواره مع الآخرين خاصة من أهل الفرق والمذاهب كان أعلم منهم بمذاهبهم، وقد اعترفوا له بذلك، وقد سُطّرت اعترافات كثير منهم ولا تزال موجودة في كتبهم، فاعترفوا له بأنه أعلم منهم بمذاهبهم؛ لأنه كان ﵀ يقرأ كثيرًا ويستوعب ما يقرأ.
ولذلك فمثل هذه الفائدة وغيرها كثير، ينبغي أن يحرص عليها طلاب العلم، وأتمنى لو أن أحد طلاب العلم انبرى لجمع مثل هذه الفوائد النادرة في مصنف واحد ليستفيد منها طلاب العلم، سواء في مفردات المسائل أو فيما يتعلق بالأصول والقواعد، أو ما يتعلق بالمناهج، أو ما يتعلق بالمواقف وغير ذلك مما هو لـ شيخ الإسلام من استنتاجات مبنية على استقرائه، فقد كان ﵀ أحيانًا يجزم بناء على استقرائه، وأحيانًا يغلّب الظن، لكن غالبًا كان يجزم بناء على ما توصل إليه من خلال اطلاعه الواسع.
قال رحمه الله تعالى: [والله سبحانه أنكر على من ينقلب، سواء كان النبي مقتولًا أو ميتًا، فلم يذمهم إذ مات أو قُتل على الخوف، بل على الانقلاب على الأعقاب].
لأن هذا ينافي التوكل، وهذا استطراد منه ﵀كما قلت- يستوفي فيه مسألة عارضة.
قال ﵀: [ولهذا تلاها الصدّيق ﵁ بعد موته ﷺ، فكأن لم يسمعوها قبل ذلك.
[ ٦ / ٢ ]
أوجه ترجيح شيخ الإسلام للمعنى المراد للربيين
قال رحمه الله تعالى: [والأول أصح من وجوه].
يقصد الشيخ بالأول هنا: الأول القريب وليس الأول البعيد، يعني: أنهم العلماء -يدل عليه ما سيأتي- وهو أصح من وجوه.
قال رحمه الله تعالى: [أحدها: أن الربانيين عين الأحبار، وهم الذين يربون الناس، وهم أئمتهم في دينهم، ولا يكون هؤلاء إلا قليلًا].
هذا فيه تضمين للمعاني السابقة، ولا يزال الشيخ في استصحاب قضية حقيقة العبودية، وأن أعظم مباني العبودية التوكل، فهو يميل إلى أن الربيين بمعنى العلماء؛ لأنهم أقوى الناس توكلًا وتحقيقًا للعبودية لله ﷿، وقيمة هذا الاستطراد من الشيخ ﵀ استكمال معنى العبودية والتوكل في الربيين، وأن أخص معانيها وأقواها أنهم العلماء والفقهاء، أعني: أهل الأمر المطاعين، والذين لهم اهتمام بتربية الأمة على عبودية الله ﷿ وإلهيته والتوكل عليه.
قال رحمه الله تعالى: [الثاني: أن الأمر بالجهاد والصبر لا يختص بهم، وأصحاب الأنبياء لم يكونوا كلهم ربانيين، وإن كانوا قد أعطوا علمًا ومعهم الخوف من الله ﷿.
الثالث: أن استعمال لفظ الرباني في هذا ليس معروفًا في اللغة.
الرابع: أن استعمال لفظ الربي في هذا ليس معروفًا في اللغة، بل المعروف فيها هو الأول، والذين قالوه قالوا: هو نسبة للرب بلا نون والقراءة المشهورة: (ربي) بالكسر، وما قالوه إنما يتوجه على من قرأه بنصب الراء، وقد قُرئ بالضم، فعُلم أنها لغات].
قوله: (بلا نون) يعني: يقال: ربي، ولا يقال: رباني.
قال رحمه الله تعالى: [الخامس: أن الله تعالى يأمر بالصبر والثبات كل من يأمره بالجهاد، سواء كان من الربانيين أو لم يكن.
السادس: أنه لا مناسبة في تخصيص هؤلاء بالذكر، وإنما المناسب ذكرهم في مثل قوله: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة:٦٣] الآية، وفي قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩] فهناك ذكرهم به مناسبًا.
السابع: قيل: إن الرباني منسوب إلى الرب، فزيادة الألف والنون كاللحياني، وقيل: إلى تربيته الناس، وقيل: إلى ربان السفينة، وهذا أصح].
قوله: (ربان السفينة)، أي: قائدها ومدبرها، الآمر والناهي فيها، وكأن الشيخ لا يزال يؤيد أن الربيين بمعنى: العلماء والفقهاء، فهم أهل الأمر والنهي، وأهل القدوة، ونلاحظ أن الشيخ كلما أتت دلالة اصطلاحية أو لغوية تؤيد هذا التفسير نجد أنه يميل إليه.
قال رحمه الله تعالى: [لأن الأصل عدم الزيادة في النسبة، لأنهم منسوبون إلى التربية، وهذه تختص بهم، وأما نسبتهم إلى الرب فلا اختصاص لهم بذلك، بل كل عبد له فهو منسوب إليه، إما نسبة عموم أو خصوص، ولم يسم الله أولياءه المتقين ربانيين، ولا سمى به رسله وأنبياءه، فإن الرباني من يربي الناس كما يربي الرباني السفينة، ولهذا كان الربانيون يُذمون تارة ويُمدحون أخرى، ولو كانوا منسوبين إلى الرب لم يُذموا قط، وهذا هو الوجه.
الثامن: أنها إن جُعلت مدحًا فقد ذُموا في مواضع، وإن لم تكن مدحًا لم يكن لهم خاصة يمتازون بها من جهة المدح، وإذا كان منسوبًا إلى رباني السفينة بطل قول من يجعل الرباني منسوبًا إلى الرب، فنسبة الربيون إلى الرب أولى بالبطلان.
التاسع: أنه إذا قُدِّر أنهم منسوبون إلى الرب فلا تدل النسبة على أنهم علماء، نعم تدل على إيمان وعبادة وتأله، وهذا يعم جميع المؤمنين، فكل من عبد الله وحده لا يشرك به شيئًا فهو متأله عارف بالله، والصحابة كلهم كذلك، ولم يُسموا ربانيين ولا ربيون، وإنما جاء أن ابن الحنفية قال لما مات ابن عباس ﵃: اليوم مات رباني هذه الأمة، وذلك لكونه يؤدبهم بما آتاه الله من العلم، والخلفاء أفضل منه ولم يُسموا ربانيين، وإن كانوا هم الربانيين.
وقال إبراهيم: كان علقمة من الربانيين.
ولهذا قال مجاهد: هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره.
فهم أهل الأمر والنهي، والأخبار يدخل فيه من أخبر بالعلم ورواه عن غيره وحدث به وإن لم يأمر أو ينه.
وذلك هو المنقول عن السلف في الرباني، نُقل عن علي أنه قال: هم الذين يغذون الناس بالحكمة ويربونهم عليها، وعن ابن عباس قال: هم الفقهاء المعلمون.
قلت: أهل الأمر والنهي هم الفقهاء المعلمون.
وقال قتادة وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء.
وقال ابن قتيبة: واحدهم رباني، وهم العلماء المعلمون.
قال أبو عبيد: أحسب الكلمة عبرانية أو سريانية، وذلك أن أبا عبيد زعم أن العرب لا تعرف الربانيين.
قلت: اللفظة عربية منسوبة إلى ربان السفينة الذي ينزلها ويقوم لمصلحتها، ولكن العرب في جاهليتهم لم يكن لهم ربانيون؛ لأنهم لم يكونوا على شريعة منزلة من الله ﷿].
نخرج من هذا الكلام بخلاصة تتكون من شقين: الشق الأول: أن شيخ الإسلام يرى أن معنى الرب
[ ٦ / ٣ ]
فصل في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)
[ ٦ / ٤ ]
حكاية الله لأخلاق وأوصاف اليهود والنصارى والتحذير من اتباعهم والتشبه بهم
قال رحمه الله تعالى: [فصل قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)، وكتاب الله يدل على ذلك في مواضع، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٦٠]].
الآية تشير إلى اليهود وإلى كل من سلك سبيلهم، كما هو معروف في غالب ألفاظ القرآن التي تأتي في وصف أعمال أحد من الناس أو تأتي لسبب، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومثل هذه الآية لا شك أنها كانت تحكي أخلاق اليهود وأوصافهم، لكن فيها أيضًا إشارة إلى كل من سلك سبيلهم.
قال ﵀: [وقوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة:٩٠]، وقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران:١١٢]، وقال في النصارى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]].
الذين ضلوا وأضلوا كما وردت الإشارة إليه في كثير من النصوص، وكما اتفق عليه السلف أو اشتهر عند جمهورهم: اليهود، ومن كان له أثر في تحريف ديانة النصارى، لكن أعظمهم اليهود، فهم أول من حرّف دين النصارى وسعى إلى تحريفه.
قال رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٠ - ٣١]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].
ولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، كان ذلك مما يبين أن العبد يُخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين، فقد وقع ذلك كما أخبر به النبي ﷺ حيث قال: (لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) وهو حديث صحيح.
وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى].
وهذا معلوم؛ لأن اليهود انحرفوا عن العلم، بمعنى: أنهم كانوا يعلمون أحكام الله ﷿، وكانوا على بصيرة من أمرهم، لكنهم انحرفوا عنادًا واستكبارًا، وكذلك النصارى فقد انحرفوا جهلًا، وكان بسبب انحرافهم تفريطهم في الأخذ بما جاء عن الرسل، فهؤلاء غلوا في ترك ما جاء به الرسل، وأولئك غلوا في الانحراف عما جاء به الرسل.
فإذًا: كل من انحرف عن علم ففيه شبه من اليهود، وكل من انحرف عن جهل، بمعنى: أنه فرّط في أخذ ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ففيه شبه من النصارى؛ لأنه وقع في الجهل بتفريطه.
[ ٦ / ٥ ]
نعت الله لرسوله ﷺ بالعبودية في أرفع مقاماته
قال رحمه الله تعالى: [كما يرى في أحوال منحرفة أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب، والبخل بالعلم، والكبر، وأمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم وغير ذلك.
وكما يرى في منحرفة أهل العبادة والأحوال من الغلو في الأنبياء والصالحين، والابتداع في العبادات، من الرهبانية والصور والأصوات.
ولهذا قال النبي ﷺ (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) ولهذا حقق الله له نعت العبودية في أرفع مقاماته حيث قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]].
هذا فيه تقرير بأن العبودية هي أعلى المقامات التي يمكن أن يصل إليها البشر، بعكس ما يتوهمه كثير من أهل التصوف والفلسفة، وأيضًا كثير من الجهلة الذين يتوهمون أن التعبد لله ﷿ فيه نوع من القيود والاستذلال للبشر، بل الأمر بعكس ذلك؛ لأن التذلل لله ﷿ بالعبودية هي الكمال الذي يطمع إليه البشر، ولذلك وصف الله رسوله ﷺ بالعبودية في أعلى المقامات، وذلك عندما أسرى به إلى بيت المقدس، ووصفه بها عند المقام المحمود الذي وعده الله به يوم القيامة، ووصفه بها في مقام الوحي، ووصفه بها في مقام الصلاة والقيام لله ﷿ بالعبادة.
إذًا: فالعبودية لله هي أعلى مقام يسعى إليه البشر، وأعلى مقام يمكن أن يصل إليه بشر؛ لأن ذلك يعني الاستجابة لله ﷿ وتحقيق رضاه.
قال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠].
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، ولهذا يشرع في التشهد وفي سائر الخطب المشروعة، كخطب الجمع والأعياد، وخطب الحاجات عند النكاح وغيره أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله].
الشاهد هنا: الشهادة للنبي ﷺ بالعبودية، وأنها من أعظم ما يمكن أن يحتسبه المسلم عند الله ﷿؛ ولهذا شرع في التشهد وغيره أن يقول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فالشهادة لرسوله ﷺ بالعبودية تعتبر من أعظم ما يحتسبه المسلم ويدين الله به؛ لأن ذلك أعلى المقامات للبشر.
[ ٦ / ٦ ]
صور العبودية العملية التي ينبغي أن تكون في أعمال الناس وأقوالهم
قال رحمه الله تعالى: [وكان رسول الله ﷺ يحقق عبوديته؛ لئلا تقع الأمة فيما وقعت فيه النصارى في المسيح من دعوى الألوهية].
سيذكر الشيخ صورًا أربعًا من الصور العملية للعبودية التي يغفل عنها كثير من الناس، ويظنونها من باب الأحكام أو أنها من باب المنهيات أو نحو ذلك، في حين أنها من أعظم صور العبودية التي ينبغي أن تكون في أعمال الناس وفي أقوالهم، سواء كانت قولية أو فعلية.
قال ﵀: [حتى قال له رجل: (ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده).
وقال أيضًا لأصحابه: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، بل قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد).
وقال: (لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني).
وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
وقال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)].
الصورة الأولى: قوله: (ما شاء الله)، ثم ذكر تبعًا لذلك صورًا من صور الإخلال بجوانب العبودية، وهو قوله: (وشئت)، فـ: (ما شاء الله) تحقيق للعبودية لله ﷿، وعطف مشيئة النبي ﷺ أو غيره على مشيئة الله تعتبر نوعًا من الإخلال بالعبودية؛ لأنه هنا لا مشيئة مع مشيئة الله ﷿، ولأن العطف يقتضي المساواة، ولذلك ينبغي أن يقال: ما شاء الله وحده؛ لأن المشيئة لا عطف فيها.
الصورة الثانية: قوله: (ما شاء الله وشاء محمد)، فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وهو قول، لكن القول لا ينبع إلا عن اعتقاد، ولذلك صحح النبي ﷺ هذا القول، وهو تصحيح للاعتقاد والقول.
الصورة الثالثة: متمثلة في قول النبي ﷺ: (لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني).
فهذا نوع من تحقيق العبودية لله ﷿، والإخلال به إخلال بالعبودية، وعلى هذا فلا يجوز اتخاذ قبر النبي ﷺ عيدًا، يعني: مكانًا للتقديس؛ لأن النبي ﷺ بعد وفاته لم يعد له تصريف أو تدبير أو نفع مباشر للبشر، وإنما نفعه ﷺ كان في حياته، واتخاذ قبره عيدًا هو نوع من البدعة التي تؤدي إلى تعظيمه وتقديسه فيما لا يجوز إلا لله ﷿، وحتمًا سيؤدي عند الجهلة إلى دعائه من دون الله ﷿، وممارسة الأعمال التي تخل بتوحيد الإلهية أو تنقيص الربوبية.
وقوله ﷺ: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)؛ لأنهم في بنائهم للمساجد على القبور قد فتحوا ذريعة لتقديس القبور، ودعاء أهلها من دون الله ﷿، والتوجه إليها بالصلاة وغير ذلك، وقد وقع ما حذّر منه النبي ﷺ من أولئك القوم المبتدعة الذين بنوا وشيدوا المساجد على القبور، لذا فأهل البدع معلوم أنهم ما فعلوا ذلك إلا لأن قلوبهم قد مرضت بالبدع، حتى إن عامة الناس الذين ابتليت بلادهم بوجود المساجد على القبور ظنوا أن لصاحب القبر من القدرة ومن الأحوال التي يتصرف فيها ما لم يكن قبل ذلك، وظنوا أن لصاحب القبر اعتبارًا، بل وظن بعضهم أن ذلك يعني: التوجه إليه في الصلاة، وظن آخرون أن ذلك يعني الدعاء عنده أو عند قبره، وآخرون دعوا المقبور أو المدفون من دون الله ﷿، واستعانوا واستغاثوا به من دون الله، فوقع الشرك والبدعة من خلال ذلك، فهذا إما مناف لتوحيد الألوهية كالشركيات، أو ينقص توحيد الإلهية كالبدع والتبرك وغير ذلك، والمساجد إنما هي بيوت الله للعبادة، وهي محترمة ومعظّمة، فإذا وجد القبر في المسجد فلا يعني ذلك إلا التوجه إلى صاحب القبر بشيء من هذه الأمور الشركية أو البدعية، وهذا كما تعلمون منقص لتوحيد الله.
[ ٦ / ٧ ]
وقوع الغلو في الأمة في طائفتي الشيعة والصوفية
أخذ الشيخ ﵀ في بيان أمر عظيم يقع من خلاله الشرك بالله ﷿، وهو: الغلو في الأئمة والرجال، إذ إنه يعتبر وسيلة إلى الشرك، وأحيانًا يعتبر من أبواب الشرك، وهو مخل أو منقص لتوحيد الإلهية؛ لأنه قد يصل إلى التقديس -وهو الغالب- كما عند الرافضة والصوفية، وقد يصل إلى حد التبرك البدعي أو نحو ذلك، وهذا كله ينقص توحيد الإلهية.
قال رحمه الله تعالى: [والغلو في الأمة وقع في طائفتين: طائفة من ضلّال الشيعة الذين يعتقدون في الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية، وطائفة من جُهّال المتصوفة يعتقدون نحو ذلك في الأنبياء والصالحين، فمن توهم في نبينا أو غيره من الأنبياء شيئًا من الألوهية والربوبية، فهو من جنس النصارى].
[ ٦ / ٨ ]
حقوق الأنبياء على الخلق
قال رحمه الله تعالى: [وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به الكتاب والسنة عنهم، قال تعالى في خطابه لبني إسرائيل: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [المائدة:١٢] والتعزير: النصر والتوقير والتأييد].
[ ٦ / ٩ ]
حقوق الرسول ﷺ على الخلق
[وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٨ - ٩]، فهذا في حق الرسول.
ثم قال في حق الله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٩].
وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤].
وذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤].
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢] فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده، كما قال: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١].
وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١].
وقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠].
وقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣].
وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦].
وقال ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، وقال له عمر ﵁: والله يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل أحد إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر! حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال: فأنت أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر).
فقد بين الله في كتابه حقوق الرسول ﷺ من الطاعة له، ومحبته، وتعزيره، وتوقيره، ونصره، وتحكيمه، والرضا بحكمه، والتسليم له، واتباعه والصلاة والتسليم عليه، وتقديمه على النفس والأهل والمال، ورد ما يتنازع فيه إليه وغير ذلك من الحقوق].
في هذه الخلاصة الأخيرة بيّن الشيخ مجمل حقوق الرسول ﷺ، إذ عدها اثني عشر حقًا: الطاعة، المحبة، التعزير، التوقير، النصرة، التحكيم، أي: تحكيم سنة النبي ﷺ في كل شيء، ثم الرضا بحكمه، والتسليم له، والاتباع، والصلاة والسلام عليه، وتقديمه ﵊ على النفس
[ ٦ / ١٠ ]
العبادة والاستعانة والتوكل والدعاء لله وحده
قال رحمه الله تعالى: [فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥].
وقد جمع بينهما في مواضع، كقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣].
وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨].
وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨].
وكذلك التوكل كما قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم:١٢]، وقال: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨].
وقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
والدعاء لله وحده، سواء كان دعاء العبادة، أو دعاء المسألة والاستعانة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤].
وقال: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣].
وقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢].
وذم الذين يدعون الملائكة والأنبياء وغيرهم فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧]، روي عن ابن مسعود: أن قومًا كانوا يدعون الملائكة والمسيح وعزيرًا، فقال الله: هؤلاء الذين تدعونهم يخافون الله ويرجونه، ويتقربون إليه كما تخافونه أنتم، وترجونه وتتقربون إليه، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧].
وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإلَهٌ﴾ [النمل:٦٢].
وقال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨]].
في هذا المقطع وقبله بدأ الشيخ في تعداد أنواع العبادة، أو في تعداد نماذج من أنواع العبادة، وأنواع العبادة في الحقيقة لا حصر لها، لكن يمكن أن توضع لأنواع العبادة أصولًا، وقد بدأها الشيخ أولًا بمسألة الاستعانة بالله ﷿، ثم التوكل، ثم الدعاء، أعني: دعاء المسألة، أو دعاء العبادة، ثم بعد ذلك سيأتي بنماذج أخرى فيما بعد.
[ ٦ / ١١ ]
الأسئلة
[ ٦ / ١٢ ]
بيان ما عليه الصوفية من الانحراف في العبادة والسلوك
السؤال
كثير ما يرد في كلام شيخ الإسلام عند الكلام عن الابتداع ذكر الصور والأصوات، فما المراد بذلك؟
الجواب
لا أدري، إلا إذا كان قصد السائل أن شيخ الإسلام يذكر هذا غالبًا عند ذكر الصوفية، فإن كان قصده ذلك فإن هناك طائفة منهم يتعبدون بالنظر إلى الصور الجميلة، ويقولون: هذه عبادة لله ﷿، فدخل عليهم الشيطان من باب التلذذ بالمحرم من أجل أن يستهويهم، فجعلوا ذلك عبادة، وقلبوا الأمر حتى جعلوا الكبيرة حسنة، بل عبادة لله ﷿، ولذلك وقعوا في الفواحش نسأل الله العافية، وكذلك التلذذ بالأصوات، فقد يتعمدون أحيانًا أن تقرأ أورادهم البدعية بصوت جميل لا لمجرد ترقيق القلوب، وإنما للتلذذ الشهواني بالأصوات، ويزعمون أن ذلك من التعبد لله سبحانه، وهذا ما عليه طوائف كثيرة من أهل الطرق الصوفية، نسأل الله العافية.
[ ٦ / ١٣ ]
الفرق بين غلو الرافضة والصوفية
السؤال
هل هناك فرق بين غلو الرافضة والصوفية؟
الجواب
لا فرق في الحقيقة، وإنما الفرق في الشكليات، فكلهم يعتقدون في الأشخاص أنهم يعلمون الغيب أو بعض الغيب، كما يعتقدون أنهم يملكون الضر والنفع من دون الله ﷿، أحياء وأمواتًا، ويعتقدون في الأشخاص أنهم يصرّفون مقاليد الكون أو شيئًا من مقاليد الكون، وأن بيدهم أمور العباد أو بعض أمور العباد، لكن مع ذلك فإن الأشكال والصور تختلف، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٦ / ١٤ ]