شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٢]
قلب العبد المؤمن لابد أن تتحقق فيه المعرفة والمحبة لله ﷿، وهذا فرض لا يعذر فيه أحد، بخلاف الأعمال فإنه لا يجب على العبد منها إلا ما يطيقه، والعباد فيه متفاوتون، ولا يأتي بكمالها إلا السابقون المقربون، الذين تقربوا إلى الله بما يحب من الفرائض، ثم أتبعوها بما يحب الله من النوافل.
[ ١٢ / ١ ]
فصل في كون الله في قلب العبد بالمعرفة وموافقته لربه فيما يحبه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل.
فهذان المعنيان صحيحان ثابتان، بل هما حقيقة الدين واليقين والإيمان.
أما الأول: وهو كون الله في قلبه بالمعرفة والمحبة، فهذا فرض على كل أحد، ولا بد لكل مؤمن منه، فإن أدى واجبه فهو مقتصد، وإن ترك بعض واجبه فهو ظالم لنفسه، وإن تركه كله فهو كافر بربه].
يعني: هذا فيما يتعلق بالأحوال القلبية التي أساسها المعرفة بالله ﷿ والمحبة لله، والمحبة لا بد أن ينتج عنها الرجاء والخوف والخشية وسائر الأحوال القلبية، فهو يقول: إن قلب العبد لا بد أن تتحقق فيه المعرفة والمحبة لله ﷿، وهذا فرض لا يعذر به أحد؛ لأن الواجب على الإنسان أن يعمل ما يستطيعه من الأعمال المفروضة، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، هذا بالنسبة للأعمال، أما بالنسبة للأمور القلبية فهي أحوال لا يعذر بها أحد؛ لأنها أمور لا تحتاج إلى جهد، إنما هي ما يقر في القلب من الإيمان الذي أساسه المحبة والخشية والرجاء، فلا أحد يعذر في أن يكون في قلبه المحبة الكاملة لله ﷿، وهذا فرض على كل أحد، ولا بد لكل مؤمن منه، فإن أدى واجبه في محبة الله فهو مقتصد، وإن ترك بعض واجبه تجاه محبة الله ﷿ فهو ظالم لنفسه، وإن ترك ذلك كله فهو كافر، إذا لم يكن في قلبه أدنى ذرة من الإيمان، أو لم يكن في قلبه أدنى ذرة من المعرفة والمحبة لله ﷿.
قال رحمه الله تعالى: [وأما الثاني: وهو موافقة ربه فيما يحبه ويكرهه، ويرضاه ويسخطه، فهذا على الإطلاق إنما هو للسابقين المقربين، الذين تقربوا إلى الله بالنوافل التي يحبها ولم يفرضها، بعد الفرائض التي يحبها ويفرضها، ويعذب تاركها].
يعني: الأول يتعلق بالأحوال القلبية، والثاني يتعلق بما ينبعث من الأحوال والأعمال القلبية من أعمال الجوارح، والتسليم لله ﷿ والطاعة.
[ ١٢ / ٢ ]
الثواب على نية عمل الخير
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا كان هؤلاء لما أتوا بمحبوب الحق من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، المنتظمة للمعارف والأحوال والأعمال، أحبهم الله تعالى، فقال: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).
فعلوا محبوبه فأحبهم، فإن الجزاء من جنس العمل، مناسب له مناسبة المعلول لعلته.
ولا يتوهم أن المراد بذلك: أن يأتي العبد بعين كل حركة يحبها الله، فإن هذا ممتنع، وإنما المقصود أن يأتي بما يقدر عليه من الأعمال الباطنة والظاهرة، والباطنة يمكنه أن يأتي منها بأكثر مما يأتي به من الظاهرة، كما قال بعض السلف: قوة المؤمن في قلبه، وضعفه في جسمه، وقوة المنافق في جسمه، وضعفه في قلبه؛ ولهذا قال ﷺ: (المرء مع من أحب).
وقال: (إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر).
وقال ﷺ: (فهما في الأجر سواء) في حديث القادر على الإنفاق والعاجز عنه، الذي قال: (لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما عمل)، فإنهما لما استويا في عمل القلب وكان أحدهما معذور الجسم استويا في الجزاء، كما قال النبي ﷺ: (إذا مرض العبد أو سافر، كتب له من العمل مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم)].
خلاصة هذا الفصل: أن الشيخ أراد أن يقرر أن المعنى الشرعي المطلوب من العباد في المحبة لله والمعرفة واليقين: هو التدين بما شرعه الله ﷿ من الدين واليقين والإيمان، الذي هو أحوال القلب في التوجه إلى الله ﷿ بالمحبة والرجاء والخوف وسائر الأعمال القلبية، وأحوال الجوارح بالعمل بما شرع الله ﷿، هذا هو غاية الدين؛ لينفي بذلك ما ادعاه المبطلون من أصحاب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود من أن الغرض هو التنصل من التوحيد والشرائع، والوصول إلى ما يزعمون أنه الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، وهذه المعاني التي ادعاها هؤلاء باطلة ليست هي المعاني الشرعية المقصودة، إنما المعاني الشرعية هي ما يتحقق بها الدين واليقين والإيمان كما شرع الله ﷿ وشرع رسوله ﷺ.
[ ١٢ / ٣ ]
بيان عذر من يغيب عقله ويقع في نوع من الحلول والاتحاد
قال رحمه الله تعالى: [فصل.
وقد يقع بعض من غلب عليه الحال في نوع من الحلول أو الاتحاد، فإن الاتحاد فيه حق وباطل، لكن لما ورد عليه ما غيب عقله أو أفناه عما سوى محبوبه، ولم يكن ذلك بذنب منه، كان معذورًا غير معاقب عليه ما دام غير عاقل، فإن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق، وإن كان مخطئًا في ذلك كان داخلًا في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب:٥]].
هذا الكلام الذي قاله شيخ الإسلام هنا يرد كثيرًا في كتبه، خاصة في الأجزاء التي تكلم فيها عن السلوك والتصوف، وكذلك في كتبه التي تكلم فيها عن المسالك الصوفية، مثل: (الاستقامة) و(الرد على البكري) وغيرها.
في هذه الكتب نجد أن الشيخ في حكمه على شطحات الصوفية الأوائل يقول مثل هذا الكلام، وهو موقف عجيب من شيخ الإسلام ﵀، خاصة إذا طبقناه على الأمثلة التي ذكرها الشيخ، هنا يشير إلى ما ورد من أوائل الحلولية والاتحادية في القرن الأول والثاني والثالث الهجري، وأكثر ما كان ذلك في القرن الثاني والثالث.
كانت مجرد شطحات بسيطة في القرن الأول، لكن في القرن الثاني والثالث قبل ظهور الطرق الصوفية ظهرت من أوائل العباد عبارات إلحادية صريحة في الإلحاد، وهؤلاء كثير، منهم: (رابعة العدوية، وذو النون المصري، وابن أبي الحواري، والتستري، والبسطامي، والنوري، والشبلي، حتى توج هذا الاتجاه الخبيث الحلاج في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع، توجه بالتصريح بالإلحاد، كان يصرح بالإلحاد حتى عندما ناقشه العلماء، وعندما استتيب ولم يتب، أما قبله فكانت أحوالًا وقع فيها بعض هؤلاء وأمثالهم، فيصرحون بالإلحاد أحيانًا، في لحظات يظهر الواحد منهم أنه غير سوي، مثلًا: يكون مغشيًا عليه، أو صعق لمفاجأة أتته، أو يكون في حال من الضعف الجسماني بعد السهر والجوع والعطش، فتحصل لهم حالات تشبه ما يسمى في عصرنا بالهستيريا، أثناء هذه الحالات التي تعتريهم يتلفظ كثير منهم فيها بالإلحاد، واحد يقول عن نفسه: سبحاني، وواحد يقول مثلًا للديك والكلب: لبيك لبيك، نسأل الله السلامة، وثالث يقول: ما في الجبة إلا الله.
هذا قبل الحلاج، ورابع يحلق لحيته، ويترك صلاة الجماعة، وتحصل منه تصرفات حتى يدخل مستشفى المجانين، وآخر يقول: لماذا تخافون من النار؟ ما هي إلا أن أنصب عليها خيمتي فتنطفئ.
وغيره يضرب صدره مقابل اليهود ويقول: هؤلاء في ذمتي.
هذه كلمات إلحادية ليست مجرد عبارات مخبولين ولا عبارات مجانين، بل هذه مذاهب.
فـ شيخ الإسلام يقصد ما قبل الطرقية، أما الطرقية فللشيخ كلام آخر.
يقول عن هؤلاء: إن هؤلاء تعتريهم حالات من السهر والجوع والعطش، وبسبب جهلهم وضعفهم تعتريهم حالات يتكلمون بهذه الكلمات، ثم يقول: فلعلهم يعذرون في مثل هذا الكلام؛ لأنهم ليسوا عقلاء.
وهذا عجيب من شيخ الإسلام.
ولذلك ينبغي أن يتوقف طالب العلم في هذه المسألة؛ لأنه إن فرضنا أنهم تكلموا بغير إرادتهم أو من غير شعور كما نقول، لكن هل يعقل أن تأتي هذه الإلحاديات المقننة التي هي امتداد لمذاهب قديمة إلا في حال الجنون أو الخبال أو السكر أو نحو ذلك؟ يحتمل أن يكون أراد أن يتستر بهذه الحالات من أجل ألا يؤاخذ ولا يقتل أو يرجم من العوام؛ لأن مثل هذه الكلمات لا يتركها الناس، فبمجرد ما يسمعها العوام من هؤلاء يرجمونهم بالحجارة أو يطردونهم من القرى التي هم فيها، لكن مع ذلك هؤلاء لم يتخذ إزاءهم أي إجراء، حتى إن بعض العلماء احتسب على هؤلاء، وكانوا مجموعة منهم: التستري، والبسطامي، والنوري، والشبلي، فقام العلماء المحتسبون ورفعوا بهؤلاء إلى الحاكم فأتوا بهم إلى أحد القضاة، فلما اجتمعوا وسألهم وجد أن عندهم المذاهب الخبيثة التي اتهموا بها، فحكم بقتلهم، فلما جهزت وسائل القتل انبرى أحدهم -وأظنه النوري - فقدم نفسه قبلهم، فرق القاضي لهم وعفا عنهم، وقال كلامًا يدل على أنهم لبس عليهم الأمر.
لكن مثل هذه الكلمات لو كانت غير منتظمة وغير مقننة، ولا تحمل صور المذاهب القديمة المعروفة في الأمم لقلنا: إنها عفوية أو نتيجة جنون، لكنها كلمات إلحادية أصبحت مذاهب فيما بعد، فأقول: ربما أنهم يلجئون إلى الادعاء بأنهم ليسوا أسوياء؛ من أجل أن يسلموا من القتل والمطاردة، ثم إن عندهم تعارضًا حادًا، فهؤلاء الذين أثر عنهم مثل هذه الكلمات الإلحادية أثر عنهم التصريح بوجوب الأخذ بالعقيدة السليمة والتوحيد والسنة، وأن كل أعمالهم يجب أن تعرض على الكتاب والسنة، وما خالفهما يرد.
وهذا
[ ١٢ / ٤ ]
توهم أهل الحلول أنهم يرون الله في الدنيا رأي عين
قال رحمه الله تعالى: [فأما إذا كان السبب محظورًا، لم يكن السكران معذورًا.
وأما أهل الحلول فمنهم من يغلب عليه شهود القلب وتجليه، حتى يتوهم أنه رأى الله بعيني رأسه، ولهذا ذكر ذلك طائفة من العباد الأصحاء، غلطًا منهم].
هذه القاعدة جيدة: (إذا كان السبب محظورًا لم يكن السكران معذورًا) يعني: هؤلاء الذين يعتذر عنهم أحيانًا شيخ الإسلام ابن تيمية بأنهم قالوا هذه الكفريات في حال العوارض، وحال غياب العقل، والسبب في غياب عقولهم هو نزوعهم إلى كثرة العبادة والسهر والعطش والجوع، فهل هذا مشروع؟ هل يشرع للمسلم أن يوقع نفسه في هذا الحد، من أنه يسهر ويعطش ويجوع حتى يفقد عقله؟ إذًا: هم وقعوا في سبب غير مشروع، وإذا كان وقوعهم في السكر وما يعملونه من الأوراد والسماعات والأغاني التي هي أسباب لحضور الشياطين حتى تطيش عقولهم ويقعون في الرقص والهذيان والسكر فهذا أيضًا سبب غير مشروع.
قال رحمه الله تعالى: [وقد ثبت في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ لما ذكر الدجال، ودعواه الربوبية، قال: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت)، وروي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه أخرى متعددة حسنة في حديث الدجال.
فإنه لما ادعى الربوبية، ذكر النبي ﷺ فرقانين ظاهرين لكل أحد.
أحدهما: أنه أعور والله ليس بأعور.
الثاني: أن أحدًا منا لن يرى ربه حتى يموت، وهذا إنما ذكره في الدجال مع كونه كافرًا؛ لأنه يظهر عليه من الخوارق التي تقوي الشبهة في قلوب العامة].
[ ١٢ / ٥ ]
فصل في الاتحاد المطلق
قال رحمه الله تعالى: [فصل.
فإذا عرف الاتحاد المعين مما يشبه الحلول أو الاتحاد الذي فيه نوع حق تبين أيضًا ما في المطلق من ذلك.
فنقول: لا ريب أن الله رب العالمين، رب السماوات والأرضين وما بينهما، ورب العرش العظيم، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلًا، ربكم ورب آبائكم الأولين، رب الناس، ملك الناس، إله الناس، وهو خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل.
خلق الزوجين الذكر والأنثى، من نطفة إذا تمنى.
وهو رب كل شيء ومليكه، وهو مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، الرحمن على العرش استوى، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم.
قلوب العباد ونواصيهم بيده، وما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، وهو الذي أضحك وأبكى، وأغنى وأقنى، وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته، وينزل من السماء ماءً، فيحيي به الأرض بعد موتها.
ويبث فيها من كل دابة.
وهو الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا، كأنما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون، وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم، وإليه ترجعون، وهو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو القاسم بالقسط، القائم على كل نفس بما كسبت، الخالق البارئ المصور، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، وما شاء الله لا قوة إلا بالله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ منه إلا إليه.
فهذه المعاني وما أشبهها من معاني ربوبيته وملكه، وخلقه ورزقه، وهدايته ونصره، وإحسانه وبره، وتدبيره وصنعه، ثم ما يتصل بذلك من أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، يبصر دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء.
فهذا كله حق، وهو محض توحيد الربوبية، وهو مع هذا قد أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وأحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين.
وهذا صنع الله الذي أتقن كل شيء، والخير كله بيديه، وهو أرحم الراحمين، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، كما أقسم على ذلك النبي ﷺ فقال: (والله، لله أرحم بعباده من هذه الوالدة بولدها)، إلى نحو هذه المعاني التي تقتضي شمول حكمته وإتقانه، وإحسانه خلق كل شيء، وسعة رحمته وعظمتها، وأنها سبقت غضبه، كل هذا حق.
فهذان الأصلان: عموم خلقه وربوبيته، وعموم إحسانه وحكمته، أصلان عظيمان، وإن كان من الناس من يكفر ببعض الأول، كالقدرية الذين يخرجون أفعال العباد عن خلقه، ويضيفونها إلى محض فعل ذي الاختيار، أو الطبعية الذين يقطعون إضافة الفعل إلى الله سبحانه، ويضيفونه إما إلى الطبع، أو إلى جسم فيه طبع، أو إلى فلك، أو إلى نفس أو غير ذلك مما هو من مخلوقاته العاجزة عن إقامة نفسها، فهي عن إقامة غيرها أعجز.
ومن الناس من يجحد بعض الثاني أو يعرض عنه، متوهمًا خلو شيء من مخلوقاته عن إحسان خلقه وإتقانه، وعن حكمته، ويظن قصور رحمته وعجزها، من القدرية الإبليسية، أو المجوسية وغيرهم].
كل هذه المذاهب موجودة في طوائف الفرق، الصنف الأول الذين أخلوا بالأصل الأول: عموم الخلق والربوبية: هم القدرية، والذين أشار إليهم الشيخ هنا المجوسية والقدرية، وهم القدرية الأولى والثانية، والقدرية الأولى: القدرية المعبدية والغيلانية، الذين نفوا تقدير الله ﷿ لجميع أفعال العباد، بل نفوا جميع مراتب القدر، وأن الله ﷿ لم يعلم ولم يكتب، ولم يقدر أفعال العباد، ثم بعد ذلك لما صدم بالنصوص، وكفر السلف من أنكر العلم، وقفوا عند إنكار التقدير، وزعموا أن الله ﷿ لم يقدر بعض أفعال العباد، وهذا هو الذي عليه القدرية الثانية قدرية المعتزلة.
فهؤلاء أخلوا بالأصل الأول وهو عموم خلق الله وربوبيته، فجعلوا خلق الله ليس عامًا، إنما جعلوا معه خالقًا من دونه سبحانه، كما فعلت المجوسية، فزعموا أن الإنسان خالق أفعاله، وبعضهم لم يصرح بالخلق، لكنه يلزمه؛ لأنهم زعموا أن أفعال العباد أو بعضها ليست من تقدير الله، تعالى الله عما يزعمون وهذا شرك في الربوبية ولا شك.
إذًا: تكون من تقدير من؟ لا بد أن تضاف إلى مقدر، فزعموا أن الإنسان هو الذي يقدر، فهؤلاء جعلوا الإنسان خالقًا مع الله، تعالى الله عما يزعمون، هذا الصنف الأول.
أما الصنف الثاني: فهم الذين أخلوا بعقيدة عموم الإحسان من الله والحكمة، وهم طائفة من المتكلمين، ومنهم متكلمة الأشاعرة، فإنهم نفوا الحكمة والتعليل في أفعال الله ﷿، وترتب على هذا -وإن كان ليس
[ ١٢ / ٦ ]
الأسئلة
[ ١٢ / ٧ ]
النهي عن التكلف في تفسير النصوص وحملها على غير ظاهرها
السؤال
أليس الأصل أن النصوص تؤخذ على ظاهرها ما لم يصرفها صارف من قرينة أو غيرها، ولكن الذي نراه أن هناك تفسيرًا لبعض النصوص على غير ظاهرها، نحو قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١]، حيث فسرها بعضهم بأن معنى الأهون ليس الأضعف، وكذلك تفسير بعض طلبة العلم لقول الرسول ﷺ: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه)، فسرها بأن المقصود ألا يطيل الصلاة وإنما يتأنى في الصلاة ولو أطال الخطبة؟
الجواب
هذه التفسيرات لا دخل لها بالمجاز، وأرجو من الكاتب أن يرجع إلى التفسيرات الصحيحة لهذه النصوص، أما تفسير الحديث فهو ظاهر، وهو أن النبي ﷺ بين لنا أن من فقه الرجل أن يطيل الصلاة في حدود السنة أيضًا، أما إذا صلى الإنسان لنفسه فله أن يطيل ما شاء، لكن إذا صلى بغيره يطيل إطالة نسبية ليست كصلاته لنفسه، وقصر الخطبة لا شك أنها من علامات فقه الرجل، بدون تأويلات وبدون تفسيرات، ولا اللجوء إلى ما ذكره الكاتب عن بعض الناس أنهم قالوا كذا، أو قالوا كذا فهذا الحديث نصه ظاهر ومعناه ظاهر ولا إشكال فيه، فهذه التأويلات ليست محسوبة على المنهج العام للسلف في تفسير النصوص.
[ ١٢ / ٨ ]
المنهج الحق في التعامل مع أهل السنة وأهل الأهواء والتعريف بهم
السؤال
لو تكرمت أن تكتب للناس رسالة عن الأشخاص قديمًا وحديثًا ممن يظن أنهم من أهل السنة والجماعة حتى يعلم بهم الناس؟
الجواب
ما أدري هل قصده أهل الخير أو أهل السنة أو قصده أهل الأهواء؟ لكن ما أرى أن تتوجه همة أحد من طلاب العلم إلى مثل هذا بخصوصه، يعني: لا ينبغي لطالب العلم أن يكون همه أن يشهر بأحد بهذه الطريقة.
أئمة أهل السنة والجماعة رفع الله ﷿ قدرهم، ووضع في قلوب العباد حبهم واعتبارهم، من غير أن نسلك الأساليب التي عليها الأحزاب والفرق وغيرها، ممن يسلكون مسلك الدعاية في لغة المعاصرين، فطالب العلم إذا ما كانت سمعته بعلمه وبانتفاع الأمة منه فلا ينبغي أن نصنع له هالة إعلامية نتصنعها بتكلف، فهذا أسلوب غير شرعي؛ فالمعهود عقلًا وشرعًا خاصة عند أهل السنة أن من كان فيه خير ونفع للأمة والإسلام والمسلمين في تقرير السنة فإن الله يرفع قدره بدون ما نتكلف له ذلك، وكذلك العكس كوننا نتصيد أو نتقصد أهل الأهواء والبدع بأسمائهم ثم نشهر بهم بطريقة تخالف المنهج الشرعي، فإن هذا سيؤدي إلى التعاطف معهم ولاستفزازهم، وليس هذا بمنهج شرعي، وما دمنا نستطيع أن نعالج أخطاء الذين يقعون في الأخطاء بغير التشهير بأسمائهم فهذا أولى وأسلم، إلا في حالات يقدرها العلماء الكبار.
[ ١٢ / ٩ ]
وجه كون صاحب البدعة غالبًا لا يوفق للتوبة
السؤال
ذكرت بأن صاحب البدعة غالبًا لا يوفق للتوبة، وإن تاب تبقى عنده رواسب من أفكاره التي كان عليها؟ فهل نعتبر هذه قاعدة عامة؟
الجواب
القاعدة العامة: أن صاحب البدعة غالبًا لا يوفق للتوبة إذا أصر على بدعته وقامت عليه الحجة وبان له الدليل، وذكرت في ذلك أسبابًا كثيرة، لكن السبب البين الظاهر: أن صاحب البدعة يحسن له الشيطان بدعته، ويظن أنها الحق، فهل تتوقعون من إنسان يظن أنه على الحق أن يتوب من الحق الذي يزعمه، فلذلك ما يوفق، هذا شيء.
السبب الآخر: أننا نتكلم عن صاحب البدعة المؤصل لها والمقيم والمصر عليها، أما المبتدع التابع العامي المبتدع الجاهل فقد يتوب؛ لأنه جاهل لا يدري أنه ابتدع، فإذا عرف أنه ابتدع قد يتوب.
إذًا: صاحب البدعة الذي يصر على بدعته ويعلنها فإنه قل أن يوفق للتوبة، وهذه قاعدة حتى بالاستقراء التاريخي هل سمعتم بفرقة مبتدعة رجعت إلى السنة، ما أعرف فرقة مبتدعة في تاريخ الأمة إلى يومنا هذا رجعت إلى السنة.
أما الأشخاص فنعم قد يكون منهم من يرجع إلى السنة، لكن نادر وقليل، ولذلك الذين تابوا من البدعة أعداد قليلة جدًا على مدار التاريخ ممن سمعنا بهم، أو سطر أسماءهم التاريخ.
أما قوله: إن تاب تبقى عنده رواسب من أفكاره التي كان عليها هذا هو الغالب؛ لأن ممن كانوا على بدع ثم تابوا منها فلا أعرف أن أحدًا منهم سلم من أوضار البدعة التي كان عليها، إلا البدع الصغار البدع الجزئية، أما بدع المناهج كبدعة المعتزلة والخوارج والمرجئة والجهمية والأشاعرة والماتريدية، والذين كانوا على مناهج أهل البدع ثم رجعوا إلى السنة، يندر أن يكون منهم من يسلم من غوائل الخلفيات السابقة إلا القليل، لكن كما يقال: النادر لا حكم له، تبقى القاعدة على العموم، وكل قاعدة لها استثناءات، حتى القواعد الكونية التي جعلها الله ﷿ سننًا كونية، فالله ﷿ أحيانًا بخرقها بمعجزات وغير ذلك.
[ ١٢ / ١٠ ]
رؤية الله في المنام
السؤال
في حديث النواس بن سمعان أن النبي ﷺ قال: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت)، هل يشمل هذا الرؤيا المنامية؟
الجواب
لا يشمل الرؤية المنامية؛ لأن الله ﷿ لا يرى على الحقيقة في المنام؛ لأن الأحلام في المنام هي أشبه بالخيالات، فكما يتخيل الإنسان أحيانًا إذا سمع بأسماء الله وصفاته يتخيل صفات الرب ﷿، فكذلك في المنام قد يتخيل أنه رأى ربه، فإذا قال أحد: إني رأيت ربي في المنام، فهو رأى شيئًا يظنه ربه، وليس هو الرب سبحانه على الحقيقة، وقد يرى الإنسان في منامه أنه رأى الله، وهذا صحيح، وقد تكون أضغاث أحلام، وقد تكون الرؤى صادقة، بمعنى أنها أمثالًا ضربت للإنسان لفائدة له، لعله يتعظ ويزداد خيرًا إن كان على خير، أو يكف عن شر إن كان على شر.
ولذلك إذا رأى أحد ربه فليعلم أن هذه موعظة ثم يتنبه لنفسه، ويتفقد حاله، كثير من الناس يبدو لهم أنهم رأوا ربهم في المنام، وأنا رأيت مرة كأني رأيت ربي، وبمجرد أن قمت من النوم عرفت أني لم أر ربي على الحقيقة، رأيت شيئًا في المنام، لكن ليس هو الله ﷿، تعالى الله، بل هي خيالات وأوهام.
وهذه المسألة يكثر فيها الخوض بين طلاب العلم، بعضهم يقول: أبدًا لا يمكن لأحد أن يرى ربه في المنام، نقول: هذه مسألة ليس لها علاقة بالرؤية العينية أبدًا، رؤية المنام أحلام، والأحلام لا حجر لها؛ لأن الروح ترى الخيال والخبال والحق والباطل، لكنها لا يمكن أن تكون رؤية حقيقة لله ﷿ أبدًا، حتى رؤية النبي ﷺ ورؤى الأنبياء حق، النبي ﷺ قال: (رأيت ربي البارحة على أحسن صورة) يعني: مثل له على أحسن صورة، لكن رؤية النبي ﷺ أقرب إلى الحق لربه من رؤية الناس.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٢ / ١١ ]