شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٣]
من الأمور التي تميز بين الخالق والمخلوق كون الخالق غنيًا والمخلوق فقيرًا يحتاج إلى من يقضي حاجته، وكون الخالق مسئولًا والمخلوق سائلًا، فالمخلوق مفتقر في كل أموره إلى خالقه سبحانه، هذه البدهيات جاء الزنادقة من أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ولبسوا على الناس فيها، فكان لزامًا على العلماء أن يبينوا للناس ما لبس عليهم في هذه الأمور، وأن يحذروهم من الانجرار وراء أهل الزندقة والإلحاد.
[ ١٣ / ١ ]
بيان مظاهر ألوهية الله وربوبيته وحكمته ورحمته وتدبيره العالم المحيط
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا اليوم في الفتاوى، وبعض المقاطع التي سنقرؤها طويلة وليس فيها تعليقات والشيخ في هذا الفصل أراد أن يرد على أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وذلك بتقرير الفرق الفطري والعقلي والشرعي المسلم به لدى جميع العقلاء بين الخالق ﷿ وبين المخلوقين بين الرب وبين المربوبين، وذلك أن الرب سبحانه هو الخالق البارئ المصور سبحانه، وهو الغني وهو المعبود وله المثل الأعلى في كل شيء، وله الكمال المطلق، وله الجلال والجمال سبحانه، وهو سبحانه الذي بيده مقاليد السماوات والأرض بيده ملكوت كل شيء، وأما المخلوق المربوب فهو ضعيف فقير مفتقر إلى الله ﷿ في كل شيء، ومحدود في الزمان والمكان، وهذا الفرق سيقرره الشيخ على نحو القواعد التي تتضمن الرد على فلسفة أصحاب الحلول ووحدة الوجود والاتحاد، لكن على منحى شرعي يستند ويرتكز على الدليل الشرعي المتضمن للدليل العقلي، على نحو ما ستلاحظون من خلال استقراء وسرد الآيات التي تدل على هذه الأمور، وإن كانت دلالتها بدهية كما ذكرت في دروس سابقة؛ لكن نظرًا لأن هؤلاء المبطلين شككوا في البدهيات فلا بد من تقرير الحق، لاسيما وأنهم ضللوا وخدعوا ولبسوا على طوائف من المسلمين، فكان لا بد من تمييز الحق من الباطل، والدفاع عن الحق ورد الباطل بالقواعد الشرعية.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل.
وهو كما يشهد ربوبيته وتدبيره العالم المحيط وحكمته ورحمته، فكذلك يشهد إلهيته العامة، فإنه الذي في السماء إله وفي الأرض إله، إله في السماء، وإله في الأرض: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] الآية، على أحد القولين: على وقف من يقف عند قوله «وَفِي الأَرْضِ» فإن المعنى: هو في السماوات الله، وفي الأرض الله، ليس فيهما من هو الله غيره.
وهذا وإن كان مشابهًا لقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] فهو أبلغ منه.
ونظيره قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢].
وقد قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم:٢٧].
وقال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
وقال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣].
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد:١٥].
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨].
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٦ - ٢٧].
وقوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:١].
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة:١].
ونحو ذلك من معاني ألوهيته، وخضوع الكائنات وإسلامها له، وافتقارها إليه، وسؤالها إياه، ودعاء الخلق إياه، إما دعاء عبادة، وإما دعاء مسألة، وإما دعاؤهما جميعًا، ومن أعرض عنه وقت الاختيار: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، ونشهد أن كل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه، فإنه باطل إلا وجهه الكريم، كما نشهد أنها كلها مفتقرة إليه في مبدئها، نشهد أنها مفتقرة إليه في منتهاها، وإلا كانت باطلة.
فهذه المعاني التي فيها تأله الكائنات إياه، وتعلقها به، والمعاني الأول التي فيها ربوبيته إياهم وخلقه لهم، يوجب أن يعلم أنه رب الناس ملك الناس، إله الناس وأنه رب العالمين لا إله إلا هو، والكائنات ليس لها من نفسها شيء، بل هي عدم م
[ ١٣ / ٢ ]
الفرق بين وجود الخالق ووجود المخلوق
ثم قرر الشيخ بعد ذلك هذا بقاعدة: أن هذه الكائنات الناقصة الحادثة الفانية موجودة، وهناك وجود آخر وهو وجود الحق ﷿ الخالق البارئ المصور الذي ليس قبله شيء، حيث قال: فهو الأول الذي ليس قبله شيء، وهذا فيه دلالة ظاهرة على أن هناك أولًا، فالأول الذي ليس قبله شيء هو الله ﷿، الذي وجوده أزلي، وهناك في الوجود حادث مخلوق لا يقابل الأول؛ لأنه سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء، ومن هنا يتجلى مدى كمال الله ﷿ وتصور ذلك في الأذهان، وهو إحكام الكمال المطلق لله بقولنا: هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وبين الأولية والآخرية وجود مفتقر حادث ليس هو الأول المطلق ولا الآخر المطلق وهو المخلوقات؛ لذلك قوله: (ليس قبله شيء) دليل على أن المخلوقات حادثة، (وليس بعده شيء) دليل على أن الدوام لله ﷿، وما يدوم شيء إلا بقدرة الله سبحانه، فدوام المخلوقات مثل: الجنة والنار هذا دوام من تقدير الله وخلقه، مفتقر في دوامه إلى الله وتقديره، فلو لم يقدر الله دوام هذه الشئون لما كان لها دوام، ودوامها أيضًا لا يمكن أن يعبر عنه بأنه الذي ليس بعده شيء؛ هذا لا يجوز إلا لله.
إذًا: هناك فرق بين من ليس قبله شيء وهو الله ﷿، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وبين ما هو مفتقر في وجوده وبقائه وفنائه وبعثه إلى الله ﷿، وتقدير جميع أحواله.
[ ١٣ / ٣ ]
تنوع معية الله لخلقه وتفاوتهم في درجاتها
ثم أشار إلى المعية في هذه الفقرة، قال: [ونعلم أن معيته مع عباده على أنواع وهم فيها درجات]، يعني: المعية دليل على التميز بين الخالق والمخلوق.
وهذا فيه رد ظاهر على أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، فإن المعية تدل على الاختلاف، لا يقال للشيء نفسه: إنه مع نفسه، لا يقال للشيء الواحد: إنه مع نفسه، إنما إذا قيل: الشيء الفلاني مع الشيء الفلاني فبينهما فرق ذاتي ومعنوي.
فإذًا: تحقيق المعية لله ﷿ وكونه مع عباده المعية العامة، ومع عباده الصالحين وعباده المؤمنين المعية الخاصة، أن هذه المعية تدل على المفارقة بين وجود الله ﷿ وبين وجود المخلوق، وأن لله ﷿ وجودًا يخصه وكمالًا لا يمكن أن يكون لأحد من خلقه، والخلق الذي له وجود يفتقر ويفنى وينتهي.
وهذه المعية معية محدودة، وتدل على الفرق بين الله ﷿ وبين خلقه، وهكذا بقية الأمور، وهذا مما قد لا يدرك إلا بمثل هذا الفقه الذي وفق الله إليه شيخ الإسلام ﵀.
[ ١٣ / ٤ ]
فصل في بيان الباطل المحض في الحلول والاتحاد
[ ١٣ / ٥ ]
الفرق بين ما يمنحه الله من آثار ربوبيته لعباده الصالحين وبين ما يمنحه من هذه الآثار لغيرهم
قال رحمه الله تعالى: [فصل.
فهذا فيما يشبه الاتحاد أو الحلول في معين، كنبي أو رجل صالح ونحو ذلك.
قد بينا ما فيه من الحق المحض، وما فيه من الحق الملبوس بباطل، وسنبيّن إن شاء الله ما فيه من الباطل المحض].
ولذلك أحب أن أنبه إلى ما يشير إليه الشيخ هنا، فقوله: (يشبه الاتحاد أو الحلول في معين كنبي أو رجل صالح أو نحو ذلك) يعني: أن الاتحاد والحلول في المعين له وجه حق ووجه باطل على ضوء ما سبق، وجه الحق في حلول معاني الربوبية والألوهية في قلوب الصالحين، وجه الحق في كونهم امتلأت قلوبهم بخشية الله ﷿ وتقواه ومحبته، في كونهم حلّت عظمة الله في قلوبهم، وأن الله ربهم ومعبودهم وإلههم، وامتلأت قلوبهم بالمعاني الإيمانية والإنابة إلى الله ﷿، والاستجابة لله ﷾ بالعمل الصالح، فهذا قد يسمى لغة: حلولًا، لكن ليس حلول الإله، وإنما حلول تعظيم الإله في قلوب العباد.
ثم ذكر ما ينافيه من الحق المحض، وما فيه من الحق الملبوس بباطل، وهو ما وجد عند بعض العُبّاد الذين عبدوا الله أولًا على طريق صحيح، لكن تجاوزوا في العبادة إلى حد ادعوا فيه الاستغناء عن عبادة الله ﷿، فهذه عبادة فيها جانب من الحق وهو توجههم إلى الله بقلوبهم، وجانب من الباطل وهو زعمهم أنهم بتحقيقهم للربوبية استغنوا عن الإلهيات، وهذه سيبينها الشيخ كما في فصل قادم.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا القسم إنما يقع فيمن يعبد الله سبحانه ويتولاه، أو يُظن به ذلك، فإنه بذلك تظهر ألوهية الله في عبده، وتظهر إنابة العبد إلى ربه، وموافقته له في محبته ورضاه].
هذا المعنى الذي أشار إليه الشيخ قد يسمى لغة: حلولًا، لكن ليس حلول الله، ولا جزءًا من الله، ولا شيئًا من خصائص الله ﷿ في المخلوقين، ولا حتى في أفضل الخلق، لا يمكن، إنما المقصود أن هؤلاء الصالحين حلت ألوهية الله وربوبيته في قلوبهم، وامتلأت بها حتى تمثلت في عقيدتهم، وفي أعمالهم والتزامهم بدين الله وأمره ونهيه.
قال رحمه الله تعالى: [وتظهر إنابة العبد إلى ربه، وموافقته له في محبته ورضاه وأمره ونهيه.
وقد يشتبه بهذا قسم آخر؛ وهو ما يظهره الرب من آثار ربوبيته في بعض عباده، وإن كان ذلك ليس مأمورًا به ولا هو عبادة له، مثل ما يعطيه من ملكه وسلطانه بعض الملوك المسلطين، ممن قد يكون مسلمًا وقد لا يكون، كفرعون وجنكيز خان ونحوهما، وما يهبه من الرزق والمال لبعض عباده، وما يقسمه من الجمال لبعض عباده من الرجال والنساء].
أي: أن الله ﷿ قد يظهر من آثار ربوبيته في بعض العباد وإن لم يكونوا حققوا الألوهية والعبادة، وذلك أن الله ﷿ ضمن لجميع الخلق الرزق، وآتى الملك من يشاء من العباد، وآتى الدنيا من يشاء، يؤتي الملك من يشاء سبحانه، فهذا أمر متعلق بالربوبية، وتحقيق تقدير الله للعباد بالرزق والتوفيق والملك والسلطان في الدنيا، لا يلزم أن يكون دليلًا على رضاه سبحانه، بل هذا أمر يعطيه المؤمن وغير المؤمن.
فإذًا: تحقيق هذه الأمور لبعض العباد وإن لم يكونوا من الصالحين ولا من المؤمنين، ليس دليلًا على التوفيق ولا على أنهم حققوا الإلهية.
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك ما يهبه من العلوم والمعارف، أو يهبه من الأحوال، أو يعطيه من خوارق العادات من أنواع المكاشفات والتأثيرات، سواء كان هؤلاء مؤمنين أو كفارًا مثل: الأعور الدجال ونحوه].
الخوارق هي من الربوبية ومن أقدار الله ﷿، ولا يلزم أن يكون تحقيقها للعباد الصالحين فحسب، فالله ﷿ قد يهب الخوارق للكافر وللمسلم، للصالح والفاسق، لكن الخوارق والمكاشفات والتأثيرات التي تتم للأنبياء والصالحين والمؤمنين من باب الكرامات، وإذا تمت لغير المؤمنين فهي من الفتنة والاستدراج، وهذه الخوارق والأشياء التي يحققها الله ﷿ بربوبيته وقدره لعباده، إن تمت على يد رجل صالح على السنة فهي كرامة، وإن تمت على يد رجل مسلم لكن على البدعة فهي فتنة.
قال رحمه الله تعالى: [فإنه في هذا القسم يقوم في العبد المعيّن من آثار الربوبية وأحكام القدرة أكثر مما يقوم بغيره، كما يقوم بالقسم الأول من آثار الألوهية وأحكام الشرع أكثر مما يقوم بغيره، وقد يجتمع القسمان في عبد، كما يجتمع في الملائكة والأنبياء والأولياء، مثل: نبينا ﷺ، والمسيح ابن مريم ﵇ وغيرهما].
يعني: تحقق في مثل هؤلاء من عباد الله، ومنهم أفضل الخلق، تحقق فيهم المعنيان: الربوبية، والألوهية، وآثار الربوبية، وآثار الألوهية، فهؤلاء الأنبياء حققوا بقلوبهم وجوارحهم ما أراده الله ﷿ منهم، بأن آمنوا بالقدر، وعبدوا الله ﷿ على ما شرع، فتحققت لهم آثار الربوبية والألوهية على نحو لم يكن عند غيرهم، فمن آثار ذلك الاستقامة، ثم بما أكرمهم الله به من المعجزات، ولا شك أن الله ﷿ أكرم النبيين والمرسلين عمومًا، وأكرم عيسى ومحمدًا ﷺ على وجه الخصوص من آثار الربوبية والإلهية ما لم يكن لغير
[ ١٣ / ٦ ]
الفرق بين كلمات الله وإرادته الكونية والشرعية
قال رحمه الله تعالى: [أما الأول: فإن الله سبحانه قد فرق بالقرآن وبالإيمان بين أمره الديني وخلقه الكوني].
الأول: تمييز الألوهية عن الربوبية، الذي ينبثق عنه تمييز الرب عن الخلق، والربوبية هي أفعال الله ﷿، والألوهية عبادة العباد لله، وفرق بين الفاعل هنا والفاعل هنا، وبين العابد والمعبود، هذا من وجه، وكذلك من وجه آخر التفريق بين هذا وهذا من حيث الاعتقاد والعمل.
قال رحمه الله تعالى: [أما الأول: فإن الله سبحانه قد فرق بالقرآن وبالإيمان بين أمره الديني وخلقه الكوني، فإن الله سبحانه خالق كل شيء ورب كل شيء ومليكه، سواء في ذلك الذوات وصفاتها وأفعالها، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته شيء، ولا يكون شيء إلا بمشيئته.
وقد كذب ببعض ذلك القدرية المجوسية من هذه الأمة وغيرها، وهم الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس والبهائم، ولا يقدر على أن يفعل بعباده من الخير أكثر مما فعله بهم، بل ولا على أفعالهم؛ فليس هو على كل شيء قدير، أو أن ما كان من السيئات فهو واقع على خلاف مشيئته وإرادته.
وهم ضلال مبتدعة، مخالفون للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولما عرف بالعقل والذوق.
ثم إنه قابلهم قوم شر منهم، وهم القدرية المشركية].
التمييز بين الفئتين ظاهر، الأولى: القدرية المجوسية الذين ينكرون قدر الله أو بعض قدر الله، وهم قدرية المعتزلة التي هي امتداد للقدرية الأولى القدرية المعبدية معبد الجهني وغيلان الدمشقي، فالقدرية الأولى أنكرت جميع تقدير الله ﷿ في أفعال العباد، ثم بعد ذلك خففت الأمر وجعلت بعض أقدار الله أو بعض مراحل مراتب القدر ليست من تقدير الله، فزعموا أن أفعال العباد ليست من تقدير الله، ثم بعد ذلك وصلوا إلى مرحلة أضيق أو أخف وإن كانت شرًا أيضًا، وهو أن بعضهم زعم أنا لا نخرج من أقدار الله إلا أفعال الشر، زعموا أن أفعال الإنسان التي يفعلها في الشر ليست من تقدير الله، وهذا يجعل بالضرورة أن هناك مقدرًا مع الله، أي: خالقًا مع الله، فهؤلاء يسمون: القدرية المجوسية، لماذا يسمون بالمجوسية؟ لأن المجوسية تعبد إلهين، وفلسفتهم في عبادة الإلهين أنهم يقولون: الإله الأصل وهو الله ﷿ هو إله الخير، لكنه لم يقدر الشر بزعمهم، فلما أخرجوا تقدير الشر عن الله، أسندوه إلى الشيطان، فزعموا أن الشيطان هو الذي خلق الشر، فلما زعموا ذلك عبدوه مع الله، فعبدوا إلهين، والقدرية في الإسلام على هذا المنهج، لكنه منهج أخذ أسلوب أهل الأهواء، أخذ مصطلحات شرعية وإسلامية واستدلالات فيها تلبيس، فهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأخذوا المتشابهات وجعلوها مسلكًا، فزعموا أن الإنسان مقدر أفعاله، وبعضهم صرّح أن الإنسان خالق أفعاله، إذًا: أثبتوا خالقًا مع الله، كما أثبتت المجوسية إلهًا غير الله، فسموا بالقدرية، وهذا المذهب موجود إلى الآن في أتباع المعتزلة، بعض الناس يظنه قد انقرض، أبدًا لا يزال أناس من كبار المفكرين الموجودين الآن يقررون هذا، بل إنهم زادوا أمرًا عجيبًا ما تكلمت به أكثر المعتزلة، فأكثر المعتزلة ما يجرءون أن يقولوا: إن الإنسان خالق مع الله، بهذا اللفظ، وإنما يقولون: الإنسان يقدر أفعاله، الإنسان مسئول عن أفعاله، الله لم يقدر أفعال الإنسان، أكثر المعتزلة على ذلك، أما المعتزلة المعاصرون فقد قرأت لعدد منهم يقولون: إن الإنسان خالق أفعاله، تعالى الله عما يزعمون، هذه قدرية موجودة، فكثير من العصرانيين العقلانيين على هذا المذهب، ليس إلزامًا لهم، لا، بل صرّحوا به، فهم ما بين مصرح بهذا اللفظ، وما بين من تابع المعتزلة بإجمال، ومنهم من تابع المعتزلة بالتفصيل، ومنهم من تابع المعتزلة وزاد عليها، فيظهر لي أن المعتزلة رغم انحرافهم، ورغم ما ظهر منهم من الابتداع وأقيمت عليهم الحجة فلم يرجعوا، إلا أنهم مع ذلك أكثر مداراة للعقيدة السليمة وللمسلمين من المعتزلة المعاصرة، أولئك عندهم شيء من الخوف أو نوع من ترويج المقولة، فليس عندهم تصريح بهذا المذهب من القول بأن الإنسان خالق أفعاله، أو القول بأن الله لم يخلق أفعال العباد، فهم لم يصرحوا بأن الإنسان خالق أفعاله كما صرحت المعتزلة الجديدة.
الفئة الثانية عكس هؤلاء تمامًا: وهم القدرية المشركية، فهؤلاء هم الجبرية، وهم عكس القدرية.
الجبرية: هم الذين زعموا أن الإنسان ليس له أي إرادة ولا حرية، فهو مسيّر تسيير كامل، ولذلك لا عليه أن يعمل أي شيء، حتى إنهم لا يؤاخذون الكافر على كفره، ولا المنافق على نفاقه، ولا يؤاخذون المشرك على شركه، فضلًا عن أن يؤاخذوا الفاجر على فجوره، ويقولون: ما دام أن الإنسان عرف الله فيكفيه ذلك؛ لأنه إن عمل شرًا فذلك راجع إلى أن الله قدّر عليه ذلك، فهو مجبور وليس محاسبًا ولا مؤاخذًا، وهؤلاء هم جبرية الجهمية التي انتهت إلى الصوفية الطرقية.
ومذهب القدرية المشركية هو الذي عليه أكثر الطرقية الصوفية، خاصة الغلاة الكب
[ ١٣ / ٧ ]
مرتبة القدرية المشركية في الكفر وعداوتهم للعقل
قال رحمه الله تعالى: [ثم إنه قابلهم قوم شر منهم وهم القدرية المشركية الذين رأوا الأفعال واقعة بمشيئته وقدرته، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]، ولو كره الله شيئًا لأزاله، وما في العالم إلا ما يحبه الله ويرضاه وما ثم عاص، وأنا كافر برب يعصى، وإن كان هذا قد عصى الأمر فقد أطاع الإرادة، وربما استدلوا بالجبر وجعلوا العبد مجبورًا، والمجبور معذور، والفعل لله فيه لا له، فلا لوم عليه، فهؤلاء كافرون بكتب الله ورسله، وبأمر الله ونهيه، وثوابه وعقابه، ووعده ووعيده، ودينه وشرعه كفرًا لا ريب فيه، وهم أكفر من اليهود والنصارى، بل أكفر من الصابئة والبراهمة الذين يقولون بالسياسات العقلية؛ فإن هؤلاء كافرون بالديانات والشرائع الإلهية وبالآيات والسياسات العقلية.
وأما الأولون ففي تكفيرهم تفصيل ليس هذا موضعه].
الأولون هم القدرية المعبدية والغيلانية، وقدرية المعتزلة، والتفصيل الذي أشار إليه الشيخ يمكن تلخيصه في مسألتين: المسألة الأولى: أن بعض القدرية الأولى أنكروا جميع مراتب القدر، فأنكروا علم الله ﷿ وكتابته ومشيئته وخلقه لأفعال العباد، فهؤلاء كفار لا شك.
الصنف الثاني: الذين زعموا أن الله ﷿ لم يقدّر بعض أفعال العباد؛ لالتباس في أذهانهم، وما وفقوا للهدى، فهؤلاء في تكفيرهم نظر، والله أعلم.
[ ١٣ / ٨ ]
الأسئلة
[ ١٣ / ٩ ]
العلاقة بين الرافضة والصوفية
السؤال
هل هناك علاقة بين الرافضة والصوفية؟
الجواب
نعم، هناك علاقة كبيرة، لكنها ليست علاقة انتماء، إنما علاقة منهج، أغلب الصوفية لا تنتمي للرفض، وأغلب الرافضة لا تنتمي للصوفية العامة، لكن الرافضة فيهم صوفية كثيرون، بل أصل الرفض قائم على التصوف، سواء كان تصوفًا طرقيًا أو غير طرقي، الرفض في عبادته يقوم على التصوف، وإن كان في مناهج العقيدة أسبق من التصوف، لكن لا يمكن أن يكون هناك رافضي بلا تصوف بمعناه المنهجي، بمعنى ما من رافضي إلا وهو من القبوريين، وليس هناك رافضي ليس من عبّاد المشاهد، وليس هناك رافضي ليس عنده بدع في الأوراد، لا يمكن، إلا في النادر، والنادر لا حكم له.
فإذًا: الصوفية متوغلة في الرفض، ولا تستغني الرافضة عن التصوف، لكن فيهم طرقيون وفيهم غير طرقيين، أما المتصوفة العامة الطرقية التي في سائر العالم الإسلامي فبعضها عندها تشيع شديد، وبعضها تشارك الشيعة الرافضة في بعض المبادئ، مثل: تقديس الأشخاص، ومثل: التعلق بالأوراد البدعية والسماعات، ومثل: التعلق بالقبور والمشاهد والآثار، وهذه قواسم مشتركة، وهي أصول وليست مجرد صفات عرضية، إنما هي أصول عند الصوفية تشترك فيها مع الرافضة.
[ ١٣ / ١٠ ]
علاقة الرافضي بالتصوف
السؤال
هل هناك رافضي لا يمكن أن يكون صوفيًا؟
الجواب
لا أظن، إلا النادر، والنادر لا حكم له، قد يوجد خاصة في البلاد التي فيها السنة ظاهرة ومهيمنة، مثل هذه البلاد الحمد لله لا يظهرون حتى تصوفهم، بل قد يوجد من شبابهم المثقفين من لا يمارس العبادات أصلًا لا صوفية ولا شيعية ولا غيرها، هذا مثل المعرضين عن الدين من أهل السنة لا يحسب، لكن المتدينون منهم لا يمكن أن يخرجوا من نزعة التصوف.
[ ١٣ / ١١ ]
المقصود بالكلمات الكونية والكلمات الدينية
السؤال
ما المقصود مما ذكرته سابقًا الكلمات الكونية والدينية؟
الجواب
الكلمات الكونية هي أقدار الله ﷿ التي تتم بكلماته التامة سبحانه، أما الكلمات الدينية فهي الشرائع التي مصدرها الوحي، الذي هو كلام الله أو وحيه للرسل، الكلمات الكونية هي كلمة (كن)، وأيضًا أقدار الله ﷿ التي فيها أقدار العباد وأقدار الخلق كلها، كل هذه تسمى كلمات كونية، والكلمات الشرعية هي الوحي والشرائع.
[ ١٣ / ١٢ ]
أنواع المعية ودرجاتها
السؤال
ذكر شيخ الإسلام أن المعية مع العباد أنواع، فهل يقصد المعية الخاصة والعامة؟
الجواب
نعم، يقصد المعية الخاصة والعامة، حتى المعية الخاصة درجات، أما المعية العامة فهي على درجة واحدة؛ لأنها معية كلية لا يتخلف عنها شيء من الأقدار؛ فأقدار العباد كلهم وأقدار أي مخلوق كلها داخلة في المعية العامة، سواء معية الله بعلمه أو بربوبيته، أما المعية الخاصة فهي تتفاوت.
[ ١٣ / ١٣ ]
حكم تغسيل ثياب الميت بالماء والشرب من ذلك الماء الخارج من الثياب
السؤال
قبل أسبوع توفي أحد أقاربي الكبار في السن، وقد قام بعض أهل البيت بعمل غريب، وهو أنهم قاموا بغسل ملابس الميت، ثم أخذوا الماء الخارج من الملابس، وقاموا بشربه وأمروا الحضور بشربه، علمًا بأن الغسيل يكون بالماء فقط؟
الجواب
سواء بالماء فقط أو بالماء والصابون أو بأي وسيلة كل هذا بدعة، وهذه بدعة غريبة في الحقيقة ينبغي التنبه لها، وهناك ظاهرة ينبغي التنبه لها، خاصة من طلاب العلم والدعاة، وهذه الظاهرة: هي أن الناس اليوم يتسارعون جدًا إلى البدع في المآتم، بدع عند غسل الجنائز، وصلاة الميت، وتشييع الجنازة، والبدع حول المقابر والتعازي، فمن ينظر إلى المسألة بدقة يجد أنه تظهر علينا سنويًا بدع جديدة، حتى في مجتمعنا الذي ما اعتاد على البدع، بعضها تقليد الآخرين وبعضها بدع جديدة ابتدعت من عندنا، فهذه مسألة يجب التنبه لها، والدين النصيحة، (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) وهذه البدع التي بدأت تزداد الآن وتكثر هي بدع بين من نعرفهم من أقارب وجيران وأهل الحي، فلا يسع أحدًا السكوت عنها، والسكوت عنها قد يؤدي إلى استعصاء علاجها فيما بعد.
[ ١٣ / ١٤ ]
وجه التداخل بين الفرق المنحرفة ونسبة ذلك التداخل
السؤال
هل انتماء الجبرية إلى الصوفية هو من باب تغير الاسم، أم أن هناك فرقًا بينهما؟
الجواب
هذه مسألة تتعلق بما يسمى بالتداخل بين الفرق، بعض الناس يقول مثلًا: هل مذهب الجهمية انتقل إلى الصوفية أو أن الجهمية ماتت، أو أن الصوفية تحولت إلى جهمية ولم تعد صوفية؟ كذلك: هل بدع المعتزلة والجهمية انتقلت إلى الرافضة، وصارت الرافضة جهمية ولم تعد رافضة؟ نقول: لا، الآن الحاصل منذ القرن الثالث وما بعده أن الفرق بدأت تأخذ ببدع جديدة مع بقائها على بدعها الأصلية، فالرافضة تحوّلت إلى مذهب الجهمية، مع أنها بقيت على أصول الرافضة القديمة، بل زادت عليها، وكذلك الخوارج، فالخوارج مثلًا بقوا على مذهب الخوارج، لكنهم أدخلوا على عقيدتهم مذهب الجهمية والمعتزلة، والصوفية دخلتها مذاهب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ودخلتها مذاهب الجهمية، ولا يعني ذلك أنها تخلت عن التصوف، بل زادت بدعًا في التصوف، وهذا يسمى التداخل بين الفرق، فالفرق تشابكت كل واحدة أخذت عن الأخرى مع بقائها على أصولها، وهذا مصداق قول النبي ﷺ في وصف أهل الأهواء: (تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه) يعني تمضي وتفتك بهم الأهواء كما يفتك مرض الكلب، وهو من الأمراض الفتاكة، وذلك إذا أصيب الإنسان بعضة الكلب المسعور تبدأ بجرح بسيط، ثم هذا الجرح يأكل الجسم عضوًا عضوًا حتى ينتهي الإنسان، فكذلك البدع تبدأ صغيرة، ثم صاحب البدعة يضيف إلى بدعته أخرى وأخرى حتى تهلكه.
إذًا: نخلص إلى أن هذه الفرق كل واحدة أخذت مساوئ الأخرى مع مساوئها الأولى التي كانت عليها.
نسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٣ / ١٥ ]