شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٧]
لقد تميز أسلوب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مناصحته لمخالفيه بالعدل والإنصاف، فتجده يذكر محاسن ذلك الشخص ومميزاته، مع الحذر من الوقوع في مخالفة أهل السنة والجماعة في العقيدة وغيرها، وهو بفعله هذا يدل على شفقته بالمنصوح، وإرادة الهداية له، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة، فهم كما يقول ﵀: يحبون الحق ويرحمون الخلق، وفي رسالته إلى نصر المنبجي دليل على ذلك الأسلوب الرائع الموفق منه رحمه الله تعالى.
[ ١٧ / ١ ]
رسالة شيخ الإسلام إلى نصر المنبجي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا كالمعتاد، وسنبدأ الآن في قراءة من مجموع الفتاوى، في المجلد الثاني من صفحة (٤٥٢)؛ لأن ما بعد الدرس السابق موضوعات من المسائل التي فيها متاهات كلامية ومحارات لا حاجة لنا بها، والشيخ ﵀ إنما كتبها للرد على أولئك الأقوام أو المتأثرين بهم، ولسنا بحاجة إليها؛ لذلك ننتقل الآن إلى صفحة (٤٥٢).
قال شيخ الإسلام قدَّس الله روحه: [بسم الله الرحمن الرحيم.
من أحمد بن تيمية إلى الشيخ العارف القدوة السالك الناسك أبي الفتح نصر فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه، ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وإخفائه، ونَهَج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته، وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته، وإرادته ومحبته؛ حتى يُظِهر للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية، وبين المؤمنين الصادقين الصالحين، ومن تشبه بهم من المنافقين، كما فرق الله بينهما في كتابه وسنته.
أما بعد: فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ، وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة في الدين والدنيا، وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا منزلة علية، ومودة إلهية؛ لما منحه الله تعالى به من حسن المعرفة والقصد، فإن العلم والإرادة أصل لطريق الهدى والعبادة].
في هذه المقدمة نستطيع أن نستجلي منهج الشيخ في التعامل مع الآخرين، وهو منهج شرعي أصيل، سلكه كثير من الأئمة والعلماء الذين يكاتبون غيرهم من العلماء، سواء كانوا من الموافقين أو من المخالفين، ما لم يكونوا من أصحاب البدع المغلظة الكبرى، أي: من المنحرفين الضالين.
والشيخ إذا كتب للعلماء الذي لهم قدرهم واعتبارهم، وإن كانوا ممن لهم زلات أو بدع أو مآخذ، يكتب لهم بأسلوب المُقَدِّر لهم، والمنوه عن فضائلهم، المؤدب مع العلماء، فهو يثني عليهم بما فيهم من الخير، ويتغاضى عما هم عليه من الأخطاء والزلات؛ لأنه لا يقصد في مثل هذه الرسالة التشهير، أو معالجة الأخطاء بالأسلوب الذي يسلكه كثير من الناس، والشيخ حتى مع الكفار من ملوك ورؤساء ووزراء وغيرهم يكتب لهم كتابة يكون فيها إشارة إلى قدرهم، أيًا كانوا، إن كانوا علماء فيذكر فضلهم وعلمهم إلى آخره، وإن كانوا وزراء فيذكر محاسنهم، وإن كانوا ملوكًا يتلطف معهم في الخطاب لدعوتهم ونصحهم، فهو ﵀ يؤثر خطاب النصيحة في الخطابات الخاصة، ولا أعرف من كتابات الشيخ ﵀ للآخرين -وإن كان من المخالفين- إلا أنه يسلك هذا الأسلوب، أسلوب الملاينة والمناصحة، والاعتراف بما عند المخالف من الفضل والعلم والقدر، وإثارة هذا الأمر والجانب فيه؛ لجره إلى الخير، وتهيئة نفسه لقبول النصيحة.
[ ١٧ / ٢ ]
الفرق بين المحبة الإيمانية والوجد المذموم
قال رحمه الله تعالى: [وقد بعث الله محمدًا ﷺ بأكمل محبة في أكمل معرفة، فأخرج بمحبة الله ورسوله ﷺالتي هي أصل الأعمال- المحبة التي فيها إشراك وإجمال، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤].
ولهذا كانت المحبة الإيمانية هي الموجبة للذوق الإيماني والوجد الديني، كما في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار)، فجعل ﷺ وجود حلاوة الإيمان معلقًا بمحبة الله ورسوله الفاضلة، وبالمحبة فيه في الله، وبكراهة ضد الإيمان].
يريد الشيخ ﵀ أن يجر العلماء المهتدين ممن يستعملون المصطلحات الصوفية إلى المعاني الشرعية، فكلمة الوجد والذوق التي استعملها هي كلمات ومصطلحات صوفية، الأصل أن نتجنبها، ولسنا بحاجة إليها، ولم ترد في الكتاب والسنة، والاشتباه فيها أكثر، فهي مشتبهة، والغالب أنها تستعمل على الوجه الباطل، لكن الشيخ يحاول أن يجر الذين ابتلوا باستعمال هذه المصطلحات من العلماء والعبَّاد إلى المعاني الشرعية التي يمكن أن تحتملها ألفاظ هذه المصطلحات، مع أنه ينفي المعاني البدعية، وينوه دائمًا عن فسادها وعن ابتداعها، فهو يشير في قوله: (المحبة الإيمانية الموجبة للذوق الإيماني والوجد به) استعمل هذه المصطلحات ليشير إلى أن الوجد والذوق كل منهما مقيد بالمعاني الشرعية التي يجب أن ترد إلى الكتاب والسنة، وإلى معاني الإيمان وثمراته.
قال رحمه الله تعالى: [وفي صحيح مسلم عن العباس قال: قال رسول الله ﷺ: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا)، فجعل ذوق طعم الإيمان معلقًا بالرضا بهذه الأصول، كما جعل الوجد معلقًا بالمحبة؛ ليفرق ﷺ بين الذوق والوجد الذي هو أصل الأعمال الظاهرة وثمرة الأعمال الباطنة، وبين ما أمر الله به ورسوله ﷺ وبين غيره، كما قال سهل بن عبد الله التستري: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل، إذ كان كل من أحب شيئًا فله ذوق بحسب محبته.
ولهذا طالب الله تعالى مدعي محبته بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، قال الحسن البصري: ادعى قوم على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله؛ فطالبهم بهذه الآية، فجعل محبة العبد لله موجبة لمتابعة رسوله ﷺ، وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الرب عبده.
وقد ذكر نعت المحبين في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، فنعت المحبين المحبوبين بوصف الكمال الذي نعت الله به رسوله الجامع بين معنى الجلال والجمال المفَرَّق في الملتين قبلنا، وهو الشدة والعزة على أعداء الله، والذلة والرحمة لأولياء الله ورسوله].
أراد الشيخ أن يبين هنا أن الملتين السابقتين: ملة موسى ﵇، وملة عيسى ﵇، كل واحدة منهما تميزت بميزة، وأن الكمال الذي وصف الله به هذه الأمة وميزها به مفَرَّق بين الملتين، فملة موسى ﵇ تميزت بالشدة والعزة والقوة؛ لأنها كانت رسالة إلى أهل الكبرياء والتعالي الفراعنة، ثم إلى بني إسرائيل الذين احتاجوا إلى هذا الموقف إزاء الباطل، والرحمة في ملة عيسى ﵇؛ ولذلك عيسى لم يبعث إلى سلطان كما بعث موسى إلى سلطان، فميز الله ملة موسى ﵇ بالشدة والعزة على أعداء الله، وميزت رسالة عيسى ﵇ بالرحمة والرفق، فجمع الله هاتين الخصلتين في هذه الأمة، جعل في هذه الأمة القوة والعزة على الكافرين، وجعل الرحمة والذلة للمؤمنين.
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا يوجد كثير ممن له وجد وحب مجمل مطلق].
يعني: الحب المجمل المطلق هو الذي لا يصرف إلى معين، هذا الحب ل
[ ١٧ / ٣ ]
مجيء الشريعة في العبادة باسم الله وفي السؤال باسم الرب
قال رحمه الله تعالى: [فهو سبحانه مستحق التوحيد، الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين لي، دعاء العبادة بالمحبة والإنابة والطاعة والإجلال والإكرام والخشية والرجاء ونحو ذلك من معاني تألهه وعبادته، ودعاء المسألة والاستعانة بالتوكل عليه والالتجاء إليه والسؤال له، ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته، وهو سبحانه الأول والآخر والباطن والظاهر.
ولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله، وفي السؤال باسم الرب، فيقول المصلي والذاكر: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وكلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر إلى آخرها ونحو ذلك].
يشير الشيخ هنا إلى معنى مهم، وهو أن العبادة هي توجه العباد بقلوبهم وأعمالهم إلى الله ﷿، وهي التأليه، وهذه تشمل كل معاني العبادة، ويجمعها أن العبد يتوجه إلى ربه ﷿ بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والتوكل وسائر الأعمال القلبية، فهو حينما يعبد الله ﷿ يعبده مؤلهًا له، متوجهًا إلى ربه بجميع أنواع التوجه؛ لأن من أعظم معاني اسم الجلالة (الله) انجذاب العباد إلى ربهم بقلوبهم وأعمالهم وأحوالهم، وهذه عبادة غالبًا تكون عبادة محضة.
والنوع الثاني: السؤال، وهو استجلاب المنفعة للعبد من ربه، واستدفاع الضر منه ﷿؛ فيكون متوجهًا إلى معنى الربوبية التي هي أفعال الله ﷿.
فالإنسان إذا عبد الله فباب العبادة هو الألوهية، وإذا سأل الله فباب السؤال هو الربوبية؛ ولذلك إذا كان الذكر محضًا؛ فينبغي أن يكون غالبًا بوصف الله ﷿ بالإلهية، وإذا كان الذكر دعاء واستجلابًا؛ فينبغي أن يركز العبد على أوصاف الربوبية لله ﷿، فيقول: يا رب يا رب! لاستجلاب المنفعة ودفع المضرة، وفي الذكر وتعظيم الله ﷿ الأولى أن يكثر من استعمال لفظ الجلالة (الله).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي
السؤال
﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف:٢٣].
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨].
﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧].
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص:١٦].
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران:١٤٧].
﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١١٨] ونحو ذلك.
وكثير من المتوجهين السالكين يشهد في سلوكه الربوبية، والقيومية الكاملة الشاملة لكل مخلوق، من الأعيان والصفات.
وهذه الأمور قائمة بكلمات الله الكونية، التي كان النبي ﷺ يستعيذ بها، فيقول: (أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن)].
[ ١٧ / ٤ ]
فناء كثير من السالكين بالتوحيد الرباني عن التوحيد الإلهي
قال رحمه الله تعالى: [فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني عما هو مأمور به أيضًا ومطلوب منه].
يريد الشيخ أن يبين للمرسل إليه المعاني الباطلة بالأسلوب المؤدب غير المباشر في النقد، فاستعمل مصطلحات الصوفية لجرهم إلى المعاني الموافقة للحق، يقول: (فيغيب ويفنى) هذه الكلمات ليست من الكلمات الشرعية، يعني: الغياب والفناء، ولا ينبغي أن يستعملها المسلم الذي سلم من هذه الاتجاهات، لكن الشيخ استعملها لجرهم إلى المعنى الصحيح، فيقول: (يغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني) يعني: يلهو وينشغل بتوحيد الربوبية عما هو مأمور به ومطلوب منه وهو توحيد الإلهية، فهو يشير إلى خطئهم في أنهم يركزون على جانب الربوبية ويغفلون أو يضعف عندهم التركيز على جانب الألوهية؛ ولذلك يكثرون من التعبد والتأمل والتحنث، ويقل عندهم دعاء السؤال من الله ﷿، ويقل عندهم أيضًا الاهتمام بجانب العبادة المحضة من الصلوات، والصيام، والصدقات، وبذل الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد الذي هو من مقتضيات العبادة.
قال رحمه الله تعالى: [فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني عما هو مأمور به أيضًا ومطلوب منه، وهو محبوب الحق ومرضيه من التوحيد الإلهي الذي هو عبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله ﷺ، والأمر بما أمر به والنهي عما نهى عنه، والحب فيه والبغض فيه.
ومن أعرض عن هذا التوحيد وأخذ بالأول؛ فهو يشبه القدرية المشركية، الذين قالوا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨].
ومن أخذ بالثاني دون الأول؛ فهو من القدرية المجوسية، الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا شاء جميع الكائنات، كما تقول المعتزلة والرافضة، ويقع في كلام كثير من المتكلمة والمتفقهة].
يقصد بالأول: اعتبار جانب الربوبية كما تفعل المتصوفة وإغفال جانب الإلهية، ويقصد بالثاني العكس: اعتبار جانب التشريع والشرع والأمر، وإغفال جانب الربوبية الذي هو القدر.
إذًا: فالصوفية يعنون بجانب القدر ويهملون الشرع، والآخرون المعتزلة ومن سلك سبيلهم يعنون بجانب الشرع والأمر والنهي، ويغفلون جانب القدر، أو يختل منهجهم في جانب القدر.
والحق وسط بين ذلك وذاك؛ فإن الحق هو اعتبار الأمرين، المسلم لا بد أن يعبد الله ﷿ مؤمنًا بقدره وملتزمًا بأمره، يجمع بين الأمر والقدر، كما ورد في الشرع وفق قواعد وضوابط شرعية، ليس مجرد جمع إقراري دون التزام الأصول والقواعد التي يكون فيها التزام الشرع مع التسليم بالقدر.
قال رحمه الله تعالى: [والأول ذهب إليه طوائف من الإباحية المنحلين عن الأوامر والنواهي، وإنما يستعملون ذلك عند أهوائهم، وإلا فهو لا يستمر، وهو كثير في المتألهة الخارجين عن الشريعة خفو العدو].
يبدو لي أن عبارة (خفو العدو) مندرجة خطأً؛ فتحذف؛ لأن الكلام يستقيم بدونها، وهي كلمة لا معنى لها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو كثير في المتألهة الخارجين عن الشريعة وغيرهم؛ فإن لهم زهادات وعبادات فيها ما هو غير مأمور به، فيفيدهم أحوالًا فيها ما هو فاسد، يشبهون من بعض الوجوه الرهبان وعباد البدود].
البدود: هي الأوثان، فمن أسمائها عند الهنود وفي آسيا الشرقية: البدود.
[ ١٧ / ٥ ]
قول الشيخ عبد القادر الجيلاني في القدر
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه: كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والولي من يكون منازعًا للقدر لا من يكون موافقًا له].
كلام الشيخ عبد القادر كلام مجمل لسنا بحاجة إليه؛ لكن نظرًا لتعلق الصوفية بالشيخ عبد القادر فنقول: هذه الكلمة لها محامل صحيحة وباطلة، فـ شيخ الإسلام ﵀ أراد أن يجرهم إلى الحق من خلال المحمل الحق الموجود في هذه الكلمة؛ لأن الكلمة تعني عند التأمل الجمع بين الشرع والقدر، وعدم ادعاء التعارض بينهما؛ لأن الصوفية يدعون التعارض، وأنه لا يمكن أن يخضع الإنسان للقدر ثم يلتزم الشرع، فإن خضع للقدر لا بد أن ينسى نفسه، وينسى شهوده بمشهوده، ووجوده بموجوده، إلى آخر العبارات التي هي أقرب إلى الفلسفة منها إلى الحق.
إذًا: كلام الشيخ عبد القادر له محمل حق، فأراد الشيخ أن يجرهم إلى المعنى الحق من خلال هذا المحمل، وإلا فالمؤمن المهتدي صاحب السنة ليس بحاجة إلى هذه المعاني أبدًا، وإنما تكفيه ألفاظ الشرع الواردة في الكتاب والسنة، فليس بحاجة إلى مثل هذه المعاني التي تحتاج إلى شرح، وكلها تقوم على التلميح والغموض، والكلام الإشاري، ومع ذلك فهو أراد أن يقرر الجمع بين الشرع والقدر، وأن الولي من يكون منازعًا للقدر، أي: لا يقعد عن الطاعة وعن بذل الأسباب؛ بسبب التسليم للقدر، كما يفعل غلاة الصوفية.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا الذي قاله الشيخ تكلم به على لسان المحمدية، أي: أن المسلم مأمور أن يفعل ما أمر الله به، ويدفع ما نهى الله عنه، وإن كانت أسبابه قد قدرت، فيدفع قدر الله بقدر الله، كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: (إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض)، وفي الترمذي: (قيل: يا رسول الله! أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقى نتقيها، هل تردُّ من قدر الله شيئًا؟ فقال: هن من قدر الله).
وإلى هذين المعنيين أشار الحديث الذي رواه الطبراني أيضًا عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: (يقول الله: يا ابن آدم! إنما هي أربع: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي، فأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئًا، وأما التي لك: فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، وأما التي هي بيني وبينك: فمنك الدعاء، وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين خلقي: فائت إلى الناس بما تحب أن يأتوه إليك)].
[ ١٧ / ٦ ]