شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٧]
لقد تصدى علماء السلف لمقولات المبتدعة المخالفة للعقيدة الصحيحة، فقد تصدى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لتفنيد مقولات ابن عربي وأتباعه الإلحادية، التي تفضي إلى وحدة الوجود، فهم لا يرون الخالق متميزًا عن المخلوق، وأصحاب وحدة الوجود فلاسفة دهرية، وقد أثرت مقولاتهم على عوام الناس، وتأثروا بأصحابها، واعتقدوهم أولياء لله تعالى وهم أولياء للشيطان، فكان لزامًا على العلماء أن يقوموا بواجب البيان لما عليه هؤلاء الزنادقة من الإلحاد والاتحاد، حتى يحذر المسلم من الوقوع في الكفر والزندقة.
[ ٧ / ١ ]
الرد على مقالة ابن عربي وغيره أن المعدوم شيء ثابت في العدم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فدرس اليوم سيكون فيما يتعلق برد شيخ الإسلام على أهل الإلحاد والحلول والاتحاد، وسنجد أنه كرر كثيرًا من المسائل، وأحيانًا يستطرد استطرادات في مسائل أجمل فيها في مواضع أخرى، فمن هنا سننتقي من خلال هذا المجلد مواضيع معينة تتعلق بأهم مناهج أهل الحلول والاتحاد، وأهم أشخاصهم الذين تأثرت بهم طوائف من هذه الأمة، وعلى رأسهم ابن عربي، وقرأنا في الدرس الماضي جملة مما قاله ابن عربي، واليوم أيضًا نعرج على جزء آخر مما عرضه شيخ الإسلام ابن تيمية من مقالة ابن عربي، ثم ننتقل بعد ذلك إلى آخرين، ما سنبدأ به هذه المقالة من مقالات ابن عربي والرد عليها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المقالة الأولى: مقالة ابن عربي صاحب (فصوص الحكم).
وهي مع كونها كفرًا فهو أقربهم إلى الإسلام؛ لما يوجد في كلامه من الكلام الجيد الكثير؛ ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره، بل هو كثير الاضطراب فيه، وإنما هو قائم مع خياله الواسع الذي يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى.
والله أعلم بما مات عليه فإن مقالته مبنية على أصلين.
أحدهما: أن المعدوم شيء ثابت في العدم، موافقة لمن قال ذلك من المعتزلة والرافضة].
سيكرر الشيخ مسألة: أن المعدوم شيء ثابت في العدم، وهذه المسألة من الناحية العقلية والبدهية غير معقولة وغير سائغة؛ لأن العدم ما سمي عدمًا إلا لأنه لا يقبل الوصف في الوجود أصلًا، والثبوت لا يوصف به العدم، فقولهم: إن المعدوم شيء ثابت في العدم.
راجع إلى أنهم يعتقدون أن الوجود كله إنما يكون من عناصر أولية، وهذه العناصر الأولية يعبرون عنها بالعدم، ومع أن هذا من الناحية العقلية غير معقول لكن هذه مقولتهم؛ لأنهم لا يعتقدون لله ﷿ تميزًا عن المخلوقات، أو زعموا أن المعدوم شيء ثابت في العدم وهو العناصر الأولية للوجود؛ لأنهم لا يؤمنون بأن الله يخلق من اللا شيء شيئًا؛ لأن هذا يؤدي إلى تميز المخلوق عن الخالق وهم لا يرون التميز، ولذا لا يرون الخالق متميزًا عن المخلوق، فهم دهرية، لكنهم أرادوا أن يحموا أنفسهم من نتائج الإلحاد في وقت عز الإسلام والمسلمين، فتلونوا بهذا التلون، وإلا فهم فلاسفة دهرية أصحاب وحدة وجود لا يرون للخالق تميّزًا، فإنهم لو قالوا: إن هناك شيئًا اسمه عدم، للزم أن يكون الله ﷿ خلق من العدم أو من اللا شيء، ولزم أن الخالق غير المخلوق وأن المخلوق غير الخالق، وهم لا يقولون بذلك، يقولون: ما الخلق إلا مظهر من مظاهر الخالق، فعلى هذا أنكروا أن يكون المعدوم عدمًا، إنما قالوا: هو ثابت في العدم.
قال رحمه الله تعالى: [وأول من ابتدع هذه المقالة في الإسلام أبو عثمان الشحام شيخ أبي علي الجبائي، وتبعه عليها طوائف من القدرية المبتدعة من المعتزلة والرافضة، وهؤلاء يقولون: إن كل معدوم يمكن وجوده، فإن حقيقته وماهيته وعينه ثابتة في العدم].
يعني: هم يرون أن عناصر الخلق موجودة قبل ظهور الخلق، لم يوجدها الله من لا شيء، فهي عناصر موجودة، وهذا هو المذهب الذي يقوم عليه أغلب النظريات الغربية اليوم، لذلك أصحاب العلم الحديث قامت أكثر نظرياتهم على إنكار الغيب، ولا يرون أن الموجودات وجدت من العدم، وأن جميع الموجودات ما وجد منها وما سيوجد عناصره موجودة أصلًا في الكون، وليس لله فضل ولا لخلقه ميزة في إيجاده للخلق، إنما الخلق وجد بموجب عناصر معينة بها تكونت المخلوقات.
وهذا مذهب فلسفي قامت عليه الوثنية اليونانية والرومانية القديمة، وارتكزت عليه أيضًا العلمانية الحديثة، التي قامت على إثرها النهضة المدنية الحديثة في الغرب، ولذلك تجدون أن المدنية الحديثة غير متوازنة؛ لأنها قامت على إشباع المادة دون الروح، وقامت على إنكار الوحي وإنكار الحق، واستعلت وبطرت وظنت أنها انتصرت على الحق؛ لأنها قامت على جهودهم العلوم التجريبية الحديثة، فظنوا أن أسس هذا العلم إنما هي مادية بحتة وليس وراءها أي أمر من أمور الغيب.
قال رحمه الله تعالى: [لأنه لولا ثبوتها لما تميز عن المعلوم المخبر عنه من غير المعلوم المخبر عنه، ولما صح قصد ما يراد إيجاده؛ لأن القصد يستدعي التمييز، والتمييز لا يكون إلا في شيء ثابت.
لكن هؤلاء وإن ابتدعوا هذه المقالة التي هي باطلة في نفسها، وقد كفّرهم بها طوائف من متكلمة السنة، فهم يعترفون بأن الله خلق وجودها، ولا يقولون: إن عين وجودها عين وجود الحق.
وأما صاحب الفصوص وأتباعه فيقولون: عين وجودها عين وجود الحق، فهي متميزة بذواتها الثابتة في العدم، متحدة بوجود الحق القائم بها، وعامة كلامه ينبني على هذا لمن تدبره وفهمه.
وابن عربي إذا جعل الأعيان ثابتة لزمه وجود كل ممكن، وليس هذا قول المعتزلة، فهذا فرق ثالث.
وهؤلاء القائلون بأن المعدوم شيء ثابت ف
[ ٧ / ٢ ]
الرد على مقالة أن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته وأن الوجود صفة للموجود
قال رحمه الله تعالى: [وإن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته، وقد يقولون: الوجود صفة للموجود.
وهذا القول وإن كان فيه شبه بقول القائلين بقدم العالم، أو القائلين بقدم مادة العالم وهيولاه المتميزة عن صورته فليس هو إياه].
يعني: هذا قول الفلاسفة، ولذلك ندرك جيدًا وبدون أي تكلف أن مذاهب هؤلاء كـ ابن عربي والتلمساني والقونوي وابن سبعين والسهروردي المقتول وكل هؤلاء ما جاءوا بجديد، مذاهبهم موجودة عند فلاسفة اليونان والرومان والصابئة، وفلاسفة المجوس، وفلاسفة الهنود، وإنما هؤلاء أعطوها صفة الألفاظ والمعاني الشرعية، ونسبوها إلى الإسلام فقط، وإلا فهم لم يأتوا بجديد.
قال رحمه الله تعالى: [وإن كان بينهما قدر مشترك؛ فإن هذه الصورة المحدثة من الحيوانات والنبات والمعادن ليست قديمة باتفاق جميع العقلاء، بل هي كائنة بعد أن لم تكن.
وكذلك الصفات والأعراض القائمة بأجسام السماوات والاستحالات القائمة بالعناصر، من حركات الكواكب، والشمس، والقمر، والسحاب، والمطر، والرعد، والبرق وغير ذلك، كل هذا حادث غير قديم، عند كل ذي حس سليم؛ فإنه يرى ذلك بعينه.
والذين يقولون بأن عين المعدوم ثابتة في القدم، أو بأن مادته قديمة، يقولون بأن أعيان جميع هذه الأشياء ثابتة في القدم، ويقولون: إن مواد جميع العالم قديمة دون صوره.
واعلم أن المذهب إذا كان باطلًا في نفسه لم يمكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور تصورًا حقيقيًا؛ فإن هذا لا يكون إلا للحق].
هذه قاعدة عظيمة لمن تأملها، وهذا الأمر هو الذي يجعل الباطل يلتبس على عامة العقلاء إذا لم يوفقهم الله ﷿ لبصيرة نافذة وللاهتداء بهدى الله ﷿، وهذه الأمور مع أنها تصادم البديهة فإنها تلبس؛ لأنه لا يتصور أن عاقلًا يقول بهذا القول، فيظن أن لقوله وجهًا آخر فيلتبس عليه الأمر، وإلا هل يعقل أن مواد جميع العالم أزلية تماثل الله ﷿؟ هذا مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن يكون الموجود إلا عن خالق أزلي لا بداية له كما وصفه النبي ﷺ، بأنه الأول الذي ليس قبله شيء.
إذًا: هذه قاعدة في أكثر أمور الباطل، يقول: (واعلم أن المذهب إذا كان باطلًا في نفسه لم يمكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور تصورًا حقيقيًا) لماذا؟ لأنك كيف تستطيع أن تتصور الباطل وهو باطل؟ لا تستطيع أن تتصور الباطل الذي لا حقيقة له تصويرًا ينبئ عنه إلا بضده؛ فلذلك لا يتصور الباطل إلا بتصور الحق، فإذا ثبت الحق في قلب الإنسان عرف الباطل؛ لأن الباطل لا يُعقل ولا يُعقل إلا الحق، إنما يتوهم الباطل توهمًا.
إذًا: الباطل أوهام، سواء في نفس القائلين به أو في نفس السامعين له، أو فيمن يريد أن يعبّر عن الباطل حتى ولو كان من أصحاب الحق لا بد أن يعبّر أنه أوهام؛ لأن الباطل وهم، هذه الفلسفة وإن كانت صعبة، لكنها بدهية لمن تأملها على سعة؛ ولذلك مثل هذه العبارة يجب أن تأملوها على سعة من وقتكم.
فقوله: (واعلم أن المذهب إذا كان باطلًا في نفسه) يعني: أحيانًا يكون الأمر فيه التباس، فالالتباس يوجد عند الإنسان، فهو يرى الحق من جهة، ويلتبس عليه الباطل من جهة أخرى، لكن المذهب إذا كان باطلًا في نفسه لم يمكن الناقد له، بل حتى المتكلم به أو المعبّر عنه أن ينقله على وجه يتصور تصور حقيقًا إلا على وجه الخيال والتوهم؛ لأن الباطل كله وهم، وليس له حقيقة، وليست الحقيقة إلا للحق.
[ ٧ / ٣ ]
منشأ اشتباه الباطل على أهل الباطل
قال رحمه الله تعالى: [فأما القول الباطل فإذا بُيّن فبيانه يظهر فساده، حتى يقال: كيف اشتبه هذا على أحد؟ ويتعجب من اعتقادهم إياه، ولا ينبغي للإنسان أن يعجب، فما من شيء يتخيل من أنواع الباطل إلا وقد ذهب إليه فريق من الناس؛ ولهذا وصف الله أهل الباطل بأنهم أموات، وأنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:١٨]، وأنهم لا يفقهون، وأنهم لا يعقلون، وأنهم في قول مختلف، يؤفك عنه من أفك، وأنهم في ريبهم يترددون، وأنهم يعمهون، وإنما نشأ والله أعلم الاشتباه على هؤلاء من حيث رأوا أن الله سبحانه يعلم ما لم يكن قبل كونه أو ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فرأوا أن المعدوم الذي يخلقه يتميز في علمه وإرادته وقدرته؛ فظنوا ذلك لتميز ذات له ثابتة، وليس الأمر كذلك].
من الأمور التي ينبغي أن نفهمها من مثل هذه المقالات، وهي متقررة في الكتاب والسنة أنه يجب أن نفرق في فهم الحق بين الحقائق العلمية المشاهدة والمعلومة بالتجربة وبالحواس، وبين الحقائق الغيبية، فالحقائق العلمية التجريبية سواء في سلوك الإنسان، أو في العلم التجريبي، أو في أي أمر من أمور الشهادة وسيلتها مدارك الإنسان، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، فكل إنسان يدرك بعقله أن (١+١=٢) هذه مسألة لا تحتاج أن يتميز بها المهتدي عن الضال، وكل إنسان يدرك أن هناك فرقًا بين اللون الأبيض واللون الأسود، إذا كانت عنده الحاسة التي يدرك بها.
وإذا كانت عنده حاسة الشم فإنه يستطيع أن يدرك المشموم الطيب من المشموم الخبيث، ولا أحد ينازعه في ذلك وهكذا.
فالمدركات التي تخضع للحواس حقائقها تدرك بوسائلها التي أعطاها الله للبشر، لكن المدركات الغيبية ليس لها إلا طريق واحد، وهذا الطريق لا يمكن أن يصل إليه الإنسان إلا بتوفيق الله ﷿ والتزام الوحي، بهداية من الله، وإذا حجبه الله عن الهداية ولم يلتزم بالوحي فمهما أوتي من العقل والذكاء والقدرات العلمية والعلوم التجريبية فلن يصل إلى حقيقة غيبية أبدًا، لا يثبتها ولا ينفيها، لا يستطيع بهذه الوسائل مهما كانت جبّارة عند الإنسان، لو اجتمعت قوى البشر كلهم لا يمكن أن ينفوا حقيقة من حقائق الغيب، ولا أن يثبتوها بدون الوحي، وهذا هو الفارق بين الحقائق.
إذًا: لا ينبغي للإنسان أن يعجب من وقوع هؤلاء في مخالفة البدهيات؛ لأنهم أضلهم الله، بل عليه أن يسأل ربه العافية والهداية والتوفيق؛ فقد كان النبي ﷺ وهو المعصوم المحفوظ بحفظ الله يقول: (يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك).
فالإنسان إذا انقلب قلبه عن الهدى إلى الباطل لا يدرك البدهيات الغيبية أبدًا، حتى وإن كانت بدهية، حتى فيما يتعلق بالله ﷿ وبوجوده قد يوجد من الناس من ينقلب فكره وعقله وتفكيره حتى ينكر ربما ذاته هو، فقد وجد من الفلاسفة المشائين من أحدثوا فلسفة يعتقد فيها بعضهم أن وجودك أنت فيه شك، وهذا المذهب وجد عند الغربيين، فعندهم أنك يا من تعبر عن نفسك أن تفترض أن وجودك فيه شك، هذه مخالفة للبدهيات.
فإذًا يجب على المسلم دائمًا وطالب العلم بخاصة أن يستحضر هذا الأمر، وهو أنه لا يعجب من وجود أناس قد ينتسبون للحق، وقد يقولون بأنهم مسلمون، وقد يقولون بأنهم أهل علم وفقه ودراية، ومع ذلك يذهلون عن البدهيات الشرعية؛ لأن إدراكها إنما يكون بتوفيق الله ﷿، لا بمدارك الإنسان، فإذا رأى مثل هذه الأمور فيجب على المسلم أن يستحضر سؤال ربه العافية، وأن يسأل الله الثبات على الحق والهدى.
قال رحمه الله تعالى: [وإنما هو متميز في علم الله وكتابه، والواحد منا يعلم الموجود والمعدوم الممكن].
يعني: نحن لا نعلم الموجود كله، إنما نعلم معنى كلمة الوجود، الواحد منا يعلم معنى الوجود، أو معنى الموجود ومعنى المعدوم، يعني: التصور الذهني، فإذا عرفنا أن لغة أي إنسان مؤدية إلى التعبير عن المفاهيم، فإنا نعلم أن التعبير عن المعدوم المقصود به عكس الموجود، وهو اللا شيء، وهو العدم المحض؛ لأنه لا يسمى المعدوم معدومًا إلا إذا كان غير موجود.
قال رحمه الله تعالى: [والواحد منا يعلم الموجود والمعدوم الممكن والمعدوم المستحيل].
هذا على حسب المدارك العقلية.
قال رحمه الله تعالى: [ويعلم ما كان كآدم والأنبياء، ويعلم ما يكون كالقيامة والحساب].
قوله: (يعلم) هنا بمعنى أنه يتصور، وليس بمعنى أنه يعلم بدون تعليم، نحن ما علمنا آدم والأنبياء، ولا علمنا القيامة والحساب إلا بما علمنا الله ﷿ عن طريق كتابه وسنة رسوله ﷺ.
إذًا: قصد الشيخ هنا بقوله: (يعلم) بمعنى أنه يتخيل ويتصور ما ورد في الخطاب الشرعي، فلما جاءنا في الخطاب الشرعي خبر عن آدم علمنا بوجود آدم، وتخيلنا لآدم صورة، وكل منا الآن في ذهنه صورة عن آدم، وهي تقرب إلى الحقيقة، الصورة الإجمالية أما الصورة التفصيلية لا تكون إلا لمن رأى ونحن لم نر، إنما آمنا بالغيب، ونسأل الله أن يثبتنا على ذلك.
[ ٧ / ٤ ]
بطلان حديث: (كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين)
قال رحمه الله تعالى: [وأما ما يرويه هؤلاء الجهال كـ ابن عربي في الفصوص وغيره من جهّال العامة: (كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين، كنت نبيًا وآدم لا ماء ولا طين) فهذا لا أصل له ولم يروه أحد من أهل العلم الصادقين، ولا هو في شيء من كتب العلم المعتمدة بهذا اللفظ، بل هو باطل؛ فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط، فإن الله خلقه من تراب، وخلط التراب بالماء حتى صار طينًا، وأيبس الطين حتى صار صلصالًا كالفخار فلم يكن له حال بين الماء والطين مركب من الماء والطين، ولو قيل: بين الماء والتراب لكان أبعد عن المحال، مع أن هذه الحال لا اختصاص لها، وإنما قال: (بين الروح والجسد)، وقال: (وإن آدم لمنجدل في طينته)؛ لأن جسد آدم بقي أربعين سنة قبل نفخ الروح فيه، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان:١] الآية.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ﴾ [الحجر:٢٨] الآيتين.
وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧] الآيتين.
وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧١] الآية.
والأحاديث في خلق آدم ونفخ الروح فيه مشهورة في كتب الحديث والتفسير وغيرهما، فأخبر ﷺ أنه كان نبيًا، أي: كتب نبيًا وآدم بين الروح والجسد، وهذا -والله أعلم- لأن هذه الحالة فيها يقدر التقدير الذي يكون بأيدي ملائكة الخلق، فيقدّر لهم ويظهر لهم ويكتب ما يكون من المخلوق قبل نفخ الروح فيه].
نخلص من هذا بنتيجة هي الفارق بين فهم أهل الحق وبين فهم كثير من الباطنية والفلاسفة والصوفية في مسألة النبوة، فهؤلاء الذين اعتقدوا الباطل في النبوة زعموا أن نبوة النبي ﷺ حاصلة فعلًا قبل خلق آدم، وأخذوا بظواهر هذه النصوص، وبنصوص أخرى ضعيفة ومكذوبة، وما علموا أن مسألة تقدير الله ﷿ للأشياء غير مسألة الحصول، بما في ذلك نبوة النبي ﷺ، والدليل على هذا نصوص أخرى، فإنه فرق بين تقدير النبوة وبين حصولها، أما التقدير والكتابة لنبوة النبي ﷺ فهي كغيرها من المقادير، قدره الله ﷿ قبل خلق آدم، لكن حصولها لم يحدث إلا بعدما قدر الله ﷿ للنبي ﷺ أن يكون نبيًا، واصطفاه بعد أن بلغ أربعين سنة، والنبي ﷺ قبل ذلك لم يكن نبيًا، نعم قدر الله في القدر السابق أنه سيكون نبيًا إذا جاء وقت نبوته، ولذلك يجب أن نفرّق، وهذا في كثير من التوهمات التي عند الصوفية خاصة في الولاية والنبوة والوحي وأشياء كثيرة، لذلك اعتقدوا للمشركين الولاية؛ لأنهم يعتقدون أن سلسلة النبوة تسلسلت بالوراثة والولادة من آدم إلى محمد ﷺ، وحكموا على كل هذه السلسلة بأنهم لا بد أن يكونوا من أهل الجنة وأن يكونون أولياء، بل يكونون أنبياء، بل إن الرافضة وحتى الصوفية جعلوا النبوة تورث حتى بعد النبي ﷺ على وجه آخر، هؤلاء يسموها الإمامة، وهؤلاء يسموها الولاية، بناء على فلسفة كل طائفة، وأن القداسة موروثة لا بد أن تورث، فجاء هذا المذهب ودخل على الأدباء ودخل على الفلاسفة، ودخل على الفرق، ودخل على الصوفية، ودخل على كثير ممن ينتسبون للإسلام من فرق المسلمين، وذلك أنهم لم يفرقوا بين التقدير السابق وبين حصول القدر، التقدير السابق أن الله ﷿ قدّر للنبي ﷺ النبوة كما قدّر جميع أقدار الخلق قبل خلق آدم، لكن حصول النبوة لم يكن للنبي ﷺ إلا حينما اصطفاه الله ﷿، ولذلك الله ﷿ وصف النبي ﷺ قبل النبوة بصفات: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] يعني: ما كان النبي ﷺ يدري ما الكتاب ولا الإيمان، فلو كان مشتملًا على النبوة لعلم، لكن ما اشتمل على النبوة إلا بعدما اصطفاه الله ﷿ وكذلك بقية الأنبياء.
إذًا: يجب أن نفرق بين تقدير النبوة قدرًا، وبين حصولها فعلًا كسائر المقدرات في أقدار الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما أخرج الشيخان في الصحيحين وفي سائر الكتب الأمهات حديث الصادق المصدوق، وهو من الأحاديث المستفيضة التي تلقاها أهل العلم بالقبول، وأجمعوا على تصديقها، وهو حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك فيؤمر بأربع كلمات فيق
[ ٧ / ٥ ]
حقيقة المعدومات
قال رحمه الله تعالى: [وهذه المعدومات الممتنعة ليست شيئًا باتفاق العقلاء مع ثبوتها في العلم، فظهر أنه قد ثبت في العلم ما لا يوجد وما يمتنع أن يوجد؛ إذ العلم واسع، فإذا توسع المتوسع وقال: المعدوم شيء في العلم، أو موجود في العلم، أو ثابت في العلم فهذا صحيح، أما أنه في نفسه شيء فهذا باطل، وبهذا تزول الشبهة الحاصلة في هذه المسألة].
نعود إلى معنى العلم هنا؛ لأن كلام الشيخ في الحقيقة مشكل، لو أُخذ على ظاهره لقلنا: هذا باطل، لكن السياق يدل على قصد الشيخ، فمثلًا قوله: (وهذه المعدومات) إلى آخره، ثم قوله في السطر الثاني صفحة (١٤٦): (ويعلم أحدنا ما لم يكن لو كان كيف سيكون) هذا معناه علم الخيال وليس علم الحقيقة، فنحن لا نعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، أو أن في العبارة خللًا وسقطًا؛ لأن هذا التعبير يقال في حق الله ﷿، الله هو الذي يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، فإما أن يكون في العبارة سقط، أو أن الشيخ قصد العلم التخيلي، ونقارنه بنفس الصفحة التي نحن فيها (١٥٥).
وقوله: (إذا توسع المتوسع وقال: المعدوم شيء في العلم) يعني: في التخيل، فأنت عندما تقول كلمة في تعبيرك عن المعدوم تدل على مفهوم معيّن، هذا المفهوم سماه الشيخ علمًا لا حقيقة، يعني: علم خيالي، أن تتخيل ما معنى كلمة معدوم وما معنى كلمة موجود؛ لأنها عبارات تعبّر عنها، ويؤيد هذا قوله: (أما أنه في نفسه شيء) يعني: المعدوم (فهذا باطل).
وأما كونك تعلم معنى كلمة معدوم ومعنى كلمة موجود فلا شك أنك ما عبّرت عنها إلا لأن في ذهنك عنها خيالًا، وتعلم عنها مفهومًا، فالشيخ يقصد المفهوم لا الحقيقة، والمفاهيم لا حجر لها، فالإنسان إذا تكلم عن الخيالات فهم لها مفاهيم خيالية في ذهنه، فهذه تسمى تخيلات أو تسمى تصورات، لكن ليست حقائق إلا إذا كانت تنطبق على معلوم بالحواس أو معلوم بخبر الله وخبر رسوله ﷺ.
أما الأمثلة التي أوردها بعد ذلك في الآيات فقصده أنه سيعلم أن هناك مآلًا، مثل قوله ﷾: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] نحن نعلم أن الكفار لو ردوا إلى هذه الدنيا لعادوا إلى كفرهم.
إذًا: السياق يدل على معنى كلام الشيخ، لكن لو أخذنا العبارة بدون السياق ففيها إشكال، يعني: كيف نقول: إن أحدًا يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون؟ يعني بمعنى أنه يعلم خبر الله ﷿؟ لكن هذا بالخبر ليس بعلمنا نحن، وهو راجع إلى خبر الله ليس إلى علمنا، فالموضوع فيه لبس؛ ولذلك أنا وضعت كلمة (معنى) (فيعلم معنى ما لم يكن لو كان كيف يكون) من هنا تستقيم العبارة، والاستدلال لها يدل على مقصود الشيخ، فالشيخ كأنه يقول: إنه ما لم يكن إذا تخيلناه علمنا كيف يكون، إما بما يتعلق بخيالاتنا، وإما بما أُخبرنا عنه من أمور المستقبل وأمور الماضي، مما ورد فيه، فإنا نتخيل كيف يكون، لكن لا نعلم الكيفية.
فالمقصود الحقيقة المتخيلة أو الحقيقة المتصورة، فإن كان مما نعبّر نحن عنه في خيالنا فهذا خيال، وإن كان مما نفهمه من كلام الله ﷿ في أمر الغيب فهذا تصور للحقيقة، أما كيفية الحقيقة فلا نعلمها إلا إذا صارت.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف أن المعدوم ليس في نفسه شيء، وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع القديم، قال الله تعالى لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩] فأخبر أنه لم يك شيئًا.
وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٧].
وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥].
فأنكر عليهم اعتقاد أن يكونوا خلقوا من غير شيء خلقهم أم خلقوا هم أنفسهم؛ ولهذا قال جبير بن مطعم ﵁: لما سمعت رسول الله ﷺ قرأ هذه السورة أحسست بفؤادي قد انصدع.
ولو كان المعدوم شيئًا لم يتم الإنكار، إذا جاز أن يقال: ما خلقوا إلا من شيء، لكن هو معدوم فيكون الخالق لهم شيئًا معدومًا، وقال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٠]، ولو كان المعدوم شيئًا لكان التقدير: لا يظلمون موجودًا ولا معدومًا، والمعدوم لا يتصور أن يظلموه، فإنه ليس لهم.
وأما قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] فهو إخبار عن الزلزلة الواقعة أنها شيء عظيم، ليس إخبارًا عن الزلزلة في هذه الحال؛ ولهذا قال: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج:٢]، ولو أريد به الساعة لكان المراد به أنها شيء عظيم في العلم والتقدير.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَ
[ ٧ / ٦ ]