مدخل
الباب الأول: التوحيد
التوحيد في اللغة: مصدر وحّد، يوحّد، وهو جعل الشيء واحدًا (١) .
وفي الاصطلاح: الإيمان بوجود الله وإفراده بالربوبية والألوهية والإيمان بجميع أسمائه وصفاته (٢) .
وقد فطر الله تعالى بني آدم على الإيمان به تعالى وتوحيده، فالإنسان يولد مؤمنًا بوجود الله تعالى، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، فلو ترك على أصل فطرته لنشأ موحدًا لله تعالى (٣) .
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] .
وقال النبي ﷺ: " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه " رواه البخاري، ومسلم (٤) .
_________________
(١) ينظر لسان العرب، مادة (وحد)، والتعريفات ص٩٦، والحجة ١/٣٠٥، ٣٠٦.
(٢) ينظر لوامع الأنوار ص٥٧، القول السديد ص١٦، التنبيهات السنية ص٩، القول المفيد ١/٥.
(٣) تفسير البغوي ٣/٤٨٢، تفسير ابن كثير ٣/٦٨٨، معارج القبول ١/٩١،٩٣.
(٤) صحيح البخاري (١٣٥٩)، وصحيح مسلم (٢٦٥٨) .
[ ٣٥ ]
وفي رواية لمسلم: " ما من مولود يولد إلا على هذه الملة ".
وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا، أنه ﷾ قال: " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم ". رواه مسلم (١) .
ولذلك فإن آدم أبا البشر - ﵇ - وذريته الذين كانوا في زمنه كانوا موحدين، واستمر ذريته من بعده على التوحيد حتى جاء قوم نوح ﵇، فزين لهم الشيطان الشرك ودعاهم إليه فوقعوا فيه.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أنواع التوحيد في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله سبحانه في صدر سورة الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فلفظة ﴿لِلَّهِ﴾ تثبت توحيد الألوهية، ولفظة ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تثبت توحيد الربوبية، وأيضًا قوله تعالى في هذه السورة: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يثبت توحيد الأسماء والصفات، وكذلك قوله تعالى في السورة نفسها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يثبت توحيد الربوبية، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يثبت توحيد الألوهية، والآيات في بيان أنواع التوحيد كثيرة جدًا، وصريحة في بيان هذه الأنواع، ولهذا فقد ذكر أهل العلم من سلف هذه الأمة ومن كافة المذاهب الأربعة - الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة - أنواع التوحيد
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٨٦٥) .
[ ٣٦ ]
الثلاثة (١)، وهذه الأنواع هي:
١- توحيد الربوبية.
٢ـ توحيد الألوهية (العبودية) .
٣ـ توحيد الأسماء والصفات (٢) .
وسأبيّن كل واحد من هذه الأنواع في فصل مستقل فيما يلي:
_________________
(١) بعضهم يذكرها مجتمعة، وبعضهم يذكر بعضها عند كلامه على بعض مسائلها. وبعض العلماء يجعل التوحيد نوعين: ١- توحيد في المعرفة والإثبات (وهذا يدخل فيه توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات) . ٢- توحيد في الطلب والقصد (وهو توحيد الألوهية) . وكلا التقسيمين صحيح مأخوذ من نصوص القرآن والسنة. ينظر مدارج السالكين لابن القيم الحنبلي ٣/٤٨٤، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٢٤، شرح الفقه الأكبر للملا علي القاري الحنفي ص٣٩.
(٢) ينظر الفقه الأبسط لأبي حنيفة ص٥١، نقلًا عن (أصول الدين عند أبي حنيفة) ص٢٠٨، تفسير ابن جرير المتوفي سنة ٣١٠هـ للبسملة، وللآية ١٠٦ من سورة يوسف، الحجة للأصفهاني المتوفى سنة ٥٣٥هـ ١/١٣٣، ١٣٤، ٣٤٥،٣٤٦، الفروق للقرافي المالكي المتوفى سنة ٦٠٤هـ (٣/٢٤، ٢٥، الفرق ١٢٤)، الأربعون الصغرى للبيهقي الشافعي المتوفى سنة ٤٥٨هـ ص١٥، فتاوى الإمام النووي الشافعي المتوفى سنة ٦٧٦هـ: (الأقضية ص١٧٩)، تفسير ابن كثير الشافعي للآية ٦١ من سورة العنكبوت، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٢٤، تيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد الله الحنبلي ص١٧-٢٠، شرح الفقه الأكبر للملا علي القاري الحنفي ص٣٩.
[ ٣٧ ]
الفصل الأول: توحيد الربوبية
توحيد الربوبية هو: الإيمان بوجود الله، واعتقاد تفرده في أفعاله.
ومنهم من عرفه بأنه: الاعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لكل شيء وحده لا شريك له (١) .
وهو يشتمل على ما يلي:
١- الإيمان بوجود الله تعالى.
٢- الإقرار بأن الله تعالى خالق كل شيء، ومالكه، ورازقه، وأنه المحيي، المميت، النافع، الضار، المتفرد بإجابة الدعاء، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، المقدر لجميع الأمور، المتصرف فيها، المدبر لها، ليس له في ذلك كله شريك (٢) .
وقد تكاثرت الأدلة في القرآن والسنة في إثبات الربوبية لله تعالى، فكل نص ورد فيه اسم "الرب" أو ذكر فيه خصيصة من خصائص الربوبية، كالخلق، والرزق، والملك، والتقدير، والتدبير، وغيرها فهو
_________________
(١) ومنهم من عرّفه بأنه: توحيد الله بأفعاله. ينظر مجموعة التوحيد ١/٥.
(٢) شرح الطحاوية ص٢٥، مدارج السالكين باب التوحيد ١/٣٣- ٤٦، و٣/٤٦٨، تيسير العزيز الحميد ص١٧، القول السديد ص١٨، معارج القبول ١/٩٩.
[ ٤١ ]
من أدلة الربوبية،كقوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكقوله سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وكقوله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون: ٨٨] (١)، والملكوت: الملك.
وقد أمر الله العباد بالنظر والتفكر في آيات الله الظاهرة من المخلوقات العلوية والسفلية، ليستدلوا بها على ربوبيته ﷾.
قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ*وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [لذاريات: ٢٠، ٢١] فأخبر الباري جل وعلا أن في الأرض آيات وعلامات كثيرة تدل على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما قد خلق فيها من صنوف النبات، والحيوانات، والجبال، والصحارى، والرمال، والبحار، والأنهار، وكذلك مافي خلق الإنسان من الآيات الكثيرة التي تدل على ربوبية الله تعالى، ومن ذلك ما في تركيبه من الحكم في وضع كل عضو من أعضائه في المحل الذي هو محتاج إليه فيه، ومابين بني الإنسان من الاختلاف في اللغات، والألوان، ومابينهم من التفاوت في العقول، والفهوم، والحركات، وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى، وما في ابتداء خلق الإنسان من الآيات
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/٤٦٨، ٤٦٩، شرح الطحاوية ص٤٢، ٤٣، المدخل لدراسة العقيدة ص١٠٢.
[ ٤٢ ]
العظيمة، إذ كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو سميع بصير، ثم أخرج من بطن أمه صغيرًا ضعيف القوى والحركه، ثم كلما طال عمره تكاملت قواه وحركاته، حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدن والحصون، ويسافر في أقطار الأرض، ويكتسب ويجمع الأموال، وله فكر، ورأي، وعلم، كل بحسبه، فسبحان من أقدرهم، وسيرهم، وصرفهم في فنون المعاش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلم، والفكر، والغنى، والفقر، وغير ذلك.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٣، ١٦٤] ففي الآية الأولى ذكر الله تعالى توحيد الألوهية، ثم ذكر في الآية التي بعدها الدليل عليه بذكر بعض خصائص الربوبية.
وقد روي عن بعض السلف أنه قال: لما نزلت الآيه الأولى طلب المشركون آية على أنه لا إله إلا الله، فنزلت الآية الثانية.
وقال ﷾: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧-٢٠] .
[ ٤٣ ]
وقد استدل العلماء والحكماء من الموحدين على ربوبية الله بآياته الكونية، ولهم في ذلك أقوال كثيرة، وخطب، وأشعار مشهورة، ومن ذلك قول ابن المعتز:
فيا عجبا كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة وفي كل تسكينة شاهد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد (١)
وهذا النوع من أنواع التوحيد - وهو توحيد الربوبية - لا يكفي وحده
دخول في الإسلام، فقد كان المشركون مقرين به فلم ينفعهم ذلك، ولم يدخلهم في الإسلام، لأنهم مشركون في توحيد الألوهية، لصرفهم بعض أنواع العبادة كالدعاء والذبح والاستغاثة لمعبوداتهم كالأصنام والملائكة وغيرهم (٢) .
قال علامة اليمن الامام المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني ﵀ (٣):
_________________
(١) ينظر كتاب التوحيد للحافظ محمد بن إسحاق بن منده ١/٩٧- ٣٠٨، الاعتقاد والهداية للحافظ البيهقي ص٢١- ٢٩، تفسير الطبري وابن أبي حاتم وابن كثير - تفسير الآيات (٢١، ٢٢، ١٦٣، ١٦٤) من سورة البقرة، ومعارج القبول لحافظ الحكمي ١/١٠٠- ١١٢.
(٢) ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/٩٦- ١٠٢، ورساله " هدية طيبة " (مطبوعة ضمن مجموعة التوحيد ١/١٣٩)، تيسير العزيز الحميد ص١٧، ٢٦.
(٣) ينظر كتابه: تطهير الاعتقاد ص١٥- ١٧.
[ ٤٤ ]
" الأصل الرابع: أن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أن الله خالقهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وأنه خلق السموات والأرض ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] وأنه الرزاق الذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وأنه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (١) [يونس: ٣١] . ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٣) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: ٨٤- ٨٩]، وهذا فرعون مع غلوه في كفره، ودعواه أقبح دعوى، ونطقه بالكلمة الشنعاء (٤)، يقول الله في
_________________
(١) أي أفلا تتقون الله فتخلصون له العبادة. ينظر تفسير السعدي.
(٢) أي ألا ترجعون إلى ما ذكركم الله به مما فطرتم عليه. المرجع السابق.
(٣) أي فأين تذهب عقولكم حيث عبدتم المخلوقات الضعيفة، ولم تخلصوا العبادة للخالق المالك المدبر، فالعقول التي دلتكم إلى هذا لا تكون إلا مسحورة، سحرها الشيطان بتزيين الباطل وقلب الحقائق. المرجع السابق.
(٤) وهي إنكاره لوجود الله، ودعواه الربوبية والألوهية لنفسه، بقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ
[ ٤٥ ]
حقه، حاكيًا عن موسى ﵇: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ (١) [الإسراء: ١٠٢]، وقال إبليس: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وقال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ [الحجر: ٣٦] وكل مشرك مقر بأن الله خالقه وخالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم، ولهذا احتج عليهم الرسل بقولهم: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وبقولهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] والمشركون مقرون بذلك لا ينكرونهانتهى كلامه ﵀.
وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية (٢)، فمن أقر بأن الله خالقه من العدم، ومالكه، ورازقه والمنعم عليه بأنواع النعم، التي لا يستطيع العبد إحصاءها، والتي هي مستمرة في جميع الأوقات والأحوال منذ أن يولد إلى أن يموت بل وفيما قبل ذلك، وأنه تعالى المصرف لجميع
_________________
(١) لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ وقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
(٢) فأخبر أن فرعون يعلم في قرارة نفسه أن الله هو الذي أنزل الآيات حججًا وبراهين على صدق موسى ﵇ ويترتب عليه أنه يعلم بوجود الله تعالى، وهذا كله من توحيد الربوبيه، ولكنه إنما أنكر ذلك في الظاهر، ولهذا قال الله عنه وعن ملئه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ .
(٣) شرح الطحاوية ص٤٦، الوابل الصيب ص٤٦، إغاثة اللهفان الباب السادس ١/٣٠، تيسير العزيز الحميد ص١٧، معارج القبول ١/٣١٥، القول السديد ص١٩.
[ ٤٦ ]
أموره المدبر لها يلزمه أن يشكر الله تعالى على ذلك بأن يعبده ﷾، وأن يطيع أوامره، ويجتنب نواهيه، ويحرم عليه أن يشرك معه في عبادته أحدًا من خلقه (١) .
ولذلك عاب الله تعالى على المشركين الذين يقرون بتوحيد الربوبية ثم يشركون في عبادة الله، بصرف بعض أنواع العباده كالدعاء والذبح وغيرهما لمعبوداتهم من الأصنام وغيرها، كما في الآيات السابقة التي نقلها الإمام الصنعاني، كقوله سبحانه ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ .
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] .
فأمر الله تعالى في صدر الآية الأولى جميع الناس بعبادته - وهذا هو أول أمر في القرآن (٢) - ثم ذكر ﷾ السبب الذي من أجله أوجب على المكلفين عبادته وحده، وهو أنه تعالى ربهم الذي رباهم بأصناف النعم الظاهرة والباطنة، فأوجدهم من العدم، وجعل لهم الأرض فراشًا،
_________________
(١) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢/١٣٤، ١٣٥، مدارج السالكين ١/٨٨، الفوائد ص١٢٨، لوامع الأنوار ١/٣٥٣.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص٢١.
[ ٤٧ ]
يستقرون عليها، وينتفعون فيها بالأبنية والزراعة والتكسب، وجعل السماء بناء - وهو السقف - وأودع فيها من المنافع ماهو من حاجاتهم، كالشمس والقمر والنجوم، وأنزل من السماء - وهي كل ما علا فوقهم - ماء، فأنبت به الثمرات من الحبوب والفواكه والتمور وغيرها، رزقًا لهم.
ثم نهى ﷾ في ختام الآية الثانية عن جعل الأنداد لله، وهم الشبهاء والنظراء والشركاء، الذين يعبدون مع الله بصرف شيء من العبادة لهم مع أنهم لم يخلقوا العباد، ولم يرزقوهم، بل هم مخلوقون، مرزوقون، مدبرون، ومن حصل منه من الأولياء والصالحين نفع للعباد فإنما هو بتسخير الله، وتدبيره وإعانته لهم على ذلك، بل إن الله هو خالقهم وخالق أفعالهم، فالله تعالى هو وحده المنعم أولًا وآخرًا، وهؤلاء إنما جعلهم الله سببا في وصول هذا الخير إلى العباد، فكيف يعبدونهم مع الله وهم يعلمون أن الله لا شريك له في الربوبية ولا في الألوهية (١) .
فالعبادة هي خالص حق الله تعالى، لا يجوز صرف شيء منها لغيره، كائنًا ما كان، ومن صرف شيئًا منها لغيره فقد ظلم وأساء في حق الله تعالى، كما قال سبحانه حكاية عن لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
_________________
(١) ينظر تفسير ابن أبي حاتم، وتفسير ابن كثير، وتفسير الشوكاني، وتفسير السعدي للآيتين (٢١ و٢٢) من سورة البقره.
[ ٤٨ ]
ومن أقر بتوحيد الربوبية وجب عليه أن يعبد الله تعالى شكرًا له، فمن أقرَّ بأن الله تعالى خالقه ورازقه والمنعم عليه بجميع النعم وجب عليه أن يشكر الله تعالى على ذلك بعبادته وحده دون سواه.
وقد روى الحارث الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله ﷿ أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن " فذكر الحديث بطوله، وفيه: " أولهن - أي أول هذه الكلمات - أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق، ثم قال له: هذه داري، وهذا عملي، فاعمل، وأدِّ إليّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك، وإن الله خلقكم ورزقكم، فلا تشركوا به شيئًا " (١) .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك ".متفق عليه (٢) .
وهذا التوحيد قد أقر به أكثر الخلق في القديم والحديث، ولم ينكره إلا القليل، ومنهم فرعون وملؤه الذين أنكروا وجود الله بالكلية،
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٤/١٣٠، ٢٠٢، والطيالسي (١١٦١، ١١٦٢)، والترمذي في الأمثال (٢٨٦٣، ٢٨٦٤)، وقال: " حسن صحيح غريب "، وابن خزيمة في صحيحه (٤٨٤، ٩٣٠)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم ١/١١٨، وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح، وقد حسّن ابن كثير إسناد الإمام أحمد.
(٢) صحيح البخاري (٦٨٦١)، وصحيح مسلم (٨٦) .
[ ٤٩ ]
ولذلك جحدوا نبوة موسى ﵇ وما جاء به من الآيات، وهذا في الظاهر، أما في قرارة أنفسهم فهم مُقِرُّون بذلك كله، كما قال الله
تعالى عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] .
وممن أنكره أيضًا: الشيوعيون في العصر الحاضر الذين يقولون " لا إله، والحياة مادة "، وهم إنما يقولون هذا في الظاهر، وإلا فإنهم مقرون بقلوبهم بوجود الله تعالى وربوبيته، ولا أدل على ذلك من أنه لما سقطت وانهارت حكومات روسيا وغيرها من دول أوربا الشرقية التي كانت تحكم بالمذهب الشيوعي رجع أكثر من كان ينتسب إلى الشيوعية ظاهرًا إلى أديانهم القديمة كالنصرانية واليهودية وغيرهما.
أما الشرك في هذا النوع من أنواع التوحيد فقد وقع فيه كثير ممن ينتسب إلى الاسلام، ومنهم كثير من الصوفية والرافضة الذين يدعون الأموات فيسألونهم جلب نفع أو دفع ضر، أو يدعون بعض الأحياء ويسألونهم شيئًا لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فهذا كله من الشرك في الربوبية، كما أنه شرك في الألوهية، لأنهم لم يطلبوا من المخلوق جلب نفع أو دفع ضر إلا وهم يعتقدون أنه يستطيع ذلك ويملكه، وهذا فيه نسبة شيء من أفعال الله تعالى لبعض خلقه، وهو شرك في الربوبية (١) .
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص٢٨، معارج القبول ٢/٤٠١، ٤٧٥، وينظر شرح الطحاوية ص٣٨، وتجريد التوحيد ص٢٥، ٢٩، ٤٢، ٤٣.
[ ٥٠ ]
توحيد الألوهية
مدخل
الفصل الثاني: توحيد الألوهية
تمهيد:
توحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة (١) .
ويسمى باعتبار إضافته إلى الله تعالى بـ"توحيد الألوهية"، ويسمى باعتبار إضافته إلى الخلق بـ"توحيد العبادة"، و"توحيدة العبودية"و"توحيد الله بأفعال العباد"، و"توحيد العمل"، و"توحيد القصد"، و"توحيد الإرادة والطلب"، لأنه مبني على إخلاص القصد في جميع العبادات، بإرادة وجه الله تعالى (٢) .
وهذا التوحيد من أجله خلق الله الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومن أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]،
_________________
(١) تطهير الاعتقاد للصنعاني: الأصل الثالث ص١٣، الدرر السنية ٢/٢٩١، وينظر شرح الطحاوية ص٢٤.
(٢) شرح الطحاوية ص٢٤، مجموعة التوحيد ١/٦، الدرر السنية ٢/٢٥٠، ٣٠٤، تيسير العزيز الحميد ص٢٢، القول السديد ص١٩، القواعد الحسان ص١٩٢، الحق الواضح المبين ص٥٧، القول المفيد ١/٩.
[ ٥٣ ]
وهو أول دعوة الرسل وآخرها، كما قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، ومن أجله قامت الخصومة بين الأنبياء وأممهم، وبين أتباع الأنبياء من أهل التوحيد وبين أهل الشرك وأهل البدع والخرافات، ومن أجله جردت سيوف الجهاد في سبيل الله، وهو أول الدين وآخره، بل هو حقيقة دين الإسلام (١)، وهو يتضمن أنواع التوحيد.
فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية ولتوحيد الأسماء والصفات (٢)، فإن من عبد الله تعالى وحده، وآمن بأنه المستحق وحده للعبادة، دل ذلك على أنه مؤمن بربوبيته وبأسمائه وصفاته، لأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعتقد بأن الله تعالى وحده هو المتفضل عليه وعلى جميع عباده بالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك من خصائص الربوبية، وأنه تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العُلا، التي تدل على أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
ومع أهمية هذا التوحيد فقد جحده أكثر الخلق، فأنكروا أن يكون
_________________
(١) شرح الطحاوية ص٢١، ٢٤، ٢٩، تطهير الاعتقاد للصنعاني ص٢٠، تيسير العزيز الحميد ص٢٠، ٢١، الدر النضيد للشوكاني ص٦٥، قرة عيون الموحدين لعبد الرحمن بن حسن ص٤، معارج القبول ٢/٤٠٢- ٤١٠.
(٢) شرح الطحاوية ص٢٩، ٣٢، ٤١، تيسير العزيز الحميد ص٢٣، قرة عيون الموحدين ص٥.
[ ٥٤ ]
الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وعبدوا غيره معه.
قال العلامه المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني:"اعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرون بذلك، كما قررناه وكررناه، ولذا قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف: ٧٠] أي لنفرده بالعبادة، ونخصه بها من دون آلهتنا؟ .. فعبدوا مع الله غيره، وأشركوا معه سواه، واتخذوا له أندادًا" (١) .
وهذا التوحيد - توحيد الألوهية - تشتمله وتدل عليه كلمة التوحيد:"لا إله إلا الله".
وسأتكلم على هذا النوع من أنواع التوحيد في مبحثين:
المبحث الأول: شهادة"لا إله إلا الله": معناها - شروطها - أركانها - نواقضها.
المبحث الثاني: العباده: تعريفها - أنواعها - شروطها - أركانها.
_________________
(١) تطهير الاعتقاد ص١٢، ٢٠، وينظر قرة عيون الموحدين ص٤.
[ ٥٥ ]
شهادة لا إله إلا الله
معناها وفضلها
المبحث الأول: شهادة"لا إله إلا الله"
فيه مطلبان:
المطلب الأول: معناها، وفضلها
معنى شهادة"لا إله إلا الله"إجمالًا: لا معبود بحق إلا الله تعالى (١) .
أي أنه لا أحد يستحق أن يعبد إلا الله تعالى، فلا يجوز أن يدعى إلا الله تعالى، ولا يجوز أن يصلى أو ينذر أو يذبح إلا لله تعالى، وهكذا بقية أنواع العبادة، لا يستحق أحدٌ أن تصرف له سوى الله تعالى.
قال علامة اليمن الإمام المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني:"ومعناها: إفراد الله بالعبادة والإلهية، والبراءة من كل معبود دونه" (٢) .
فـ"لا"نافية للجنس. و"إله"اسمها، وخبرها محذوف تقديره"حق".
و"إله"من"أَلَهَ"بالفتح،"يَألَهُ"،"إلاهَةً"، والمعنى"عَبَدَ"،
_________________
(١) ينظر تفسير الآية (١٦٣) من سورة البقره في تفسيري الطبري والقرطبي، تفسير ابن كثير لسورة "الكافرون"، تفسير الجلالين (تفسير السيوطي لآية الكرسي)، فتح المجيد ١/١٢١- ١٢٦ نقلًا عن البقاعي الشافعي وغيره، مجموعة التوحيد ١/١٧٨.
(٢) تطهير الاعتقاد ص١٨.
[ ٥٦ ]
"يَعبُدُ"،"عِبادةً" (١) .
و"الإلهُ"هو المعبود المطاع، الذي تألهه القلوب بالمحبة، والتعظيم، والخضوع، والخوف، وتوابع ذلك من بقية أنواع العباده.
واسم"الله"علم على ذات الرب تعالى المقدسة، لا يطلق إلا عليه ﷾، وأصله"إله"حذفت الهمزه، وعوض مكانها"أل"التعريف (٢) .
فهذه الكلمة العظيمة تشتمل على ركنين أساسين:
الأول:"النفي"، وهو نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، ويدل عليه كلمة:"لا إله"فهي تنفي أن يكون غير الله تعالى مستحقًا للعبادة.
الثاني:"الإثبات"، وهو إثبات الإلهية لله تعالى، ويدل عليه كلمة"إلا الله"فهي تثبت أن الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك
_________________
(١) ينظر تفسير البسملة في تفسيري الطبري وابن كثير، وشرح الطيبي للمشكاة ١/٩٨، ورسالة "معنى لا إله إلا الله"للزركشي الشافعي ص٧٣- ١١١، والقاموس المحيط، والصحاح، مادة "أَلِهَ".
(٢) تنظر المراجع المذكورة في التعليق السابق، وتجريد التوحيد للمقريزي ص١٨- ٢٤، وتحقيق كلمة الإخلاص لابن رجب ص٢٣، ٢٥، ٣٠، وفتح المجيد ص٧٣- ٧٦، و١٢٤- ١٢٦، وتفسير الشوكاني ١/١٨، والدرر السنية ٢/٢٥٧، ٢٩٦- ٢٩٨، ٣٠٥، ٣٢٦- ٣٣١، ومجموعة الرسائل ٤/١٦.
[ ٥٧ ]
له (١) . فالله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده، لأنه الخالق، الرازق، المالك، المدبر لجميع الأمور، فيجب على جميع العباد أن يفردوه بالعباده شكرًا له على نعمه العظيمة عليهم، كما سبق بيان ذلك مفصلًا عند الكلام على توحيد الربوبية.
فهذه الكلمة هي حقًا: كلمة التوحيد، والعروة الوثقى، وكلمة التقوى، وفي شأنها تكون السعادة والشقاوة، في الدنيا، وفي القبر، ويوم القيامة، فبالتزامها والقيام بحقوقها تثقل الموازين، وبه تكون النجاة من النار بعد الورود، والفوز بجنات النعيم، وبعدم التزامها أو التفريط في حقوقها تخف الموازين، ويكون العذاب في القبر، وفي يوم القيامة، وفي نار الجحيم.
وهي حق الله على جميع العباد، وهي أول واجب، وآخر واجب، فهي أول ما يدخل به العبد في الاسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا (٢) .
_________________
(١) الكواشف الجلية ص٣٥، وينظر: الأصول الثلاثة: الأصل الثالث ص١٥، قرة عيون الموحدين ص١٣، الدرر السنية ٢/٢٧١، مجموعة الرسائل ٤/٣٤، ٣٨.
(٢) وهي سبب لعصمة دم المسلم وماله وعرضه، إلا بحقها، وبها انقسمت الخليقه إلى مؤمنين وكفار، وأبرار وفجار، وفيها يكون الولاء والبراء، وأهلها هم أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أهل غضبه ونقمته.
[ ٥٨ ]
ـ
_________________
(١) وهي الشهادة العظمى، وأول وأعظم أركان الاسلام، فهي أصل الدين وأساسه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها، متشعبة منها، مكملات لها، مقيدة بالتزامها والعمل بمقتضاها. وهي أعظم نعمة أنعم الله بها على عبد من عباده، وأفضل ما ذكر الله به، وأثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة. وهي رأس الإسلام، ومفتاح دار السلام، وأصدق الكلام، وأحسن الحسنات، وشهادة الحق، والقول الثابت، والمثل الأعلى، وعنها يكون السؤال للأولين والآخرين يوم الحساب، وبها تؤخذ الكتب باليمين أو الشمال، وبها قامت السموات والأرض، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة. ينظر رسالة "مسألة في التوحيد وفضل لا إله إلا الله"ليوسف بن عبد الهادي ص٨٩- ١١٧، وقد ذكر ١٩٩ فضيلة من فضائلها، وينظر الإيمان لابن منده ١/١١٦- ٣١٥، مجموع الفتاوى ٣/٩٤، مدارج السالكين ٣/٤٦٢، ٤٦٥، زاد المعاد ١/٣٤، تحقيق كلمة التوحيد لابن رجب ص٥٢- ٦٦، التمهيد للمقدسي، مجموعة التوحيد ١/١٧٥، الدرر السنيه ٢/٣٢٦، ٣٥٠، فتح المجيد ١/٧٤، ٧٥، ١٢٥، مجموعة الرسائل ٤/٢٩٥، مجموعة التوحيد ١/١٣٧، ١٤١، قرة عيون الموحدين ص١٩، ٢٠، القول السديد ص١٩، ٢٠، معارج القبول ٢/٤١٠- ٤١٥.
[ ٥٩ ]
المطلب الثاني: شروطها ونواقضها
دلت النصوص الشرعية الكثيرة على أن الفوائد والفضائل العظيمة لكلمة التوحيد"لا إله إلا الله"، التي سبقت الإشارة إلى بعضها في المطلب السابق، والتي من أهمها: الحكم بإسلام صاحبها، وعصمة دمه وماله وعرضه، ودخول الجنة، وعدم الخلود في النار، أنها لا تحصل لكل من نطق بهذه الكلمة، بل لابد من توافر جميع شروطها، وانتفاء جميع نواقضها، فكما أن الصلاة لا تقبل ولا تنفع صاحبها إلا إذا توافرت جميع شروطها،
[ ٥٩ ]
من الوضوء واستقبال القبلة وغيرهما، وانتفت مبطلاتها، كالكلام والضحك والأكل والشرب وغيرها، فكذلك هذه الكلمة، لا تنفع صاحبها إلا باستكمال شروطها، وانتفاء نواقضها.
ولذلك لما قيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة: لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك (١) . ولما قيل للحسن البصري: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ قال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة.
ومن أجل عدم تحقق بعض هذه الشروط لم تنفع هذه الكلمة جميع المنافقين الذين نطقوا بها وفعل كثير منهم بعض شعائر الإسلام الظاهرة.
ويدل على وجوب توفر شروط هذه الكلمة وعلى وجوب انتفاء موانعها على وجه الإجمال قوله ﷺ:" أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى
_________________
(١) رواه البخاري تعليقًا في فاتحة الجنائز من صحيحه. ورواه موصولًا البخاري في تأريخه ١/٩٥، وأبو نعيم في الحليه ٤/٦٦، والحافظ في تغليق التعليق ٢/٤٥٣، ٤٥٤.
[ ٦٠ ]
يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله " (١)، فيدخل في حقها: الإتيان بشروطها، واجتناب نواقضها (٢) .
وقد دلت النصوص الشرعيه على أن لهذه الكلمة العظيمة سبعة شروط، هي:
الشرط الأول: العلم بمعناها الذي تدل عليه، فيعلم أنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله تعالى. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] .
الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك، فلابد أن يؤمن إيمانًا جازمًا بما تدل عليه هذه الكلمة من أنه لا يستحق العبادة إلا الله تعالى، فإن الإيمان لا يكفي فيه إلا علم اليقين، لا الظن ولا التردد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] .
فمن كان غير جازم في إيمانه بمدلول هذه الكلمة أو كان شاكًا مرتابًا أو متوقفًا في ذلك لم تنفعه هذه الكلمة شيئًا.
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٩٩) من حديث عمر، ورواه مسلم (٢٠، ٢١، ٢٢) من حديث عمر، ومن حديث أبي هريره، ومن حديث عبد الله بن عمر، ومن حديث جابر، واللفظ له.
(٢) التوضيح عن توحيد الخلاق ص٩٧، تيسير العزيز الحميد ص٦٩، مجموعة الرسائل ص٨٥٢، ٨٥٣.
[ ٦١ ]
الشرط الثالث: القبول المنافي للرد، فيقبل بقلبه ولسانه جميع مادلت عليه هذه الكلمة، ويؤمن بأنه حق وعدل. قال الله تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦] .
فمن نطق بهذه الكلمه ولم يقبل بعض مادلت عليه إما كبرًا أو حسدًا أو لغير ذلك فإنه لا يستفيد من هذه الكلمة شيئًا.
فمن لم يقبل أن تكون العبادة لله وحده، ومن ذلك عدم قبول التحاكم إلى شرعه تكبرًا، أو لم يقبل بطلان دين المشركين من عباد الأصنام أو عباد القبور أو اليهود أو النصارى أو غيرهم، فيقول: إن أديانهم صحيحة، فلا يقبل ما دلت عليه هذه الكلمة من بطلان هذه الأديان الشركية فليس بمسلم.
الشرط الرابع: الانقياد المنافي للترك، فينقاد بجوارحه، بفعل ما دلت عليه هذه الكلمة من عبادة الله وحده. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢]، ومعنى ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾: ينقاد. ومعنى ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: أي موحِّد.
فمن قالها وعرف معناها ولم ينقد للإتيان بحقوقها ولوازمها من عبادة الله والعمل بشرائع الإسلام، ولم يعمل إلا ما يوافق هواه أو ما فيه تحصيل دنياه لم يستفد من هذه الكلمة شيئًا.
[ ٦٢ ]
الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقول هذه الكلمة صدقًا من قلبه، يوافق قلبُه لسانه. قال الله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١- ٣] .
ولذلك لم ينتفع المنافقون من نطقهم بهذه الكلمة، لأن قلوبهم مكذبة بمدلولها، فهم يقولونها كذبًا ونفاقًا.
الشرط السادس: الإخلاص المنافي للشرك. فلابد من تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك. قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢] .
فمن أشرك بالله تعالى في أي نوع من أنواع العبادة لم تنفعه هذه الكلمة.
الشرط السابع: المحبة. فلابد أن يحب المسلم هذه الكلمة ويحب ما دلت عليه، ويحب أهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، ويبغض ما ناقض ذلك. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقره: ١٦٥] (١) .
_________________
(١) ينظر شرح صحيح مسلم للنووي ١/٢١٩، توضيح كلمة الإخلاص لابن رجب ص١٥- ٤٨، الدرر السنية ٢/٢٥٣- ٢٥٩، مجموعة الرسائل ٤/٢٩٥، ٢٩٦، معارج القبول ٢/١٠٠- ١١٠، رسالة "الشهادتان معناهما وما تستلزمه كل منهما" ص١٠٣- ١١٣.
[ ٦٣ ]
فمن قال: «لا إله إلا الله» ولكنه أبغض ما دلت عليه من عبادة الله وحده لا شريك الله فليس بمسلم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] .
أما نواقض"لا إله إلا الله"، وتسمى"نواقض الإسلام" و"نواقض التوحيد"وهي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام، فهي كثيرة، وقد ذكر بعضهم أنها تصل إلى أربعمائة ناقض (١) .
وهذه النواقض تجتمع في ثلاثة نواقض رئيسة، هي:
١- الشرك الأكبر: وهو أنواع كثيره يأتي الكلام عليها في الفصل الأول من الباب الثاني - إن شاء الله تعالى -.
٢- الكفر الأكبر: وهو أنواع كثيره يأتي الكلام عليها في الفصل الثاني من الباب الثاني - إن شاء الله تعالى-.
٣- النفاق الاعتقادي: وسيأتي الكلام عليه في الفصل الثالث من الباب الثاني - إن شاء الله تعالى-.
_________________
(١) الدرر السنية ١/١٠٠.
[ ٦٤ ]
العبادة
تعريف العبادة وبيان شمولها
المبحث الثاني: العبادة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف العبادة وبيان شمولها:
العبادة في اللغة: قال ابن سيدة:"أصل العبادة في اللغة: التذليل. من قولهم: (طريق معبد) أي مذلل. ومنه أخذ (العبد) لذلته لمولاه. والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني. والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة والفهم والسمع والبصر" (١) .
وقال في الصحاح:"أصل العبودية: الخضوع والذل. والعبادة الطاعة" (٢) .
العبادة في الاصطلاح (٣):
عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله
_________________
(١) المخصص ١٣/٩٦.
(٢) الصحاح، مادة "عبد"، وينظر لسان العرب، مادة "عبد".
(٣) المراد عبادة الطاعة. أما العبادة العامة فهي عبودية القهر والذل، وهي عبادة أهل السماء وأهل الأرض كلهم. ينظر مدارج السالكين ١/١١٨، ١١٩.
[ ٦٥ ]
ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة (١) .
وهذا يدل على شمول العبادة، فهي تشمل:
أولًا: العبادات المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي هي عبادات من أصل مشروعيتها، والتي دل الدليل من النصوص أو غيرها على تحريم صرفها لغير الله تعالى (٢) .
_________________
(١) ينظر رسالة العبودية (مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى ١٠/١٤٩) . وعرفها بعض أهل العلم بأنها: طاعة الله بفعل المأمور وترك المحظور. ينظر فتح المجيد ١/٨٥ نقلًا عن ابن كثير، وينظر العدة في أصول الفقه ١/١٦٣، وآخر المسودة ص٥٧٦، والدرر السنية ١/١٥٥، وتيسير العزيز الحميد ص٣١. والتعريف الأول أولى؛ لأنه جامع مانع، فهو جامع لأنه يشمل جميع أنواع العباده، بخلاف التعريف الثاني، فهو لا يشمل المباح إذا نوي به وجه الله تعالى، وهو مانع، لأنه لا يدخل فيه ما ليس من أنواع العبادة. أما التعريف الثاني فإنه يدخل فيه ماليس عبادة، كما إذا فعل العبد ما أمر الله به مماليس في الأصل عبادة، كإكرام الضيف ونحوه، ولم يرد بذلك وجه الله، ومن المعلوم أن هذا ليس عبادة لله تعالى.
(٢) ذكر في "الدين الخالص"١/٢١٥ تعريف العبادة المحضة فقال: "هي ما أمر به الشارع من أفعال العباد وأقوالهم المختصة بجلال الله تعالى وعظمته". فكل عمل أو قول دل الدليل من النصوص أو الإجماع أو غيرها على وجوب الإخلاص فيه فهو عبادة من أصل مشروعيته، وما ليس كذلك فليس هو من العبادات في أصل مشروعيته، وعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مختصر الفتاوى المصرية ص٢٨ بأنها: كل فعل لا يعلم إلا من الشارع. وينظر: التوحيد لإسماعيل الدهلوي ص٢٠-٢٥، الفروق: الفرق "١٨"، والفرق "٦٥"، طرح التثريب ٢/١١، المنثور في القواعد "النية" ٣/٢٨٦- ٢٨٨، الأمنية في إدراك النية: الباب الرابع ص٢١، والباب الخامس ص٢٧، منتهى الآمال للسيوطي: الوجه ١٢٨.
[ ٦٦ ]
ويدخل في العبادات المحضة ما يلي:
١- العبادات القلبية. وهي تنقسم إلى قسمين:
أ –"قول القلب"، وتسمى"اعتقادية"، وهي: اعتقاد أنه لا رب إلا الله، وأنه لا أحد يستحق أن يعبد سواه، والإيمان بجميع أسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وغير ذلك.
ب –"عمل القلب"، ومنها: الإخلاص، ومحبة الله تعالى، والرجاء لثوابه، والخوف من عقابه، والتوكل عليه، والصبر على فعل أوامره وعلى اجتناب نواهيه، وغيرها.
٢- العبادات القولية.
ومنها النطق بكلمة التوحيد، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى بالتسبيح والتحميد وغيرهما، والدعوة إلى الله تعالى، وتعليم العلم الشرعي، وغير ذلك.
٣- العبادات البدنية:
ومنها الصلاة والسجود، والصوم، والحج، والطواف، والجهاد، وطلب العلم الشرعي، وغير ذلك.
٤- العبادات المالية:
ومنها الزكاة، والصدقة، والذبح، والنذر بإخراج شيء من المال، وغيرها (١) .
_________________
(١) مدارج السالكين لابن القيم ١/١٢٣- ١٣٣، التجريد للمقريزي الشافعي ص٨٢، ٨٣، تطهير الاعتقاد للصنعاني ص١٩، دلائل التوحيد للقاسمي ص١٠٠،
[ ٦٧ ]
ثانيًا: العبادات غير المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي ليست عبادات من أصل مشروعيتها، ولكنها تتحول بالنية الصالحة إلى عبادات (١) .
ويدخل في العبادات غير المحضة ما يلي:
١- فعل الواجبات والمندوبات التي ليست في الأصل من العبادات: ومن ذلك: النفقة على النفس أو على الزوجة والأولاد، وقضاء الدين، والزواج الواجب أو المندوب إليه، والقرض، والهدية، وبر الوالدين، وإكرام الضيف، وغيرها.
فإذا فعل المسلم هذه الواجبات أو المندوبات مبتغيًا بذلك وجه الله تعالى، كأن ينفق على نفسه بنية التقوي على طاعة الله، وكأن ينفق على أولاده بنية امتثال أمر الله، وبنية تربية الأولاد ليعبدوا الله، وكأن يحمل رجلًا كبير السن على راحلته ليوصله إلى أهله ليريحه من تعب
_________________
(١) وينظر رسالة العبودية (مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى ١٠/١٤٩، ١٥٠)، تيسير العزيز الحميد ص٢٠- ٢٧، الدرر السنية ٢/٢٩٠، ٣١٨.
(٢) هذه الأقوال والأفعال إن فعلها الإنسان لوجه الله تحولت إلى عبادات كما سبق، وإن فعلها بنية سيئة تحولت إلى معصية لله تعالى يعاقب عليها العبد، كأن يبيع ويشتري ليحصل على مال ليتقوى به على معصية الله تعالى، أو يأكل أو يشرب ليتقوى بذلك على السرقة مثلًا، أو يدرس علمًا مباحًا كالطب أو الهندسة ليحصل على عمل معين يحصل عن طريقة على بعض المحرمات، فإن هذه الأعمال كلها تتحول إلى معاصي بسبب النية السيئة، وإن فعل العبد هذه الأفعال والأقوال دون أن ينوي نية حسنة أو سيئة فإن هذا العمل يبقى على أصله، ولا يتحول إلى طاعة ولا إلى معصية.
[ ٦٨ ]
المشي مبتغيًا بذلك وجه الله، وكأن ينوي بالزواج إعفاف النفس ونحو ذلك كان ذلك كله عبادات يثاب عليها (١)، بلا نزاع (٢) .
ومما يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث سعد:" ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تضعه في في امرأتك "
متفق عليه (٣)، وقوله ﵊ في حديث أبي مسعود البدري:" إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها كانت له صدقة "متفق عليه (٤)، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن كلًا منهم توسل إلى الله بصالح عمله، فتوسل أحدهم إلى الله ببره بوالديه ابتغاء وجه الله، وتوسل الثاني إلى الله بإعطائه للأجير أجره بعد تنميته له ابتغاء وجه الله تعالى الخ (٥) .
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/١٧١، ١٧٢، و١٨/٢٥٩، شرح النووي لصحيح مسلم ١١/٧٧، ٧٨، مدارج السالكين ١/١٢٣- ١٣٧، المنثور في القواعد ٣/٢٨٧، شرح الكرماني ١/٢١٥، فتح الباري ١/١٣٦، طرح التثريب ٢/١١، عمدة القاري ١/٣١٨، الدرر السنية ٢/٣١٨، ٣١٩.
(٢) المستصفى باب الأمر ٢/١٧، ١٨، حاشية ابن الشاط على الفروق "الفرق ٦٥".
(٣) صحيح البخاري كتاب الإيمان (٥٦)، وصحيح مسلم كتاب الوصيه (١٦٢٨) .
(٤) صحيح البخاري (٥٥)، وصحيح مسلم كتاب الزكاة (١٠٠٢) .
(٥) رواه البخاري (٢٢١٥، ٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣) من حديث ابن عمر، ولهذا الحديث روايات أخرى عن عدة من الصحابة، وقد خرجتها بتوسع في الرسالة الأولى من مجموعة "قصص وأخبار من صحيح السنه والآثار"، وشرحت رواية النعمان المطوله لهذا الحديث تحت رقم (٣) وفيها كثير من الزيادات والفوائد.
[ ٦٩ ]
٢- ترك المحرمات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك ترك الربا، وترك السرقة، وترك الغش وغيرها فإذا تركها المسلم طلبًا لثواب الله وخوفًا من عقابه وامتثالًا لنهيه كان ذلك عبادة يثاب عليها (١) بلا نزاع (٢) .
ومما يدل على ذلك حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال:" يقول الله تعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف " متفق عليه (٣)، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن أحدهم توسل إلى الله بتركه
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية ١٠/٧٣٨، شرح صحيح مسلم للنووي ٢/١٥١، شرح الكرماني لصحيح البخاري ١/٢٢، مدارج السالكين ١/١٢٣- ١٣٧، الفوائد ص١٣٨، جامع العلوم والحكم شرح الحديث (٣٧)، ٢/٣٢١، عمدة القاري ٢٣/٨، فتح الباري ١/١٤، ١٥، و١١/٣٢٦، المنثور ٣/٢٨٨، منتهى الآمال للسيوطي الوجه ١٢٥، الأشباه والنظائر لابن نجيم مع شرحه غمز عيون البصائر ١/٩٣- ٩٥، الفروق (الفرق١٨ ج١ ص١٣٠) . وإذا ترك المسلم فعل شيء من المحرمات لعدم قدرته عليه، أو خوفًا من الحدِّ أو التعزير، أو لعدم الرغبة فيه، أو لعدم التفكير فيه أصلًا، فلا يثاب العبد على ذلك، ينظر المراجع السابقة.
(٢) المستصفى باب الأمر: التمكن من الامتثال ٢/١٧، ١٨.
(٣) صحيح البخاري (٧٥٠١)، وصحيح مسلم (١٢٩) . ورواه مسلم (١٣١) من حديث ابن عباس.
[ ٧٠ ]
الفاحشة ابتغاء وجه الله تعالى.
٣- فعل المباحات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك: النوم، والأكل، والبيع والشراء، وغيرها من أنواع التكسب، فهذه الأشياء وما يشبهها في الأصل مباحة، فإذا نوى المسلم بفعلها التقوي بها على طاعة الله، وما أشبه ذلك، كان ذلك عبادة يثاب عليها (١) .
ومما يدل على ذلك عموم حديث سعد وحديث أبي مسعود السابقين، وقول معاذ ﵁ لما قال له أبو موسى الأشعري ﵁: كيف تقرأ القرآن؟ قال:" أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت حزبي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي "رواه البخاري (٢) .
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٠/٤٦٠- ٤٦٣، الموافقات ٣/٢٢٧- ٢٣٧، مختصر منهاج القاصدين ص٤٥٨- ٤٦٠، عمدة القاري ١/٣١٨، فتح الباري ١/١٤- ١٧، ١٣٦، و٨/٦٢، و١٢/٢٧٥، شرح الأبي والسنوسي ٣/١٤٥، و٤/٣٤، الأشباه والنظائر للسيوطي ص١٢، الأشباه والنظائر لابن نجيم مع شرحه غمز عيون البصائر ١/٧٨، المنثور ٣/٢٨٧، منتهى الآمال: الوجه ٢٨، وشرح السيوطي لسنن النسائي ١/٥٩، الفروق ١/١٣٠، القول المفيد ٢/١٤٣.
(٢) صحيح البخاري: المغازي (٤٣٤١- ٤٣٤٥)، واستتابة المرتدين (٦٩٢٣) .
[ ٧١ ]
وهذا يدل على أن العبادة تشمل حياة الإنسان كلها، وتشمل الدين كله (١)، ويدل كذلك على أهمية العبادة، ولهذا كانت هي الغايه التي خلق الله الجن والإنس من أجلها، كما قال سبحانه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فالله تعالى خلقهم ليختبرهم في عبادته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه (٢)، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [تبارك:٢] فكل عاقل من الثقلين منذ أن يبلغ إلى أن يموت فهو في حال امتحان واختبار.
_________________
(١) الدرر السنية ٢/٢٩٠، الإرشاد ص٢٠.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٨/٤٠-٥٧، تفسير ابن كثير (تفسير الآية الثانية من سورة تبارك، وتفسير الآية الثانية من سورة الإنسان) .
[ ٧٢ ]
المطلب الثاني: شروط العبادة وأصولها
حقيقة عبادة الله تعالى وأصلها: كمال المحبة له مع كمال الذل والخضوع (٣) .
فمن يحب من لا يخضع له، فليس عابدًا له، وكذلك من يخضع
_________________
(١) قاعدة في المحبة ص١٠، ٦٨، ٩٨، الإمام: الفصل السابع ص١٦٩، النونية مع شرحها لهراس ٢/١٣٥، روضة المحبين ص٥٢، مدارج السالكين ٣/٣١، الجواب الكافي ص٢٦٥، ٢٧١، طريق الهجرتين ص٤٥٣، تفسير ابن كثير - تفسير الآية الرابعة من سورة الفاتحة -، الدرر السنية ٢/٢٩٠، ٢٩١.
[ ٧٢ ]
ويذل لمن لا يحبه فليس عابدًا له (١) .
وعبادة الله تعالى لا تكون مقبولة ولا مرضية له جل وعلا حتى تستكمل شروطها وأركانها.
شروط العبادة: للعبادة شرطان هما:
الشرط الأول: الإخلاص. وهو: أن يقصد العبد بعبادته وجه الله تعالى دون سواه (٢) .
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] .
قال علامة الهند الإمام المحدث صديق حسن الحسيني:"لا خلاف في أن الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله" (٣) .
وبناء على هذا الشرط فمن أدى العبادة ونوى بها غير وجه الله، كأن يريد مدح الناس، أو يريد مصلحة دنيوية، أو فعلها تقليدًا لغيره
_________________
(١) قاعدة في المحبه ص٩٨، الدرر السنية ٢/٢٩١.
(٢) تفسير البغوي (تفسير الآية الثانية من سورة الملك) ٤/٤٦٩، قواعد الأحكام ١/١٢٤، التدمرية مع شرحها التحفة ص٤١٨، مجموع الفتاوى ١/٣٣٣، النونية مع شرحها لهراس ٢/١٢٩، مدارج السالكين ٢/٩٥، أعلام السنه المنشورة ص٣٣، ٣٤.
(٣) الدين الخالص ٢/٣٨٥.
[ ٧٣ ]
دون أن يقصد بعمله وجه الله، أو أراد بعبادته التقرب إلى أحد من الخلق، أو فعلها خوفًا من السلطان أو من غيره، فلا تقبل منه، ولا يثاب عليها، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم (١) .
وإن قصد بالعبادة وجه الله وخالط نيته رياء حبط عمله أيضًا، ولا يعرف عن السلف في هذا خلافًا (٢) .
الشرط الثاني: موافقة شرع الله تعالى (٣) . وذلك بأن تكون العبادة في وقتها وصفتها موافقة لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فلا يزيد في عبادته عملًا أو قولًا لم يرد فيهما، ولا يفعلها في غير وقتها، وكذلك لا يتعبد لله بعبادة لم ترد فيهما، وهذا مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله، فلا يعبد الله تعالى إلا بما شرعه على لسان نبيه محمد ﷺ (٤) .
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيميه ٢٦/٢٢- ٣٢، الأشباه والنظائر لابن نجيم مع شرحه غمر عيون البصائر ١/٥٤، ٥٨، ٧٦- ٧٨، ٩٨، ٩٩، حاشية السندي على النسائي ١/٥٩، وينظر الإحكام لابن حزم الباب (٣٢) ج٥ ص ١٤١- ١٦٠.
(٢) كما قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم ١/٨١، وسيأتي تفصيل هذه المسألة في الباب الثالث، عند الكلام على الشرك الأصغر – إن شاء الله تعالى -.
(٣) الرسالة للشافعي ص٧٩- ٨٥، تفسير البغوي ٤/٤٦٩، التدمرية مع شرحها التحفة ص٤١٨، ٤١٩، مجموع الفتاوى ١/٧٠، ٣٣٣، أعلام السنة المنشورة ص٣٤.
(٤) تحقيق كلمة الاخلاص لابن رجب ص٢٣، الشفا للقاضي عياض (مطبوع مع شرحه للقاري ٢/١٤-١٧) .
[ ٧٤ ]
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال النبي ﷺ:" من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد "متفق عليه (١)، وفي رواية لمسلم:" من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد "، فالآية صريحة في وجوب اتباع النبي ﷺ، والحديث بروايتيه صريح في تحريم إحداث عبادة لم يأمر بها النبي ﷺ، ولم ترد في سنته، وتحريم إحداث صفة لعبادة مشروعة، لأن ذلك ليس عليه أمره ﷺ، وليس من سنته.
أصول العبادة:
عبادة الله ﵎ يجب أن ترتكز على أصول ثلاثة، وهي المحبة، والخوف، والرجاء، فيعبد المسلم ربه محبة له، وخوفًا من عقابه، ورجاء لثوابه، ولذلك قال بعض السلف:"من عَبَدَ اللهَ بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن" (٢)، وقد أسمى بعض العلماء هذه الأصول"أركانًا" (٣)، وسأتكلم عليها بشيء من الاختصار فيما يلي:
_________________
(١) البخاري: الصلح (٢٦٩٧)، ومسلم: الأقضية (١٧١٨) .
(٢) مجموع فتاوى ابن تيميه ١/٩٥، و١٥/٢١، ٢٦.
(٣) تفسير سورة الفاتحة ص١٨، الإرشاد للشيخ صالح الفوزان ص٢٠.
[ ٧٥ ]
الأصل الأول: المحبة لله تعالى.
هذا الأصل هو أهم أصول العبادة، فالمحبة هي أصل العبادة (١)، فيجب على العبد أن يحب الله تعالى، وأن يحب جميع ما يحبه تعالى من الطاعات، وأن يكره جميع ما يكرهه من المعاصي وأن يحب جميع أوليائه المؤمنين، وفي مقدمتهم رسله ﵈، وأن يبغض جميع أعدائه من الكفار والمنافقين. وكل هذا واجب على المسلم لاخيار له فيه.
كما أنه يجب على المسلم أن يحب الله تعالى وأن يحب رسوله محمدًا ﷺ أكثر مما يحب نفسه وأولاده وماله وكل شيء (٢) . قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] .
_________________
(١) وقال الحافظ ابن القيم في طريق الهجرتين "المثال السابع: الخوف"ص٣٩٩: "الخوف أحد أركان الايمان والإحسان الثلاثة التي عليها مدار مقامات السالكين جميعها، وهي: الخوف والرجاء والمحبة ". وينظر مدارج السالكين"منزلة الرجاء"٢/٣٦.
(٢) قاعدة في المحبة لابن تيمية ص٤٩، ٦٨، ٦٩، ٨٧، مدارج السالكين ٣/٢٧، الجواب الكافي ص٢٨، طريق الهجرتين ص٤٥٥، تجريد التوحيد للمقريزي ص٨٠.
(٣) قاعدة في المحبة ص٩٢، مجموع الفتاوى ٧/١٥، ٣٧، مدارج السالكين ٣/٤٣، الجواب الكافي ص٢٧٤، ٢٨٧، تفسير السعدي (تفسير الآية ٢٤ من التوبه) .
[ ٧٦ ]
ومحبة الله تعالى إذا قويت في قلب العبد انبعثت جوارحه بطاعة الله تعالى، وابتعد عن معصيته، بل إنه يجد اللذة والراحة النفسية عند فعله لعبادة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد: ٢٨] .
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال:" قم يا بلال فأرحنا بالصلاة " (١)، وكان أيضًا يقول ﷺ: " جُعلت قرة عيني في الصلاة " (٢) .
ولهذا فإن من يطيع الله، ويجتنب معاصيه، ويكثر من ذكره، ومن نوافل العبادات محبة لله وخوفًا منه ورجاء لثوابه يعيش في سعادة وانشراح صدر (٣)، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [سورة النحل:٩٧] .
_________________
(١) رواه الامام أحمد ٥/٣٧١، وأبو داود في الأدب باب في صلاة العتمة (٤٩٧٦) وإسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال البخاري.
(٢) رواه الإمام أحمد ٣/٢٨٥، والنسائي ٧/٦١ وإسنادهما حسن. وقد صحح هذا الحديث الحاكم ٢/١٦٠، والحافظ في الفتح ١٣/٣٤٥. وقد توسعت في تخريجه وتخريج الحديث قبله في كتاب أوقات النهي ص٦١، ٦٢.
(٣) منازل السائرين للهروي مع شرحه مدارج السالكين لابن القيم ٣/٣٨، قاعدة في المحبة ص٦١، ١٥٣، ١٥٥، ١٧٥، ١٧٧، الجواب الكافي ص١٨١- ١٨٣، الوابل الصيب (الفائده ٣٤ ص١٠٢- ١٠٧) طريق الهجرتين ص٧٨، ٧٩، ٤٥٦- ٤٥٨، تحقيق
[ ٧٧ ]
وإذا عصى العبد ربه نقصت محبته لله بقدر معصيته (١)، فمن علامة ضعف محبة الله في القلب إصرار العبد على المعاصي وعدم توبته منها، وكلما أكثر العبد من معصية الله تعالى ضعفت محبته في قلبه أكثر مما كانت قبل ذلك، وهكذا، ولذلك فإنه يخشى على من أسرف على نفسه بالمعاصي أن تذهب محبته لله كلية فيقع في الكفر، ومن ادعى محبة الله مع استكثاره من معصيته فهي دعوى كاذبة، ولذلك لما ادعى قوم محبة الله تعالى أنزل هذه الآية (٢): ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [سورة آل عمران:٣١]، وهذه الآيه تسمى آية"المحنة"أو آية"الاختبار"فالذي يحب الله حقيقة يتبع ما أمر به رسوله ﷺ، وينتهي عما نهى عنه رسوله ﷺ، قال بعض العلماء:"من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده فهو كاذب".
وقال الشاعر:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا محال في القياس شنيع
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع (٣)
_________________
(١) كلمة الاخلاص لابن رجب ص٣٥- ٣٧، وينظر تفسير ابن جرير وابن كثير والشوكاني والسعدي للآية (٩٧) من سورة النحل، وللآية (٢٨) من سورة (الرعد) .
(٢) قاعدة في المحبة ص٧٢، ٧٣، وينظر مختصر منهاج القاصدين ص٤٤١.
(٣) تفسير الطبري ٦/٣٢٢- ٣٢٤، مجموع الفتاوى ٧/٩٣، مدارج السالكين ٣/٢٢.
(٤) قاعدة في المحبة لابن تيمية ص٧٢، ٧٣، طريق الهجرتين ص٤٢٢، الشفا لعياض (مطبوع مع شرحه للقاري ٢/١٦)، فتح الباري لابن رجب ١/٤٧، جامع العلوم والحكم ٢/٣٤٦، ٣٤٧، شرح الحديث ٣٨، تحقيق كلمة الإخلاص ص٣٢- ٣٧.
[ ٧٨ ]
وإذا ضعفت محبة الله تعالى في قلب العبد بسبب كثرة معصيته له فقد لذة العبادة، وربما استولى عليه الشيطان في عباداته بكثرة الوساوس، فتجده ربما صلى أو ذكر الله أو دعاه وقلبه لاه غافل، فتصبح عباداته أقرب إلى العادة منها إلى العباده.
ولهذا يجد العاصي قسوة وخشونة في قلبه، ويشعر بعدم الطمأنينة والراحة النفسية، بل إنه يحس بضيق في الصدر، وقلق مستمر (١)، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] أي: أن من أعرض عن ذكر الله - وهو القرآن - فلم يمتثل أوامره ولم يجتنب نواهيه يعاقبه الله بالشقاء في هذه الحياة، ولذلك تجد كثيرًا من العصاة يلجؤون إلى ما يظنون أنه يزيل عنهم الضيق، فيلجأ أحدهم إلى المسكرات، أو المخدرات، أو شرب الدخان أو النظر إلى الصور المحرمة أو سماع الغناء والمحرمات يظن أنه سيجد السعادة فيزيد الطين بلة، فيزيده ضيقًا إلى ضيق، نسأل الله السلامة والعافية.
ولذلك ينبغي للعبد أن يحرص على الأمور التي تجلب وتقوي محبة الله في قلبه، لتحصل له السعاده في الدنيا والآخرة، ومن هذه الأمور:
١- أداء الواجبات، والبعد عن المحرمات.
_________________
(١) تنظر أكثر المراجع المذكورة قريبًا عند ذكر انشراح صدر المؤمن بالطاعات، وينظر تفسير ابن كثير وتفسير الشوكاني وتفسير السعدي للآية (١٢٤) من سورة (طه) .
[ ٧٩ ]
٢- الإكثار من نوافل العبادات، ومن أهمها: سماع أو قراءة كلام الله تعالى بتدبر، والإكثار من ذكره، ومن صلاة النافلة، وبالأخص صلاة الليل، والإكثار من دعائه ومناجاته.
٣- معرفة أسماء الله تعالى وصفاته.
٤ - التفكر في نعم الله الكثيرة عليه (١) .
الأصل الثاني: الخوف من الله تعالى.
الخوف هو: تألم القلب بسبب توقع مكروه (٢) .
فيجب على المسلم أن يعبد الله تعالى خوفًا من عقوبته، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقال
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/٩٥، ٩٦، مختصر منهاج القاصدين ص٤٣٦، مدارج السالكين ١/٤٦٥، و٣/١٧، ١٨، طريق الهجرتين ص٤٤٧- ٤٥٢، فتح الباري لابن رجب ١٠/٤٦.
(٢) مختصر منهاج القاصدين كتاب الخوف والرجاء ص٣٨٣، شرح القسطلاني كتاب الرقاق ٩/٢٦٩، وقال الحافظ ابن القيم في المدارج "منزلة الخوف"١/٥٤٩: "والوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظ متقاربة، غير مترادفة"، وقال في طريق الهجرتين ص٤٠٢: "الخوف يوجب هروبًا إلى الله، وجمعية عليه، وسكونًا إليه، فهي مخافة مقرونة بحلاوة وطمأنينة وسكينة ومحبة، بخلاف خوف المسيء الهارب من الله، فإنه خوف مقرون بوحشة ونفرة". وينظر مدارج السالكين "منزلة الرجاء"٢/٤٤.
[ ٨٠ ]
سبحانه: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] .
والخوف من الله تعالى ينشأ ويعظم عند العبد من عدة أمور، أهمها:
١- معرفته بالله تعالى وبصفاته، فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف.
٢- تصديقه بأن الله تعالى توعد من عصاه بترك الواجبات أو بفعل المحرمات بالعقوبة.
٣- معرفته لشدة عقوبة الله تعالى لمن عصاه، وأن العبد لا يستطيع تحمل عقوبته تعالى، وهذا يحصل بمطالعة الآيات والأحاديث الواردة في الوعيد والزجر، والعرض والحساب، وعذاب القبر وعذاب النار.
٤- تذكر العبد لمعصيته لله تعالى فيما سبق من عمره.
٥- خوفه أن يُحال بينه وبين التوبة، بسبب ارتكابه للذنب، أو أن يختم له بخاتمة سيئة بسبب إصراره على معصية الله تعالى.
وكلما قوي إيمان العبد وتصديقه بعذاب الله تعالى ومعرفته بشدة عذابه تعالى لمن عصاه اشتد خوفه من عذاب الله، ولذلك قال بعض العلماء: "من كان بالله أعرف كان منه أخوف"، والخوف المحمود
[ ٨١ ]
الصادق هو ما حال بين العبد وبين معصية الله تعالى (١) .
الأصل الثالث: الرجاء.
الرجاء هو: الطمع في ثواب الله ومغفرته، وانتظار رحمته (٢) .
فيجب على المسلم أن يعبد الله رغبة في ثوابه، وأن يتوب إليه عند الوقوع في الذنب رجاء لمغفرته، كما قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦] (٣)، وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى عن أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] .
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١/٩٦، مختصر منهاج القاصدين ص٣٨٤، طريق الهجرتين ص٤٠٠، ٤٠١، المدارج ١/٥٥١- ٥٥٣، فتح الباري كتاب الرقاق باب الخوف ١١/٣١٣، شرح القسطلاني ٩/٢٦٩.
(٢) مختصر منهاج القاصدين ص٣٧٦، مجموع الفتاوى ١٥/٢١، مدارج السالكين ٢/٥٢، ٥٣، فتح الباري كتاب الرقاق باب الرجاء مع الخوف ١١/٣٠١، تفسير الشوكاني للآيه (٢١٨) من البقرة، وقد ذكر الحافظ ابن القيم فوائد الرجاء في طريق الهجرتين ص٤٩١، وذكر الإمام ابن تيمية في الفتاوى ١/٩٦ ما يحرك الرجاء، فقال: "وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو وما ورد في الرجاء".
(٣) قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: "وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه، فقال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي خوفًا مما عنده من وبيل العقاب وطمعًا فيما عنده من جزيل الثواب".
[ ٨٢ ]
والرجاء ثلاثة أنواع: (اثنان محمودان (١)، والثالث مذموم)، وهي:
١ - رجاء من أطاع الله في أن يتقبل الله عمله، وأن يثيبه عليه بالفوز بالجنة والنجاة من النار.
٢- رجاء من أذنب ذنوبًا ثم تاب منها في أن يغفر الله ذنوبه وأن يعفو عنها.
٣ - رجاء من هو متماد في التفريط في الواجبات واقع في المحرمات، مصر عليها، ومع ذلك يرجو رحمة الله، فهذا هو"الغرور"و"التمني" و"الرجاء الكاذب".
قال أبوعثمان الجيزي:"من علامة السعادة أن تطيع وتخاف أن لا تقبل، ومن علامة الشقاوة أن تعصي وترجو أن تنجو"، وحال صاحب هذا الرجاء المذموم يشبه حال من يتمنى الأولاد من غير أن يتزوج، فهو من أسفه السفهاء، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] والمعنى: أولئك الذين يستحقون أن
_________________
(١) قال ابن أبي العز في شرح الطحاويه ص٤٤٩، ٤٥٠: "وينبغي أن يعلم أن من رجا شيئًا استلزم رجاؤه أمورًا:
(٢) محبة ما يرجوه. ٢- خوفه من فواته. ٣- سعيه في تحصيله بحسب الإمكان". وقال المقدسي في مختصر منهاج القاصدين ص٣٧٧: "اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس إلى اختياره، وهو فضل الله سبحانه".
[ ٨٣ ]
يرجو (١)، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] (٢) .
وبالجملة فإنه يجب على المسلم أن يعبد الله محبة له، وخوفًا من عقابه، ورجاء لثوابه كما أنه ينبغي له أن لا يفْرِط في الخوف حتى يصل إلى درجة القنوط واليأس من رحمة الله، وأن لا يفرط في الرجاء فيتعلق بسعة رحمة الله مع إصراره على معصيته، بل يجب أن يجمع بينهما، وإن كان ينبغي له في حال الصحة أن يغلب جانب الخوف ليحمله على طاعة الله وعلى البعد عن معصيته، وعند الموت يغلب جانب الرجاء على جانب الخوف حتى يموت وهو يحسن الظن بالله، فيفرح بلقائه تعالى، فلابد من الجمع بينهما كما في الآيات الثلاث السابقة (٣) .
_________________
(١) ينظر مختصر منهاج القاصدين ص٣٧٦- ٣٧٨، مدارج السالكين "منزلة الرجاء" ٢/٣٧، شرح الطحاوية ص٤٤٨ - ٤٥٠، عمدة القاري ٢٣/٦٦، فتح الباري ١١/٣٠١، شرح القسطلاني ٩/٢٦٩، ٢٧٠.
(٢) وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩] أي أن هؤلاء الخلوف الذين لا خير فيهم يتمنون على الله غفران ذنوبهم التي لايزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥]، فدلت هذه الآية بمفهومها على أن رحمة الله بعيده من غير المحسنين. ينظر بدائع الفوائد لابن القيم ٣/١٧. وقال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦] .
(٣) ينظر المراجع المذكورة في التعليق المذكور قبل التعليق السابق، وينظر تفسير ابن كثير للآيه (٩) من الزمر، وينظر المدارج"منزلة الخوف ١/٥٥١، ٥٥٤".
[ ٨٤ ]
توحيد الأسماء والصفات
مدخل
الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات
أسماء الله تعالى وصفاته من الغيب الذي لا يعرفه الإنسان على وجه التفصيل إلا بطريق السمع، لأن البشر لا يحيطون بالله تعالى علمًا، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.
فلا يمكن للعقل البشري أن يستقل بالنظر في أسماء الله وصفاته ومعرفتها على التفصيل إثباتًا ونفيًا، ومن فعل شيئًا من ذلك فقد أخطأ، ومال عن الصراط المستقيم.
فيجب على العبد أن يقف عند كلام الله وكلام رسوله ﷺ، فيؤمن بجميع ما ثبت في النصوص الشرعية من أسماء الله وصفاته، وينفي عنه تعالى ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ.
وقد دلت النصوص الشرعية الكثيرة على إثبات صفات الكمال لله تعالى على وجه التفصيل فيجب إثباتها له تعالى على الوجه اللائق بجلاله، كما دلت النصوص أيضا على نفي صفات النقص عنه تعالى، فيجب نفيها عنه وإثبات كمال ضدها له ﷾، وهذا هو الحق الواجب في أسماء الله تعالى وصفاته على وجه الإجمال.
[ ٨٧ ]
وسأتكلم على هذا التوحيد - توحيد الأسماء والصفات - بشيء من الاختصار في المباحث الأربعة الآتية:
[ ٨٨ ]
المبحث الأول: طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته
طريقة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته يمكن تلخيصها في ثلاثة أمور رئيسة، هي:
الأول: طريقتهم في الإثبات: وهي إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، فيؤمنون بأن جميع ما ثبت في النصوص الشرعية من صفات الله تعالى أنها صفات حقيقية تليق بجلال الله تعالى، وأنها لا تماثل صفات المخلوقين. ويؤمنون كذلك بجميع أسماء الله تعالى الثابتة في النصوص الشرعية، ويؤمنون بأن كل اسم يتضمن صفة لله تعالى، فاسم "العزيز" يتضمن صفة العزة لله تعالى، واسم "القوي"يتضمن صفة القوة له سبحانه، وهكذا بقية الأسماء.
وكل ما ثبت لله تعالى من الصفات فهي صفات كمال يحمد عليها، ويثنى بها عليه، وليس فيها نقص بوجه من الوجوه، بل هي ثابتة له على أكمل وجه.
الثاني: طريقتهم في النفي: نفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه،
[ ٨٨ ]
أو على لسان رسوله ﷺ من صفات النقص، مع اعتقادهم ثبوت كمال ضد الصفة المنفية عنه جل وعلا.
وكل ما نفاه الله تعالى عن نفسه فهي صفات نقص، تنافي كماله الواجب، فجميع صفات النقص ممتنعة على الله تعالى لوجوب كماله. وما نفاه الله عن نفسه فالمراد به انتفاء تلك الصفة المنفية وإثبات كمال ضدها، وذلك أن النفي لا يدل على الكمال إلا إذا كان متضمنًا لصفة ثبوتية يُحمد عليها، فإن مجرد النفي قد يكون سببه العجز فيكون نقصا، كما في قول الشاعر:
قُبيِّلةٌ لا يغدرون بذمّةٍ ولا يظلمون النَّاسَ حبَّةَ خردل
وقد يكون سببه عدم القابلية فلا يقتضي مدحًا، كما لو قلت: الجدار لا يظلم.
إذا تبين هذا فمما نفى الله عن نفسه "الظلم"، والمراد به انتفاء الظلم عن الله مع ثبوت كمال ضده له تعالى، وهو "العدل"، ونفى عن نفسه "اللغوب"وهو التعب والإعياء، والمراد نفي اللغوب مع ثبوت كمال ضده، وهو "القوة"، وهكذا بقية ما نفاه الله تعالى عن نفسه.
[ ٨٩ ]
الثالث: طريقتهم فيما لم يرد نفيه ولا إثباته مما تنازع الناس فيه، كالجسم، والحيز، والجهة ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه، فلا يثبتونه ولا ينفونه، لعدم وروده، وأما معناه فيستفصلون عنه، فإن أريد به باطل ينزه الله عنه ردوه، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله قبلوه"١".
وهذه الطريقة هي الطريقة الواجبة، وهي القول الوسط بين أهل التعطيل، وأهل التمثيل، وقد دل على وجوبها وصحتها العقل، والسمع:
فأما العقل فوجه دلالته: أن تفصيل القول فيما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى لا يدرك إلا بالسمع، لأنه من أمر الغيب الذي لا يحيط
_________________
(١) "١" فإذا سأل سائل مثلًا عن "الجهة"هل تثبت في حق الله أم لا؟ قيل له: أولًا: هذه اللفظة لا نثبتها ولا ننفيها؛ لأنه لم يرد في النصوص الشرعية إثباتها ولا نفيها. وثانيًا: يُقال له: ما مرادك بهذا السؤال؟ فإن قال: أريد أنه تعالى في مكان يحويه. قيل: هذا معنىً باطلٌ ينزه الله عنه، وإن قال: أريد أنه تعالى مباين للمخلوقات فوقها وأنه تعالى في جهة العلو المطلق. قيل: هذا حقٌّ يجب الإيمان به، لكن لفظة "الجهة"لفظة مجملة محدثة، الأَوْلَى تركها. وإن كان قصد السائل الاسترشاد فحسن، وإن كان قصده رد ما ثبت في النصوص الشرعية الكثيرة من إثبات صفة العلو لله تعالى فهذا خطأ وزلل يجب عليه أن يتوب عنه. ينظر مجموع الفتاوى ٥/٢٩٩، ٣٦٦، الرسالة التدمرية مع شرحها التحفة "القاعدة الثانية ١٥٣-١٦١"، شرح الطحاوية ص٩، القواعد الكلية "القاعدة التاسعة"،"صفات الله ﷿" للسقاف "القاعدة الرابعة".
[ ٩٠ ]
به الإنسان علما فوجب اتباع السمع في ذلك، بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، والسكوت عما سكت عنه.
وأما السمع: فمن أدلته قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] .
فالآية الأولى: دلت على وجوب الإثبات من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، لأن هذه الأمور الثلاثة من الإلحاد.
والآية الثانية: دلت على وجوب نفي التمثيل مع وجوب الإثبات.
والآية الثالثة: دلت على وجوب نفي التكييف، وعلى وجوب التوقف فيما لم يرد إثباته أو نفيه"١".
ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم يؤمنون بأن جميع صفات الله جل وعلا الثابتة في الكتاب والسنة صفات حقيقية، لا مجازية.
_________________
(١) "١" «فتح رب البرية بتلخيص الحموية"للشيخ محمد بن عثيمين "مطبوع ضمن مجموع فتاويه ورسائله ٤/١٩-٢٤".
[ ٩١ ]
وقد نقل الحافظ ابن عبد البر الأندلسي المالكي المولود سنة "٣٦٨هـ" إجماع أهل السنة على ذلك"١"، وذكر غير واحد من المتقدمين إجماع السلف على ذلك"٢"، فالسلف يعتقدون أن الظاهر المتبادر من لفظ
_________________
(١) "١" قال في كتابه التمهيد ٧/١٤٥: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصوره، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئآ منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة ولله الحمد". "٢" قال الحافظ أبوالقاسم الأصبهاني المولود سنة " ٤٥٧ ": "ما جاء في الصفات في كتاب الله أو رُوي بالأسانيد الصحيحة، فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات". ينظر الحجة في بيان المحجة ١/١٨٨، ١٨٩. وقال بنحو كلام الأصبهاني السابق: الخطيب البغدادي المولود سنة " ٣٩٢هـ" في رسالته في الصفات التي كتبها جوابا لأهل دمشق حين سألوه عن الصفات ص ٦٤. ونقل الحافظ الذهبي في العلو ص٢٣٦ عن أبي سليمان الخطابي المتوفى سنة "٣٨٨هـ" نحو قول الأصبهاني والخطيب أخصر منه. ثم قال الذهبي: "وكذا نقل الاتفاق عن السلف في هذا: الحافظ أبوبكر الخطيب ثم الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني وغيرهم".وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة "تحقيق المجاز والحقيقة في صفات الله"ص١٢١: "أطلق غير واحد ممن حكى=
[ ٩٢ ]
الصفة معنى حقا يليق بجلال الله تعالى"١"، فيثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة الوارد في الكتاب
_________________
(١) إجماع السلف منهم الخطابي مذهب السلف: أنها - أي أحاديث الصفات – تجرى على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها ". ونقل الحافظ الذهبي عن أبي القاسم الأصبهاني في كتاب العلو ص٢٦٣ أنه قال: "مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأحمد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع والبصر والوجه واليدين وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه، ولا تأويل". "١" ظاهر النصوص هو ما يتبادر إلى الذهن من المعاني التي يدل عليها النص، وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام، قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ -: "الكلام المفيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نص، وظاهر، ومجمل. وبرهان الحصر في الثلاثة: أن الكلام إما أن يحتمل معنىً واحدًا فقط، فهو النص، نحو: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ . وإن احتمل معنيين فأكثر فلا بد أن يكون في أحدهما أظهر من الآخر أو لا، فإن كان أظهر في أحدهما فهو "الظاهر"، ومقابله "المحتمل" المرجوح، كالأسد، فإنه ظاهر في الحيوان المفترس، ومحتمل في الرجل الشجاع. وإن كان لا رجحان له في أحد المعنيين أو المعاني فهو المجمل، كـ "العين"، و"القرء"، ونحوهما. وحكم النص: أن لا يعدل عنه إلا بنسخ. وحكم الظاهر أن لا يعدل عنه إلا بدليل على قصد المحتمل المرجوح، وذلك هو التأويل. وحكم المجمل أن
[ ٩٣ ]
أو السنة، فمثلًا يثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ "العزة» في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾، وهذا المعنى هو: "القدرة والغلبة"، وكذلك يثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ "استوى"في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وهذا المعنى هو: "العلو والاستقرار" كما سيأتي بيانه عند الكلام على صفة الاستواء – إن شاء الله تعالى -، وهكذا بقية الصفات؛ لأن الله تعالى خاطب عباده في كتابه بلسان عربي مبين، والنبي ﷺ خاطب أمته بألفاظ عربية صريحة، فوجب إثبات المعنى الحقيقي الذي يدل عليه اللفظ الوارد في القرآن أو السنة في لغة العرب، وهذا هو مقتضى الإيمان بهما ومقتضى الانقياد لما جاء فيهما.
بهذا يعلم بطلان مذهب المفوضة الذين يقولون: نؤمن بالصفات الواردة في النصوص، لكن لا نثبت المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة، وإنما نفوض علم معناه إلى الله تعالى، وهذا مذهب حادث بعد القرون المفضلة"١"، والسلف بريؤون منه، فقد تواترت الأقوال عن
_________________
(١) يتوقف عن العمل به إلا بدليل على تعيين المراد"أ. هـ ينظر مذكرة أصول الفقه ص١٧٦، وينظر القواعد المثلى " القاعدة الرابعة في أدلة الأسماء والصفات". "١" قال الحافظ الذهبي الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه "العلو"ص "٥٣٢" في ترجمة القاضي أبي يعلى: "المتأخرون من أهل النظر أي أهل الكلام قالوا مقالة مولدة ما علمت أحدا سبقهم بها، قالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تؤول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، فتفرع من هذا أن الظاهر يعنى به أمران:
[ ٩٤ ]
السلف بإثبات معاني الصفات، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله ﷿"١".
_________________
(١) أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: "الاستواء معلوم"، وكما قال سفيان وغيره: "قراءتها تفسيرها"يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضايق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته. الثاني: أن ظاهرها وهو الذي يتشكل في الخيال من الصفة كما يتشكل في الذهن من وصف البشر، فهذا غير مراد، فإن الله تعالى فرد صمد ليس له نظير، وإن تعددت صفاته فإنها حق، ولكن ما لها مثل ولا نظير"أ. هـ.ونقل الذهبي عن أبي يعلى أنه قال:"ويدل على إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم حملوها على ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغا لكانوا إليه أسبق". وقال علامة الهند محمد صديق حسن خان في قطف الثمر ص ٤٥ بعد ذكره لمذهب المفوضة وذكره لظن بعضهم أن التفويض هو طريقة السلف قال: "فهذا الظان من أجهل الناس بعقيدة السلف، وأضلهم عن الهدى، وقد تضمن هذا الظن استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة وكبار الذين كانوا أعلم الأمة علما وأفقههم فهما وأحسنهم عملا وأتبعهم سننا، ولازم هذا الظن أن الرسول ﷺ كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه، وهو خطأ عظيم وجسارة قبيحة نعوذ بالله منها".
(٢) ينظر مجموع الفتاوى ٥/١٩، ٤١، ٤٢، ٤٦، ٦٢، ٣٦٥، التسعينية ص ٥٥٦ - ٥٧٣، التدمرية مع شرحها التحفة المهدية " القاعدة الثانية ص ١٠٦، ١٠٧،
[ ٩٥ ]
فتبين مما سبق أن عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته إجمالًا هي: الإيمان بجميع ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، وإثباتها له سبحانه على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، وعدم التعرض لشيء من ذلك بتحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل، ونفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه أو نفاه عنه رسوله محمد ﷺ، واعتقاد كمال ضده له ﷾، مع اعتقاد أن جميع صفاته تعالى صفات حقيقية لا تماثل صفات المخلوقين.
_________________
(١) والقاعدة الثالثة ص ١٦٣- ١٨٢ " شرح الطحاوية "شرح: ما زال بصفاته قديمًا.. ص٩٦"، القواعد المثلى "القاعدة الثالثة"، وينظر كلام العلامة الشوكاني الذي سيأتي قريبًا. وينظر قول الإمام مالك الذي سيأتي عند ذكر صفة الاستواء. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٥/٤١، ٤٢:؛ فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب"موافق لقول الباقين: "أمروها كما جاءت بلا كيف"فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول" ولما قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف"فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم. وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات".
[ ٩٦ ]
والتحريف معناه: تغيير النص لفظًا، أو معنىً، والتغيير اللفظي قد يتغير معه المعنى، وقد لا يتغير. فهذه ثلاثة أقسام:
١- تحريف لفظي يتغير معه المعنى: كتحريف بعضهم قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ بنصب لفظ الجلالة ليكون التكليم من موسى"١".
٢- وتحريف لفظي لا يتغير معه المعنى: كفتح الدال من قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا في الغالب لا يقع إلا من جاهل، إذ ليس فيه غرض مقصود لفاعله غالبا.
٣- تحريف معنوي: وهو صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل، كتحريف معنى اليدين المضافتين إلى الله إلى القوة أو النعمة، وتحريف معنى الاستواء إلى الاستيلاء، وتحريف معنى الضحك إلى الثواب، وغير ذلك، كما فعل الأشاعرة وغيرهم. وهذا من الإلحاد في أسماء الله وآياته، فيتأولون نصوص الصفات على غير تأويلها، ويدَّ عون فيها
_________________
(١) "١" وقد ذكر الحافظ ابن خزيمة في كتاب التوحيد ١/ ٧٨، ٧٩ أن بعض المعاصرين له من المبتدعة كان لا يجوِّز أن يقرأ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وأنه كان يقرأ: "الله نوَّر السموات والأرض"، وذكر أنه كتب له نصيحة وأرسلها إليه مع بعض أصحابه، وذكر أنه بلغه أن هذا المبتدع رجع بعد ذلك.
[ ٩٧ ]
صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بغير دليل، سوى الآراء البشرية والشبه العقلية التي ظنوها بينات، وإنما هي في واقع الأمر شبهات كلامية مبنية على الفلسفة اليونانية، فتأويلهم لنصوص الصفات حقيقته تحريف لكلام الله وكلام رسوله ﷺ عن مواضعه"١"، فإن التأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاء في الكتاب
_________________
(١) "١" قال علامة اليمن الإمام محمد بن علي الشوكاني في رسالة "التحف في مذاهب السلف" ص٤٧-٥١: "مذهب السلف من الصحابة - ﵃ - والتابعين وتابعيهم هو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها، من دون تحريف لها، ولا تأويل متعسف لشيء منها، ولا جبر، ولا تشبيه، ولا تعطيل يفضي إليه كثير من التأويل، فاشدد بذلك على هذا، واعلم أنه مذهب خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ودع عنك ما حدث من تلك التمذهبات في الصفات، وأرح نفسك من تلك العبارات التي جاء بها المتكلمون، واصطلحوا عليها، وجعلوها أصلًا يُردُّ كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ إليه، فإن وافقاها فقد وافقا الأصول المتقررة في زعمهم، وإن خالفاها فقد خالفا الأصول المتقررة في زعمهم، ويجعلون الموافق لها من قسم المقبول والمحكم، والمخالف لها من قسم المردود والمتشابه، ولو جئت بألف آية واضحة الدلالة ظاهرة المعنى، أو ألف حديث مما ثبت في الصحيح لم يبالوا به، ولا رفعوا إليه رؤوسهم، ولا عدوه شيئًا. ومن العجب العجيب والنبأ الغريب أن تلك العبارات الصادرة عن جماعة من أهل الكلام، التي جعلها من بعدهم أصولًا لا مستند لها إلا مجرد الدعوى على العقل،
[ ٩٨ ]
والسنة، وما خالف ذلك باطل، فإن كل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة تقتضيه فهذا لا يقصده الهادي المبين بكلامه، إذ لو قصده لحفَّ به قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ، فإن الله أنزل كلامه بيانا وهدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم يلحق به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد لم يكن بيانا ولا هدى. فالتأويل إخبار بمراد المتكلم لا إنشاء، فإذا قيل: "معنى اللفظ كذا وكذا"كان إخبارًا بالذي عنى المتكلم وأراده بكلامه، فإن لم يكن الخبر مطابقًا كان تفسيرًا لكلام المتكلم بغير مراده، وذلك خطأ ظاهر.
_________________
(١) والفرية على الفطرة، وكل فرد من أفرادها قد تنازعت فيه عقولهم، وتخالفت عنده إدراكاتهم، فهذا يقول: حكم العقل في هذا الكلام كذا، وهذا يقول حكم العقل في هذا كذا، ثم قابلهم المخالف لهم بنقيض قولهم، فافترى على عقله بأنه قد تعقل خلاف ما تعقله خصمه، وجعل ذلك أصلا يرد إليه أدلة الكتاب والسنة، وجعل المتشابه عند أولئك محكمًا عنده، والمخالف لدليل العقل عندهم موافقا له عنده، فكان حاصل كلام هؤلاء أنهم يعلمون من صفات الله ما لا يعلمه، وكفاك هذا! وليس بعده شيء، وعنده يتعثر العلم حياء من الله ﷾". انتهى كلامه - ﵀ - مختصرًا. وينظر رسالة "كشف الشبهات عن المشتبهات"للشوكاني أيضًا ص٣٦-٤٢، وينظر كلام ابن عبد البر الآتي عند بيان معنى الاستواء، وكلام الحافظ ابن حجر الآتي عند تعريف البدعة في الاصطلاح.
[ ٩٩ ]
والتعطيل معناه: إنكار ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات، أو إنكار بعضها.
فهو نوعان:
١- تعطيل كلي: كتعطيل الجهمية الذين ينكرون الأسماء والصفات.
٢- تعطيل جزئي: كتعطيل الأشعرية الذين ينكرون بعض الصفات ويؤولونها، ويثبتون بعض الصفات.
وأول من عرف بالتعطيل من هذه الأمة هو الجعد بن درهم، وكل من جاء بعده من المعطلة فهو مقلد له متأس به في كل ما جاء به من التعطيل أو في بعضه.
والتكييف معناه: حكاية كيفية الصفة، كقول القائل: كيفية يد الله كذا وكذا، وكيفية نزوله إلى السماء الدنيا كذا وكذا. وقد يقيد أو يقرن هذه الكيفية بمماثل فيقول مثلًا: نزول الله تعالى كيفيته كنزول المطر، تعالى الله عن ذلك، فيجمع بين التكييف والتمثيل.
ومعنى التمثيل: إثبات مثيل للشيء، كأن يقول: يد الله مثل يد الإنسان، تعالى الله عن ذلك"١".
_________________
(١) "١" ينظر في عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات: الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة، السنة للإمام أحمد، الرد على الزنادقة للإمام أحمد، خلق أفعال العباد للإمام
[ ١٠٠ ]
_________________
(١) البخاري، كتاب الرد على الجهمية للدارمي، كتاب الرد على المريسي له أيضًا، كتاب التوحيد من صحيح البخاري مع شرحه للغنيمان، كتاب السنة لعبد الله بن أحمد، العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز الحنفي، شرح اعتقاد أهل السنة للالكائي، السنة لابن أبي عاصم، السنة للخلال، الإبانة لابن بطة، التوحيد لابن خزيمة، عقيدة السلف للصابوني، الحجة للأصفهاني، التوحيد لابن منده، شرح السنة للبربهاري، الشريعة للآجري، الصفات للدارقطني، النصيحة للواسطية نقلا عن الجويني، الواسطية مع شرحها لهراس، التدمرية مع شرحها التحفة المهدية، مجموع الفتاوى لابن تيمية، الرسالة المدنية، الصواعق المرسلة، تفضيل علم السلف على علم الخلف لابن رجب، الأربعين في صفات رب العالمين للذهبي، التحف في مذاهب السلف للشوكاني، الإقليد في الأسماء والصفات والاجتهاد والتقليد للشنقيطي، معارج القبول ١/٣٤٦- ٣٦٨، تلخيص الحموية، القواعد المثلى، القواعد الكلية، صفات الله ﷿ للسقاف، الأسماء والصفات لعمر الأشقر.
[ ١٠١ ]
المبحث الثاني: أقسام الصفات
تنقسم صفات الله تعالى من جهة تعلقها بذاته تعالى وأفعاله إلى قسمين:
القسم الأول: صفات ذاتية
وهي التي لم يزل ولا يزال الله تعالى متصفًا بها، كالعلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والوجه، واليدين ونحو ذلك من الصفات التي هي من لوازم ذاته
[ ١٠١ ]
القسم الثاني: صفات فعلية
وهي الصفات المتعلقة بمشيئة الله وقدرته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، كالمجيء، والنزول، والغضب، والفرح، والضحك، ونحو ذلك، وتُسمى "الصفات الاختيارية" أو "الأفعال الاختيارية""١".
_________________
(١) "١" ينظر مجموع الفتاوى ٦/٢١٧، ٢٣٣، شرح الطحاوية ص ٩٦، التنبيهات السنية ص٢٠، صفات الله ﷿ للسقاف ص٢٧-٢٩.
[ ١٠٢ ]
المبحث الثالث: أمثلة لبعض الصفات الإلهية الثابتة في الكتاب والسنة
صفات الله تعالى لا يستطيع العباد حصرها، لأن كل اسم لله تعالى يتضمن صفة له جل وعلا، وأسماء الله تعالى لا يستطيع العباد حصرها، لأن منها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده"٢"، وقد ورد
_________________
(١) "٢" ويدل لذلك ما رواه الإمام أحمد " ٣٧١٢ " بإسناد حسن عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ما أصاب أحدًا قط همٌّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي إلا أذهب الله همه وحزنه ". وقد صححه أحمد شاكر، والألباني في صحيح الكلم الطيب. وينظر الأسماء والصفات للبيهقي، باب بيان أن لله تعالى أسماء أخر ص١٧- ١٩، وتفسير ابن كثير: تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، بدائع الفوائد ١/١٦٢.
[ ١٠٢ ]
في الكتاب والسنة ذكر صفات كثيرة لله تعالى، وأجمع أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم على إثباتها له تعالى على الوجه اللائق بجلاله.
ومن هذه الصفات:
١- علو الله تعالى. وينقسم إلى قسمين: علو ذات، وعلو صفات.
فأما علو الصفات فمعناه: أنه ما من صفة كمال إلا ولله تعالى أعلاها وأكملها.
وأما علو الذات فمعناه: أن الله بذاته فوق جميع خلقه، وقد دل على ذلك: الكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة.
فأما الكتاب والسنة فهما مملوءان بما هو نص، أو ظاهر في إثبات علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، وقد تنوعت دلالتهما على ذلك إلى أنواع كثيرة، منها:
١- التصريح بفوقيته سبحانه على خلقه، مقرونا بأداة "مِنْ"المعيِّنة للفوقية بالذات، كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] .
٢- التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو: ذاتًا وقدرًا وشرفًا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وثبت في الحديث أنه يشرع للعبد أن يقول في حال سجوده - وهو
[ ١٠٣ ]
أكثر ما يكون سفولًا بوضعه أشرف أعضائه - وهو الوجه - على الأرض -: "سبحان ربي الأعلى" "١"، فيصف ربه بصفة العلو وهو - أي الساجد - على هذه الحال من السفول وتنكيس الجوارح تذللا للعلي العظيم"٢".
٣- التصريح بكونه تعالى في "السماء""٣"، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [تبارك: ١٦]، وكقوله ﷺ: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء " رواه البخاري ومسلم"٤".
_________________
(١) "١" عن حذيفة قال: صليت مع النبي ﷺ فذكر الحديث، وفيه: ثم سجد فقال: " سبحان ربي الأعلى ". رواه مسلم في الصلاة باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، رقم " ٧٧٢ ". "٢" للعلامة ابن القيم - ﵀ - كلام نفيس عن هذه الحكمة وغيرها من حكم وأسرار الصلاة في كتابه القيم: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل: الوجه الثاني والعشرون من أوجه الجواب عن شبه نفاة الحكمة والتعليل ٢/١٦٦-١٧٠. "٣" قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية ص٣٨٣: "وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون "في"بمعنى "على". وإما أن يراد ب "السماء" العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز الحمل على غيره". "٤" صحيح البخاري كتاب المغازي رقم " ٤٣٥١ "، وصحيح مسلم كتاب الزكاة رقم " ١٠٦٤ ".
[ ١٠٤ ]
٤- التصريح بأنه تعالى على العرش مستو عليه، كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وكما في قوله ﷺ لما ذكر شفاعته يوم القيامة: "فآتي باب الجنة فيفتح لي، فآتي ربي ﵎ وهو على كرسيه أو سريره فأخر له ساجد ًا" "١"
_________________
(١) "١" رواه أبو أحمد العسال في كتاب "المعرفة"بإسناد قوي عن ثابت عن أنس كما قال الإمام الذهبي الشافعي في "العلو"ص٣٦. ورواه الإمام أحمد ١/٢٨١، ٢٩٥، والدارمي في رده على المريسي ص٣٧١، وعثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش ص ٧٢، ٧٣، رقم " ٤٦ " من طرق عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن ابن عباس، ورجاله ثقات، رجال مسلم، عدا علي بن زيد وهو ابن جدعان فهو "ضعيف"، وقال الدارمي: "رواه هؤلاء المشهورون عن ابن عباس على رغم بشر". ورواه الذهبي في العلو "٦٤" من طريق زائدة عن زياد عن أنس. وقال: "زائدة ضعيف". ولهذا الحديث شواهد كثيرة، منها: حديث عمران مرفوعا عند أبي الشيخ في العظمة " ٢٠٧ " بلفظ "كان الله ﷿ على العرش". ورجاله ثقات، وإسناده متصل، وقال الذهبي في العرش ٢/١٠٥ "حديث صحيح"، ومنها قول ابن عباس: " إن الله كان على عرشه " رواه الدارمي في الرد على المريسي ص٤٤٥. وإسناده صحيح، وقد صححه الألباني في مختصر العلو ص٩٥. وبالجملة فهذا الحديث صحيح بطرقه وشواهده السابقة، وله أيضًا شواهد كثيرة، يأتي بعضها عند الكلام على صفة الاستواء.=
[ ١٠٥ ]
٥- التصريح بصعود الأشياء وعروجها إليه، كما في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، وكما في قوله ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وكما في أحاديث المعراج، وهي أحاديث متواترة، وفيها أنه عرج به ﷺ إلى السماء الدنيا، ثم إلى السماء الثانية، وهكذا حتى وصل إلى سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، ثم كلمه ربه وفرض عليه خمسين صلاة، فنزل إلى موسى في السماء السادسة، فأشار إليه أن يرجع إلى ربه، فيسأله التخفيف، فصعد إلى ربه تعالى يطلب منه التخفيف، فخففها تعالى إلى أربعين صلاة، ثم لم يزل هكذا يتردد بين موسى ﵇ وبين ربه تعالى، حتى خففها الباري وجعلها خمس صلوات"١".
_________________
(١) =وقد ثبت أن العرش أعلى المخلوقات، كما في قوله ﷺ " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن" رواه البخاري في الجهاد "٢٧٩٠" وفي التوحيد "٧٤٢٣". وقال شيخنا عبد العزيز ابن باز في بعض دروسه: "العرش بعضه فوق الجنة وبعضه فوق الماء". "١" تنظر أحاديث المعراج في جامع الأصول في النبوة، ومجمع الزوائد كتاب الإيمان باب الإسراء، وغيرهما. ومما ورد في صعود الأشياء إليه تعالى حديث أبي هريرة ﵁ في عروج روح المؤمن بعد قبض ملك الموت لها، وفيه: "أنها تعرج حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الرب ﵎ ". وقد أخرج هذا الحديث الإمام أحمد ٢/٣٦٤، وابن خزيمة في=
[ ١٠٦ ]
٦- التصريح بتنزيل الكتاب منه، ونزول جبريل ﵇ منه جل وعلا بالقرآن، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة:٤]، وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٠٢] .
٧- التصريح بنزوله جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة، فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ أنه قال: " ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر " وهو حديث متواتر عنه ﷺ "١"، وفي بعض
_________________
(١) التوحيد باب السنن المثبتة أن الله تعالى فوق كل شيء رقم "١٧٦". وإسناده صحيح، وصححه الحافظ الذهبي في الأربعين "٢٤". وله شاهد من حديث البراء الذي رواه الإمام أحمد ٤/٢٨٧، ٢٩٥، وابن خزيمة "١٧٥، ١٧٦" والطيالسي "٧٥٣"، والحاكم في الإيمان ١/٣٧ ٤٠ بإسناد حسن. وصححه الحاكم والبيهقي والمنذري. ينظر الترغيب فصل في عذاب القبر "٥٢٢١"، وقال ابن القيم في تهذيب السنن ٤/٣٣٧: "صححه أبو نعيم وغيره"، وقال الذهبي في العلو "١١٧": "إسناده صالح". "١" ينظر صحيح البخاري: التوحيد باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ "٧٤٩٤"، وصحيح مسلم: الصلاة باب الترغيب في الدعاء، "٧٥٨"، وهو عندهما من حديث أبي هريرة ﵁، وعند مسلم من حديث أبي سعيد ﵁ أيضًا،
[ ١٠٧ ]
ألفاظه في آخره زيادة: " ثم يصعد ""١".
٨- التصريح بلفظ "الأين"كقول أعلم الخلق بربِّه وأنصحهم لأمته وأفصحهم بيانًا عن المعنى الصحيح للجارية: "أين الله؟" قالت: في السماء. قال ﷺ لسيدها معاوية بن الحكم: " أعتقها،
_________________
(١) "١" هذه الزيادة أخرجها أبوعوانة في مسنده باب الترغيب في قيام الليل ٢/٢٨٨، ٢٨٩ والدارقطني في رسالة "النزول"١٣٣، رقم "٥٥" من طرق عن أبي إسحاق، حدثني الأغر أبو مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، عن النبي ﷺ. وإسناده صحيح. وقال الدارقطني: "زاد فيه يونس بن إسحاق - وهو الراوي عنده عن أبي إسحاق - زيادة حسنة". ولهذه الرواية شاهد من حديث ابن مسعود عند الدارقطني "١٢". ورجال إسناده حديثهم لا ينزل عن درجة الحسن، لكن فيه انقطاع. وذكر الحافظ ابن حجر لهذه الرواية شواهد كثيرة في كل منها ضعف يسير، ينظر الفتح كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ . وقال الحافظ بعد ذكره لتأويل النزول: "والتسليم أسلم "، قلت: وماذا يريد العاقل غير السلامة، فيجب على كل مسلم أن يسلِّم لكلام رسول الله ﷺ، وألا يقدم عليه آراء البشر وأهل الكلام، فيضل عن الطريق المستقيم.
[ ١٠٨ ]
فإنها مؤمنة"رواه مسلم"١".
٩- الإشارة إليه حسًّا إلى العلو، فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ أنه ﷺ قال في آخر خطبته يوم عرفة مخاطبا لجموع المسلمين: " أنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد، اللهم اشهد " ثلاث مرات"٢".
١٠- التصريح بأنه تعالى فوق السموات السبع، كما في قوله ﷺ لسعد بن معاذ ﵁ لما حكم في بني قريظة بأن تقتل مقاتلتهم وأن تقسم أموالهم وذراريهم: " لقد حكمتَ فيهم بحكم الله الذي حكم به من
_________________
(١) "١ " صحيح مسلم كتاب المساجد باب تحريم الكلام في الصلاة، رقم "٥٣٧". "٢" صحيح مسلم كتاب الحج باب حجة النبي ﷺ، رقم " ١٢١٨ ". وقال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية ص٣٤٨: "أشار إليه من هو أعلم به وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر، لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله، في اليوم الأعظم في المكان الأعظم فكأنّا نشاهد تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله، وذلك اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع أصبعه إليه: اللهم اشهد ". وروى البخاري في صحيحه في الحج " ١٧٣٩ " عن ابن عباس - ﵄ - خطبة النبي ﷺ يوم النحر، وفيه: ثم رفع رأسه، فقال: " اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت ".
[ ١٠٩ ]
فوق سبع سماوات " "١".
وقد ذكر بعض كبار أصحاب الإمام الشافعي أن أدلة علو الله تعالى بذاته على خلقه في كتاب الله تعالى تزيد على ألف دليل"٢".
ومع ورود كل هذه الأدلة الشرعية المتواترة المتنوعة والصريحة في دلالتها في إثبات علو الله تعالى بذاته على جميع مخلوقاته لم يقبل المعطلة
_________________
(١) "١" رواه ابن سعد في ترجمة سعد بن معاذ ٣/٤٢٦، والنسائي في الكبرى كما في التحفة، حديث " ٣٨٨١ "، والذهبي في "العلو"، رقم "٦٢" من حديث سعد بن أبي وقاص. وإسناده حسن. وقد صححه الذهبي، وابن أبي العز في شرح الطحاوية ص٣٧٨. وحسنه الألباني في مختصر العلو. وله شاهد من مرسل محمد بن كعب عند الذهبي "٦١"، وشاهد آخر من مرسل علقمة بن وقاص عند ابن إسحاق وغيره. وإسناده صحيح إلى مرسله. وقد توسعت في تخريج هذا الحديث في رسالة "اليهود"تحت رقم " ٣٤ ". "٢" وقد جمع هذه الأدلة الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب "العرش"، والموفق ابن قدامة في كتاب "إثبات علو الله تعالى على عرشه"، والحافظ الذهبي في كتاب "العلو"، وأبو محمد الجويني في رسالة "إثبات الاستواء والفوقية"، والحافظ ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وغيرهم، وقال ابن أبي العز الحنفي بعد ذكره ثمانية عشر نوعًا من أدلة إثبات علو الله بذاته على خلقه: "وهذه الأنواع من الأدلة لو بسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله! وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك". وينظر مجموع الفتاوى ٥/٢٢٦.
[ ١١٠ ]
كالمعتزلة وكثير من الأشاعرة"١" إثبات هذه الصفة لله تعالى، وقدموا على هذه النصوص الشبهات العقلية التي أخذوها من علم الكلام الذي ورثوه عن فلاسفة اليونان، فجعلوا العقول البشرية حاكمة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهذا من الميل البيِّنِ عن الصراط المستقيم، وصدق الإمام الشافعي - ﵀ - حيث قال: "ما أحد ارتدى بالكلام فأفلح" "٢".
وأما دليل الإجماع: فقد أجمع الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة أهل السنة على أن الله تعالى عال على خلقه بذاته، مستو على عرشه، وكلامهم في ذلك مشهور ومتواتر، وقد حكى أبوعبد الله
_________________
(١) "١" غالب الأشاعرة ينكرون صفة العلو لله تعالى، فبعضهم يقول: إنه في كل مكان بذاته، وعامة متأخريهم يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه، وذهب بعض متقدميهم إلى إثبات هذه الصفة لله تعالى، وإثبات أنه تعالى فوق عرشه. ينظر مجموع الفتاوى ٢/٢٩٨، و٥/٢٧٢، العلو ترجمة حماد بن زيد "٣٥٢". "٢" رواه أبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلام وأهله"٤/٢٨٥، وقال الحافظ الذهبي في "العلو"ص١٦٦ بعد ذكره لبعض أقوال الإمام الشافعي في ذم الكلام وأهله، والتحذير منه قال: "تواتر عن الشافعي ذم الكلام وأهله، وكان شديد الاتباع للآثار في الأصول والفروع"وينظر في ذم كثير من السلف لعلم الكلام كتاب "ذم الكلام وأهله".
[ ١١١ ]
القرطبي المالكي إجماع السلف على أن الله تعالى في جهة العلو"١".
وقال الإمام الأوزاعي التابعي الجليل: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السنة من صفاته ﷿ ""٢".
_________________
(١) "١" ينظر تفسير القرطبي "تفسير الآية ٥٤ من سورة الأعراف" ٧/٢١٩. ونص كلامه: "قد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة، ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة"أ. هـ. ولفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة، ولكن إذا أريد بها أنه تعالى فوق العالم مباين للمخلوقات، ليس داخلًا فيها، فهذا صحيح، ويكون المراد بالجهة حينئذ أمرًا عدميًا وذلك بتسمية ما وراء العالم جهة. وإن كان الأولى استعمال اللفظ الشرعي "العلو". وينظر التدمرية مع شرحها التحفة ص١٥٣- ١٥٧، مجموع الفتاوي ٦/٣٩، ٤٠، صفات الله ﷿ للسقاف ص٨٥ - ٨٧. "٢" رواه البيهقي في الأسماء والصفات باب ما جاء في قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ص٥١٥. وإسناده حسن إن شاء الله. وقد صحح إسناده ابن تيمية كما في مجموع الفتاوي ٥/٣٩، وجوده الحافظ ابن حجر في الفتح في التوحيد باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِْ﴾ ١٣/٤٠٦، وينظر أيضًا في حكاية الإجماع على أنه تعالى بذاته فوق جميع مخلوقاته عال على عرشه ما يأتي عند الكلام على صفة "الاستواء على العرش".
[ ١١٢ ]
ولم يقل أحد من السلف قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه بذاته في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء.
وأما دليل الفطرة: فإن جميع العباد بطباعهم إذا أرادوا دعاء الله تعالى والتضرع إليه رفعوا أيدهم، واتجهت قلوبهم جهة العلو، فالله تعالى قد فطر قلوب عباده على التوجه في دعائه إلى الجهة العلوية، وهذا يدل على أنه تعالى بذاته فوق جميع مخلوقاته"١".
_________________
(١) "١" ينظر شرح الطحاوية ص٣٩٠-٣٩٢، وينظر الإبانة لأبي الحسن الأشعري ٢/١٠٧، الحجة للأصبهاني٢/١١٧. وقد روى الحافظ أبو منصور بن الوليد بإسناده عن أبي جعفر بن أبي علي الهمداني الحافظ، قال: سمعت أبا المعالي الجويني وقد سُئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ فقال: كان الله ولا عرش وجعل يتخبط في الكلام. فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟. فقال: ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارة؟، فقلت: ما قال عارف قط: " يا رباه " إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟ فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت. وبكيت، وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة، ونزل، ولم يجبني إلا: "يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة". فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: "حيرني الهمداني". ذكره الحافظ الذهبي في "العلو"ص٢٥٩، وقال الألباني في "مختصر العلو"ص٢٧٧: "إسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ".
[ ١١٣ ]
٢- صفة الكلام:
فالله تعالى لم يزل متكلمًا بمشيئته وإرادته بما شاء وكيف شاء بكلام حقيقي، حرف وصوت، ويسمعه من يشاء من خلقه، وكلامه ﷿ قول حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته. ومن الأدلة على ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقوله جل وعلا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] .
ومن الأدلة على ذلك من السنة: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " يقول الله ﷿ يوم القيامة: "يا آدم" فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادِي"١" بصوت: "إنَّ الله يأمرك أنْ
_________________
(١) "١" قال الحافظ العيني في "عمدة القاري"١٩/٦٨: "على صيغة المعلوم"أي أن الله تعالى ينادي آدم ﵇ بصوت يسمع. وفي حديث عمران عند الترمذي في التفسير "٣١٦٩": "ذاك يوم ينادي الله فيه آدم، فيناديه ربه، فيقول: يا آدم ابعث بعث النار "، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وقال عبد القادر الأرنؤوط في تعليقه على جامع الأصول ٩/١٨٦: "وهو كما قال"، وقال الألباني في صحيح الترمذي: "صحيح".
[ ١١٤ ]
تخرج من ذريتك بعثا إلى النار" قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: "من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين" فحينئد تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد ". فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، وقالوا: أينا ذلك الواحد الحديث. رواه البخاري في صحيحه"١".
وما رواه جابر عن عبد الله بن أنيس مرفوعًا: "يحشر الله العباد عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًَا - أي ليس معهم شيء - فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان " "٢".
_________________
(١) "١" صحيح البخاري كتاب التفسير باب ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ رقم "٤٧٤١"، وكتاب التوحيد باب قول الله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ولم يقل ماذا خلق ربكم، رقم "٧٤٨٣". "٢" رواه البخاري في صحيحه في العلم باب الخروج في طلب العلم، وفي التوحيد في الباب السابق تعليقًا. ورواه موصولًا الإمام أحمد في ٣/٤٩٥، والبخاري في الأدب المفرد باب المعانقة "٩٧٠"، وابن أبي عاصم في السنة: الكلام والصوت "٥١٤"، والحاكم في التفسير ٢/٤٣٧، وفي الأهوال ٤/٥٧٤، والخطيب في الرحلة في طلب الحديث رقم "١" من طرق عن همام عن القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله.. فذكره. ورجاله حديثهم لا ينزل عن درجة الحسن، عدا القاسم، وهو "مقبول"، وقد صحح هذا الإسناد الحاكم، ووافقه=
[ ١١٥ ]
ومن كلام الله تعالى: "القرآن" فهو صفة من صفات الله تعالى، تكلم به ربنا جل وعلا، وسمعه منه جبريل ﵇، ونزل به على محمد ﷺ، فهو منزل، غير مخلوق. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١،٢] .
_________________
(١) الذهبي، وحسنه المنذري في الترغيب: فصل في الحساب "٥٢٨٣"، والحافظ في الفتح ١/١٧٤، وقال الألباني في التعليق على السنة: "إسناده حسن أو قريب منه". ورواه الطبراني في مسند الشاميين، رقم "١٥٦"، وتمام في فوائده، رقم "٩٢٨" من طريق محمد بن المنكدر عن جابر. وقال الحافظ في الفتح ١/١٧٤: "إسناده صحيح". ورواه الخطيب "٣٣" من طريق أبي جارود، عن جابر. وقال الحافظ ١/١٧٤: "في إسناده ضعف". وبالجملة هذه الطرق يشد بعضها بعضًا، فهو حديث صحيح بمجموع طرقه، وقد صححه الألباني بمجموع هذه الطرق في التعليق على السنة لابن أبي عاصم. وقال علامة العراق محمود شكري الألوسي في تفسيره "روح المعاني"ج١: "الذي انتهى إليه كلام أئمة الدين.. أن موسى ﵇ سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت كما تدل عليه النصوص التي بلغت في الكثرة مبلغا لا ينبغي معه تأويل، ولا يناسب في مقابلته قال وقيل، بل قد ورد في إثبات الصوت لله تعالى أحاديث لا تحصى". ينظر شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ٢/٢٢١.
[ ١١٦ ]
ومن أدلة السنة: ما رواه جابر قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: " هل من رجلٍ يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربي " "١".
أما الإجماع فقد قال التابعي الجليل عمرو بن دينار: "أدركت أصحاب النبي ﷺ فمن دونهم منذ سبعين سنة، يقولون: القرآن كلام الله، منه خرج وإليه يعود""٢".
_________________
(١) "١" رواه الإمام أحمد ٣/٣٩٠، وأبو داود في السنة باب في القرآن "٤٧٣٤"، والترمذي في فضائل القرآن "٢٩٢٥"، والبخاري في "خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل"ص١٨، واللالكائي "٥٥٤، ٥٥٥" وغيرهم من طرق عن إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن ابن أبي الجعد، عن جابر. وإسناده صحيح، رجاله رجال البخاري. "٢"روى هذا القول عنه الدارمي في الرد على المريسي: القول في كلام الله ص٤٧٤، والبيهقي في الشهادات ٩/٢٠٥ عن ابن راهويه عن ابن عينيه عن عمرو بن دينار. وإسناده صحيح على شرط الشيخين. ومعنى "منه خرج": أن الله تعالى تكلم به، ومعنى "إليه يعود"أن القرآن يرفع في آخر الزمان من المصاحف والصدور، كما روى ابن ماجه " ٤٠٤٩ "، والحاكم في الفتن ٤/٤٧٣ من طريقين أحدهما صحيح عن أبي معاوية عن الأشجعي عن ربعي عن حذيفة مرفوعًا: " يُدرس الإسلام كما يُدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسري على كتاب الله ﷿ =
[ ١١٧ ]
_________________
(١) =في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: "لا إله إلا الله" فنحن نقولها "وإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم. وصححه البوصيري، والألباني في الصحيحة "٨٧". ووشي الثوب: نقشه. وينظر مجموع الفتاوى ٦/٥٢٩ و١٢/١٦٤. وقال الإمام أبوعثمان الصابوني في مقدمة رسالة: عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص١٠٧: "ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله وكتابه ووحيه وتنزيله، غير مخلوق، ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم". وقد حكى الحافظان أبو حاتم الرازي المتوفى سنة "٢٧٧هـ"، وأبوزرعة الرازي المتوفى سنة "٢٦٤هـ" إجماع العلماء الذين أدركاهم في جميع الأمصار على أن القرآن كلام الله وأنه غير مخلوق. روى حكاية هذا الإجماع عنهما اللالكائي ١/١٧٦، وابن أبي حاتم كما في العلو للذهبي ص١٨٨، وصححه الألباني في مختصر العلو ص٢٠٤، ٢٠٥. وحكى الإمام أحمد كما في اختصاص القرآن رقم "٩" نقلا عن العقيدة السلفية ص١٧ إجماع الفقهاء الذين لقيهم على ذلك، وعلى أنه منه بدأ وإليه يعود. وحكى نحو هذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٦/٥٢٨، ٥٢٩، وينظر ج ١٢ ص ١٦٤. وذكر إسحاق بن راهويه المتوفى سنة ٢٣٣هـ أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق. روى ذلك عنه ابن أبي حاتم كما في العلو للذهبي ص ١٧٩. وصحح إسناده الألباني في مختصره ص١٩٤. وحكى الحافظ أبونعيم الأصبهاني المولود سنة ٣٣٦هـ إجماع السلف على=
[ ١١٨ ]
وأيضًا حكى الحافظ أبونصر السجزي المتوفى سنة "٤٤٤هـ" إجماع السلف على أن القرآن كلام الله حرف وصوت"١".
_________________
(١) =أن القرآن كلام الله حقيقة، وأنه غير مخلوق. حكى هذا الإجماع في كتابه "الاعتقاد" ونقله عنه الذهبي في العلو ص٢٤١ وقال الحافظ الذهبي في كتاب العرش ٢/٩٦ بعد ذكره لحديث جابر السابق والذي فيه ذكر "الصوت". قال: "وقد ورد في ذلك بضعة عشر حديثًا مرفوعة من سوى أقوال الصحابة والتابعين، وقد تتبعتها وجمعتها في جزء". "١ " ينظر كتابه "الرد على من أنكر الحرف والصوت"ص١٦٩. وقال في هذا الكتاب أيضًا ص٨٠، ٨١: "لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والصالحي والأشعري. فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفا وصوتا، فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان السلف عليه وألزمتهم المعتزلة أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت، فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام لقلة معرفتهم بالسنن وتركهم قبولها وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل، فالتزموا ما قالته المعتزلة، وركبوا مكابرة العيان، وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر. وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما يسمى ذلك كلامًا على المجاز، لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم ". اهـ ملخصًا. وقال في ص ١٠٦ "واتفق المنتمون إلى السنة أجمعهم على أنه غير مخلوق، وأن القائل بخلقه كافر. فأكثرهم قال: إنه كافر كفرًا ينقل عن الملة، ومنهم من قال: هو كافر بقول غير الحق في هذه المسألة، والصحيح الأول".
[ ١١٩ ]
وحكى أبوالحسن الأشعري إجماع أهل الحديث والسنة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق"١"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس في الأئمة والسلف من قال: إن الله لا يتكلم بصوت ""٢".
فالقرآن كلام الله تعالى حقيقة حروفه ومعانيه، وإذا قرأ الإنسان كلام الله تعالى فصوت القارئ مخلوق، ولكن المقروء - وهو كلام الله تعالى - غير مخلوق، وكذلك سماعنا لصوت القارئ مخلوق، ولكن المسموع غير مخلوق.
وأيضًا إذا كتب الإنسان كلام الله تعالى، فالكتابة مخلوقة، ولكن المكتوب - وهو كلام الله - غير مخلوق"٣".
_________________
(١) "١" ينظر كتابه "مقالات الإسلاميين "١/٣٤٥ ثم قال بعد ذكره لمذهب أهل الحديث والسنة في القرآن وغيره من مسائل العقيدة: "وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب". وينظر كتابه الإبانة ص١٦. "٢" مجموع الفتاوى ٦/٥٢٧. وقال أبوحامد الاسفراييني فيما رواه عنه أبوالحسن الكرجي الشافعي، بإسناد صحيح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل ٢/٩٥،٩٦: "مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: "مخلوق" فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعًا من الله تعالى، والنبي ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبي ﷺ، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا..". "٣" ينظر في صفة الكلام لله تعالى المراجع المذكورة عند بيان طريقة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته. وينظر أيضًا: الرد على من أنكر الحرف=
[ ١٢٠ ]
٣- صفة الاستواء على العرش:
إذا جاء لفظ "الاستواء"مقيدًا بـ "على" فمعناه في لغة العرب: العلو على الشيء والاستقرار عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:١٣]، والمعنى لتعلوا على ظهورها، وتستقروا عليها، وكما في قوله تعالى عن سفينة نوح ﵇: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤] أي استقرت على جبل الجودي، وكما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] أي استقررت عليه، ويقال: استوى فلان على سطح المنزل إذا صعد عليه وعلاه واستقر عليه.
أما العرش فهو في اللغة: السرير الذي للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] "١".
_________________
(١) =والصوت للسجزي، والرد على من يقول القرآن مخلوق للنجاد، وحكاية المناظرة في القرآن لابن قدامة، والتسعينية لشيخ الإسلام، والرسالة السلفية في كلام رب البرية لعبد الله الجديع. "١" ينظر تأويل مختلف الحديث "شرح حديث النزول "ص١٨٢ للإمام اللغوي أبي محمد بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦هـ، والصحاح للإمام اللغوي إسماعيل بن حماد الجوهري المتوفى سنة ٣٩٣هـ، مادة "سوي "، ومادة "عرش "، وشرح اعتقاد أهل السنة لللالكائي "٦٦٨" نقلًا عن إمام العربية: أبي العباس ثعلب المتوفى=
[ ١٢١ ]
فاستواء الله تعالى على عرشه معناه: علوه عليه"١"، واستقراره عليه"٢"، علوًا واستقرارًا حقيقيًا يليق بجلاله.
_________________
(١) = سنة ٢٩١هـ، ومختصر الصواعق للحافظ ابن القيم ص٣٦٠-٣٦٨، والمصباح المنير للفيومي، مادة "سوي "، وفتح رب البرية ٤/٣٥-٤٥. وينظر ما يأتي في التعليقين الآتيين. "١" روى البخاري في صحيحه في التوحيد باب "وكان عرشه على الماء" تعليقًا عن التابعي الجليل مجاهد بن جبر أنه قال: "استوى: علا على العرش "، ووصله الفريابي، وصحح إسناده الألباني في مختصر العلو ص١٠١. وقال الحافظ أبوعمر الطلمنكي المالكي المولود سنة ٣٣٩هـ: "قال أبوعبيدة معمر بن المثنى: استوى: علا. وتقول العرب استويت على ظهر الفرس بمعنى: علوتُ عليه "ينظر مجموع الفتاوى ٥/٥٢٠. وروى الدارقطني عن الإمام اللغوي أبي العباس ثعلب المتوفى سنة ٢٩١هـ أنه قال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: علا. ينظر شرح اعتقاد أهل السنة للالكائي "٦٦٨". وروى اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة "٦٦٢" عن بشر بن عمر وهو من أئمة السلف، توفي سنة ٢٠٧هـ أنه قال: "سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: ارتفع ". وإسناده صحيح. وروى البخاري في صحيحه في الموضع السابق تعليقًا عن التابعي الجليل أبي العالية الرياحي أنه قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ارتفع. ووصله ابن أبي حاتم في تفسير سورة يونس وفي تفسير سورة الرعد بإسناد حسن. "٢" قال الحافظ أبوعمر الطلمنكي المالكي المولود سنة ٣٣٩هـ: "قال عبد الله بن المبارك ومن تابعه من أهل العلم وهم كثير: إن معنى استوى على العرش: استقر".=
[ ١٢٢ ]
_________________
(١) = ينظر مجموع الفتاوى "شرح حديث النزول "٥/٥١٩. وقال الإمام اللغوي أبومحمد بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦هـ في كتابه "تأويل مختلف الحديث "في شرح حديث النزول ص١٨٢: "قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي استقر، كما قال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ﴾ أي استقررت ". وقال الإمام الحافظ أبوعمر بن عبد البر المالكي الأندلسي المولود سنة ٣٦٨هـ في كتابه "التمهيد "في شرح حديث النزول ٧/١٣١ بعد ذكره للآيات الدالة على استواء الله على عرشه: "أما ادّعاؤهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل "استوى": استولى. فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة. والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد. وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله ﷿ إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع، ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله ﷿ أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه". وقال الحافظ الذهبي في العلو "٥٢٠" في ترجمة أبي أحمد الكرجي القصاب المتوفى في حدود سنة ٣٦٠هـ: "قال العلَاّمة أبوأحمد الكرجي في عقيدته التي ألفها فكتبها الخليفة القادر بالله وجمع الناس عليها، وذلك في صدر المائة الخامسة، وفي آخر أيام الإمام أبي حامد الاسفراييني شيخ الشافعية ببغداد، وأمر باستتابة من =
[ ١٢٣ ]
_________________
(١) =خرج عنها من معتزلي، ورافضي، وخارجي، فمما قال فيها: كان ربنا ﷿ وحده لا شيء معه ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجة إليه، فاستوى عليه استواء استقرار كيف شاء وأراد، لا استقرار راحة كما يستريح الخلق ". وقال أبوعبد الله القرطبي المالكي المتوفى سنة "٦٧١هـ" في تفسيره "تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥٤ من الأعراف" قال: "الاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار ". وينظر مجموع الفتاوى ٥/٤٠٤، النونية مع شرحها لمحمد خليل هراس ٢/٢٤٢-٢٤٤، تفسير الإمام الشوكاني: تفسير الآية "٥٤" من الأعراف. وهذا هو التفسير الصحيح لاستواء الله تعالى على عرشه، أما تفسير المعتزلة والجهمية ومن تبعهم الاستواء بالاستيلاء فهو تفسير خاطئ، وتأباه اللغة العربية التي نزل بها القرآن كما ذكر ذلك الإمام اللغوي أبوعبد الله بن الأعرابي المولود سنة ١٥١هـ كما روى ذلك عنه البيهقي في الصفات "٨٧٩" واللالكائي "٦٦٦" وصححه الألباني في مختصر العلو ص١٩٤-١٩٦، وأقر نفطويه إمام العربية المتوفى سنة ٢٤٣هـ ابن الأعرابي على ذلك. ينظر العلو "٤٩٦". كما أن هذا التفسير تفسير ينزه الله تعالىعنه، وهذا شأن من حكَّم عقله في صفات الله تعالى التي لا يحيط بها علمًا، فهو يريد أن ينزه الله، فيؤوِّل خوفًا من التشبيه، فيقع في شر مما فرَّ منه، وقد سبق ذكر ما قاله ابن عبد البر في ذلك في أول هذا التعليق. وقال أبوالحسن الأشعري في كتاب الإبانة ص٨٦، ٨٧: "وقد قال قائلون من =
[ ١٢٤ ]
وهذا الاستواء لا يماثل استواء المخلوقين"١".
_________________
(١) = المعتزلة والجهمية والحرورية: إن قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ إنه استولى وملك وقهر، وإن الله ﷿ في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله ﷿ على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض، فالله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو ﷿ مستول على الأشياء كلها لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأفراد، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله ﷿ مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معناه: استواء يختص العرش دون الأشياء كلها ". وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية تفسير الاستواء بالاستيلاء من اثني عشر وجهًا كما في مجموع الفتاوى ٥/١٤٤-١٤٩، وأبطله الحافظ ابن القيم من إحدى وأربعين وجهًا. ينظر مختصر الصواعق ص٣٥٢-٣٦٨، وينظر شرح النونية لابن عيسى ١/٤٤٠، ٤٤١. "١" قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٥/١٩٩: ولله تعالى استواء على عرشه حقيقة، وللعبد استواء على الفلك حقيقة، وليس استواء الخالق كاستواء المخلوقين، فإن الله لا يفتقر إلى شيء ولا يحتاج إلى شيء بل هو الغني عن كل شيء. والله تعالى يحمل العرش وحملته بقدرته، ويمسك السموات والأرض أن تزولا. فمن ظن أن قول الأئمة: "إن الله مستوٍ على عرشه حقيقة "=
[ ١٢٥ ]
وعرش الله تعالى سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، كما ورد في النصوص الشرعية"١".
والكرسي: هو موضع قدمي الرب جل وعلا، كما ثبت عن ابن عباس وغيره من أصحاب النبي ﷺ"٢".
_________________
(١) يقتضي أن يكون استواؤه مثل استواء العبد على الفلك والأنعام، لزمه أن يكون قولهم: "إن الله له علم حقيقة، وبصر حقيقة، وكلام حقيقة"يقتضي أن يكون علمه وسمعه وبصره وكلامه مثل علم المخلوقين وسمعهم وبصرهم وكلامهم. انتهى كلامه ﵀. "١" كما في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] . وروى البخاري "٢٤١٢، ٧٤٢٧" ومسلم "٢٣٧٤" عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يُصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش". وقال الحافظ إسماعيل بن كثير الشافعي في أوائل البداية والنهاية ١/٢٠: "العرش في اللغة: عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] فهو أي عرش الرحمن جل وعلا سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات". وينظر مجموع الفتاوى ٥/١٥١، ١٥٢. "٢" روى وكيع كما في تفسير ابن كثير، ومن طريقه الدارمي في الرد على المريسي ص٤٢٥، ٤٢٩، وابن أبي حاتم في تفسيره "٢٦٠١"، والطبراني في الكبير "١٢٤٠٤"، والحاكم ٢/٢٨٢، والبيهقي في الأسماء والصفات "٧٥٨"،
[ ١٢٦ ]
فاستواء الله تعالى على عرشه من صفاته الفعلية التي دل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف.
فمن أدلة القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
ومن أدلة السنة:
١- ما رواه ابن عباس - ﵁ ما - عن النبي ﷺ أنه قال لما ذكر الشفاعة يوم القيامة: "فآتي باب الجنة فيفتح لي، فآتي ربي ﵎ وهو على كرسيه أو سريره، فأخر له ساجدًا " "١".
_________________
(١) والمقدسي في المختارة ١٠/٣١٠، ٣١١ وغيرهم عن سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله". وإسناده حسن، رجاله ثقات، رجال الصحيحين، عدا عمار الدهني، فهو من رجال مسلم وحده، وهو "صدوق". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي ٦/٣٢٣: "رجاله رجال الصحيح"، وصحح إسناده الألباني في مختصر العلو ص١٠٢. وروى ابن أبي شيبة في العرش "٦٠"، وغيره عن أبي موسى ﵁ قال: "الكرسي موضع القدمين"وصححه الألباني في مختصر العلو ص١٢٤. "١" سبق تخريجه عند ذكر النوع الرابع من أدلة العلو. وله شواهد ذكرتها عند تخريجه.
[ ١٢٧ ]
٢- ما رواه أبو هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله تعالى خلق السموات والأرضين وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش " "١".
_________________
(١) "١" رواه النسائي في تفسيره في تفسير سورة السجدة ٢/١٥٣، ١٥٤ ورجاله حديثهم لا ينزل عن درجة الحسن. وقال الألباني في مختصر العلو ص١١٢: "جيد الإسناد"، وحسنه محققا تفسير النسائي. وله شواهد كثيرة، منها حديث قتادة بن النعمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه ". رواه الخلال في السنة كما في اجتماع الجيوش الإسلامية ص١٠٧، ١٠٨، وكما في العلو للذهبي ص"١١٠". وقال الحافظ ابن القيم في الموضع السابق: "إسناد صحيح، على شرط البخاري"، وقال الحافظ الذهبي في الموضع السابق: "رواته ثقات". ومنها حديث أبي رزين العقيلي ﵁ مرفوعًا، وفيه: " ثم خلق العرش، ثم استوى عليه ﵎ "رواه البيهقي في الأسماء والصفات "٨٤٦"، والذهبي في العلو "١٣". ورجال البيهقي ثقات، عدا وكيع بن حدس، وهو "مقبول"كما في التقريب. وقال الحافظ الذهبي في العلو ص١٣، وفي العرش ص"١٥": "إسناده حسن". ومنها حديث أنس وفيه أن النبي ﷺ قال عن يوم الجمعة: " وهو اليوم الذي استوى فيه ربك على العرش "رواه الإمام الشافعي في الأم ١/٢٠٨، وغيره من طرق. وقال الذهبي في العلو ص"٤٤": "هذه طرق يعضد بعضها بعضًا". ومنها قول ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة: "لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش"رواه الطبري في تفسيره تفسير الآية ٢٩ من البقرة، وابن خزيمة في آخر كتاب التوحيد ٢/٨٨٦-٨٨٨. وقال الألباني في مختصر العلو ص١٠٥: "إسناده جيد".
[ ١٢٨ ]
٣ - حديث جبير بن مطعم، وفيه قوله ﷺ عن ربه جل وعلا: " إنه لفوق عرشه على سماواته " "١".
_________________
(١) "١" رواه أبوداود في السنة باب الرد على الجهمية "٤٧٢٦"، وابن خزيمة في التوحيد "١٤٧"، والبيهقي في الأسماء والصفات "٨٨٣، ٨٨٤"، وابن مندة في التوحيد "٦٤٣، ٦٤٤" ورجاله حديثهم لا ينزل عن درجة الحسن، سوى جبير بن محمد، وهو "مقبول"، وقد صححه ابن منده، وحسنه الذهبي في العرش ٢/٢٨، وابن القيم في تهذيب السنن ٧/٩٨، وقوّاه الحافظ السجزي في "الرد على من أنكر الحرف" ص١٢٤، ١٢٥، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ١٦/٤٣٥. وله شاهد من حديث العباس ﵁ رواه الإمام أحمد ١/٢٠٦، ٢٠٧، وأبوداود في الموضع السابق "٤٧٢٣"، وابن خزيمة في التوحيد "١٤٤"، وقد صححه الجوزجاني في الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير ١/٧٩، وقال الذهبي في العرش ٢/٣٣: "إسناده حسن، وفوق الحسن"، ومال إلى تقويته شيخ الإسلام كما في الفتاوى ٣/١٩٢، وابن القيم في تهذيب السنن ٧/٩٢، ٩٣. وله شاهد آخر من حديث جابر بن سليم ﵁ مرفوعًا، ولفظه " أن رجلًا ممن كان قبلكم لبس بردين، فتبختر فيهما، فنظر الله إليه من فوق عرشه فمقته، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل في الأرض، فاحذروا وقائع الله عز وج ل". وقد رواه الطبراني في الكبير "٦٣٨٤" وغيره. وحسّنه محقق كتاب العلو للذهبي ٢/٣٩٦ بمجموع طرقه. وله شاهد ثالث من حديث عامر الشعبي أن أم المؤمنين زينب بنت جحش قالت للنبي ﷺ: "زوجنيك الرحمن من فوق عرشه"رواه الحاكم بإسناد حسن مرسل. وله شاهد رابع من قول عائشة عن عثمان ﵄ ولفظه: " علم الله من فوق عرشه أني لم أحب قتله "رواه الدارمي في الرد على الجهمية ص٢٧٥ بإسناد
[ ١٢٩ ]
وقال الحافظ عثمان بن أبي شيبة المتوفى سنة "٢٩٧هـ": "تواترت الأخبار أن الله تعالى خلق العرش فاستوى عليه بذاته""١".
وقد أجمع سلف هذه الأمة من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم على أن الله تعالى فوق عرشه مستو عليه، ولم يقل أحد من السلف: إن الله تعالى ليس على العرش. وقد نقل إجماعهم وإجماع جميع أهل السنة على ذلك جمع من أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين"٢"
_________________
(١) صحيح. وصححه الألباني في مختصر العلو ص١٠٤. وله شاهد خامس من قول ابن مسعود ﵁ ولفظه: "الله تعالى فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه". رواه الدارمي في الموضع السابق، وابن خزيمة ١/٢٤٢، والذهبي في العلو "٦٧" وإسناده حسن، وصحح إسناده الذهبي، وقال الألباني في مختصر العلو: "سندهم جيد". وبالجملة فهذا الحديث صحيح بشواهده. "١" ينظر كتابه "العرش"ص٥١. "٢" سبق في ختام الكلام على صفة العلو ذكر حكاية الإمام الأوزاعي وهو من أئمة التابعين إجماع الصحابة والتابعين الذين لقيَهم على أن الله تعالى فوق عرشه. وقد حكى الإمام قتيبة بن سعيد المولود سنة "١٥٠هـ" إجماع أئمة الإسلام والسنة والجماعة على أن الله تعالى في السماء السابعة على عرشه. ينظر العلو للذهبي ص١٧٤، وحكى إمام المحدثين الحافظ علي بن المديني المتوفى سنة "٢٣٤هـ" إجماع أهل الجماعة على أنه تعالى فوق السموات على عرشه استوى، ينظر العلو ص١٧٨، ونقل الحافظ إسحاق بن راهويه المولود سنة ١٦٦هـ إجماع أهل العلم على
[ ١٣٠ ]
_________________
(١) أن الله تعالى فوق العرش استوى. ينظر العلو ص١٧٤. وقال أبوالحسن الأشعري المتوفى سنة ٣٣٠هـ في مقالات الإسلاميين ١/٢٨٥: "قال أهل السنة وأصحاب الحديث: إنه على العرش، كما قال ﷿ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف"، وينظر نفس الكتاب ١/٣٤٥، ثم قال الأشعري بعد ذكره لمجمل عقائد أهل السنة: "وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب". وكذلك نقل الحافظ زكريا الساجي الشافعي المتوفى سنة ٣٠٧هـ إجماع أهل الحديث الذين لقيهم على أن الله تعالى عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء. ينظر العلو للذهبي "٤٨٢". وذكر الحافظ أبوإسماعيل الصابوني المولود سنة ٣٧٢هـ في كتاب السنة له ١/١٠٩، ١١٠ أن أهل الحديث يشهدون أن الله تعالى فوق سبع سماوات، على عرشه. ونقل الحافظ ابن عبد البر المالكي المولود سنة ٣٦٨هـ إجماع علماء الصحابة والتابعين الذين حُمِلَ عنهم التأويل أي التفسير على أن الله تعالى على العرش وعلمه في كل مكان. قال: "وما خالفهم في ذلك أحد يُحتج به". ينظر التمهيد: شرح حديث النزول ٧/١٣٧، ١٣٨، وينظر العلو للذهبي ص٢٤٩. وقال الحافظ أبوعمر الطلمنكي المالكي المتوفى سنة ٤٢٩هـ: "أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله تعالى فوق السماوات بذاته مستوٍ على عرشه كيف شاء، وأن الاستواء من الله تعالى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز". ينظر العلو "٥٢٦"، ومجموع الفتاوى ٥/١٨٩.
[ ١٣١ ]
وقد ثبت عن الإمام مالك إمام دار الهجرة - وهو من تابعي التابعين - أن سأله رجل فقال: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء " العرق " ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا" ثم أمر به أن يخرج"١".
وقال الحافظ الذهبي الشافعي: "هذا ثابت عن مالك، وتقدم
_________________
(١) وقال أبوعبد الله القرطبي المالكي المتوفى سنة ٦٧١هـ في تفسيره ٧/٢١٩: "لم ينكر أحدٌ من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة". وقال الحافظ الذهبي الشافعي في آخر كتاب العلو ص٢٦٧: "والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر الأول ونقله عنهم الأئمة". وينظر مجموع الفتاوى ٣/٢٦٠. وكذلك نقل إجماع أهل السنة على استواء الله تعالى على عرشه بذاته جمع كثير من أهل العلم غير من ذكر. ينظر مجموع الفتاوى ٥/١٨٩-١٩٣. "١" رواه الدارمي في الرد على الجهمية ص٢٨٠، والصابوني ١/١١٠، ١١١، والبيهقي في الصفات "٨٦٧"، وابن عبد البر في التمهيد ٧/١٥١ وغيرهم من طرق عن مالك. وهو بهذه الطرق صحيح إلى مالك. وقد جزم الحافظ الذهبي بثبوته في العلو ٢/٩٥٤. ورواه البيهقي "٨٦٦" بنحوه أخصر منه. وصحح إسناده الذهبي في العلو "٣٤٤"، وجوّد إسناده الحافظ في الفتح ١٣/٤٠٧.
[ ١٣٢ ]
نحوه عن ربيعة شيخ مالك"١"، وهو قول أهل السنة قاطبة ""٢".
ومعنى قوله: "الاستواء غير مجهول"أي غير مجهول المعنى في اللغة، فإن معناه العلو والاستقرار"٣".
_________________
(١) "١" روى هذا القول عنه اللالكائي "٦٦٥"، والبيهقي "٨٦٨"، وابن قدامة في صفة العلو "٧٤"، والذهبي في العلو "٣٢٢"، وإسناد الذهبي حسن. وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ١/٣٦٥: "ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك"، وقال في الحموية "مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى ٥/٤٠": "روى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان، قال: سُئل ربيعة فذكره". وصحح إسناده الذهبي في العلو، والألباني في مختصره ص١٣٢. "٢" ينظر العلو ص٩٥٤. "٣" قال أبوعبد الله القرطبي المالكي المتوفى سنة ٦٧١هـ في تفسيره الآية ٥٤ من الأعراف ٧/٢١٩، ٢٢٠ عند كلامه على مذهب السلف: "وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته، قال مالك ﵀: الاستواء معلوم يعني في اللغة، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار". وينظر مجموع الفتاوى ٣/١٦٧. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الحموية "مطبوع ضمن مجموع الفتاوى ٥/٤١": "قول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب. موافق لقول الباقين: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه علىما يليق بالله لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول. ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل
[ ١٣٣ ]
وقوله: "والكيف غير معقول"معناه أنا لا ندرك كيفية استواء الله على عرشه بعقولنا، فلا يمكن معرفتها إلا بطريق السمع، ولم يرد السمع بذكر الكيفية، فيجب الكف عن ذكرها.
وقوله: "الإيمان به واجب"، معناه: أن الإيمان باستواء الله على عرشه على الوجه اللائق به تعالى واجب، لأن الله أخبر به عن نفسه، فوجب تصديقه والإيمان به.
وقوله: "والسؤال عنه بدعة"معناه أن السؤال عن كيفية الاستواء بدعة، لأنه لم يكن معروفًا في عهد النبي ﷺ، وأصحابه.
وهذا الذي ذكره الإمام مالك وشيخه ربيعة ميزان عام لجميع الصفات التي أثبتها الله لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ فإن معناها معلوم لنا، وأما كيفيتها فمجهولة لنا، لأن الله أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، ولأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فإذا كنا نثبت ذات الله تعالى من غير تكييف لها فكذلك يكون إثبات صفاته من غير تكييف"١".
_________________
(١) مجهولًا بمنزلة حروف المعجم. وأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات". انتهى كلامه. "١" فتح رب البرية بتلخيص الحموية لشيخنا محمد بن عثيمين "مطبوع ضمن فتاويه ٤/٤٠، ٤١".
[ ١٣٤ ]
٤- صفة الوجه:
"الوجه"من صفات الله تعالى الذاتية، الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ "١" [الرحمن:٢٦،٢٧]، وقال النبي ﷺ عن ربه ﷿: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " رواه مسلم"٢"، وفي حديث الحارث الأشعري
_________________
(١) "١" أما قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فالمراد بالوجه هنا: القبلة، أي قبلة الله. لدلالة السياق على ذلك، فإن "أين"ظرف مكان، و"تولوا" معناه: تستقبلوا. فهذه الآية ليست من آيات الصفات، وهذا من المواضع التي قد يقع فيها الغلط، فيستدل بالآية على الصفة وهي لا تدل عليها، فالدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف من به من القرائن اللفظية والحالية، ولذلك لا يصح أن يستدل بمثل هذه الآية على صحة التأويل؛ لأن المعنى هنا دلّ السياق عليه، وليست هذه الآية من آيات الصفات أصلًا حتى يستدل بها على صحة التأويل. ينظر مجموع الفتاوى ٦/١٤-١٧. "٢" صحيح مسلم: الإيمان، باب في قول ﷺ: " إن الله لا ينام " حديث "٢٩٣". ومعنى:"سبحات وجهه": نور وجهه وجلاله وبهاؤه. وبصره تعالى يدرك المخلوقات كلها. فالسبحات محجوبة بالنور وفي رواية: النار فهي حجب تحجب الخلق عن الإدراك. ينظر الرد على المريسي ص٥٢٧، ٥٢٨،=
[ ١٣٥ ]
مرفوعًا: " وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، فإن الله يقبل بوجهه إلى وجه عبده ""١".
وأجمع السلف على إثبات صفة الوجه لله تعالى، وعلى أنها صفة حقيقية، تليق بجلاله وعظمته، ولا تماثل صفات المخلوقين.
قال الإمام أبوحنيفة - ﵀ -: "له يد ووجه ونفس، كما ذكر تعالى في القرآن من ذكر اليد والوجه والنفس، فهو له صفات بلا كيف""٢".
٥- صفة اليدين:
مذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى يدين اثنتين، ويعتقدون أنهما يدان حقيقيتان تليقان بجلال الله تعالى، ولا تماثلان أيدي المخلوقين، وهما من صفات الله تعالى الذاتية، الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى مخاطبًا الشيطان الرجيم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] .
_________________
(١) الصحاح مادة "سبح"، مجموع الفتاوى ٦/١٠. "١" سبق تخريجه في آخر الكلام على توحيد الربوبية، وهو حديث صحيح. "٢" الفقه الأكبر ص٣٧، وينظر شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٢٦٤.
[ ١٣٦ ]
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! أو يا أبا القاسم! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ تعجبا مما قال الحبر، تصديقا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] . رواه البخاري ومسلم"١".
وعن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ: " يأخذ الله ﷿ سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله " ويقبض أصابعه ويبسطها"٢"؛" أنا الملك " حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني
_________________
(١) "١" صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ "٧٤١٤، ٧٤١٥"، وصحيح مسلم، أول كتاب صفة القيامة والجنة والنار "٢٧٨٦". "٢" أي أن النبي ﷺ قبض أصابعه وبسطها. وهذا منه ﷺ بيان لقبض الله تعالى السماوات والأرضين بيديه. وأنه قبضٌ حقيقي، وأن لله تعالى يدين حقيقة. ذكر نحو هذا شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ في بعض دروسه عند شرحه لكتاب التوحيد لابن خزيمة، وينظر مختصر الصواعق ص٣٧١.
[ ١٣٧ ]
لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ. رواه مسلم"١".
وأجمع سلف هذه الأمة على أن لله تعالى يدين حقيقيتين لا تماثلان أيدي المخلوقين"٢".
_________________
(١) "١" صحيح مسلم: الموضع السابق "٢٧٨٨". والأحاديث الدالة على إثبات اليدين لله تعالى غير هذا الحديث كثيرة، منها: حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ". رواه مسلم في الإمارة "١٨٢٧". ومنها حديث أنس في ذكر الشفاعة، وفيه: أن المؤمنين يقولون لآدم: " خلقك الله بيده "رواه البخاري في الموضع السابق "٧٤١٠"، ومسلم في الإيمان "١٩٤". ومنها قول ابن عمر ﵄: "خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده: العرش، وجنات عدن، والقلم، وآدم، ثم قال لسائر الخلق: " كن فكان ". رواه الدارمي في الرد على المريسي ص٣٩٣، واللالكائي "٧٣٠"، والبيهقي "٦٩٣". وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح. وله حكم الرفع. وقال الذهبي في العلو: "إسناده جيد". وقال الألباني في مختصره ص١٠٥: "سنده صحيح على شرط مسلم". "٢" ولا يصح تحريف معنى اليدين إلى القوة، أو النعمة، أو نحو ذلك كما فعل الأشاعرة، لوجوه منها: أولًا: أنه صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه بلا دليل. ثانيًا: أنه معنى تأباه اللغة في مثل السياق الذي جاءت به مضافة إلى الله تعالى، فإن الله قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ولا يصح أن يكون المعنى لما خلقت بنعمتيَّ، أو قوتيَّ.
[ ١٣٨ ]
٦- المحبة:
المحبة من صفات الله تعالى الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال النبي ﷺ: " إذا أحب اللهُ العبدَ نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا
_________________
(١) ثالثًا: أنه ورد إضافة اليد إلى الله بصيغة التثنية، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في موضع واحد إضافة النعمة أو القوة إلى الله تعالى بصيغة التثنية، فكيف يفسر هذا بهذا؟. رابعًا: أنه لو كان المراد بهما القوة أو القدرة لاحتج بذلك إبليس على ربه حين قال له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقال: وأنا أيضًا خلقتني بقوتك وقدرتك. خامسًا: أن صفة اليد تصرفت تصرفًا يمنع أن يكون المراد بها النعمة أو القوة، فجاءت بلفظ اليد، والكف، وجاء إثبات الأصابع والقبضة، واليمين، والهز لله تعالى، وهذه التصرفات تمنع أن يكون المراد باليد النعمة أو القوة. قال الإمام أبوحنيفة في الفقه الأكبر ص٣٧: "وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف". وينظر الرد على المريسي ص٣٩٠، شرح الطحاوية ص٢٦٥، فتح رب البرية ٤/٥٦، ٥٧.
[ ١٣٩ ]
أبغض الله عبدًا" رواه البخاري ومسلم"١"، وفي الصحيحين أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال يوم خيبر: " لأُعطيَنَّ الراية غدًا لرجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ""٢".
وأجمع السلف على ثبوت صفة المحبة لله تعالى، وعلى أنها صفة حقيقية، لا تماثل صفات المخلوقين، فهو تعالى يحب من يشاء من خلقه.
هذا وهناك صفات كثيرة غير ما ذكر ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، أو بأحدهما، وبإجماع السلف، يطول الكلام بذكرها وذكر أدلتها، ومنها: الخلق، والرزق، والرضى، والضحك، والغضب، والعزة، والعلم، والعدل، والحياء، والجمال، والانتقام من المجرمين، والنزول، والكيد لأعدائه، والخداع لمن خادعه، والعين، والأصابع، والقدم، وأنه يراه المؤمنون يوم القيامة، وغير ذلك"٣".
_________________
(١) "١" صحيح البخاري: التوحيد، باب كلام الرب تعالى مع جبريل ونداء الله الملائكة "٧٤٨٥"، وصحيح مسلم: البر والصلة "٢٦٣٧". "٢" صحيح البخاري: الجهاد "٣٠٠٩"، وصحيح مسلم: فضائل الصحابة "٢٤٠٦". "٣" ينظر في جميع الصفات السابقة المراجع المذكورة عند بيان طريقة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته في نهاية المبحث الأول من هذا الفصل. وقد أطال الحافظ النسائي صاحب السنن في كتابه "النعوت"، والشيخ علوي السقاف في كتاب "صفات الله تعالى"في ذكر صفات الله تعالى والاستدلال لكل صفة.
[ ١٤٠ ]
المبحث الرابع: ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات
إن معرفة العبد بأسماء الله وصفاته ومعرفته بمعانيها وإيمانه بأنها صفات حقيقية تليق بجلال الله وعظمته وأنها لا تماثل صفات المخلوقين يكسبه سعادة الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بها أو أوَّلَها وصرَفَها عن معناها الحقيقي حرم السعادة، فإيمان العبد بأسماء الله وصفاته له ثمرات وفوائد كثيرة، من أهمها ما يلي:
١- أعظم ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات: تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب، ووصفه بصفات الكمال اللائقة بجلاله، ونفي مماثلتها لصفات المخلوق الضعيف، وإثبات الأسماء الحسنى له جل وعلا.
٢- أن مَنْ آمن بأن من أسماء الله تعالى "العفو"و"الغفور"و"الرحيم"، وأن من صفاته "المغفرة للمذنبين" و"الرحمة" و"العفو" دعاه ذلك إلى عدم اليأس من روح الله، وإلى عدم القنوط من رحمته، بل ينشرح صدره لما يرجو من رحمة ربه ومغفرته.
٣- أن من عرف أن من صفات الله تعالى أنه "شديد العقاب"، و"الغيرة إذا انتهكت محارمه"، و"الغضب"، وأنه "ذو انتقام ممن عصاه"حمله ذلك على الخوف من الله تعالى والبعد عن معصيته.
[ ١٤١ ]
٤- أن المؤمن إذا أيقن أن من أسماء الله تعالى: "القوي"و"القادر" و"العزيز"، وأنه تعالى "يتولى المؤمنين بالحفظ والنصر"أكسبه ذلك عظمة التوكل على الله، والوثوق بنصره، وعدم الهلع من أعدائه، فيعيش قرير العين، واثقا بحفظ الله وتأييده ونصره.
٥- أن من استقر في قلبه أن من أسماء الله تعالى "البصير"وأنه تعالى يرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، وكذلك إذا علم أن من أسماء الله تعالى "الرقيب"، و"العليم"، وأنه تعالى يعلم نيات العباد وخلجات نفوسهم، حمله ذلك على البعد عن معصية الله، وألا يراه الله حيث نهاه، وعلى مراقبته سبحانه في كل ما يأتي وما يذر.
٦- أن من آمن بصفات الله واستعاذ بها أعاذه الله مما يخاف منه"١".
٧- أن من علم أسماء الله وصفاته وتوسل إلى الله تعالى بها
_________________
(١) "١" ينظر شرح السنة، باب الرد على من قال بخلق القرآن ١/١٨٥، ومجموع الفتاوى ٦/٢٢٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ١/١١١: "والاستغاثة برحمته استغاثة به في الحقيقة، كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة به في الحقيقة، وكما أن القسم بصفاته قسم به في الحقيقة".
[ ١٤٢ ]
استجاب الله دعاءه، فحصل له ما يرجوه من مرغوب، واندفع عنه ما يخافه من مرهوب.
وهذا كله قطرة من بحر من ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات"١".
_________________
(١) "١" ينظر مدارج السالكين: المشهد الثامن ١/٤٤٩- ٤٥٣، بدائع الفوائد ١/١٦٣، طريق الهجرتين ص ٤٢، معارج القبول ١/١٢٦- ١٢٨، الصفات لعلوي السقاف ص٣١-٣٦. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا ما ذكره ابن القيم في بدائع الفوائد ١/١٦٤ من خطأ من قال: "ينبغي التخلق بأسماء الله". وبيّن أن هذه العبارة غير سديدة، وأنها مأخوذة من قول الفلاسفة بالتشبه بالإله على قدر الطاقة.
[ ١٤٣ ]