تعريفها وحكمها
الولاء والبراء
المبحث الأول: تعريفهما وحكمهما
الولاء في اللغة: المحبة والنصرة، والقرب. والوليّ: المحب والصديق والنصير، وهو ضد العدو. والموالاة والوَلاية: ضد المعاداة"١".
والولاء في الاصطلاح هو: محبة المؤمنين لأجل إيمانهم، ونصرتهم، والنصح لهم، وإعانتهم، ورحمتهم، وما يلحق بذلك من حقوق المؤمنين"٢".
_________________
(١) "١" الصحاح، ومعجم مقاييس اللغة، والقاموس، والكليات، ولسان العرب "مادة: ولي"، وقال في النهاية "مادة: ولي": "تكرر ذكر "المولى" في الحديث، وهو اسم يقع على جماعة كثيرة"ثم ذكر بعضها كالرب، والسيد، والناصر، والمحب، وابن العم، ثم قال: "وكل من ولي أمرًا أو قام به فهو مولاه ووليه". "٢" ينظر: تفسيرالجصاص للآية ٢٨ من آل عمران ٢/٢٨٨؛ مجموع الفتاوى ٢٨/٢٠٩، الفرقان ص٤، ٥ تفسير الآية ٧١ من التوبة في تفسير ابن كثير، شرح الطحاوية ص٥٤٦، ٥٤٧، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/٢٩٠، تيسير العزيز الحميد باب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ ص٤٢٢، الدرر السنية ٢/٣٢٥، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع الطيار ٣/١٠٢١"،
[ ٥٤٣ ]
وهذا الولاء يكون في حق المسلم الذي لم يصر على شيء من كبائر الذنوب.
أما إذا كان المسلم مصرًا على شيء من كبائر الذنوب، كالربا، أو الغيبة، أو إسبال الثياب، أو حلق شعر العارضين والذقن "اللحية" أو غير ذلك فإنه يُحبّ بقدر ما عنده من الطاعات، ويبغض بقدر ما عنده من المعاصي"١".
والمحبة للمسلم العاصي تقتضي أن يهجر إذا كان هذا الهجر يؤدي إلى إقلاعه عن هذه المعصية وإلى عدم فعل ما يشبهها من قبله أو من قبل غيره، كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وأمر الصحابة أن يهجروهم، فلم يكلموهم خمسين يومًا. متفق عليه "٢".
_________________
(١) الإرشاد للدكتور صالح الفوزان ص٢٧٩، الولاء والبراء ص٨٩، ٩٠، النواقض القولية والعملية ص٣٦٠. "١" مجموع الفتاوى ٢٨/٢٠٩، رسالة "المحبة"لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٨٩، ٩٠، ١٣٣، ١٩٨، شرح الطحاوية ص٥٤٧، مجموع فتاوى ورسائل شيخنا محمد بن عثيمين ٣/١١، الإرشاد للدكتور صالح الفوزان ص٢٩٠، حقيقة الولاء والبراء ص٥٣٢-٥٥٧. "٢" صحيح البخاري: المغازي "٤٤١٨"، وصحيح مسلم: التوبة "٢٧٦٩". ومن الهجر لهم: أن لا يُبدأوا بالسلام ولا يرد عليهم إذا سلموا، ويقاطعوا بالكلام
[ ٥٤٤ ]
كما أن المحبة للمسلم العاصي تقتضي مناصحته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ليفعل الخير ويجتنب المعصية، فينجو من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، كما تقتضي المحبة للعاصي إقامة الحدود والتعزيرات عليه ليتوب ويرجع إلى الله تعالى، ولتكون تطهيرًا له من ذنوبه"١".
وقريب من العاصي: المتهم بالنفاق، فيوالى بقدر ما يظهر منه من الخير، ويعادى بقدر ما يظهر منه من الخبث"٢"، وإذا تبين نفاقه
_________________
(١) وبالزيارة ونحو ذلك. وينظر: التمهيد ٦/١١٨، ١٢٧، مجموع الفتاوى ٢٨/٢٠٣-٢١٨، روضة الطالبين ٧/٣٦٧، ٣٦٨، زاد المعاد ٣/٥٧٥، ٥٧٨، جامع العلوم والحكم: شرح الحديث ٣٥، ج٢، ص٢٦٨، ٢٦٩، شرح الطحاوية ص٥٣٣، الزجر بالهجر للسيوطي، فتح الباري: المغازي ٨/١٢٤، والأدب باب الهجرة ١٠/٤٩٦، الآداب الشرعية ١/٢٢٩-٢٣٩، تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعادة والحب والبغض والهجران للشيخ حمود التويجري ص٤١-٦٤، هجر المبتدع للشيخ بكر أبوزيد، الهجر لمشهور حسن ص١٥٣-٢٠١. وينظر فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٣/١٦-١٨ ففيها تفصيل جيد في المسألة، وفيها قوله: "أما اليوم فإن كثيرًا من أهل المعاصي لا يزيدهم الهجر إلا مكابرة وتماديًا في معصيتهم، ونفورًا وتنفيرًا من أهل العلم والإيمان، فلا يكون في هجرهم فائدة لهم ولا لغيرهم". وقد حكى القاضي أبويعلى الفراء الحنبلي إجماع الصحابة والتابعين على مشروعية الهجر. ينظر: هجر المبتدع ٣٢. "١" الإرشاد للشيخ الدكتور صالح الفوزان ص٢٩٠. "٢" ينظر: الولاء والعداء في علاقة المسلم بغير المسلم للدكتور عبد الله الطريقي
[ ٥٤٥ ]
وحكم عليه بالنفاق فحكمه في باب الولاء والبراء حكم بقية الكفار على ما سيأتي بيانه في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.
أما المبتدعة كالجهمية والقدرية والرافضة والأشاعرة ونحوهم فهم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من كان منهم داعيًا إلى بدعته أو مظهرًا لها وكانت بدعته غير مكفِّرة فيجب بغضه بقدر بدعته"١"، كما يجب هجره
_________________
(١) ص١٧، والتدابير الواقية من التشبه بالكفار للدكتور عثمان دوكوري ٢/٤٣٠. وقال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد ٣/١٦١: "وأما سيرته في المنافقين: فإنه أُمِرَ أن يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمر أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم" "١" قال شيخ الإسلام إسماعيل الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث "مطبوع ضمن الرسائل المنيرية ١/١٣١" عند كلامه على عقيدة السلف وأصحاب الحديث: "ويتجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت، وجرّت إليها الوساوس والخطرات الفاسدة". وقال الشيخ بكر أبوزيد في رسالة "هجر المبتدع " ص١٩ عند كلامه على قاعدة: الحب في الله والبغض في الله. قال: "يؤصِّل علماء
[ ٥٤٦ ]
ومعاداته، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم"١"، فلا تجوز مجالسته، ولا التحدث معه إلا في حال دعوته ونصحه، وهذه المجالسة إنما تجوز في حق العلماء خاصة.
_________________
(١) الإسلام "هجر المبتدع ديانة" تحت القاعدة العقدية الكبرى "قاعدة الولاء والبراء". ومفهوم هذه القاعدة الشريفة لدى أهل السنة والجماعة هو: الحب والبغض في الله، فهم يوالون أولياء الرحمن ويعادون أولياء الشيطان، وكل بحسب ما فيه من الخير والشر، وهذه القاعدة من مسلَّمات الاعتقاد في الإسلام، لكثرة النصوص عليها، من الكتاب والسنة، والأثر، ومن أولى مقتضياتها التي يثاب فاعلها ويُعاقب تاركها – البراءة من أهل البدع والأهواء، ومعاداتهم وزجرهم بالهجر ونحوه، على التأبيد حتى يفيئوا، وهذا معقود في كتب اعتقاد أهل السنة والجماعة"، وينظر مجموع الفتاوى ٢٨/٢٠٩، ٢١٠، تفسير القرطبي وتفسير الشوكاني للآية ١٤٠ من النساء، والآية ٦٨ من الأنعام، والآية ١٥٣ من الأنعام أيضًا، والآية ١٣٣ من هود، والآية ٢٢ من المجادلة، موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع للرحيلي ص٥٢٩-٥٦٤، وينظر كلام الشيخ ابن عثيمين الذي سيأتي قريبًا. "١" قال البغوي في شرح السنة باب مجانبة أهل الأهواء ١/٢٢٦، ٢٢٧ بعد ذكره لحديث كعب بن مالك: "هذا حديث صحيح، وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة علىهذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم". ونقل في الآداب الشرعية ١/٢٣٢ عن القاضي أبي يعلى حكايته إجماع الصحابة والتابعين على
[ ٥٤٧ ]
_________________
(١) عدم مجالسة المبتدعة،وحكى نحوه الصابوني في عقيدته ١/١٣٢ وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ كما في الدرر السنية ٨/٤٣٩، ٤٤٠: "مواكلة الرافضي والانبساط معه وتقديمه في المجالس والسلام عليه لا يجوز؛ لأنه موالاة وموادة، والله تعالى قد قطع الموالاة بين المسلمين والمشركين.. وقال الحسن: لا تجالس صاحب بدعة، فإنه يمرض قلبك، وقال النخعي: لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم؛ فانظر رحمك الله: إلى كلام السلف الصالح، وتحذيرهم عن مجالسة أهل البدع، والإصغاء إليهم، وتشديدهم في ذلك، ومنعهم من السلام عليهم. فكيف بالرافضة: الذين أخرجهم أهل السنة والجماعة من الثنتين والسبعين فرقة؟ مع ما هم عليه من الشرك البواح، من دعوة غيرالله في الشدة والرخاء، كما هو معلوم من حالهم، ومواكلتهم، والسلام عليهم – والحالة هذه – من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، فيجب هجرهم والبعد عنهم، والهجر مشروع لإقامة الدين، وقمع المبطلين، وإظهار شرائع المرسلين، وردع لمن خالف طريقتهم من المعتدين". وقال شيخنا محمد بن عثمين في شرح لمعة الاعتقاد ص١٥٩، ١٦٠: "وهجران أهل البدع واجب.. لكن إن كان في مجالستهم مصلحة لتبيين الحق لهم وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك.. ومن هجر أهل البدع ترك النظر في كتبهم خوفًا من الفتنة بها أو ترويجها بين الناس، فالابتعاد عن مواطن الضلال واجب، لقوله ﷺ في الدجال: " من سمع به فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه، مما يبعث به من الشبهات "، لكن إن كان الغرض
[ ٥٤٨ ]
أما من لم يكن من العلماء فلا يجوز له مجالسة المبتدع، ولا أن يسمع كلامه، ولا أن يجادله، ولا أن يقرأ ما يكتبه، لئلا يقع في قلبه شيء من بدعته، ولئلا يؤثر عليه بما يثيره من الشبهات بين الحين والآخر"١".
_________________
(١) من النظر في كتبهم معرفة بدعتهم للرد عليها فلا بأس بذلك لمن كان عنده من العقيدة الصحيحة ما يتحصن به، وكان قادرًا من الرد عليهم". "١" روى ابن بطة ٢/٤٣٨، والآجري ص٦١، ٦٢ عن ابن عباس وأبي قلابة والملائي أنهم قالوا: "لا تجالسوا أهل الأهواء، فإنهم يمرضون القلوب". وروى الدارمي في سننه باب اجتناب أهل الأهواء، وابن وضاح في باب النهي عن الجلوس مع أهل البدع، واللالكائي في باب ما روي في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم والمكالمة معهم، وابن بطة في التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب، والبيهقي في الاعتقاد باب النهي عن مجالسة أهل البدع ومكالمتهم عن جماعة من السلف التحذير من مجالسة المبتدعة وسماع كلامهم وأن ذلك من أسباب ضلال من يجالسهم أو وقوع بعض شبههم في قلبه. وقال المروذي كما في الآداب الشرعية ١/٢٥٦ لأحمد بن حنبل: أيُستعان باليهودي والنصراني وهما مشركان ولا يستعان بالجهمي؟ فقال: يا بني، يغتر بهم المسلمون، وأولئك لا يغتر بهم المسلمون. ونقل في الآداب ١/٢٣٧ أيضًا عن أحمد قال: "يجب هجر من كفر أو فسق ببدعة، أو دعا إلى بدعة مضلة أو مفسِّقة على من عجز عن الرد عليه أو خاف الاغترار به والتأذي، دون غيره". وقال ابن قدامة كما في الآداب ١/٢٣٢: "كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم والاستماع لكلامهم". وينظر إتحاف الإخوان ص٦٤
[ ٥٤٩ ]
أما السلام على المبتدع والرد عليه إذا سلم فهو جائز، لكن يستحب ترك السلام عليه، وترك إجابة سلامِه إذا كان في ذلك مصلحة، كأن يكون ذلك سببًا في تركه لها، أو ليَعْلَم من حوله قبح عمله وعقيدته، ليحذره العامة، ونحو ذلك"١".
_________________
(١) ٧٧، هجر المبتدع، موقف أهل السنة من أهل الأهواء ٢/٥٢٩-٥٦٣، الهجر ص١٦٢-١٨٦. "١" روى ابن القاسم كما في المدونة ١/٨٤ عن الإمام مالك قال: "لا ينكح أهل البدع ولا ينكح إليهم، ولا يسلم عليهم، ولا يصلى خلفهم"، وروى الخلاّل في السنة باب ذكر الروافض ١/٤٩٣، ٤٩٤ أن رجلًا سأل الإمام أحمد عن جار له رافضي هل يسلم عليه؟ قال: لا، وإذا سلَّم عليه لا يرد عليه. وسنده صحيح. وروى ابن هانئ في مسائله باب السنة ٢/١٥٣ أن رجلًا من الشاكَّة في خلق القرآن سلَّم على الإمام أحمد فلم يرد عليه، فأعاد عليه، فدفعه الإمام أحمد، ولم يسلم عليه. وروى العقيلي في الضعفاء ١/١٧٩ عن الأوزاعي أنه لقيه ثور الكلاعي فمدّ ثورٌ يده إليه، فأبى الأوزاعي أن يمد يده إليه، وقال: يا ثور إنه لو كانت الدنيا كانت المقاربة، ولكنه الدين، يقول: لأنه كان قدريًا. وقال الشاطبي في الاعتصام ١/٢٢٩ عند ذكره لأحكام أهل البدع: "الثاني: الهجران وترك الكلام والسلام، حسبما تقدم عن جملة من السلف في هجرانهم لمن تلبس ببدعة، وما جاء عن عمر من قصة صبيغ العراقي". وقصة صبيغ رواها الدارمي "١٥٠" وابن بطة "٣٣٠" بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، فهو حسن لغيره، وكان يسأل عن المتشابهات، وفيها أن عمر نهى المسلمين عن مجالسته.
[ ٥٥٠ ]
والقسم الثاني من المبتدعة: من كانت بدعته مكفرة، كغلاة الصوفية الذين يدعون الأموات والمشايخ، وكغلاة الرافضة"الشيعة الإمامية" الذين يزعمون أن القرآن محرف أو بعضه غير موجود أو يستغيثون بالمخلوقين، فهؤلاء إذا أُقيمت عليهم الحجة وحكم بكفرهم فحكمهم في باب الولاء والبراء حكم بقية الكفار على ما سيأتي تفصيله في المبحث الآتي – إن شاء الله تعالى -
والقسم الثالث: من كان يخفي بدعته ولا يدعو إليها ولا يحسِّن شيئًا من ضلالاتها ولا يمدح أهلها ولا يثير بعض الشبه التي تؤيدها فهو كالعاصي المخفي لمعصيته، يجالس ويسلم عليه، ولا يهجر"١".
_________________
(١) وقال الشيخ ابن عثيمين في شرح لمعة الاعتقاد ص١٥٩: "المراد بهجران أهل البدع: الابتعاد عنهم، وترك محبتهم وموالاتهم والسلام عليهم وزيارتهم وعيادتهم ونحو ذلك". وينظر: موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع ٢/٥١١-٥٢٨. "١" روى الفضل عن الإمام أحمد كما في الآداب الشرعية ١/٢٢٩ أنه قال: إذا عرفت من أحد نفاقًا فلا تكلمه. قال الفضل: قلت: كيف يصنع بأهل الأهواء؟ قال: أما الجهمية والرافضة فلا. قيل له: فالمرجئة؟ قال: هؤلاء أسهل؛ إلا المخاصم منهم فلا تكلمه ". وينظر: مجموع الفتاوى ٢٤/١٧٤، ١٧٥، الآداب الشرعية ١/٢٣٢-٢٣٤، موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع ٢/٥٥٤.
[ ٥٥١ ]
والبراء في اللغة: التباعد عن الشيء ومفارقته، والتخلص منه، يقال: تبرأت من كذا، فأنا منه براء، وبريء منه"١".
وفي الاصطلاح: بغض أعداء الله من المنافقين وعموم الكفار، وعداوتهم، والبعد عنهم، وجهاد الحربيين منهم بحسب القدرة"٢".
وحكم الولاء والبراء أنهما واجبان، وهما أصل عظيم من أصول الإيمان.
فقد وردت أدلة كثيرة جدًا تدل على وجوب موالاة المؤمنين ووجوب البراء من جميع الكافرين من يهود ونصارى وبوذيين وعباد أصنام ومنافقين وغيرهم، وعلى تحريم موالاتهم، حتى قال بعض أهل العلم: "أما معاداة الكفار والمشركين: فاعلم أن الله ﷾
_________________
(١) "١" ينظر معجم مقاييس اللغة، وأساس البلاغة، ولسان العرب "مادة برأ"، الفائق ١/١٠٠. "٢" قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في الفتاوى السعدية: المسألة ٣٣، ص١١١: "كل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات الشرعية فإنه تجب محبته وموالاته ونصرته، وكل من كان بخلاف ذلك فإنه يجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة". وتنظر: مراجع تعريف الولاء في الاصطلاح، وينظر تفسير الآية ٤ من الممتحنة في تفسير ابن كثير وتفسير السعدي، وينظر: بدائع الفوائد: الاستثناء ٣/٦٩، وسيأتي في المبحث الثالث بيان المراد بالمحاربين – إن شاء الله تعالى-.
[ ٥٥٢ ]
قد أوجب ذلك وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده""١" ولهذا قال النبي ﷺ: " أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله " "٢".
ومن وأوضح الأدلة على وجوب الولاء للمؤمنين قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١] ومن أوضح الأدلة على وجوب البراء من الكافرين وتحريم موالاتهم قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا
_________________
(١) "١" سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك للشيخ حمد بن علي بن عتيق "مطبوع ضمن مجموعة التوحيد ١/٣١٩". "٢" رواه الطبراني "١٠٣٥٧" بإسناد قريب من الحسن. وله شاهد رواه أحمد "٤/٢٨٦ وفيه ضعف، وله شواهد أخرى تنظر في مجمع الزوائد في الإيمان ١/٨٩، ٩٠، وفي السلسلة الصحيحة "٩٩٨"، فالحديث حسن بشواهده.
[ ٥٥٣ ]
أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤]، وقد أجمع أهل العلم على وجوب الولاء للمؤمنين وعلى تحريم الولاء للكافرين"١".
_________________
(١) "١" الفتاوى السعدية ص١١١، القول المبين في حكم المعاملة بين الأجانب والمسلمين للشيخ محمد حسنين مخلوف شيخ الأزهر سابقًا ص١١٠.
[ ٥٥٤ ]
مظاهر الولاء المشروع
المبحث الثاني: مظاهر الولاء المشروع والولاء المحرم
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مظاهر الولاء المشروع
هناك أمور كثيرة تدخل في الولاء المشروع، وأهم هذه الأمور والمظاهر ما يلي:
١- محبة جميع المؤمنين في جميع الأماكن والأزمان ومن أي جنسية كانوا من أجل إيمانهم وطاعتهم لله تعالى، وهذه المحبة واجبة على كل مسلم"١"، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم ""٢".
_________________
(١) "١" ينظر: الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٣٦-٣٨، الزواجر "الكبيرة ٥٤ و٥٥، ج١ ص١١٠، ١١١"، مجموع فتاوى ورسائل شيخنا محمد بن عثيمين ٣/١٤. "٢" صحيح مسلم: الإيمان "٥٤". وروى الإمام أحمد ٣/٤١٨، ٤٤٠، والترمذي "٢٥٢١" عن معاذ بن أنس الجهني مرفوعًا: " من أعطى الله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل الإيمان " وحسنه الترمذي، وهو كما قال، وله شاهد عند أبي داود "٤٦٨١"، والمعنى: فقد استكمل الإيمان الواجب. ينظر الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٣٦-٣٨.
[ ٥٥٥ ]
وينبغي للمسلم الحذر من معاداة أحد من المؤمنين من أجل دنيا أو تعصب قبلي أو مذهبي أو من أجل مشاجرة حصلت بينهما، فإن معاداة المؤمن الذي هو من أولياء الله تعالى حرب لله تعالى، فقد جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: " من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ". رواه البخاري"١".
٢- نصرة المسلم لأخيه المسلم إذا ظُلم أو اعتدي عليه في أي مكان، ومن أي جنسية كان، وذلك بنصرته باليد، وبالمال، وبالقلم، وباللسان فيما يحتاج إلى النصرة فيه، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " انصر أخاك ظالمًا أو مظلوم ًا". رواه البخاري"٢"، والأمر للوجوب.
فيجب على المسلم أن ينصر المسلمين إذا اعتدى عليهم الأعداء، فإذا اعتدى الكفار على بلد من بلاد المسلمين وعجز أهلها عن صد
_________________
(١) "١" صحيح البخاري "٦٥٠٢"، وينظر: الزواجر "الكبيرة" ٥٦، ج١ ص١١١، ١١٢"، مجموع فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٣/١٥. "٢" صحيح البخاري "٢٤٤٤" من حديث أنس، وتمام الحديث: فقال رجل: أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: " تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره "، وله شاهد من حديث جابر عند مسلم "٢٥٨٤".
[ ٥٥٦ ]
عدوانهم وجب على من يليهم من المسلمين نجدتهم والدفاع عنهم بالأموال والأنفس، وكذلك يجب على المسلم أن يعين أخاه على أخذ حقه ممن ظلمه، وأن يذب عن عرض أخيه المسلم إذا اغتيب أو قدح فيه وهو يسمع، كما يجب على المسلم أن يدافع عن المسلمين بلسانه أو قلمه عندما يقدح فيهم أحد في كتاب أو غيره، وهذا كله من فروض الكفايات"١".
٣- مساعدتهم بالنفس والمال عند اضطرارهم إلى ذلك.
فيجب على المسلم أن يعين أخاه المسلم ببدنه عند اضطراره إلى ذلك، فيجب عليه مثلًا إذا وجده منقطعًا في سفرٍ أن يعينه بإصلاح ما يحتاج إليه لمواصلة سفره، ونحو ذلك، ويجب عليه أن يعينه بماله عند اضطراره إلى ذلك، كأن يكون فقيرًا ولم يجد ما يأكله هو وأولاده فيجب على الأغنياء من المسلمين مساعدته، وهذا كله من فروض
_________________
(١) "١" ينظر: صحيح البخاري مع شرحه الفتح: المظالم: باب أعِن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، وباب نصر المظلوم ٥/٩٨، ٩٩، صحيح مسلم مع شرحه للنووي: البر، باب تحريم الظلم، والبابان بعده ١٦/١٣٢-١٤٠، جامع العلوم "شرح الحديث الخامس والثلاثين"، الإرشاد ص٢٨٥، الولاء والبراء ص٢٦٧-٢٦٩، حقيقة الولاء ص٢٥٢-٢٦٣.
[ ٥٥٧ ]
الكفايات، فإن لم يُوجد ممن يستطيع مساعدته إلا شخص واحد كان فرض عين عليه.
٤ - التألُّم لما يصيبهم من المصائب والأذى، والسرور بنصرهم، وجميع ما فيه خير لهم، والرحمة لهم وسلامة الصدر نحوهم، قال تعالى في وصف أصحاب النبي ﷺ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وقال النبي ﷺ: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". رواه البخاري ومسلم "١".
هذا وهناك أمور أخرى تدخل في الولاء للمسلمين يطول الكلام بذكرها، منها ما هو فرض عين على المسلم، كتشميت العاطس، وكف أذاه عنهم.
_________________
(١) "١" صحيح البخاري "١٣"، وصحيح مسلم "٤٥" والمعنى: لا يؤمن الإيمان الواجب. ينظر: الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٣٦-٣٨. وروى البخاري "٦٠١١"، ومسلم "٢٥٨٦" أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: " مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "، وقال جرير ﵁: بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم. رواه البخاري "٥٨"، ومسلم "٥٦". وينظر: الإرشاد ص٢٨٥، الموالاة والمعاداة: أسباب تحقيق الموالاة ١/٢٥٤-٢٦٠.
[ ٥٥٨ ]
ومنها ما هو فرض كفاية، كرد السلام، وتجهيز الميت، والصلاة عليه، ودفنه، والقيام بما يحتاج إليه المسلمون في أمور دينهم من طلب للعلم، ومن تعليم له، ومن دعوتهم إلى الله تعالى وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ومن القيام بما يحتاجون إليه في أمور دنياهم من أمور الطب والصناعة والزراعة وغيرها، ومن تحذيرهم مما يضرهم، وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور حياتهم.
ومنها ما هو مستحب، كعيادة المريض، ومساعدة المحتاج غير المضطر بالبدن والمال، والدعاء لهم، والسلام على من لقيه منهم، وغير ذلك"١".
_________________
(١) "١" وينظر: الإرشاد ص٢٨٤-٢٨٦، الموالاة والمعاداة: حقوق الموالاة ١/٢٦٦-٢٨٢، وينظر: كتاب "حقيقة الولاء والبراء" لسيد عبد الغني: الباب الأول ص٣٦-٢٧٨ فقد توسع في مظاهر وأمثلة الولاء المشروع.
[ ٥٥٩ ]
المطلب الثاني: مظاهر الولاء المحرم
موالاة أعداء الله من عباد الأصنام والبوذيين والمجوس واليهود والنصارى والمنافقين وغيرهم والتي هي ضد البراء بجميع أقسامها وأمثلتها محرمة بلا شك – كما سبق بيانه – وهي تنقسم إلى قسمين:
[ ٥٥٩ ]
القسم الأول: الموالاة الكفرية
بعض مظاهر وأمثلة الولاء المحرم مظاهر كفرية تخرج مرتكبها من ملة الإسلام، وهي كثيرة، أهمها:
١- الإقامة ببلاد الكفار اختيارًا لصحبتهم مع الرضى بما هم عليه من الدين، أو مع القيام بمدح دينهم، وإرضائهم بعيب المسلمين، فهذه الموالاة ردة عن دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران:٢٨] فمن تولى الكافرين ورضي عن دينهم، وابتعد عن المسلمين وعابهم فهو كافر عدو لله ولرسله ولعباده المؤمنين"١".
_________________
(١) "١" ينظر: الدواهي المدهية للكتاني ص٤٦، وقال الشيخ عبد الله الأهدل اليماني الشافعي في السيف البتار على من يوالي الكفار ص٧: "حكم من ينتقل إلى البلدة التي استولى عليها أهل الشرك فهو عاص فاسق مرتكب لكبيرة من كبائر الإثم إن لم يرضَ الكفر وأحكامه، فإن رضي بها فهو كافر مرتد تجري عليه أحكام المرتد"، وقد نقل هذا القول الكتاني المالكي في الدواهي المدهية ص٢١٠ مقرًا له. وينظر: رسالة: الدفاع عن أهل السنة والأتباع للشيخ حمد بن عتيق "مطبوع ضمن مجموعة كتبه ورسائله ص١٢"، رسالة: أوثق عرى الإيمان "مطبوع ضمن مجموعة التوحيد ١/١٥٩، ١٦٠"، القول المبين ص١٠٦، ١٠٧، النواقض القولية والعملية ص٣٦١، الموالاة والمعاداة ٢/٨٥٠.
[ ٥٦٠ ]
٢- أن يتجنس المسلم بجنسية دولة كافرة تحارب المسلمين، ويلتزم بجميع قوانينها وأنظمتها بما في ذلك التجنيد الإجباري، ومحاربة المسلمين ونحو ذلك، فالتجنس على هذه الحال محرم لا شك في تحريمه، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه كفر وردة عن دين الإسلام بإجماع المسلمين"١" وهذا كله فيما إذا كان ذلك عن رغبة ورضى من المسلم، أما إن كان ملجئًا إلى ذلك لعدم وجود بلد مسلم يمكنه الهجرة إليه أو لعدم وجود بلد كافر أحسن حالًا من حال هذا البلد المحارب للمسلمين ينتقل إليه، فحكمه حكم المكره، فلا يحرم عليه ذلك إذا
_________________
(١) "١" كما قال علامة مصر محمد رشيد رضا. ينظر مجلة المنار "مجلد ٢٥، ج١، ص٢٢". وقد سئلت لجنة مصر برئاسة الشيخ علي محفوظ عن حال من يتجنس بجنسية دولة كافرة حالها كما ذكر أعلاه، فقالت: "إن التجنس بجنسية أمة غير مسلمة على نحو ما في السؤال هو تعاقد على نبذ أحكام الإسلام عن رضى واختيار، واستحلال لبعض ما حرم الله، وتحريم لبعض ما أحل الله، والتزام لقوانين أخرى يقول الإسلام ببطلانها، وينادي بفسادها، ولا شك أن شيئًا من ذلك لا يمكن إلا بالردة، ولا ينطبق عليه حكم إلا حكم الردة، فما بالك بهذه الأربعة مجتمعة في ذلك التجنس الممقوت". ينظر بحث "التجنس"للشيخ محمد السبيل المطبوع في مجلة المجمع الفقهي العدد الرابع ص١٥٦، ١٥٧، وينظر أيضًا فتوى مشابهة للشيخ يوسف الدجوي المصري الأزهري في المرجع السابق ص١٥٣، وينظر مجالس العرفان لمحمد جعيط ٢/٦٦، نقلًا عن النواقض القولية والعملية ص٣٦٧-٣٧٠.
[ ٥٦١ ]
كره ذلك بقلبه.
٣- التشبه المطلق بالكفار، بأن يتشبه بهم في أعمالهم، فيلبس لباسهم، ويقلدهم في هيئة الشعر وغيرها، ويسكن معهم، ويتردد معهم على كنائسهم، ويحضر أعيادهم، فمن فعل ذلك فهو كافر مثلهم بإجماع أهل العلم"١"، وقد ثبت عن عبد الله ابن عمرو قال: "من بنى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبّه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة" "٢".
٤- أن يتشبه بهم في أمر يوجب الخروج من دين الإسلام، كأن يلبس الصليب أو يتبرك به مع علمه بأنه شعار للنصارى وأنهم يشيرون بلبسه إلى عقيدتهم الباطلة في عيسى ﵇، حيث يزعمون أنه قتل وصلب، وقد نفى الله تعالى ذلك في كتابه"٣" فقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧] .
_________________
(١) "١" ينظر التعليق الذي يلي التعليق الآتي، وينظر الاقتضاء ١/٢٤٢. "٢" رواه البيهقي في سننه في الجهاد ٩/٢٣٤ بإسنادين، وهو حسن بمجموع الطريقين. وقد صححه شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٢٤٢، والغزي الشافعي. والنيروز والمهرجان من أعياد المجوس. ينظر: التشبه ص١٣٠، ١٣١. "٣" قال القاضي عياض المالكي في الشفا ٢/٥٢١، ٥٢٢: "وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحًا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل، كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب
[ ٥٦٢ ]
٥- أن يزور كنائسهم معتقدًا أن زيارتها قربة إلى الله تعالى"١".
٦- الدعوة إلى وحدة الأديان، أو إلى التقريب بين الأديان، فمن قال إن دينًا غير الإسلام دين صحيح ويمكن التقريب بينه وبين الإسلام أو أنهما دين واحد صحيح فهو كافر مرتد، بل إن من شك في بطلان جميع الأديان غير دين الإسلام كفر، لرده لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، ولرده لما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة من أن دين الإسلام قد نسخ جميع الأديان السابقة، وأنها كلها أديان محرفة، وأن من دان بشيء منها فهو كافر مشرك"٢".
_________________
(١) والنار، والسعي إلى الكنائس والبيَع مع أهلها، والتزيي بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس فقد أجمع المسلمون أن هذا لا يوجد إلا من كافر وإن صرح فاعلها بالإسلام". وينظر: تشبه الخسيس بأهل الخميس ص٥٠، الفروع ٦/١٦٨، الدواهي المدهية ص٤٦، ٤٧، مجموعة التوحيد ١/٣٥٥-٣٥٨، ٣٦٥،، فتاوى اللجنة الدائمة ٢/٨٧، النواقض القولية والعملية ص٣٧، ٣٧١. "١" مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٢٧/١٤، مختصر الفتاوى المصرية ص٥١٤. "٢" قال ابن حزم في مراتب الإجماع ص١٣٩: "اتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفارًا"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٨/٥٢٤: "معلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوّغ
[ ٥٦٣ ]
والدعوة إلى توحيد الأديان دعوة إلحادية قديمة، دعا إليها بعض ملاحدة الصوفية المتقدمين، كابن سبعين، والتلمساني وغيرهم، وجدد الدعوة إليها في هذا العصر بعض المنتسبين إلى الإسلام، ومن أشهرهم جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده المصري، ورجاء جارودي الفرنسي وغيرهم"١".
٧ - موالاة الكفار بإعانتهم على المسلمين:
إعانة الكفار على المسلمين سواء أكانت بالقتال معهم، أم بإعانتهم بالمال أو السلاح، أم كانت بالتجسس لهم على المسلمين، أم غير ذلك تكون على وجهين"٢".
_________________
(١) اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر"، وينظر الشفا لعياض ٢/٥٢٠، مختصر الفتاوى المصرية ص٥٠٧، تشبُّه الخسيس ص٥٠، وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ٢/٨٥: "إن من يحدث نفسه بالجمع أو التقريب بين الإسلام واليهودية والنصرانية كمن يجهد نفسه في الجمع بين النقيضين بين الحق والباطل، بين الكفر والإيمان". "١" ينظر: الصفدية ١/٩٨، ٩٩، ٢٦٨، مجموع الفتاوى ١٤/١٦٤، ١٦٥، النواقض القولية والعملية ص٣٧٧-٣٨٠، وتنظر رسالة "دعوة التقريب بين الأديان"ففيها تفصيل في هذه المسألة وفي المسائل المتعلقة بها. "٢" قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٩]: "وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا
[ ٥٦٤ ]
الوجه الأول:
أن يعينهم بأي إعانة محبةً لهم ورغبةً في ظهورهم على المسلمين، فهذه الإعانة كفر مخرج من الملة"١".
_________________
(١) تامًا، كان ذلك كفرًا مخرجًا عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه". وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]: إن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يكون العبد منهم". وقال أطال الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف في "نواقض الإيمان القولية والعملية" ص٣٨١-٣٨٤ في نقل أقوال أهل العلم في بيان معنى "التولي" وأنه بمعنى "الموالاة" عند جمهور المفسرين، وينظر: التعليق الآتي. "١" ذكر الإمام ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران:٢٨] أن معنى هذه الآية: النهي عن مناصرة الكفار موالاة لهم على دينهم ومظاهرة لهم على المسلمين، وأن هذا موجبٌ للردة. وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بعد ذكره لقصة حاطب ونزول صدر سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآيات في شأن حاطب، قال: "فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب، الدال على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل
[ ٥٦٥ ]
_________________
(١) ذلك قد ضل سواء السبيل، لكن قوله: " صدقكم، خلوا سبيله " ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، إذ كان مؤمنًا بالله ورسوله، غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي، ولو كفر لما قال: خلوا سبيله. ولا يقال، قوله ﷺ: " ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم " هو المانع من تكفيره؛ لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنع من لحاق الكفر وأحكامه؛ فإن الكفر يهدم ما قبله، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] والكفر محبط للحسنات والإيمان بالإجماع؛ فلا يظن هذا. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، وقوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] فقد فسَّرته السنة وقيَّدته وخصَّته بالموالاة المطلقة العامة. وأصل الموالاة هو: الحب، والنصرة، والصداقة، ودون ذلك مراتب متعددة، ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم، وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب وفي غيره؛ وإنما أشكل الأمر وخفيت المعاني والتبست الأحكام على خلوف من العجم والمولَّدين الذين لا دراية لهم بهذا الشأن، ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن. ولهذا قال الحسن ﵁: من العجمة أتوا. وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد لما
[ ٥٦٦ ]
وقد حكى غير واحد من أهل العلم إجماع العلماء على ذلك"١".
_________________
(١) ناظره في مسألة خلود أهل الكبائر في النار، واحتج ابن عبيد: أن هذا وعد، والله لا يخلف وعده، يشير إلى ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر والذنوب بالنار والخلود؛ فقال له ابن العلاء: من العجمة أُتيتَ، هذا وعيد لا وعد، وأنشد قول الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلفٌ إيعادي ومنجز موعدي وقال بعض الأئمة فيما نقل البخاري أو غيره: إن من سعادة الأعجمي والعربي إذا أسلما أن يُوفَّقا لصاحب سنة، وإن من شقاوتهما أن يمتحنا وييسرا لصاحب هوى وبدعة". انتهى كلام الشيخ عبد اللطيف ﵀. وينظر: مجموع الفتاوى ٢٨/٢٤٠، ٥٣٠، ٥٣١، ٥٣٤، ٥٣٥، وينظر: ما سبق عند الكلام على كفر الإباء والاستكبار، وما سيأتي عند الكلام على الاستعانة بالكفار إن شاء الله تعالى. "١" ينظر: الدرر السنية ٢/٣٦١، و١٠/٨، ٩، و١٥/٤٧٩، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع الإفتاء ١/٢٧٤". ومن أطلق من العلماء المتأخرين حكاية هذا الإجماع على كفر من أعان الكفار فيحمل على من أعانهم محبةً لهم ورغبةً في ظهورهم على المسلمين، ولا يصح حمله على عموم الإعانة مهما كان الحامل عليها؛ لأن في ذلك دعوى الإجماع على ما حكى بعض العلماء المتقدمين الإجماع على ضده وهو تحريم قتل الجاسوس، وهو إجماع صحيح فيما يتعلق بعدم ردته، أما تحريم قتله فقد حكي إجماعًا، وقيل: إنه قول الجمهور كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
[ ٥٦٧ ]
الوجه الثاني:
أن يُعين الكفارَ على المسلمين بأي إعانة ويكون الحامل له على ذلك مصلحة شخصية، أو خوف، أو عداوة دنيويّة بينه وبين من يقاتله الكفار من المسلمين، فهذه الإعانة محرمة، وكبيرة من كبائر الذنوب، ولكنها ليست من الكفر المخرج من الملة.
ومن الأدلة على أن هذه الإعانة غير مكفرة: ما حكاه الإمام الطحاوي من إجماع أهل العلم على أن الجاسوس المسلم لا يجوز قتله"١"، ومقتضى ما حكاه الطحاوي أنه غير مرتد.
ومستند هذا الإجماع: أن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ قد جسَّ على النبي ﷺ وعلى المسلمين في غزوة فتح مكة، فكتب كتابًا إلى
_________________
(١) "١" نقل الحافظ في الفتح ١٢/٣١٠ عن الإمام الطحاوي أنه حكى الإجمال على أن الجاسوس المسلم لا يُباح دمه أي أنه غير مرتد، فلا يقام عليه حد الردة، ولا يقتل تعزيرًا، وحكى القرطبيُّ في المفهم ٣/٤٧، و٧/٤٤٠-٤٤٢، والقاضي عياض في إكمال المعلم ٦/٧١، و٧/٥٣٩، وابن الملقن في الإعلام ١٠/٣٢٢، والحافظ في الفتح ١٢/٣١٠ هذا القول عن الجمهور، وذكروا أن بعض أهل العلم قالوا بجواز قتله تعزيرًا. وينظر: المعلم ٣/١٦٠، كشف المشكل ١/١٤١، معالم السنن ٤/٤، عارضة الأحوذي ١٢/١٩٣، زاد المعاد ٣/١١٤، ١١٥، الفروع: التعزير ٦/١١٣-١١٥، كشاف القناع: التعزير ٦/١٢٦.
[ ٥٦٨ ]
مشركي مكة يخبرهم فيه بمسير النبي ﷺ إليهم، وكان النبي ﵊ قد أخفى وجهة سيره، لئلا تستعد قريش للقتال، وكان الدافع لحاطب ﵁ لكتابة هذا الكتاب هو مصلحة شخصية، ومع ذلك لم يحكم النبي ﷺ بردته، ولم يُقمْ عليه حدَّ الردة"١"، فدلَّ ذلك على أن ما عمله ليس كفرًا مخرجًا من الملة"٢".
_________________
(١) "١" أخرج حديث قصة حاطب ﵁ البخاري في الجهاد، باب الجاسوس "٣٠٠٧"، ومسلم في الفضائل "٢٤٩٤"، وقال النووي في شرح مسلم ١٦/٥٧،٥٦ عند شرحه لقصة حاطب: "قال العلماء: معناه الغفران لهم أي لأهل بدر في الآخرة، وإلا فلو توجَّه على أحد منهم حد أو غيره أُقيم عليه في الدنيا، ونقل القاضي عياض الإجماعَ على إقامة الحد، وأقامه عمر على بعضهم، وضرب النبي ﷺ مِسْطحًا الحد وكان بدريًا"، وقد حكى الإجماع أيضًا على وجوب إقامة الحدود على أهل بدر ابن بطال في شرح البخاري ٨/٥٩٧، والحافظ في الفتح ٧/٣٠٦، والعيني في عمدة القاري ٢٤/٩٥، وقد يكون نقله عن التوضيح، ونقل قول النووي ابن مفلح في الفروع ٦/١١٥ وعلي القاري في المرقاة ٥/٦٣١ مقرَّين له. وينظر: كلام الشيخ عبد اللطيف السابق. "٢" قال ابن العربي في تفسير أول سورة الممتحنة: "من كثرتطلعه على عورات المسلمين ويُنبِّه ويُعَرِّف عدوَّهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرًا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينوِ الردة عن الدين"، وقد ذكر مثل هذا القول أبوعبد الله القرطبي في تفسيره.
[ ٥٦٩ ]
_________________
(١) وقال أبوالعباس القرطبي في المفهم ٦/٤٤٢ عند شرحه لقصة حاطب: "ومن جملة ما فيه من الفقه: أن ارتكاب الكبيرة لا يكون كفرًا"، وقال القاضي عياض ٧/٣٩٥: "فيه أن التجسس لا يخرج عن الإيمان"، وقال النووي في شرح مسلم ١٦/٥٥: "فيه أن الجاسوس وغيره من أصحاب الذنوب الكبائر لا يكفرون بذلك، وهذا الجنس كبيرة قطعًا؛ لأنه يتضمن إيذاء النبي ﷺ، وهو كبيرة بلا شك، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأحزاب:٥٧] "، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٧/٥٢٣ عند كلامه على الكفار: "وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة، فتكون ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي ﷺ، وأنزل الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]، وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أُبَي في قصة الإفك، فقال لسعد بن معاذ: والله لا تقتله، ولا تقدر على قتله. قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية. ولهذه الشبهة سَمَّى عمرُ حاطبًا منافقًا.. فكان عمر متأولًا في تسميته منافقًا للشبهة التي فعلها". قلت: ولهذا التأويل من عمر مع أن عمل حاطب ليس ردة أورد البخاري قصته في الأدب باب من لم ير إكفار من قال ذلك أي قال لأخيه: يا كافر ونحوه متأولًا، وفي استتابة المرتدين باب في المتأولين. وقال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد ٣/٤٢٤،٤٢٣ بعد ذكره لهذه القصة: "وفيها: أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية".
[ ٥٧٠ ]
وهذا كله إنما هو في حق من كان مختارًا لذلك، أما من كان مكرهًا أو ملجئًا إلى ذلك إلجاءً اضطراريًا كمن خرج مع الكفار لحرب المسلمين مكرهًا "١" ونحو ذلك فلا ينطبق عليه هذا الحكم لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] .
_________________
(١) فإذا ثبت أن ما فعله حاطب ﵁ ليس ردة وهذا مجمع عليه مع أن رسالته لو وصلت إلى مشركي مكة لاستعدَّت قريش للحرب، وهذا خلاف ما قصد إليه النبي ﷺ من تعمية خبر غزوه لهم، فما عمله حاطب ﵁ إعانةٌ عظيمة للكفار في حربهم للمسلمين في غزوة من أهم الغزوات الفاصلة في الإسلام إذا ثبت ذلك عُلم أن الإعانة لا تكون كفرًا حتى يكون الحامل عليها محبة الكفار والرغبة في انتصارهم على المسلمين، وعلم أن القول بأن إعانة الكفار على المسلمين كفر وردة مهما كان الحامل عليها كما هو ظاهر كلام ابن حزم في المحلى ١١/١٩٨ مستدلًا ببعض أحاديث الوعيد فيه نظر ظاهر. وينظر: كلام الشيخ عبد اللطيف السابق، ففيه تفصيل وتجليه لهذه المسألة. وهذا التفصيل في أوجه الإعانة المذكور أعلاه هو ما قرره شيخنا عبد الرحمن بن ناصر البراك، وهو ما يدل عليه مجموع الأدلة الواردة في هذه المسألة، والله أعلم. "١" قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ٥/١٢١ عند كلامه على الكفار: "وقد يقاتلون وفيهم مؤمن يكتم إيمانه، يشهد القتال معهم، ولا يمكنه الهجرة، وهو مكره على القتال، ويُبعث يوم القيامة على نيته، كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " يغزو جيش هذا البيت، فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم " فقيل: يا رسول الله، وفيهم المكره؟ فقال: " يُبعثون على نياتهم ".
[ ٥٧١ ]
القسم الثاني: الموالاة المحرمة غير الكفرية
هناك مظاهر وأمثلة من الولاء المحرم – الذي هو ضد البراء – لا تخرج صاحبها من الإسلام، ولكنها محرمة –كما سبق– وهي كثيرة، أهمها:
١- محبة الكفار"١"، واتخاذهم أصدقاء، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢] والمودة: المحبة "٢"، وقال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤]، وقال النبي ﷺ: " لا يحب رجلٌ قومًا إلا جاء معهم يوم القيامة" "٣".
_________________
(١) "١" ينظر ما يأتي من تفصيل أنواع المحبة عند الكلام على جواز الزواج بالكافرة الكتابية في المبحث الثالث – إن شاء الله تعالى-. "٢" ينظر: تفسير القرطبي للآية السابقة، وإتحاف ذوي البصائر "مادة: ودَّ" ٥/١٨٣-١٨٦. "٣" رواه أبويعلى "٤٦٦٦" وسنده صحيح رجاله رجال الصحيحين، وله طرق أخرى وشواهد تنظر في مجمع الزوائد ١/٣٧، والسلسلة الصحيحة "١٣٨٧".
[ ٥٧٢ ]
والواجب على المسلم بغض جميع الكفار والمشركين، والبعد عنهم، وهذا مجمع عليه بين المسلمين"١"، وذلك لأن الكفار يحادون الله تعالى ويبارزونه بأعظم المعاصي بجعل شريك معه في عبادته أو بادّعاء أن له صاحبة أو ولدًا أو بغير ذلك مما فيه تنقص لله تعالى، فهم أعداء الله تعالى، فيجب التقرب إلى الله تعالى ببغضهم ومعاداتهم، وعدم الركون إليهم"٢"، قال شيخنا محمد بن عثيمين: "الكافر عدو لله ولرسوله وللمؤمنين، ويجب علينا أن نكرهه بكل قلوبنا""٣".
_________________
(١) "١" قال شيخنا عبد العزبز بن باز كما في مجموع فتاويه "جمع الطيار ٣/١٠٢٨" قد دل الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أنه يجب على المسلمين أن يعادوا الكافرين من اليهود والنصارى وسائر المشركين،ويحذروا مودتهم واتخاذهم أولياء"، وينظر: المرجع نفسه ٣/١٠٢١-١٠٥٤، وقال الشيخ محمد حسنين مخلوف في القول المبين ص٨٧: "اتفق السلف على عدم جواز إظهار التودد والمحبة للظلمة والفسقة، وكل من عصى الله تعالى من المسلمين بمعصية متعدية كالقتل والسرقة والغصب، فما بالك بغير المسلم". وينظر: الإيمان لشيخ الإسلام ص٣٨، الزواجر "الكبيرة ٥٤، و٥٥، ج١ ص١١، ١١١"، مجموعة التوحيد "سبيل النجاة والفكاك ١/٣٣٩، ٣٤٠"، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٣/٢٧، ٢٨، ٣١، ٤٠، التدابير الواقية من التشبه بالكفار ١/٤٤٣. "٢" والركون إليهم: مودتهم أو مداهنتهم أو الرضى بأعمالهم. ينظر تفسير الجلالين وتفسير الشوكاني للآية ١١٣ من سورة هود، وسبيل النجاة ١/٣٣٩. "٣" ينظر: مجموع فتاويه ٣/١٢، وينظر فتاوى اللجنة الدائمة ٣/٣١٣، وقد سبق
[ ٥٧٣ ]
٢- الاستيطان الدائم في بلاد الكفار، فلا يجوز للمسلم الانتقال إلى بلاد الكفار"١" للاستيطان فيها"٢"، ولا يجوز له التجنس
_________________
(١) عند الكلام على مظاهر الولاء الواجب حديث: " من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان ". "١" بلاد الكفار -وتسمى: دار الكفر – هي البلاد التي يحكمها الكفار، ويجري فيها أحكام الكفر، أو يغلب فيها حكم الكفر ولو كان بعض أهلها من المسلمين. ينظر: الأم ٧/٣٣٤، المحلى ١١/٢٠٠، المبسوط ١٠/١٤٤، بدائع الصنائع ٧/١٣٠، ١٣١، السيل الجرار ٤/٥٧٥، اختلاف الدارين ص٣٠-٣٦. "٢" قال الشيخ عبد الله الأهدل اليماني الشافعي في السيف البتار على من يوالي الكفار ص٧: "وحكم من ينتقل إلى البلدة التي استولى عليها أهل الشرك أنه عاص فاسق مرتكب لكبيرة من كبائر الإثم إن لم يرض بالكفر وأحكامه، وإلا فإن رضي بها فهو كافر مرتد، تجري عليه أحكام المرتد، وليتأمل العاقل ما الحامل لهذا المسلم من النقلة من دار الإسلام الخالية عن الكفار إلى الدار التي أخذها الكفار وأظهروا فيها كفرهم وقهروا من فيها بأحكامهم الطاغوتية الكفرية إلا الزيغ والعياذ بالله تعالى وحب الدنيا التي هي رأس كل خطيئة وجمع حطامها من غير مبالاة بالدين وعدم الأنفة من إهانة أهل التوحيد، ومحبة جوار أعداء الله على جوار أوليائه"، وقد نقل هذا القول الكتاني المالكي في الدواهي المدهية ص٢١٠، ٢١١ مقرًا له، وقال شيخنا محمد بن عثيمين كما في مجموع فتاويه ٣/٣٠: "كيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر، ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بإذنه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين، مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه،
[ ٥٧٤ ]
بجنسيتها"١" ولو كان يستطيع إظهار شعائر دينه فيها إلا في حال الضرورة"٢"، لقول جرير بن عبد الله ﵁: بايعت النبي ﷺ على النصح لكل مسلم، وعلى مفارقة المشرك"٣".
_________________
(١) وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم"، وقال شيخ الإسلام في الاقتضاء ١/٤٨٨: "رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيمانًا من غيرهم ممن جرد الإسلام"، وينظر: المقدمات لابن رشد ٢/٦١٢، ٦١٣، المعيار المعرب ٢/١١٩-١٤١، الدرر السنية١٧/١٦٥، معالم السنن مع تهذيب السنن ٣/٤٣٧، القول الفصل النفيس ص٢٦٦. "١" ينظر: حكم اللجوء والإقامة في بلاد الكفار للشيخ صالح الشثري، فتاوى اللجنة الدائمة ٢/٦٩-٧٤، مجلة المجمع الفقهي "المجلد الرابع: بحث الشيخ محمد السبيل في التجنس"، وقد سبق عند الكلام على المثال الثاني من أمثلة الولاء الكفري ذكر مراجع أخرى لهذه المسألة. "٢" كأن لا يجد بلدًا مسلمًا ينتقل إليه ويخشى على نفسه إن بقي في بلده ونحو ذلك. ينظر المحلى: الردة "المسألة ٢١٩٨"، ج١١، ص٢٠٠. "٣" رواه الإمام أحمد ٤/٣٦٥، والنسائي "٤١٨٦، ٤١٨٧" بسند صحيح، وله شاهد بنحوه رواه أحمد ٥/٣، ٤، ٥ بسند حسن، وله شاهد آخر رواه أبوداود "٢٦٤٥"، والترمذي "١٦٠٤" بسند الراجح أنه مرسل، بلفظ: " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى ناراهما "، وله شاهد ثالث رواه أبوداود "٢٧٨٧" بسند ضعيف، فيه رجل ليس بالقوي، وآخر مجهول، ورجلان لم يوثقا، ولفظه: " من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله ". وينظر: التلخيص "٢٢٨٥"، والإرواء "١٢٠٧"، والسنن والآثار في النهي عن التشبه بالكفار ص٣٩٧-٤٠٠.
[ ٥٧٥ ]
وإذا أسلم الكافر وبلده بلد كفر فإن كان لا يستطيع إظهار شعائر دينه ويستطيع الهجرة وجبت عليه الهجرة إلى بلد من بلاد المسلمين بإجماع أهل العلم"١"، ولا يجوز له البقاء في هذا البلد إلا في حال الضرورة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٩٧، ٩٨] "٢".
_________________
(١) "١" قال في الإنصاف: الجهاد ١٠/٣٥: "وتجب الهجرة على من يعجز عن إظهار دينه في دار الحرب بلا نزاع في الجملة"، وينظر التعليق الآتي. "٢" قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: "هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي بترك الهجرة، ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟ "، وقال أبوالمواهب الكتاني المالكي في الدواهي المدهية ص١٦٧ بعد ذكره لهذه الآية: "وهذا دليل على أن الإنسان إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب – والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر – أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة حقت عليه الهجرة"، وجاء في مجموع فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٣/٣٠ أنه سئل –﵀– عن رجل أسلم وبقي في بلده مع أن أهل بلده يكرهون الإسلام ويحاربون المسلمين، لأنه يشق عليه
[ ٥٧٦ ]
أما إن كان المسلم يستطيع إظهار شعائر دينه من توحيد وصلاة وتعلُّم لأحكام الإسلام وتمسك بالحجاب للمرأة وغيرها فالهجرة إلى بلاد المسلمين مستحبة في حقه حينئذ، ويجوز له أن يبقى في بلده الأول، فقد روى أبوسعيد الخدري أن أعرابيًا سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة، فقال: " إن شأن الهجرة لشديد، فهل لك من إبل؟ "قال: نعم. قال: " فهل تؤتي صدقتها؟ "قال: نعم. قال: " فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئًا ". متفق عليه"١".
_________________
(١) ترك الوطن: فقال: "هذا الرجل يحرم عليه بقاؤه في هذا البلد ويجب عليه أن يهاجر، فإن لم يفعل فليرتقب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية فالواجب على هذا إذا كان قادرًا على الهجرة أن يهاجر إلى بلد الإسلام، أما كونه لا يستطيع مفارقة بلد يحارب الإسلام وأهله لمجرد أنها وطنه الأول فهذا حرام، ولا يجوز له البقاء فيها"وينظر: فتاوى اللجنة الدائمة ٢/٤٥. والهجرة الواجبة منها هذه الهجرة، ومنها الهجرة من دار البدعة، كما قال الإمام مالك: لا يحل لأحد أن يقيم ببلد يُسب فيه السلف، ومنها الهجرة من دار غلب عليها الحرام، فإن طلب الحلال فرض. ينظر المحلى: المسألة "٢١٩٨"، ج١١ ص٢٠٠، أحكام القرآن لابن العربي "تفسير الآية ٩٤ من النساء"، الشرح الكبير مع الإنصاف: الجهاد ١٠/٣٥-٣٨، مجموع الفتاوى ١٨/٢٨٤، الولاء والبراء ص٢٨٦-٢٨٨. "١" صحيح البخاري: الزكاة "١٤٥٢"، وصحيح مسلم: الإمارة "١٨٦٥"، ويشهد لمعنى هذا الحديث حديث بريدة الذي رواه مسلم في أول الجهاد"١٧٣١"،
[ ٥٧٧ ]
وقد يُستحب له البقاء في بلده الأول إذا كان في ذلك مصلحة شرعية، كالدعوة إلى الإسلام، ونحو ذلك"١".
٣- السفر إلى بلاد الكفر في غير حال الحاجة، فيحرم على المسلم أن يسافر إليها إلا في حال الحاجة، فإن كانت هناك حاجة إلى السفر إلى تلك البلاد سواء كانت خاصة بالمسافر أو عامة للمسلمين جاز له السفر بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون من يذهب إلى تلك البلاد ذا علم بأمور دينه، وعنده علم ودراية بالأمور النافعة والضارة.
_________________
(١) كما يشهد له أحاديث الوفود، حيث لم يأمر النبي ﷺ الوفود الذين وفدوا عليه مسلمين ومخبرين عن إسلام قومهم قبل الفتح بالهجرة كما قال أبوعبيد، ويشهد له كذلك ما روي أن العباس بقي بمكة بعد إسلامه، وما ثبت أن ثمامة رجع إلى بلده بعد إسلامه. وينظر: الأموال، كتاب مخارج الفيء ص٢٧١-٢٨٥، المقنع مع شرحيه: الشرح الكبير والإنصاف ١٠/٣٥-٣٩، شرح صحيح مسلم للنووي: الجهاد باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان بلده ١٣/٧، فتح الباري: الجهاد باب لا هجرة بعد الفتح ٦/١٩٠، الدفاع عن أهل السنة والأتباع للشيخ حمد بن عتيق "مطبوع ضمن مجموعة كتبه ورسائله ص١٤-١٧"، مجموعة الرسائل والمسائل ١/٣٩، مجموعة التوحيد ١/٣٤، ٣٥، ٣٦٦-٣٧٦. "١" ينظر الموالاة والمعاداة ٢/٨٤٨ نقلًا عن الابتعاث ومخاطره للدكتور محمد لطفي الصباغ ص١٢، وينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/٣٩.
[ ٥٧٨ ]
الثاني: أن يكون في مأمن وبعد عن أسباب الفتنة في الدين والخلق.
الثالث: أن يكون قادرًا على إظهار شعائر دينه.
ومن الحاجات التي يجوز السفر من أجلها: السفر للدعوة إلى الله تعالى، والسفر للتجارة، والسفر للعلاج، والسفر لحاجة المسلمين في تلك البلاد كسفراء الحكومات المسلمة ونحوهم، والسفر لتعلم علم يحتاجه المسلمون ولا يُوجد إلا في بلاد الكفر"١
_________________
(١) "١" قال شيخنا محمد بن عثيمين كما في مجموع فتاويه ٣/٢٨، ٢٩ عند ذكره لأقسام السفر إلى بلاد الكفار، وبعد ذكره للشرطين الثاني والثالث المذكورين أعلاه، قال: "القسم الخامس: أن يقيم للدراسة وهي من جنس الإقامة للتجارة والعلاج، فهي لهاحاجة لكنها أخطر منها وأشد فتكًا بدين المقيم وأخلاقه، فإن الطالب يشعر بدنو مرتبته وعلو مرتبة معلميه، فيحصل من ذلك تعظيمهم والاقتناع بآرائهم وأفكارهم وسلوكهم، فيقلدهم إلا من شاء الله عصمته وهم قليل، ثم إن الطالب يشعر بحاجته إلى معلمه فيؤدي إلى التودد إليه ومداهنته فيما هو عليه من الانحراف والضلال، والطالب في مقر تعلمه له زملاء يتخذ منهم أصدقاء يحبهم ويتولاهم ويكتسب منهم، ومن أجل خطر هذا القسم وجب التحفظ فيه أكثر مما قبله، فيشترط فيه بالإضافة إلى الشرطين الأساسين شروط: الشرط الأول: أن يكون الطالب على مستوى كبير من النضوج العقلي الذي يميز به بين النافع والضار وينظر به إلى المستقبل البعيد، فأما بعث الأحداث "صغار السن" وذوي العقول الصغيرة فهو خطر عظيم على دينهم، وخلقهم، سلوكهم
[ ٥٧٩ ]
أما السفر إلى بلاد الكفر من أجل السياحة ونحوها فهو سفر محرم، لعموم الأحاديث المذكورة في الفقرة السابقة، فإن فيها المنع من الإقامة في بلد الكفر، وهذا يشمل الإقامة اليسيرة، كاليوم واليومين، ولما في ذلك من تعريض دين المسلم وخلقه للخطر من غير ضرورة أو
_________________
(١) ثم هو خطر على أمتهم التي سيرجعون إليها وينفثون فيها من السموم التي نهلوها من أولئك الكفار كما شهد ويشهد به الواقع، فإن كثيرًا من أولئك المبعوثين رجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا منحرفين في ديانتهم، وأخلاقهم وسلوكهم، وحصل عليهم وعلى مجتمعهم من الضرر في هذه الأمور ما هو معلوم مشاهد، وما مثل بعث هؤلاء إلا كمثل تقديم النعاج للكلاب الضارية. الشرط الثاني: أن يكون عند الطالب من علم الشريعة ما يتمكن به من التمييز بين الحق والباطل، ومقارعة الباطل بالحق، لئلا ينخدع بما هم عليه من الباطل فيظنه حقًا أو يلتبس عليه أو يعجز عن دفعه فيبقى حيران أو يتبع الباطل. الشرط الثالث: أن يكون عند الطالب دين يحميه ويتحصن به من الكفر والفسوق، فضعيف الدين لا يسلم مع الإقامة هناك إلا أن يشاء الله، وذلك لقوة المهاجم وضعف المقاوم، فأسباب الكفر والفسوق هناك قوية وكثيرة ومتنوعة فإذا صادفت محلًا ضعيف المقاومة عملت عملها. الشرط الرابع: أن تدعو الحاجة إلى العلم الذي أقام من أجله بأن يكون في تعلمه مصلحة للمسلمين ولا يوجد له نظير في المدارس في بلادهم" انتهى كلامه ﵀، وينظر: المقدمات لابن رشد ٢/٦١٢، ٦١٣.
[ ٥٨٠ ]
حاجة"١".
٤ - مشاركة الكفار في أعيادهم الدينية، كعيد رأس السنة الميلادية "الكرسمس"، فلا يجوز للمسلم مخالطة أو مشاركة الكفار في أعيادهم الدينية بإجماع أهل العلم"٢"، لأن في ذلك إقرارًا لعملهم ورضى به وإعانة
_________________
(١) "١" ينظر: مجموعة التوحيد ١/٦٥، ٦٦، ٣٧٣، ٣٧٤، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز ٢/١٠٦٦-١٠٧٠، الموالاة والمعاداة ٢/٨٤٧-٨٧٤، وقال شيخنا محمد بن عثيمين كما في مجموع فتاويه ٣/٢٤: "السفر إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا بثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات. الشرط الثاني: أن يكون عند تقوى وخوف من الله يمنعانه الوقوع في الشهوات المحرمة. الشرط الثالث: أن يكون محتاجًا إلى ذلك. فإن لم تتم هذه الشروط فإنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار لما في ذلك من الفتنة أو خوف الفتنة وفيه إضاعة المال لأن الإنسان ينفق أموالًا كثيرة في هذه الأسفار. أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك لعلاج أو تلقي علم لا يوجد في بلده وكان عنده علم ودين على ما وصفنا فهذا لا بأس به. وأما السفر للسياحة في بلاد الكفار فهذا ليس بحاجة وبإمكانه أن يذهب إلى بلاد إسلامية يحافظ أهلها على شعائر الإسلام". "٢" قال الكتاني المالكي في الدواهي المدهية ص٥٨: "وقد اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز الحضور معهم في شعائر دينهم، وقال عبد الملك بن حبيب في الواضحة:
[ ٥٨١ ]
عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، ولا شك أن مشاركتهم في أعيادهم الباطلة المحرمة من الإعانة على الإثم"١".
كما يحرم تهنئتهم بهذه الأعياد بإجماع أهل العلم "٢"، ويحرم حضور أعيادهم الدنيوية وتهنئتهم بها، لأنها أعياد مبتدعة محرمة في ديننا، كما يحرم جعل هذه الأيام التي لهم فيها عيد ديني أو دنيوي
_________________
(١) سُئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم فكره ذلك مخافة نزول السخط علهيم بشركهم الذي اجتمعوا عليه، ورآه من تعظيم دينهم وعون لهم على كفرهم.. قال: وهو قول مالك وغيره، لم أعلم أحدًا اختلف فيه". "١" اقتضاء الصراط المستقيم ١/٤٢٤-٤٨٨، و٢/٥١٤-٥٧٠، الآداب الشرعية ٣/٤٣١-٤٣٣، وينظر تفسير الآية ٧٢ من سورة الفرقان في تفاسير ابن جرير والقرطبي والسيوطي، مجموع فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٣/٣٢، ٣٣، كتاب أعياد الكفار للشيخ إبراهيم الحقيل ص١٠٠، الموالاة والمعاداة ٢/٧٣٢-٧٣٧، النواقض القولية والعملية ص٣٧٣-٣٧٦. "٢" قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة: فصل في تهنئة أهل الذمة ١/١٦٢: "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصنم"، وقال شيخنا محمد بن عثيمين كما في مجموع فتاويه ٣/٤٥، ٤٦: "وتهنئتهم بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا. وإذا هنئونا
[ ٥٨٢ ]
عيدًا، لأن هذا من التشبه المنهي عنه"١".
٥– التشبه بهم فيما هو خاص بهم مما يتميز به الكفار عن المسلمين، فيحرم على المسلم أن يقلدهم في كل ما هو خاص بهم من عبادات أو عادات وتقاليد أو آداب أو هيئات، سواء أكان أصل ذلك مباحًا في ديننا أم محرمًا"٢"، فلا يجوز للمسلم أو المسلمة أن يقلدهم مثلًا
_________________
(١) بأعيادهم فإننا لا نجيبهم على ذلك، لأنها ليست بأعياد لنا، ولأنها أعياد لا يرضاها الله تعالى، لأنها إما مبتدعة في دينهم وإما مشروعة لكن نسخت بدين الإسلام.. وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام، لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها، لما في ذلك من مشاركتهم فيها، وكذلك يحرم على المسلمين التشبه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة أو تبادل الهدايا أو توزيع الحلوى أو أطباق الطعام أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك ومن فعل شيئًا من ذلك فهو آثم سواء فعله مجاملة أو توددًا أو حياءً أو لغير ذلك من الأسباب، لأنه من المداهنة في دين الله، ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم". "١" الاقتضاء ١/٤٢٦-٦٤٠، و٢/٥٨١-٦١٦، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع الطيار" ص٨٩٤"، الولاء والبراء ص٣٣١. وينظر كلام الإمام الذهبي الآتي قريبًا – إن شاء الله تعالى – فهو مهم جدًا. "٢" قال شيخنا محمد بن عثيمين كما في مجموع فتاويه ٣/٤٧: "مقياس التشبه أن يفعل المتشبه ما يختص به المتشبه به، فالتشبه بالكفار: أن يفعل المسلم شيئًا من خصائصهم، أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون
[ ٥٨٣ ]
في اللباس أو هيئة الأكل أو الشرب، أو طريقة تسريح أو حلق شعر الرأس أو شعر الوجه"١"، أو طريقة الأكل والشرب أو طريقة الجلوس أو المشي أو كيفية السلام أو طريقتهم في بناء مساكنهم أو في أنظمتهم في الحكم والإدارة والاقتصاد ونحو ذلك مما لا فائدة فيه ظاهرة للمسلمين"٢".
_________________
(١) تشبهًا، فلا يكون حرامًا من أجل أنه تشبه، إلا أن يكون محرمًا من جهة أخرى"وينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ص٢٤٢، الفتح: اللباس باب البرانس وباب الميثرة ١٠/٢٧٢، ٣٠٧، إرشاد أولى الألباب ص٤٠ – ٤٩، سبل السلام باب الزهد والورع ٤/٣٣٨، رسالة"التشبه المنهي عنه"لجميل اللويحق الباب الأول: مطلب القواعد الشرعية في باب التشبه بالكفار ص٩٦ – ١٢٧. "١" جاء في فتاوى اللجنة الدائمة ٣/٣٠٨: "ويختلف حكم مشابهتهم، فقد يكون كفرًا كالتشبه بهم في الاستغاثة بأصحاب القبور، والتبرك بالصليب، واتخاذه شعارًا، وقد يكون محرمًا فقط، كحلق اللحية، وتهنئتهم بأعيادهم، وربما أفضى التساهل في مشابهتهم المحرمة إلى الكفر والعياذ بالله". "٢" فيستثنى من ذلك ما كان فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين من الأمور الدنيوية كالاكتشافات والمخترعات وطرق الإدارة وطرق حفظ الأموال وتنميتها، وما اكتشفوه من الأمور النافعة من الأمور الدنيوية الطبيَّة وغيرها مما كان أصله مباحًا في دين الإسلام، وسيأتي الكلام على ذلك عند بيان ما يجوز من التعامل مع الكفار، ويستثنى من ذلك ما إذا كان على المسلم ضرر فيه كما سيأتي من كلام
[ ٥٨٤ ]
ومن المعلوم أن التقليد للغير دليل على الشعور باحتقار الذات، وأن هذا المقلِّد يرى بأن من قلَّده أفضل منه وأرفع منه قدرًا"١"، ولذلك حاول أن يتشبه به. وهذا لا يليق بالمسلم تجاه الكافر.
فالمسلم أرفع قدرًا من جميع الكفار"٢" بنص القرآن وسنة النبي ﷺ، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ
_________________
(١) شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم عند الكلام على وجوب رد السلام على الكافر – إن شاء الله تعالى–. "١" ينظر مقدمة ابن خلدون: الفصل الثالث والعشرون في أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده ص١٤٧، وينظر كلام أحمد شاكر الذي سيأتي عند ذكر الأحاديث الدالة على تحريم التشبه. "٢" قال الإمام الذهبي الشافعي في "تشبُّه الخسيس بأهل الخميس" ص٢١ – ٢٣ عند كلامه على تشبه بعض جهال المسلمين بالنصارى بالاحتفال مثلهم في يوم عيدهم قال رسول الله ﷺ: " اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون "، وقد أوجب الله عليك يا هذا المسلم أن تدعو الله تعالى كل يوم وليلة سبع عشرة مرة بالهداية إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، فكيف تطيب نفسك بالتشبه بقوم هذه صفتهم، وهم حطب جهنم، ولو قيل لك: تشبه بمسخرة لأنفت من ذلك وغضبت، وأنت تشبَّه بأقلف – أي غير مختون – عابد صليب في عيده، وتكسو صغارك، وتفرِّحهم، وتصبغ لهم البيض، وتشتري البخور، وتحتفل لعيد عدوك كاحتفالك لعيد نبيك ، فأين
[ ٥٨٥ ]
هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨] وقال ﷾: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق:١٠]، والألباب هي العقول التامة السالمة من شوائب النقص"١"، وقال النبي ﷺ: " الإسلام يعلو ولا يُعلَى عليه ""٢".
وينبغي للمسلم أن ينظر إلى الكفار بالنظرة الشرعية الصحيحة، قال الله تعالى عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
_________________
(١) يُذهَبُ بك إن فعلت ذلك إلا إلى مقت الله وسخطه إن لم يغفر الله لك، إن علمت أن نبيك محمدًا ﷺ كان يحض على مخالفة أهل الكتاب في كل ما اختصوا به". "١" ينظر: تفسير ابن كثير، وتفسير الشوكاني، وتفسير السعدي للآية ١٩٠ من آل عمران. "٢" رواه البيهقي ٦/٢٠٥، والدارقطني ٣/٢٥٢، والروياني كما في التغليق ٢/٤٨٩ من حديث عائذ بن عمرو، وفي سنده مجهولان، ورواه بحشل في تاريخ واسط ١/١٥٥ من حديث معاذ، وفي سنده رجل ضعيف، وبقية رجاله ثقات، فالحديث محتمل للتحسين، وله شاهد موقوف على ابن عباس يتقوى به، رواه البخاري في الجنائز باب إذا أسلم الصبي تعليقًا. ووصله الطحاوي في شرح معاني الآثار: كتاب السير باب الحربية تسلم ٣/٢٥٧ بسند صحيح. وقد حسن الحافظ في الفتح ٣/٢٢٠ حديث عائذ، وصححه العيني في عمدة القاري ٨/١٦٩، وقال في الإرواء "١٢٦٨": "الحديث حسن مرفوعًا بمجموع طريقي عائذ ومعاذ، وصحيح موقوفًا ". وينظر في معنى هذا الحديث: سبل السلام ٤/١٣٢.
[ ٥٨٦ ]
[الروم: ٧]، وقال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]، وقال جل وعلا: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] "١".
_________________
(١) "١" كما أن التشبه بالكفار الذين هم أدنى منزلة من المسلم والذين يعتقدون اعتقادات كفرية ضالة ويتصفون بصفات أو يتخلقون بأخلاق لا تليق بالمسلم أن التشبه بهم في الأمور الظاهرة يورث بين المتشابهين محبة وتقاربا، ويقود المتشبِّه إلى أن يتخلق بأخلاق من تشبه به وأن يعمل مثل أعماله، وربما يقوده في آخر الأمر إلى أن يعتقد اعتقاداته الكفرية الضالة. وهذا مشاهد، فإن من يلبس ثياب الجند يشعر من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، وتصير طبيعته منقادة لذلك إلا أن يمنعه مانع ولذلك ورد النهي عن التشبه بالكفار، وعن التشبه بكل من هو في منزلة أدنى من منزلة المسلم أو يتصف ببعض الصفات التي لا تليق بالمسلم، فورد في بعض الأحاديث النهي عن التشبه بالشيطان، والبهائم، وأهل الجاهلية، والفساق، والنساء، والعجم والأعراب، والمراد النهي عن التشبه بما اختص بفعله العجم والأعراب ولو كانوا مسلمين ولم يفعله السلف؛ لأن ترك السلف له دليل على أنه مفضول في أقل أحواله. وينظر: الاقتضاء ١/٨٠ – ٨٣، ١٦٤، ٣٦٦، ٣٧١ – ٤١١، ٤٨٦ – ٤٨٨، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/٢٥٦ – ٢٦٠، ٣٠٤، ٣٠٧، ٣١٠، فيض القدير ٦/١٠٤، التشبه المنهي عنه ص٥٤، ١٣٠، ١٥٦، ١٧٣.
[ ٥٨٧ ]
وقد وردت أدلة شرعية كثيرة تدل على تحريم التشبه بالكفار"١"، منها:
_________________
(١) "١" ذهب بعض أهل العلم إلى أن مجرد التشبه بالكفار إذا كان عن قصد للتشبه بهم من الكفر الأكبر المخرج من الملة، وعلى هذا القول فلو تشبه بهم من غير قصد للتشبه بهم، ولكن لأنه استحسن هذا العمل وأعجبه ففعله فهذا محرم وليس بكفر، قال القاضي حسين الشافعي: "لو تقلنس المسلم بقلنسوة المجوسي أو تزنر بزنار النصراني صار كافرًا؛ لأن الظاهر أنه لا يفعل ذلك إلا عن عقيدة الكفر"، قال الشيخ جميل اللويحق عند ذكره لهذا القول: "وممن أطلق ذلك الحنفية والمالكية وجمهور الشافعية، وعللوا ذلك بأن عوائد الكفار الخاصة بهم هي علامة الكفر، ولا يفعلها إلا من التزم الكفر، والاستدلال بالعلامة والحكم بما دلت عليه مقرر في العقل والشرع"، كما استدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، والتشبه من التولي، وبقوله ﷺ: " من تشبه بقوم فهو منهم"، ولعل الأقرب أن هذا التشبه محرم ولا يخرج من الملة، كما هو قول كثير من أهل العلم، وهذه النصوص من باب الوعيد. وينظر: روضة الطالبين: كتاب الردة ١٠/٦، الاقتضاء ١/٢٤٢، ٤٢٠، ٤٩١، مختصر خليل مع شرحه التاج والإكليل "مطبوع بهامش شرح الحطاب: الردة ٦/٢٧٩"، الفتاوى الهندية: أحكام المرتدين ٢/٢٧٦، الفتاوى البزازية "مطبوع بهامش الفتاوى الهندية ٦/٣٣٢"، شرح روض الطالب مع حاشيته للرملي ٤/١١، تشبه الخسيس بأهل الخميس ص٣٤، ٥٠، مجموعة التوحيد ١/٣٤٠ – ٣٦٥، النواقض العملية ص٣٧٢، مخالفة الكفار لعلي عجين ص٢٢، التشبه المنهي عنه لجميل اللويحق
[ ٥٨٨ ]
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحديد: ١٦] فنهى الله ﷾ في هذه الآية المؤمنين أن يتشبهوا بالذين أوتوا الكتاب من قبلنا، وهم اليهود والنصارى"١"، ومنها ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: " من تشبه بقوم فهو منهم ""٢"، ومنها ما ثبت عنه ﷺ مخبرًا عما سيفعله كثير من
_________________
(١) "قواعد التشبه ص٨١ – ٨٤"، وينظر: كلام شيخ الإسلام وكلام الصنعاني الذي سيأتي نقله قريبًا عند تخريج حديث "من تشبه بقوم فهو منهم"، وكلام شيخ الإسلام الذي سيأتي عند الكلام على رد السلام على الكفار. وقد ذكر بعض أهل العلم أن التشبه بالكفار يكون مكروهًا لا محرمًا إذا كان أصل الفعل مشروعًا في ديننا ولكن أمر بمخالفة الكفار في صورته، كصيام عاشوراء وحده، وكتأخير الإفطار. ينظر: الاقتضاء ١/٤٩٢، النهي عن التشبه ص٨٤، ١١٨. "١" قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء ص٢٥٨، ٢٥٩: "فقوله: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضًا في النهي عن مشابهتهم في قسوة القلب". وقال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: "نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية". "٢" رواه الإمام أحمد "٥١١٤"، وأبو داود "٤٠٣١"، وابن أبي شيبة ٥/٣١٣، والطحاوي في مشكل الآثار "٢٣١" وفي سنده اضطراب. وينظر: فيض القدير ٦/١٠٤، ١٠٥، الإرواء "١٢٦٩".
[ ٥٨٩ ]
ضعفاء الإيمان الذين يشعرون بالنقص واحتقار أنفسهم أمام الكفار"١"، منكرًا عليهم صنيعهم: " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لتبعتموهم " قال
_________________
(١) قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ١/٢٤١: "وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهرة يقتضي كفر المتشبِّه بهم"، وقال الصنعاني في سبل السلام في باب الزهد والورع في شرح هذا الحديث ٤/٣٣٨: "قالوا – أي العلماء – فإذا تشبه بالكافر في زي واعتقد أن يكون بذلك مثله كفر، فإن لم يعتقد ففيه خلاف بين الفقهاء، منهم من قال: يكفر. وهو ظاهر الحديث. ومنهم من قال: لا يكفر، ولكن يؤدب". "١" قال علامة مصر أحمد محمد شاكر المتوفى سنة ١٣٧٧هـ في تعليقه على قوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: " ثياب الكفار لا تلبسها " في مسند أحمد ١٠/١٩: "هذا الحديث يدل بالنص الصريح على حرمة التشبه بالكفار في اللبس وفي الهيئة والمظهر كالحديث الآخر الصحيح: " ومن تشبه بقوم فهو منهم "، ولم يختلف أهل العلم منذ الصدر الأول في هذا –أعني في تحريم التشبه بالكفار– حتى جئنا في هذه العصور المتأخرة فنبتت في المسلمين نابتة ذليلة مستعبدة، هجيراها وديدنها التشبه بالكفار في كل شيء والاستحذاء لهم والاستعباد، ثم وجدوا من الملتصقين بالعلم المنتسبين له، من يزين لهم أمرهم ويهون عليهم أمر التشبه بالكفار في اللباس والهيئة والمظهر والخلق وكل شيء، حتى صرنا في أمة ليس لها من مظهر الإسلام إلا مظهر الصلاة والصيام والحج، على ما أدخلوا فيها من بدع، بل من ألوان من التشبه بالكفار أيضًا".
[ ٥٩٠ ]
أبوسعيد الخدري: قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال:
" فمن؟ " رواه البخاري ومسلم"١"، والسنن هي الطريقة، وهذا الحديث من معجزاته ﷺ، ولهذا ترى كثيرًا من المسلمين والمسلمات اليوم يقلدون الكفار في كثير من الأمور، حتى فيما لا فائدة لهم فيه، كهيئة اللباس، وهيئة شعر الرأس، وحلق شعر العارضين والذقن، حتى إن من المسلمين والمسلمات من يبحث في المجلات أو غيرها عن آخر ما يفعله الكفار في الغرب أو الشرق فيفعله.
وقد وردت أحاديث كثيرة متواترة في النهي عن كثير من الأفعال وعُلِّل النهي فيها بالتشبه باليهود والنصارى"٢" فدلَّ ذلك على أن مخالفتهم أمرٌ مطلوبٌ شرعًا، وعلى أن التشبه بهم محرم.
وقد أجمع أهل العلم على تحريم التشبه بالكفار"٣".
_________________
(١) "١" صحيح البخاري "٣٤٥٦"، وصحيح مسلم "٢٦٦٩" من حديث أبي سعيد. ورواه البخاري "٧٣١٩" بنحوه من حديث أبي هريرة ﵁. "٢" وقد جمع هذه الأحاديث الشيخ محمد ناصرالدين الألباني ﵀ في رسالة "حجاب المرأة المسلمة " ص٨٠-٩٧، والدكتور عثمان دوكوري في رسالة "التدابير الواقية من التشبه بالكفار"، وجميل اللويحق في رسالة "التشبه المنهي عنه في الفقه الإسلامي"، وقد ذكرتُ بعضها في "رسالة اليهود " برقم ١١١-١٢٣. "٣" كشاف القناع: الجهاد باب الهدنة ٣/١٣١، وينظر كلام العلامة أحمد شاكر
[ ٥٩١ ]
٦ – تركهم يظهرون شعائر دينهم من عبادات وأعياد ونحوهما بين المسلمين، أو تركهم يبنون كنائس أو معابد لهم في بلاد المسلمين، أو تركهم يظهرون المعاصي بين المسلمين"١".
٧ – اتخاذهم بطانة، فلا يجوز للمسلم أن يجعل الكافر بطانة له، بأن يطلعه على بواطن أموره، ويستشيره في أموره الخاصة، أو يستشيره في أمور المسلمين، أو يعتمد عليه في قضاء شيء من أمورهم التي يطلع فيها على أسرارهم، كأن يكون كاتبًا يطلع على أخبار المسلمين"٢"؛
_________________
(١) الذي سبق قريبًا، وينظر الاقتضاء ١/١٦٥، ٣٥٠، ٤٢٠. "١" مصنف عبد الرزاق: كتاب أهل الكتابين ١١/٣١٩، ٣٢٠، ٣٦٦، ٣٧٧، الأموال لأبي عبيد باب ما يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا في أرض العنوة وفي أمصار المسلمين وما لا يجوز ص١٢٣– ١٣٣، الوجيز ٢/١٩٩، مجموع الفتاوى ٢٨/٦٣٢ – ٦٤٧. وفيها قوله: "اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة مثل ما فتحه المسلمون صلحًا وأبقوا لهم كنائسهم القديمة"، بدائع الصنائع ٧/١١٣، ١١٤، أحكام أهل الذمة ٢/١١٦ – ١٤٩. "٢" روى ابن أبي شيبة ٨/٤٧٠، وابن أبي حاتم "١٢٧٤" بإسناد صحيح عن عمر أنه قيل له في كاتب نصراني ليتخذه كاتبًا له، فقال: "قد اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين". وقال الحافظ ابن كثير في شرح الآية الآتية وبعد ذكره لهذا الأثر: "في هذا الأثر مع هذه الآية دلالة على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي
[ ٥٩٢ ]
لأن الكافر عدو للمسلم لا ينصح له، بل يفرح بما يعنته – أي ما يشق عليه ويضره – وما فيه خبال للمسلم – أي فساد عليه – قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١١٨– ١٢٠] "١" ولا يستثنى من هذا إلا ما اضطر إليه المسلم ضرورة ملجئة مع الأمن من
_________________
(١) فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء". وروى ابن أبي حاتم في تفسير الآية ٥١ من المائدة، والبيهقي ٩/٢٠٤ بإسناد حسن أن عمر أنكر على أبي موسى الأشعري لما اتخذ كاتبًا نصرانيًا. "١" ينظر تفسير الطبري، وتفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير، وتفسير الشوكاني لهذه الآية، ومعنى "من دونكم" أي من سواكم، وهم جميع الكفار، وينظر: أحكام أهل الذمة ١/١٨٤ – ١٨٩. وينظر ما يأتي في المبحث الآتي عند الكلام على استئجار الكافر عند الكلام على الأمر الأول من الأمور التي تباح أو تستحب في حال التعامل مع الكفار.
[ ٥٩٣ ]
ضرر الكافر"١".
٨– السكن مع الكافر، فيحرم على المسلم أن يسكن مع الكافر في مسكن واحد ولو كان قريبًا له أو زميلًا له، كما لا يجوز له أن يسكن معه من أجل مصلحة دنيوية كأن يريد أن يتعلم منه لغته أو لتجارة أو لغير ذلك"٢"، كما لا يجوز أن يزوره في منزله من أجل مجرد إيناسه أو الاستئناس به، أو للعب، ونحو ذلك، كما لا يجوز طلب زيارتهم للمسلم من أجل ذلك؛ لأن هذا من الموالاة لهم، ولأن الكفار أعداء لنا، ولا يؤمن على المسلم من ضررهم في دينه أو بدنه، أما إن زاره من أجل قرابته له أو جواره له فلا بأس"٣"، وهكذا إن زاره المسلم أو طلب منه أن يزوره وكان ذلك لحاجة شرعية، كتأليف قلبه ودعوته إلى الإسلام وأَمِنَ من ضرره على دين المسلم وبدنه أبيح بقدر الحاجة، كما تباح ضيافته واستضافته"٤".
_________________
(١) "١" ويدل لهذا ما رواه البخاري "٣٩٠٥" عن النبي ﷺ أنه استأجر ابن أريقط وهو مشرك في وقت الهجرة ليكون دليلًا في الطريق إلى المدينة لما أَمِنَه. "٢" ويُستثنى من ذلك من كان تابعًا للمسلم كالعبد المملوك، والزوجة الكتابية، والخادم، كما يُستثنى السكن مع الوالدين، للأمر بصحبتهما في الدنيا معروفًا، ولأن بعض الصحابة سكنوا مع والديهم أو أحدهما، كأبي هريرة. وقد سبقت بعض النصوص في هذه المسألة عند الكلام على الاستيطان في بلاد الكفار. "٣" ينظر: أحكام أهل الذمة: عيادة أهل الذمة ١/١٥٨، فتاوى شيخنا عبد العزيز ابن باز "جمع الطيار ٣/١٠٥١"، رسالة "أوثق عرى الإيمان" "مطبوعة ضمن مجموعة التوحيد١/١٥٥"، الموالاة والمعاداة ١/٧٢٩ – ٧٣١. "٤" ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة ٢/٤٤، ٦٣-٦٥، ٧٥. ومما قد يستدل به هنا زيارة سعد بن معاذ لأمية بن خلف في مكة، وزيارة أمية لسعد في المدينة. رواه البخاري "٢٦٣٢". وقال في الآداب الشرعية فصل في إباحة المعاريض ٣/٢٢: "لا تجب إجابة
[ ٥٩٤ ]
_________________
(١) دعوتهم – أي الكفار – بل تستحب، أو تجوز، أو تكره، مع أن الشارع أمر بها أمرًا عامًا وأجاب دعوة يهودي، فالدليل الذي أخرجهم من الإطلاق والعموم –وهو لما فيه من الإكرام والمودة– "انتهى كلامه. والحديث الذي أشار إليه من إجابته ﷺ دعوة يهودي رواه الإمام أحمد ٣/٢١٠، ٢١١ عن أبان عن قتادة عن أنس أن يهوديًا دعا النبي ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سنخة، فأجابه. ورجاله ثقات، لكن قتادة مدلس، وقد عنعن. وقد رواه أحمد ٣/٢٧٠ عن أبان به؛ ثم قال في آخره: "وقال أبان أيضًا: إن خياطًا "، ورواه كذلك أحمد ٣/٢٨٩ عن همام عن قتادة، حدثنا أنس بلفظ "أن خياطًا " ورواه بهذا اللفظ البخاري "٢٠٩٢، ٥٤٢٠"، ومسلم "٢٠٤١" من أربع طرق عن أنس به. فرواية أبان باللفظ الأول رواية شاذة أو منكرة. وينظر: الإرواء "٣٥". فهذا يدل على عدم ثبوت إجابته ﷺ لدعوة الكافر. وينظر ما يأتي عند الكلام على الأمر الخامس من الأمور التي تباح في حال التعامل مع الكفار.
[ ٥٩٥ ]
المبحث الثالث: ما يجوز أو يجب التعامل به مع الكفار مما لا يدخل في الولاء المحرم
بعد أن بينت حكم الولاء والبراء، ومظاهر كل منهما، أحببت أن أبين بعض الأمور التي لا تدخل في الولاء المحرم، والتي يجوز أو يستحب التعامل بها مع الكفار، وأن أذكر أيضًا ما يجب لهم على المسلم. وقبل أن أبين هذه الأمور ينبغي أن يعلم أن الكفار ينقسمون إلى أربعة أقسام:
[ ٥٩٥ ]
القسم الأول: المعاهدون. وهم الذين يسكنون في بلادهم، وبينهم وبين المسلمين عهد وصلح وهدنة، وذلك ككفّار قريش وقت صلح الحديبية"١"، وككفار الدول الكافرة في عصرنا هذا التي بينها وبين الحاكم المسلم الذي يخضع المسلم لسلطانه عهود وسفارات، فيجوز أن يصالح المسلمون الكفار على السلم وترك الحرب إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] "٢".
القسم الثاني: الذِّمِّيون. وهم الكفار الذين يسكنون بلاد المسلمين وصالحهم المسلمون على أن يدفعوا للمسلمين الجزية"٣"
_________________
(١) "١" حديث صلح الحديبية رواه البخاري "٢٦٩٨"، ومسلم "١٧٨٣". "٢" صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري: الجزية والموادعة باب الموادعة والمصالحة ٦/٢٧٥، ٢٧٦، شرح السنة ١١/١٥٧ – ١٦٧، مراتب الإجماع ص١٤٣، ١٤٤، بداية المجتهد ١/٣٨٧، ٣٨٨، المغني ٨/١٥٣ – ١٦٣، الوجيز ٢/٢٠٣، ٢٠٤، بدائع الصنائع ٧/١٠٨ – ١١٠، منهاج الطالبين مع شرحه مغني المحتاج ٤/٢٦٠ – ٢٦٥، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩/١٤٠ – ١٤٢، الشرح الكبير مع الإنصاف ١٠/٣٧٣ – ٣٩٢، مواهب الجليل ٣/٣٦٠، اختلاف الدارين ص١٣١ – ١٣٥. "٣" الجزية هي المال الذي يدفعه الكفار الذين يسكنون بلاد المسلمين مقابل حماية المسلمين لهم ولأموالهم وتسييرهم لشؤونهم، وخضوعًا لسلطان المسلمين. ينظر:
[ ٥٩٦ ]
فيجوز السماح للكافر الموجود أصلًا في بلاد المسلمين أو في بلاد يحكمها المسلمون بالاستمرار في سكنى بلاد المسلمين –سوى جزيرة العرب كما سيأتي– وذلك في حال دفعهم الجزية للمسلمين – قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
القسم الثالث: المستأمنون. وهم الذين يدخلون بلاد المسلمين بأمان من ولي الأمر أو من أحد من المسلمين.
فيجوز السماح للمشرك بدخول بلاد المسلمين والإقامة فيها فترة مؤقتة للتجارة أو للعمل ونحوهما إذا أمن شرهم وضررهم على
_________________
(١) مختصر الفتاوى المصرية ص٥١٢، المبسوط ٧/٨١، بدائع الصنائع ٧/١١١، مغني المحتاج ٤/٢٤٢، نيل الأوطار ٨/٢١٥. ولأهل الذمة أحكام وعليهم واجبات، ويمنعون من بعض الأعمال. وقد فصل أهل العلم هذه المسائل في كتب الفقه في أبواب الجهاد "باب عقد الذمة"، وباب "أخذ الجزية "، وينظر مصنف عبد الرزاق "كتاب أهل الكتابين ٦/٨٥ – ٩٠، وكتاب أهل الكتابين ١٠/٣٢٤ – ٣٣٣، مراتب الإجماع ص١٤٢، ١٤٣، فهرس مجموع الفتاوى ٣٧/١٨٢– ١٨٥، أحكام أهل الذمة لابن القيم، وزاد المعاد له ٣/٣٤٨، ٣٤٩، فتاوى اللجنة الدائمة ٣/١٠٠.
[ ٥٩٧ ]
المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]، وهذا الأمان يعرف الآن بـ"تأشيرة الدخول" "١".
ويستثنى من ذلك جزيرة العرب، فلا يجوز دخولهم لها إلا للحاجة، ولا يسمح لهم بالاستيطان فيها، لقوله ﷺ عند موته " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب "رواه البخاري ومسلم"٢"، ولقوله ﷺ: " لا يترك بجزيرة العرب دينان " "٣"، لكن إن كانت هناك حاجة تدعو إلى دخولهم لهذه الجزيرة فلا بأس"٤"، كما أقر النبي ﷺ يهود خيبر على البقاء فيها للعمل للحاجة الماسة لعملهم فيها، ثم أجلاهم عمر
_________________
(١) "١" اختلاف الدارين ص١٢٩، ١٣٠. "٢" صحيح البخاري "٣٠٥٣"، وصحيح مسلم "١٦٣٧". "٣" رواه الإمام أحمد ٦/٢٧٥ بإسناد حسن، رجاله رجال مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال فذكره. ورواه الإمام مالك ٢/٨٩٢ عن الزهري مرسلًا. "٤" ينظر: مراتب الإجماع ص١٤٢، بدائع الصنائع ٧/١١٤، المغني ١٣/٧٥ - ٨٣، شرح السنة ١١/١٨٠ - ١٨٣، الشرح الكبير مع الإنصاف ١٠/٣٤٠ - ٣٦٤، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/٤١٤، و٢٩/٢١٣، ٢١٤، مواهب الجليل ٣/٣٦٠، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٣/٤١، ٤٢، اختلاف الدارين ص١٢٧ - ١٣٠.
[ ٥٩٨ ]
-﵁- لما زالت الحاجة إليهم"١"، وعليه فلا يجوز استقدامهم إلى جزيرة العرب كعمال أو خدم أو سائقين أو غيرهم مع وجود من يقوم بعملهم من المسلمين"٢".
القسم الرابع: الحربيون. وهم من عدا الأصناف الثلاثة السابقة من الكفار"٣".
_________________
(١) "١" رواه البخاري "٢٣٣٨"، ومسلم "١٥٥١". "٢" وقال شيخنا عبد العزيز بن باز كما في مجموع فتاويه ٣/١٠٤٤، ١٠٤٥ بعد ذكره للأدلة السابقة: "هذه الجزيرة لا يجوز أن يقيم فيها المشركون لما ذكرنا آنفًا، ولا يجوز السماح لهم بدخولها إلا لحاجة كباعة الحاجات التي تستورد من بلاد الكفرة إلى هذه الجزيرة، وكالبرد الذين يقدمون من بلاد الكفرة لمقابلة ولي الأمر في هذه الجزيرة، أما أن تكون محل إقامة لهم فلا يجوز ذلك. أما استقدامهم ليكونوا عمالًا أو موظفين فيها، وما أشبه ذلك فلا يجوز ذلك، بل يجب الحذر منهم، وأن يُستغنى عنهم بالعمال المسلمين، ويكتفى بهم في العمل بدلًا من الكفار، إلا عند الضرورة القصوى التي يراها ولي الأمر لاستقدام بعضهم لأمور لابد منها، ولا يوجد من يقوم بها من المسلمين، أو صنعة لا يجيدها المسلمون والحاجة ماسة إليها، أو نحو ذلك، ثم بعد انتهاء الحاجة منهم يردون إلى بلادهم، كما أقر النبي ﷺ اليهود في خيبر للحاجة ثم أجلاهم عمر ﵁، لما زالت الحاجة إليهم"، وينظر: المرجع نفسه ٣/١٠٢٧، ١٠٥٣ - ١٠٥٥، وفتاوى اللجنة الدائمة ٢/٤٢. "٣" وهم قسمان:
(٢) قسم بيننا وبينهم حرب قائمة.
[ ٥٩٩ ]
فهؤلاء يشرع للمسلمين جهادهم وقتالهم بحسب الاستطاعة"١"، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١] .
أما الأمور التي تجب للكفار غير الحربيين على المسلمين فمن أهمها:
١- حماية أهل الذمة والمستأمنين ما داموا في بلاد الإسلام، وحماية المستأمن إذا خرج من بلاد المسلمين حتى يصل إلى بلد يأمن فيه"٢"، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦] .
_________________
(١) قسم محايد. فهؤلاء لا مانع من الإعراض عنهم في بعض الأزمنة إذا رأى ولي الأمر المصلحة في ذلك. وينظر: تفسير البغوي، وتفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير، وتفسير الشوكاني للآية ٩٠ من النساء، مقدمة د. عبد الله الطريقي لرسالة "المذمة في استعمال أهل الذمة" ص٨، اختلاف الدارين ص١٣٧-١٣٩. "١" مراتب الإجماع ص١٣٩، بداية المجتهد ١/٣٨١ - ٣٨٩، بدائع الصنائع ٧/١٣٠، اختلاف الدارين ص١٤١، ١٤٢. "٢" تفسير الجصاص، وتفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير، وتفسير الألوسي للآية ٦ من التوبة، المغني ١٣/١٥٩، ٢٥٠، الفروق "الفرق ١١٩"، الوجيز ٢/٢٠١، ٢٠٢، اختلاف الدارين ص١٢٣، ١٢٤، ١٢٩، ١٣٠.
[ ٦٠٠ ]
٢- العدل عند الحكم فيهم وعند الحكم بينهم وبين المسلمين وبين بعضهم بعضًا عند وجودهم تحت حكم المسلمين"١"، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٨]، ومعنى الآية: لا يحملنكم بغض قوم على أن لا تعدلوا عند الحكم فيهم أو بينهم وبين غيرهم، بل اعدلوا، فإن العدل أقرب إلى تقوى الله تعالى"٢"، والعدل إنما يكون بالحكم بما جاء في كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ.
٣- دعوتهم إلى الإسلام، فإن دعوة الكفار فرض كفاية على
_________________
(١) "١" مصنف عبد الرزاق ١١/٣٢١ - ٣٢٤، المغني ١٣/٢٥٠، الوجيز ٢/٢٠١، ٢٠٢، الشرح الكبير مع الإنصاف ١٠/٤٩١ - ٤٩٣، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز ٣/١٠٢٧ - ١٠٣٥. "٢" تنظر: قصة عبد الله بن رواحة وعدله في اليهود لما عدل بينهم وبين النبي ﷺ في قسم ثمر خيبر، وكانوا أرادوا أن يرشوه، فقال لهم: "يا أعداء الله تطعموني السحت، والله لأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه -يعني النبي ﷺ - على أن لا أعدل عليكم". فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. وقد رواها ابن حبان في صحيحه "٥١٩٩" وغيره، وهي قصة ثابتة، وقد توسعت في تخريجها في رسالة "اليهود" تحت رقم "١٢٨، ١٣٢".
[ ٦٠١ ]
المسلمين، وذلك لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ولإخراجهم من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق جل وعلا، وإن زار أو عاد المسلم كافرًا من أجل دعوته فحسن"١"، فقد عاد النبي ﷺ غلامًا يهوديًا في مرضه، ودعاه إلى الدخول في الإسلام، فأسلم. رواه البخاري"٢".
٤ - يحرم إكراه اليهود والنصارى والمجوس على تغيير أديانهم، قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] "٣".
٥- يحرم على المسلم أن يعتدي على أحد من الكفار غير الحربيين في بدنه بضرب أو قتل أو غيرهما"٤"، فقد روى البخاري عن عبد الله بن
_________________
(١) "١" مصنف عبد الرزاق ٦/٣٤ - ٣٦، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز ٣/١٠٣٩، ١٠٤٧، ١٠٥١. "٢" صحيح البخاري "١٣٥٦". "٣" وفي غير اليهود والنصارى والمجوس خلاف. ينظر: تفسير هذه الآية في تفاسير ابن جرير والقرطبي وابن كثير والشوكاني والسعدي، بداية المجتهد ٢/٣٨٩، ٤٠٤، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف ١٠/٣٩٣ - ٣٩٩. "٤" ينظر: الوجيز ٢/٢٠١، ٢٠٢، الزواجر "الكبيرة ٤٠٣: قتل أو غدر أو ظلم من له أمان أو ذمة أو عهد"، مواهب الجليل ٣/٣٦٠، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز ٣/١٠٣٩، ١٠٤٧، اختلاف الدارين ص١٢٣، ١٢٤، ١٣٠.
[ ٦٠٢ ]
عمرو مرفوعًا: " من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا " "١"، وروى الإمام أحمد والنسائي عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: " من قتل رجلًا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة " "٢".
٦ - يحرم على المسلم أن يغش أحدًا من الكفار غير الحربيين في البيع أو الشراء، أو أن يأخذ شيئًا من أموالهم بغير حق، ويجب عليه أن يؤدي إليهم أماناتهم"٣"، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة " "٤".
_________________
(١) "١" صحيح البخاري: الجزية والموادعة "٣١٦٦"، وروى مسلم في صحيحه "٢٦١٣" عن هشام بن حكيم بن حزام أنه مر على أناس من الأنباط في الشام قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية، فقال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ". "٢" رواه أحمد ٤/٢٣٧، و٥/٣٦٩، والنسائي "٤٧٦٣" وإسناده صحيح. وصححه شيخنا عبد العزيز بن باز في بعض دروسه، والألباني في غاية المرام "٤٥٠". "٣" ينظر المراجع السابقة قبل تعليقين، وينظر مصنف عبد الرزاق كتاب أهل الكتاب: ما يحل من أموال أهل الذمة ٦/٩١ - ٩٤، فتاوى اللجنة الدائمة ٢/٧٣. "٤" رواه أبو داود "٣٠٥٢"، والبيهقي ٩/٢٠٥ بأسانيد كثيرة، يقوي بعضها بعضًا، فهو حديث صحيح. وقد قوى إسناده العراقي والسخاوي، وله شواهد كثيرة.
[ ٦٠٣ ]
٧- يحرم على المسلم أن يسيء إلى أحد من الكفار غير الحربيين بالقول، ويحرم الكذب عليهم، لعموم قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] "١"، بل ينبغي له أن يلين القول لهم، وأن يخاطبهم بكل ما هو من مكارم الأخلاق مما ليس فيه إظهار للمودة وليس فيه تذلل لهم ولا إيثار من المسلم لهم على نفسه"٢".
٨- يجب إحسان الجوار لمن كان له جار من الكفار غير الحربيين بكف
_________________
(١) "١" ينظر: فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز ٣/١٠٤٧. "٢" قال القرافي المالكي في الفروق: الفرق ١١٩ بين قاعدة برِّ أهل الذمة وبين قاعدة التودد لهم ٣/١٥: "أما ما أمر به من برهم من غير مودة باطنية: فالرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف بهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال إذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفًا منا بهم لا خوفًا وتعظيمًا، والدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم جميع حقوقهم، وكل خير يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله ومن العدو أن يفعله مع عدوه فإن ذلك من مكارم الأخلاق"، وينظر: فتاوى اللجنة الدائمة ٢/٢١، ٤٣، ٦٢.
[ ٦٠٤ ]
الأذى عنه، ويستحب أن يحسن إليه بالصدقة عليه إن كان فقيرًا، وأن يهدي إليه، وأن ينصح له فيما ينفعه"١" لعموم قوله ﷺ: " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ". متفق عليه"٢".
٩- يجب على المسلم أن يرد السلام على الكافر، فإذا سلم على المسلم بقول: "السلام عليكم" وجب على المسلم أن يرد عليه بقوله: " وعليكم " فقط، لقوله ﷺ: " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم ". متفق عليه"٣". لكن لا يجوز أن يبدأ الكافر بالسلام عليه،
_________________
(١) ينظر: المقاصد الحسنة، رقم "١٠٤٤"، السلسلة الصحيحة، رقم "٤٤٥". "١" ينظر: التعليق السابق، وينظر: قصة إهداء عبد الله بن عمرو - ﵄ - لجاره اليهودي واستدلاله بالحديث الآتي في سنن الترمذي "١٩٤٣"، وقد توسعت في تخريجه في رسالة اليهود تحت رقم "١٢٩"، وينظر: فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز ٣/١٠٤٠، ١٠٤٧، ١٠٥٦. "٢" صحيح البخاري "٦٠١٥"، وصحيح مسلم "٢٦٢٥". "٣" صحيح البخاري "٦٢٥٨"، وصحيح مسلم "٢١٦٣" من حديث أنس. وروى البخاري "٦٢٥٧"، ومسلم "٢١٦٤" عن ابن عمر مرفوعًا: " إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم. فقولوا: وعليكم ". وبعض أهل العلم يرون أن يرد على الكافر السلام بمثل ما قال، لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، وقالوا: إن هذا الحديث وارد في حق اليهود الذين كانوا يقولون: "السام عليكم" ويقصدون بـ"السام": الموت، قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة ١/١٥٧: "العدل في
[ ٦٠٥ ]
لقوله ﷺ: " لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام ". رواه مسلم"١".
ويجوز للمسلم أن يتلطف بالكافر، فيناديه بكنيته، ويسأله عن حاله
_________________
(١) التحية يقتضي أن يرد عليه نظير سلامه". وينظر في هذه المسألة أيضًا: مصنف عبد الرزاق كتاب أهل الكتاب ٦/١٠ - ١٣، ١١٧، وكتاب أهل الكتابين ١١/٣٧٢، المصنف لابن أبي شيبة كتاب الأدب فصل في أهل الذمة يبدأون بالسلام ٨/٤٣٨ - ٤٤٠، وفصل في رد السلام على أهل الذمة ٨/٤٤٢-٤٤٤، تفسير ابن جرير "تفسير الآية ٨٦ من النساء"، فتح الباري: الاستئذان باب التسليم في مجلس فيه أخلاط، والبابان بعده ١١/٣٩ - ٤٦، الشرح الكبير مع الإنصاف ١٠/٤٥٢ - ٤٥٤، وينظر التعليق الآتي. "١" صحيح مسلم "٢١٦٧"، وتتمة الحديث: " فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه "، قال أهل العلم: المراد: أن لا يوسع لهم في الطريق بحيث يضيِّق على نفسه، فلا يؤثرهم على نفسه ويجعلهم في منزلة أعلى منه، أما أذاهم في الطريق أو غيره فهو محرم. ينظر: شرح النووي ١٤/١٤٧، شرح الطيبي ٩/١١، أحكام أهل الذمة ١/٢١٨، إكمال المعلم ٥/٤٣٥، ٤٣٦، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٢/٣٩. وقال شيخنا محمد بن عثيمين كما في المرجع السابق ٣/٣٤، ٣٨: "ولا يجوز كذلك أن يبدؤا بالتحية كأهلًا وسهلًا وما أشبهها؛ لأن في ذلك إكرامًا لهم وتعظيمًا لهم، ولكن إذا قالوا لنا مثل هذا فإننا نقول لهم مثل ما يقولون؛ لأن الإسلام جاء بالعدل وإعطاء كل ذي حق حقه وإذا مد يده إليك للمصافحة فمد يدك إليه وإلا فلا تبدأ"، وينظر ٣/٤١، ٤٧ من هذا المرجع
[ ٦٠٦ ]
وحال أولاده، ويهنئه بمولود ونحوه، ويبدأه بالتحية ك"أهلًا" ونحوها إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك، كترغيبه في الإسلام، وإيناسه بذلك ليقبل الدعوة إلى الإسلام ويستمع لها"١"، أو كان في ذلك مصلحة للمسلم بدفع ضرر عنه أو جلب مصلحة مباحة له، ونحو ذلك"٢".
كما يجوز للمسلم أن يعزِّي الكافر في ميَّته إذا رأى مصلحة شرعية في ذلك، لكن لا يدعو لميتهم بالمغفرة؛ لأنه لا يجوز الدعاء لموتى الكفار بالرحمة والمغفرة"٣".
وعلى وجه العموم فإنه يجوز للمسلم أن يتلطف بالكافر بالقول وبالفعل الذي ليس فيه إهانة للمسلم عند وجود مصلحة شرعية في
_________________
(١) "١" ينظر: مصنف عبد الرزاق ٦/٤٢، ١٢٢، و١١/٣٩١، المغني ١٣/٢٥١، الفروع ٦/٢٦٩ - ٢٧٢، أحكام أهل الذمة ١/١٦١، ١٦٢، الشرح الكبير مع الإنصاف ١٠/٤٥٣ - ٤٥٧، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز ٣/١٠٤٠ - ١٠٤٢، فتاوى اللجنة الدائمة ٣/٣١٢، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٣/٣٤ - ٣٧. "٢" الفتح: الاستئذان باب من لم يسلم على من اقترف ذنبًا ١١/٤١، الفروع ٦/٢٧١، شرح النووي لصحيح مسلم ١٤/١٤٤، ١٤٥، فتاوى اللجنة الدائمة ٣/٣١٢، الولاء والبراء ص٣٥٩ - ٣٦٣، الموالاة والمعاداة ٢/٧٢٥ - ٧٣٧، وينظر كلام الألوسي الآتي عند الكلام على بر الكافر بالهدية - إن شاء الله تعالى-. "٣" تنظر المراجع المذكورة في التعليقين السابقين.
[ ٦٠٧ ]
ذلك"١".
_________________
(١) "١" قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء ١/٤٢٠، ٤٢١: "إن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد، وإلزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا، شرع ذلك. ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمورهم، لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد. فأما في دار الإسلام والهجرة، التي أعزّ الله فيها دينه، وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية، ففيها شرعت المخالفة. وإذا ظهر أن الموافقة والمخالفة تختلف لهم باختلاف الزمان والمكان ظهرت حقيقة الأحاديث في هذا". وقال الحافظ ابن القيم في أحكام أهل الذمة: فصل: قالوا: لا نتكنى بكناهم ٢/١٨٨: "مدار هذا الباب وغيره مما تقدم على المصلحة الراجحة، فإن كان في كنيته وتمكينه من اللباس وترك الغيار - أي تركه يلبس ما يريد ولا يُلزم بأن تغاير ثيابه ثياب المسلمين - والسلام عليه أيضًا ونحو ذلك تأليفًا له ورجاء إسلامه وإسلام غيره كان فعله أولى كما يعطيه من مال الله لتألفه على الإسلام، فتألفه بذلك أولى، ومن تأمل سيرة النبي ﷺ وأصحابه في تأليفهم الناس على الإسلام بكل طريق تبين له حقيقة الأمر وعلم أن كثيرًا من هذه الأحكام التي ذكرناها من
[ ٦٠٨ ]
ويدل على جواز ذلك قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، والتقيَّة إظهار الموالاة مع إبطان البغض والعداوة لهم"١"، وعليه فيحرم أن يتكلم معهم بكلام يقصد به الموادة لهم - أي كسب محبتهم - من غير تحقيق مصلحة شرعية"٢".
وهناك أمور يباح أو يستحب للمسلم أن يتعامل بها مع الكفار، منها:
١- يجوز استعمالهم واستئجارهم في الأعمال التي ليس فيها ولاية
_________________
(١) الغيار وغيره تختلف باختلاف الزمان والمكان والعجز والقدرة والمصلحة والمفسدة". "١" ينظر: تفسير هذه الآية في تفاسير ابن جرير والبغوي والجصاص، صحيح البخاري مع شرحه لابن حجر: أول كتاب الإكراه ١٢/٣١١ - ٣١٤، الدواهي المدهية ص٩٢ - ٩٩، وينظر قول الألوسي الآتي عند الكلام على برِّ الكافر بالهدية -إن شاء الله تعالى-. "٢" قال شيخنا محمد بن عثيمين كما في مجموع فتاويه ٣/٤٣: "كل كلمات التلطف التي يقصد بها الموادة لا يجوز للمؤمن أن يخاطب بها أحدًا من الكفار، وكذلك الضحك إليهم لطلب الموادة بينهم لا يجوز"، كما لا يجوز للمسلم أن يشيع جنائز الكفار، إلا أن يكون الميت من أقاربه. ينظر: أحكام أهل الذمة ١/١٥٩، ١٦٠، والمرجع السابق ٣/٤٠.
[ ٦٠٩ ]
على مسلم وليس فيها نوع استعلاء من الكافر على المسلم، فيجوز أن يعمل عند المسلم في صناعة أو بناء أو في خدمة، فقد استأجر النبي ﷺ عبد الله بن أريقط في الهجرة"١"، واستعمل يهود خيبر في أرضها ليزرعوها ولهم نصف ما يخرج منها"٢"، أما الأعمال التي فيها ولاية على المسلمين أو فيها اطلاع على أخبارهم فلا يجوز توليتهم إياها"٣" "٤".
_________________
(١) "١" رواه البخاري "٢٢٦٣". "٢" رواه البخاري "٢٢٨٥"، ومسلم "١٥٥١". "٣" وعليه فلا يجوز أن يعمل كاتبًا يصرف أمور المسلمين أو يطلع على أخبارهم، ولا قابضًا للأموال منهم ولا مصرفًا لشيء من أمور المسلمين. وينظر: مصنف عبد الرزاق ٦/١٠٨، ١٠٩، صحيح البخاري مع الفتح: الإجارة باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام ٤/٤٤٢، المذمة في استعمال أهل الذمة لابن النقاش، مختصر الفتاوى المصرية ص٥١٢، ٥١٣، النهي عن الاستعانة والاستنصار في أمور المسلمين بأهل الذمة والكفار للورداني ص٩٩ - ١١٠، القول المبين ص٩٧ - ١٠٠، التدابير الواقيه من التشبه بالكفار ٢/٥٦٠ - ٥٧١. "٤" ينظر ما سبق عند النوع السابع من الولاية المحرمة، وقال الحافظ ابن القيم في أحكام أهل الذمة ١/١٨٧: "ولما كانت التولية - أي توليتهم تصريف أمر من أمور المسلمين - شقيقة الولاية كانت توليتهم نوعًا من توليهم وقد حكم تعالى
[ ٦١٠ ]
٢- يستحب للمسلم الإحسان إلى المحتاج من الكفار، كالصدقة على الفقير المعوز منهم، وكإسعاف مريضهم"١"، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ولعموم حديث " في كل كبد رطبة أجر" رواه البخاري ومسلم "٢".
٣- تستحب صلة القريب الكافر، كالوالدين والأخ بالهدية والزيارة ونحوهما، لكن لا يتخذه المسلم جليسًا، وبالأخص إذا خشيت فتنته وتأثيره على دين المسلم، قال الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقال تعالى في حق الوالدين: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا
_________________
(١) بأن من تولاهم فإنه منهم، ولا يتم الإيمان إلا بالبراء منهم، والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع البراءة والولاية أبدًا، والولاية إعزاز فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبدًا، والولاية وصلة، فلا تجامع معاداة الكفار أبدًا". "١" ينظر: آخر الأموال لأبي عبيد ص٧٢٧-٧٢٩، ومجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز ابن باز ٣/١٠٢٢، ١٠٤٧، مجموع فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٣/٤٤، وينظر: ما سبق نقله عن الفروق للقرافي عند الكلام على تحريم أذى الكفار بالكلام ونحوه. "٢" صحيح البخاري "٢٣٦٣"، وصحيح مسلم "٢٢٤٤".
[ ٦١١ ]
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥] "١".
٤- يجوز برهم بالهدية ونحوها لترغيبهم في الإسلام، أو في حال دعوتهم، أو لكف شرهم عن المسلمين، أو مكافأة لهم على مسالمتهم للمسلمين وعدم اعتدائهم عليهم، ليستمروا على ذلك، أو لما يشبه هذه الأمور من المصالح الشرعية، قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، والبر هو: الاحسان إليهم بالمال
_________________
(١) "١" وفي معنى هذه الآية: الآية "٨" من سورة العنكبوت، وينظر: مصنف عبد الرزاق كتاب أهل الكتاب ٦/٣٣ - ٣٦، وكتاب أهل الكتابين ١١/٣٥٢، ٣٥٣، أحكام أهل الذمة ١/١٥٨، مجموع فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٣/١٨. وقد روى البخاري في الهبة باب الهدية للمشركين "٢٦٢٠"، ومسلم "١٠٠٣" أن النبي ﷺ أمر أسماء بنت أبي بكر أن تصل أمها، وهي مشركة. وروى البخاري في الباب السابق "٢٦١٩"، ومسلم "٢٠٦٨" أن عمر بن الخطاب أهدى إلى أخيه حلة وهو مشرك، وذلك في عهد النبي ﷺ، وثبت في صحيح البخاري "١٠٢٠، ٤٨٢١، ٤٨٢٢" أن النبي ﷺ دعا لقريش لما أصابهم الجهد وذكَّره أبو سفيان بأنه يأمر بصلة الرحم، فسقوا الغيث سبعة أيام متواصلة، فشكا الناس كثرة المطر، فقال: " اللهم حوالينا ولا علينا ".
[ ٦١٢ ]
أو غيره، والقسط هو: العدل"١""٢"، أما إذا كانت الهدية من باب الصداقة أو المحبة ونحوهما فهي محرمة.
٥- يستحب إكرامه عند نزوله ضيفًا على المسلم"٣"، كما يجوز
_________________
(١) "١" قال العلَاّمة محمود الألوسي في تفسيره روح المعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]: "وعدَّ قوم من باب التقية مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة الكلام لهم والتبسم في وجوههم والانبساط معهم وإعطاءهم لكف أذاهم وقطع ألسنتهم وصيانة العرض منهم، ولا يعد ذلك من باب الموالاة المنهي عنها، بل هو سنة وأمر مشروع". وينظر: مختصر التحفة الاثني عشرية ص٣١٧، ٣١٨ للألوسي أيضًا، وإرشاد أولي الألباب ص٥٤ - ٦٠. "٢" ينظر: تفسير ابن كثير لهذه الآية، وقد استدل الحافظ ابن كثير على تفسير القسط بالعدل بالحديث الذي رواه مسلم "١٨٢٧" عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " وينظر: تفسير هذه الآية في تفسير الطبري، وتفسير البغوي، وتفسير الجصاص، وتفسير ابن العربي، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز ص١٠٢٢، الإرشاد للفوزان ص٢٨٦، ٢٨٧، التدابير الواقيه من التشبه بالكفار ٢/٤٥٢ - ٤٦١، وينظر ما سبق نقله من الفروق للقرافي عند الكلام على تحريم أذى الكفار بالكلام. "٣" يدل لهذا عموم النصوص التي فيها الأمر بإكرام الضيف، وينظر: أحكام أهل الذمة ص١٩٤ - ٢٠٠.
[ ٦١٣ ]
أن ينزل المسلم ضيفًا على الكافر"١"، لكن لا يجوز إجابة المسلم لدعوته، لما في ذلك من الموادة له"٢".
٦- يجوز الأكل العارض معهم، من غير أن يتخذ المسلم الكافر صاحبًا وجليسًا وأكيلًا، فيجوز أن يأكل مع الكافر في وليمة عامة، أو وليمة عارضة، وأن يأكل مع خادمه الكافر"٣"، أو في حال كون الكافر ضيفًا عند المسلم أو إذا نزل المسلم ضيفًا عند الكافر، من غير قصد التحبب إليه بذلك، ومن غير قصد للاستئناس به، أما إن جالسه بقصد التحبب إليه من غير تحقيق مصلحة شرعية، أو جالسه
_________________
(١) "١" ويدل لهذا: حديث أبي سعيد الذي سبق في الرقى في الباب السابق ونصوص أخرى تنظر في المرجع السابق. "٢" قال في الدواهي المدهية ص٥٩ نقلًا عن الشيخ عبد الباقي المالكي: "وقال ابن عرفة: الأصوب أو الواجب عدم إجابته - أي الكافر- إذا دعا مسلمًا لوليمة؛ لأن في إجابته إعزازًا له، والمطلوب إذلاله. وقال ابن رشد: الأحسن أن لا يجيب النصراني في ختان ابنه لاسيما إذا كان ممن يقتدى به، لما فيه من التودد إلى الكفار"، وينظر ما سبق عند الكلام على الأمر الثامن من مظاهر الولاء المحرم غير الكفري. "٣" ينظر: مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز ٣/١٠٣٩، ١٠٤٠، ١٠٤٥، ١٠٥٤.
[ ٦١٤ ]
للاستئناس به فذلك محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب"١".
٧- يجوز التعامل معهم في الأمور الدنيوية التي هي مباحة في دين الإسلام، فقد عامل النبي ﷺ اليهود وبايعهم واشترى منهم"٢"، كما يجوز للمسلم أن يأخذ عنهم وأن يتعلم منهم ما فيه منفعة للمسلمين من أمور الدنيا مما أصله مباح في دين الإسلام، وقد يكون ذلك مستحبًا أو واجبًا"٣"، وقد ثبت أن النبي ﷺ جعل فداء بعض أسرى بدر ممن لم يكن عنده فداء من المال تعليم أولاد الأنصار الكتابة"٤".
٨- يجوز للمسلم أن يتزوج بالكافرة الكتابية فقط إذا كانت
_________________
(١) "١" ينظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر "الكبيرة ٤٤١". "٢" ومن ذلك ما رواه البخاري "٢٠٦٨"، ومسلم "١٦٠٣" عن عائشة قالت: اشترى النبي ﷺ من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه درعًا له من حديد. وينظر: أحكام أهل الذمة ١/٢٠٤، القول المبين ص٨١ - ٨٤، فتاوى اللجنة الدائمة ٢/٤٣، و٣/٣٠٣، ٣٠٤، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز ٣/١٠٣٩، ١٠٤٠. "٣" ينظر: رسالة "من تشبه بقوم فهو منهم" ص٢١، ورسالة "مخالفة الكفار"ص٢٣، ورسالة "السنن والآثار في النهي عن التشبه بالكفار" ص٥٨ - ٦٨، ورسالة "التدابير الواقية من التشبه بالكفار"ص٥٦٣ - ٥٦٥. "٤" رواه الإمام أحمد "رقم ٢٢١٦ تحقيق شاكر" بإسناد حسن.
[ ٦١٥ ]
عفيفة عند الأمن من ضررها على الدين والنفس والأولاد"١"، قال الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والمحصنة هي العفيفة عن الزنى، وإن كان الأولى للمسلم أن لا يتزوج بكافرة؛ لأن ذلك أسلم له ولذريته"٢"، ولذلك عاتب عمر بن الخطاب ﵁ بعض من تزوج
_________________
(١) "١" ينظر المراجع الآتية بعد تعليقين. "٢" قال في الشرح الكبير ٢٠/٣٤٨: "لأنه ربما مال إليها قلبه، ففتنته، وربما كان بينهما ولد، فيميل إليها"، وقال الشيخ محمد حسنين مخلوف في القول المبين في حكم المعاملة بين الأجانب والمسلمين ص١٠٦، ١٠٧: "إن كان الميل القلبي إلى غير المسلم وموادته لا من حيث دينه وعقيدته بل لقرابة أو مودة حادثة لأسباب اقتضتها ميلًا طبيعيًا خارجًا عن حد القصد والاختيار كميل الصائم في اليوم القائظ إلى جرعة من الماء البارد، وكالميل إلى الصور الجميلة والأشكال الرائعة، فذلك معفو عنه لخروجه عن حد القصد والاختيار، والمنهي عنه شرعًا من الموالاة: الميل القلبي والانعطاف النفسي الذي يدخل تحت طاقة التكاليف دون الميل الطبيعي الذي تقتضيه وسائله الضرورية ولا صلة له أصلًا بالدين والعقيدة. ومن ذلك ميل الزوج المسلم إلى زوجته غير المسلمة فهو معفو عنه. نعم يجب أن لا يبلغ هذا الميل القلبي مبلغ الإيثار، لأنه قد يدفع إلى استحسان طريقته، والرضا بديانته وعقيدته وذلك كفر بواح. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ والتوسع في الميل إلى هذا
[ ٦١٦ ]
بكافرة، وأمره أمر ندب بطلاقها"١".
أما بقية الكافرات غير الكتابيات فلا يجوز للمسلم أن يتزوج بواحدة منهن بإجماع أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فإن تزوج بها فالنكاح باطل"٢".
_________________
(١) الحد لا شك أنه يجر إلى بلاء عظيم. وكذلك يجب أن لا يفضي الميل إلى تملق وتَزلفٍ وانقياد وخضوع قولًا أو عملًا، لأن في ذلك ذلة وهوانا لا يليقان ممن أعزه اللَّه بالإسلام". "١" ينظر: سنن سعيد بن منصور: النكاح ١/١٩٣، ١٩٤، مصنف عبد الرزاق ٦/٧٨، ٧٩، ٨٤، تفسير ابن جرير لآية "٢٢١" من البقرة ٤/٣٦٦، ٣٦٧، سنن البيهقي ٧/١٧٢. "٢" وفي نكاح المجوسية ومن يزعم التمسك بصحف إبراهيم وشيت وزبور داود خلاف عن أفراد من أهل العلم والصواب تحريمه وبطلانه، أما بقية الكافرات فلا خلاف في تحريم نكاحهن، وبطلانه عند وقوعه. ينظر الشرح الكبير مع الإنصاف ٢٠/٣٤٩، ٣٥٠، ٣٥٥، تفسير ابن جرير، وتفسير ابن العربي، وتفسير الجصاص، وتفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير، وتفسير الشوكاني لهذه الآية وللآية الخامسة من سورة المائدة، سنن البيهقي ٧/١٧٠ – ١٧٣، أحكام أهل الذمة ١/٢٢٨، ٣٠٢ – ٣١٣، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع الطيار ٣/١٠٥٠"، فتاوي اللجنة الدائمة ٣/٢٩٩، ٣٠٠، اختلاف الدارين ص١٦١ – ١٧٨.
[ ٦١٧ ]
أما المسلمة فلا يجوز لأي كافر كتابي أو غيره أن يتزوج بها بإجماع المسلمين"١".
٩ – يجوز للمسلمين أن يستعينوا بالكفار في صد عدوان على المسلمين، وذلك بشرطين أساسيين:
الأول: الاضطرار إلى إعانتهم"٢".
الثاني: الأمن من مكرهم وضررهم، بحيث يكونون جنودًا مرؤوسين عند المسلمين، وتحت إشرافهم ومتابعتهم بحيث لا يمكن أن يحصل منهم أي ضرر على المسلمين"٣".
_________________
(١) "١" حكى هذا الإجماع ابن جرير في تفسير الآية السابقة ٤/٣٦٧. "٢" وقد حمل بعض أهل العلم قوله ﷺ للمشرك الذي أراد الاشتراك معه في الغزو " ارجع فلن استعين بمشرك " رواه مسلم "١٨١٧" على أن ذلك كان في حال عدم الحاجة إليه، وقال بعض أهل العلم: إنه منسوخ، لأنه ﷺ استعان ببعض المشركين في غزوة حنين، كصفوان بن أمية. وأيضًا روى ابن أبي شيبة ١٢/٣٩٥ بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص أنه غزا بقوم من اليهود فرضخ لهم. وتنظر أكثر المراجع الآتية. "٣" ينظر: مشكل الآثار ٦/٤٠٧ – ٤١٩، مصنف عبد الرزاق ٥/١٨٨، السنن الكبرى للبيهقي ٩/٣٧، المحلى: المسألة ٩٥٣، ج٧ ص٣٣٤، تفسير الآية ١٤٤ من النساء وتفسير الآية ٥١ من المائدة في تفسيري ابن العربي والجصاص المغني ١٣/٩٨، ٩٩، النهي عن الاستعانة والاستنصار بأهل الذمة ص١١١ –
[ ٦١٨ ]
١٠– يجوز للمسلم أن يذهب إلى الطبيب الكافر للعلاج إذا وثق به"١".
١١– يجوز دفع الزكاة إلى المؤلفة قلوبهم من الكفار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] "٢".
١٢– يجوز للمسلم أن يشارك الكافر في التجارة، لكن بشرط أن
_________________
(١) ١١٦، فتح الباري: الجهاد باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر ٦/١٧٩، ١٨٠ القول المبين لحسنين مخلوف ص٨٩ – ٩٧، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز ابن باز ٣/١٠٥٨ – ١٠٦٥، الاستعانه بغير المسلمين للدكتور عبد الله الطريقي، التدابير الواقية عن التشبه بالمشركين ص٥٧٧ – ٥٨٨، هذا وإذا تخلف أحد الشرطين السابقين فإنه يحرم الاستعانة بهم، ولكن ذلك لا يصل إلى مرتبة الكفر، لأنه لم يستعن بهم محبة لهم، ولا رغبة في انتصار الكفار على المسلمين، وإنما ليعينوا بعض المسلمين على من عاداهم من المسلمين. "١" قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مختصر الفتاوى المصرية ص٥١٦: "وإذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب ثقة عند الإنسان جازله أن يستطبه، كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله، وقد استأجر رسول الله ﷺ رجلًا مشركًا لما هاجر" وينظر: الاستيعاب "مطبوع بهامش الإصابة: ترجمة الحارث بن الحارث بن كلدة ١/٢٨٩"، مجموع الفتاوى ٤/١١٤، بدائع الفوائد ٣/٢٠٨، التدابير الواقيه من التشبه بالكفار ٢/٥٦٢، ٥٦٣. "٢" ينظر: تفسير هذه الآية في تفسير ابن جرير، وتفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير، وتفسير الشوكاني، الشرح الكبير مع الإنصاف: ٧/٢٣١ – ٢٣٦، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز " جمع الطيار ٣/١٠٤١ ".
[ ٦١٩ ]
يلي المسلم أمرها أو يشرف عليها، لئلا يقع في تعامل محرم عند إشراف غير المسلم على هذه التجارة وتصريفه لها "١".
١٣ – يجوز قبول الهدية من الكافر، إذا لم يكن فيها إذلال للمسلم ولا موالاة منه للكافر"٢" فقد قبل النبي ﷺ الهدية من أكثر من مشرك"٣"، لكن إن كانت هذه الهدية بمناسبة عيد من أعياد الكفار فينبغي عدم قبولها"٤".
١٤– يجوز للمسلم أن يعمل عند الكافر، ويجوز أن يعمل في عمل
_________________
(١) "١" ينظر: أحكام أهل الذمة ١/٢٠٥. "٢" قال الشيخ محمد حسنين مخلوف في القول المبين ص٨١: "الاستعانه بغير المسلمين فيما فيه مصلحة دينية أو دنيوية للمسلمين إن كانت بأموالهم ولم تشبها شائبة الإذلال والولاية منهم المنهي عنهما فلا خلاف في جوازها ". أ. هـ مختصرًا. وينظر: صحيح البخاري مع الفتح: الهبه باب قبول الهدية من المشرك ٦/٢٣٠، ٢٣١، فتاوى اللجنة الدائمة ٢/٤٣، و٣/٣٠٣. "٣" روى البخاري "١٤١٨" أن النبي ﷺ قبل هدية ملك إيلة، وروى البخاري "٢٦١٦"، ومسلم "٢٤٦٩" أن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ﷺ حلة. وينظر: الفتح ٣/٣٤٥، ٣٤٦، جامع الأصول ١١/٦١٠ – ٦١٤. "٤" ففي جواز قبولها حينئذ خلاف بين أهل العلم، وإن كان الكافر يعتقد أن المسلم إذا قبل هديته بهذه المناسبة أنه راض عن عمله هذا فيحرم قبولها. وينظر: فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٣/٣٣.
[ ٦٢٠ ]
يديره بعض الكفار، لكن لا يجوز أن يعمل في خدمة الكافر الشخصية، لما في ذلك من إذلال نفسه له "١".
_________________
(١) "١" وقد رعى الأنبياء ﵈ الغنم للكفار، وعمل بعض الصحابة كصهيب وغيره في مكة لبعض الكفار. وينظر: صحيح البخاري مع الفتح: الإجارة باب استئجار المشركين ٤/ ٤٤٢، وباب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك ٤/ ٤٥٢، أحكام أهل الذمة ١/ ٢٠٧ - ٢١٣، مجموع فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٣/ ٣٨، الموالاة والمعاداة ٢/ ٨٧٥، التدابير الواقية من التشبه بالكفار ص ٥٧٢ - ٥٧٧.
[ ٦٢١ ]