الوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر
مدخل
الفصل الأول: الوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر
لما كان الشرك الأكبر أعظم ذنب عُصي اللهُ به؛ حرَّم الله ورسوله ﷺ كل قول أو فعل يؤدي إليه، أو يكون سببًا في وقوع المسلم فيه.
فالرسول ﷺ كان حريصًا على هداية أمته، وسلامتها من كل ما يكون سببًا في هلاكها، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٢٨] .
وقال أبو ذر ﵁: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علمًا. قال: وقال رسول الله ﷺ:" ما بقي شيء يقرّب من الجنة ويباعد من النار إلا بين لكم ""١".
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال:" إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يحجزهن، ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا
_________________
(١) "١" رواه الطبراني في الكبير "١٦٤٧" بإسناد حسن، وقد توسعت في تخريجه في رسالة "الأجل في القرض" ص٦٢،٦٣.
[ ٢٧٣ ]
آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقحّمون فيها " رواه البخاري ومسلم"١".
فالرسول ﷺ حمى جناب التوحيد من كل ما يهدمه أو ينقصه حماية محكمة، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك ولو من بعيد؛ لأن من سار على الدرب وصل؛ ولأن الشيطان يزين للإنسان أعمال السوء، ويتدرج به من السيء إلى الأسوأ شيئًا فشيئًا حتى يخرجه من دائرة الإسلام بالكلية – إن استطاع إلى ذلك سبيلًا – فمن انقاد له واتبع خطواته خسر الدنيا والآخرة.
ولذلك لما عصى كثيرٌ من المسلمين نبيَّهم محمد بن عبد الله ﷺ بفعل بعض الأمور التي نهاهم عنها وحذرهم منها، واتبعوا خطوات الشيطان الذي زين لهم الباطل ودعاهم إليه حتى ظنوا أنهم على الحق مع مخالفتهم ومعصيتهم الصريحة للنبي ﷺ أدى بهم ذلك إلى الوقوع في الشرك الأكبر المخرج من الملة.
وسأبيِّن – إن شاء الله – ثلاثًا من أهم الوسائل التي توصل إلى الشرك
_________________
(١) "١" صحيح البخاري: الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي "٦٤٨٣"، وصحيح مسلم: الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم "٢٢٨٤" من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث جابر، رواه مسلم "٢٢٨٥".
[ ٢٧٤ ]
وتوقع المسلم فيه، والتي حذر منها نبينا محمد ﷺ، في المباحث الآتية:
[ ٢٧٥ ]
المبحث الأول: الغلو في الصالحين
لقد حذر النبي ﷺ من الغلو على وجه العموم، فقال ﷺ:" إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو ""١".
وثبت أن الغلو في الصالحين كان هو أول وأعظم سبب أوقع بني آدم في الشرك الأكبر، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس - ﵄ – أنه أخبر عن أصنام قوم نوح أنها صارت في العرب، ثم قال:"أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا"٢" وسموها
_________________
(١) "١" رواه الإمام أحمد ١/٢١٥، والنسائي ٥/٢٦٨، وابن ماجه "٣٠٢٩"، وابن حبان في صحيحه "٣٨٧١" من حديث ابن عباس بإسناد صحيح. وقال النووي في المجموع ٨/١٢٧:"صحيح على شرط مسلم". ورواه الطبراني ١٨/٢٨٩، والبيهقي ٥/١٢٧ بإسناد حسن عن ابن عباس عن أخيه الفضل، وحسنه النووي في المجموع، ورواه الإمام أحمد ١/٣٤٧ عن ابن عباس أو أخيه الفضل. "٢" الأنصاب: جمع نصب، وهو كل ما ينصب من عصا أو حجر أو غيرهما لغرض ما، وكانت للعرب في الجاهلية أنصاب – وهي أحجار – كانوا ينصبونها ويذبحون عليها، فتحمر بالدم، وقيل: إنها أحجار كانوا ينصبونها ويتخذونها صنمًا يعبدونه. ينظر: عمدة القاري ١٩/٢٦٣، النهاية، مادة "نصب"، القول المفيد ١/٣٦٨.
[ ٢٧٥ ]
بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونُسخ العلم"١"، عُبدت""٢".
ولذلك ينبغي للمسلم أن يحذر من التساهل في هذا الباب؛ لئلا يؤدي به أو يؤدي بمن يراه أو يقلده أو يأتي بعده إلى الوقوع في الشرك الأكبر.
ومن أنواع الغلو المحرم في حق الصالحين والذي يوصل إلى الشرك:
أولًا: المبالغة في مدحهم، كما يفعل كثير من الرافضة، وقلدهم في ذلك كثير من الصوفية، وقد أدت هذه المبالغة بكثير منهم في آخر الأمر إلى الوقوع في الشرك الأكبر في الربوبية"٣"، وذلك باعتقاد أن بعض الأولياء
_________________
(١) "١" النسخ: تبديل الشيء بغيره. والمراد هنا: تبديل علم سبب نصب هذه الصور من تذكر أحوالهم إلى أنه من أجل عبادتهم. ينظر: تهذيب اللغة ٧/١٨٢، الفتح ٨/٦٦٩. "٢" صحيح البخاري: التفسير "٤٩٢٠". "٣" قال العلامة شكري الألوسي الحنفي:"وقد علمت أن الذي أوقع المشركين السابقين في شبكة الشرك هو غلوهم في المخلوق، وإثبات خصائص الألوهية لغير الله، كما هو ديدن غلاة زماننا"، وقال أيضًا:"الغلو في الأنبياء والرسل ﵈، والغلو في المخلوق أعظم سبب لعبادة الأصنام والصالحين، كما كان في قوم نوح من عبادة لنسر وسواع ويغوث ونحوهم، وكما كان من عبادة النصارى للمسيح ﵇"، ينظر: كتابا الألوسي: فتح المنان ص٤٧٧، ومسائل الجاهلية ص٧١ نقلًا عن جهود علماء الحنفية ص٨٢٤،٨٢٦، وينظر: التيسير والقول المفيد، باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين.
[ ٢٧٦ ]
يتصرفون في الكون، وأنهم يسمعون كلام من دعاهم ولو من بعد، وأنهم يجيبون دعاءه، وأنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب"١"، مع أنه ليس لديهم دليل واحد يتمسكون به في هذا الغلو، سوى أحاديث مكذوبة أو واهية ومنامات، وما يزعمونه من الكشف إما كذبًا، وإما من أثر تلاعب الشيطان بهم، وقد أدى بهم هذا الغلو إلى الشرك في الألوهية أيضًا، فدعوا الأموات من دون الله، واستغاثوا بهم، وهذا والعياذ بالله من أعظم الشرك"٢".
_________________
(١) "١" ومن هذا الغلو قول البوصيري في بردته يمدح النبي ﷺ: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم وهذا المدح لا مستند له من كتاب ولا سنة ولا قول صحابي، وإنما هو كذب محض ومعصية للنبي ﷺ الذي نهى عن إطرائه بالغلو في مدحه كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. والبوصيري ليس من أهل العلم أصلًا، وإنما هو شاعر برع في النظم، ومع ذلك تجد كثيرًا من الصوفية يرددون قصيدته هذه مع ما فيها من الغلو والشرك الصريح، فهم إن استمروا على ذلك ولم يتوبوا منه قد شاركوه في معاندة النبي ﷺ والاستهانة بسنته، وارتكاب نهيه. ينظر: شذرات الذهب ٧/٧٥٣،٧٥٤، الاستغاثة ١/٣٠٨، كشف الظنون ٢/١٠٣١-١٠٣٦، جهود الحنفية ص٦٩٦،٨٠٢. "٢" قال الشيخ شمس الدين الأفغاني في جهود علماء الحنفية ص٨٢٣،٨٢٤:"قال الإمام محمود الألوسي "١١٧٠هـ"، وتبعه ابنه نعمان الألوسي "١٣١٧هـ" وحفيده شكري الألوسي "١٣٤٢هـ"، والشيخ غلام الله الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن، والعلامة
[ ٢٧٧ ]
وقد حذَّر النبيُّ ﷺ من الغلو في مدحه ﵊، فقال:" لا تطروني كما أطرت"١" النصارى المسيح بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا:
_________________
(١) الرباطي، والعلامة الرستمي: وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: ٧٣] إلخ، إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله، حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون: إنهم وسائلنا إلى الله.. ورأيت كثيرًا منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعًا في قبورهم، وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف، قاتلهم الله ما أجهلهم وأكثر افتراءهم!! ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة. وعلماؤهم يقولون: إنما تظهر أرواحهم متشكلة، وتطوف حيث شاءت، وربما تشكلت بصورة أسد، أو غزال، أو نحوه، وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة، وكلام سلف الأمة، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى، وكذا لأهل النحل والدهرية، نسأل الله تعالى العفو والعافية". انتهى، وهذا النص موجود بحروفه في روح المعاني لمحمود الألوسي، تفسير الآية ٧٨ من سورة الحج ١٧/٢٠٢، وسيأتي مزيد بيان لتلاعب الشيطان بغلاة القبور ونحوهم في المبحث الثالث عند بيان حال من دعا الناس إلى الغلو في القبور - إن شاء الله تعالى -. "١" قال في لسان العرب، مادة"طرا":"أطرى فلان فلانًا إذا مدحه بما ليس فيه، ومنه حديث النبي ﷺ:" لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح. ."، وأطرى: إذا زاد في الثناء، والإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه".
[ ٢٧٨ ]
عبد الله ورسوله " رواه البخاري"١"، وإذا كان هذا في حقه ﷺ فغيره من البشر أولى أن لا يزاد في مدحهم، فمن زاد في مدحه ﷺ أو في مدح غيره من البشر فقد عصى الله تعالى، ومن دعا إلى هذا الغلو وأصر عليه بعد علمه بنهي النبي ﷺ فقد ردَّ سنته ﷺ، ودعا الناس إلى عدم اتباعه ﵊، وإلى اتباع وتقليد اليهود والنصارى في ضلالهم وغلوهم في أنبيائهم، والذي نهاهم الله تعالى عنه"٢".
والنبيُّ ﷺ له فضائل كثيرة ثابتة في كتاب الله تعالى وفي صحيح سنته ﵊"٣"، فهو ﵊ ليس في حاجة إلى أن يكذِب ويزوِّر الناسُ له فضائل صلوات ربي وسلامه عليه.
_________________
(١) "١" في أحاديث الأنبياء، باب "واذكر في الكتاب مريم" "٣٤٤٥". "٢" وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] . "٣" ومن فضائله ﷺ الثابتة في الكتاب والسنة أنه أفضل الخلق على الإطلاق، ورسول رب العالمين إلى جميع الثقلين، وعبد الله وخليله، وأفضل رسله وخاتمهم، أكرمه الله تعالى بعروجه إليه وتكليمه له بلا واسطة، وبالإسراء، والصلاة بالأنبياء، وكان أشجع الناس، وأجودهم صدرًا، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، وأتقاهم لله،
[ ٢٧٩ ]
_________________
(١) وأكثرهم له محبة، وأكثرهم منه خوفًا، وأحسن الناس خلقًا، فما من خلق كريم فاضل إلا وقد اتصف به وفاق الناس فيه، وكان أشرف الناس نسبًا، وأفصحهم لسانًا، وأحسنهم بيانًا، أوتي جوامع الكلم، قد شرح الله صدره، ورفع منزلته وذكره، وأوجب على من ذكره أو ذكر عنده أن يصلي عليه، ووعده إذا صلى عليه أن يصلي عليه جل وعلا عشرًا، وأوجب على جميع الثقلين طاعة أمره واجتناب نهيه، ووعد من أطاعه بالسعادة في الدارين، ومن عصاه بالشقاء فيهما، وأوجب عليهم محبته أكثر مما يحبون أنفسهم وأموالهم وأولادهم والناس أجمعين، وهو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأول شافع، وأول مشفع، وصاحب المقام المحمود - مقام الشفاعة يوم القيامة -، والحوض المورود، وصاحب الوسيلة - وهي أعلى منزلة في الجنة- وصاحب الكوثر - وهو نهر عظيم في الجنة -، وهو ﷺ حي في قبره حياة برزخية أفضل من حياة الشهداء إذ هو أفضل منهم بلا ريب، ومن قضى أكثر أوقاته في الصلاة عليه فاز بسعادة الدارين وكُفي همه وغمه، وغير ذلك كثير من فضائله الثابتة في الكتاب والسنة. ينظر: جامع الأصول، كتاب الفضائل ج٨، ومجمع الزوائد، كتاب علامات النبوة ج٨، والشفا لعياض، والدرر السنية ١/٢٣٠. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٧/٢٢٠:"والنبي ﷺ يجب علينا أن نحبه حتى يكون أحب إلينا من أنفسنا وآبائنا وأبنائنا وأهلنا وأموالنا، ونعظمه ونوقره ونطيعه باطنًا وظاهرًا، ونوالي من يواليه، ونعادي من يعاديه، ونعلم أنه لا طريق إلى الله إلا بمتابعته ﷺ، ولا يكون وليًا لله بل ولا مؤمنًا ولا سعيدًا ناجيًا من العذاب إلا من آمن به واتبعه باطنًا وظاهرًا. ولا وسيلة يتوسل إلى الله ﷿ بها إلا الإيمان به
[ ٢٨٠ ]
ثانيًا: تصوير الأولياء والصالحين
من المعلوم أن أول شرك حدث في بني آدم سببه الغلو في الصالحين بتصويرهم، كما حصل من قوم نوح ﵇، وقد سبق ذكر قول ابن عباس - ﵄ - في ذلك في مقدمة هذا المبحث"١".
_________________
(١) وطاعته. وهو أفضل الأولين والآخرين، وخاتم النبيين، والمخصوص يوم القيامة بالشفاعة العظمى التي ميزه الله بها على سائر النبيين، صاحب المقام المحمود، واللواء المعقود، لواء الحمد، آدم فمن دونه تحت لوائه، وهو أول من يستفتح باب الجنة، فيقول الخازن: من أنت؟ فيقول: أنا محمد. فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. "١" يؤيد ذلك قوله ﷺ:" إن أولئك كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور "رواه البخاري "٤٢٧" ومسلم "٥٢٨" من حديث عائشة - ﵂ - قال الحافظ ابن القيم الحنبلي في إغاثة اللهفان ص ١٨٨، ١٨٩ بعد ذكره لأثر ابن عباس السابق:"وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته" ثم ذكر حديث عائشة السابق، ثم قال:"فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسرا واللات، إنما كانت من تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها، كما أشار إليه النبي ﷺ". وقال الإمام القرطبي المالكي في المفهم في شرح حديث عائشة السابق ٢/٩٣١،٩٣٢:"إنما فعل ذلك أوائلهم ليأتنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا بها أحوالهم
[ ٢٨١ ]
ولخطر التصوير وعظم جرم فاعله وردت نصوص شرعية فيها تغليظ على المصورين، وتدل على تحريم التصوير لذوات الأرواح بجميع صوره وأشكاله"١".
_________________
(١) الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله تعالى عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم إنه خلف من بعدهم خلف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فعبدوها، فحذر النبي ﷺ من مثل ذلك، وشدد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك، فقال: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد - أي أنهاكم عن ذلك –". وينظر: تفسيره، تفسير الآية ١٠٤ من البقرة٢/٥٨. وقد نقل الحافظ ابن حجر في الفتح ١/٥٢٥ قول القرطبي السابق إلى قوله:"فعبدوها"مقرًا له دون أن يعزوه إلى القرطبي. وينظر الجواب المفيد ص٢٧، المجموع الثمين ٢/٢٤٩، الشرح الممتع: شروط الصلاة ٢/٢٠١. "١" وقد اختلف علماء هذا العصر في حكم التصوير الفوتوغرافي، وهو التصوير بالآلة "الكمرة"، وكثير من العلماء المعاصرين يرون تحريمه، ويرون أنه لا يجوز منه إلا ما له ضرورة أو حاجة، كالتصوير من أجل الحفيظة ونحو ذلك، وعلى رأسهم شيخ مشايخنا الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة الأسبق، وأعضاء اللجنة الدائمة بهيئة كبار العلماء بالمملكة، وفي مقدمتهم شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى. وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا النوع ليس من التصوير المحرم. وإليك قول أفضل من وقفت على قوله ممن فصَّل في هذه المسألة من أصحاب هذا القول – وهو شيخنا محمد بن صالح بن عثيمين – فقد قال في القول المفيد: باب ما جاء في
[ ٢٨٢ ]
_________________
(١) المصورين ٢/٤٣٩،٤٤٠، عند ذكره الخلاف في هذه المسألة:"القول الثاني: أنها ليست بتصوير، ولكن يبقى النظر هل يحل هذا الفعل أو لا؟ والجواب: إذا كان الغرض محرمًا كان حرامًا، وإذا كان الغرض مباحًا صار مباحًا؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وعلى هذا فلو أن شخصًا صور إنسانًا لما يسمونه بالذكرى فإن ذلك محرم ولا يجوز؛ لما فيه من اقتناء الصور؛ لأنه لا شك أن هذه صورة، ولا أحد ينكر ذلك، وإذا كان لغرض مباح كما يوجد في التابعية والرخصة والجواز وما أشبهه فهذا يكون مباحًا"، وقال أيضًا كما في فتاواه جمع أشرف بن عبد المقصود ١/١٤٩:"إذا كان الغرض من هذا الالتقاط هو أن يقتنيها الإنسان ولو للذكرى صار ذلك الالتقاط حرامًا، وذلك لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، واقتناء الصور للذكرى محرم؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، وهذا يدل على تحريم اقتناء الصور في البيوت، وأما تعليق الصور على الجدران فإنه محرم ولا يجوز، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة". وذهب بعض أهل العلم إلى أن التصوير السينمائي – وهو التصوير الفلمي – والتصوير التلفزيوني ليسا من التصوير المحرم أيضًا، وذهب بعض العلماء إلى القول بتحريمهما لعموم النصوص، واستثنى بعضهم ما كان لمصلحة شرعية كبعض مسائل التعليم والدعوة ونحو ذلك. ولذلك كله فإنه ينبغي لأهل التوحيد الحريصين على محاربة الشرك ومحاربة كل ما هو وسيلة إليه أن يحذروا من التساهل في أمر التصوير، وبالأخص تصوير كبار أهل العلم ومن لهم منزلة كبيرة في قلوب الناس من أهل الخير والصلاح، فالتساهل في هذا الأمر خطير، والزلل فيه كبير.
[ ٢٨٣ ]
ومن النصوص الواردة في ذلك قوله ﷺ:" إنّ أشدَّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون " رواه البخاري ومسلم"١"، وروى البخاري ومسلم أيضًا عن ابن عباس - ﵄ – أنه أتاه رجل فقال: إني رجلٌ
_________________
(١) وكثير من المسلمين يتساهل في أمر التصوير الفوتوغرافي والسينمائي مع أنهم لم يبذلوا الجهد في معرفة القول الصحيح في ذلك، وكثير منهم ليس من أهل العلم الذين بلغوا رتبة الاجتهاد، وإنما يقلد غيره من أقرانه، أو يتمسك بقول بعض المفتين، ومن المعلوم أنه لا يجوز للمسلم أن يختار من أقوال أهل العلم ما تهواه نفسه، فإن هذا من اتباع الهوى، ومن تتبع رخص الفقهاء، وليس من اتباع الشرع، وقد نصَّ أهل العلم على تحريم تتبُّع رخص الفقهاء، وغلظوا القول في حق من يستكثر من ذلك، والذي يجب على المقلد أن يتبع أقوال أفضل العلماء دينًا وعلمًا في جميع المسائل، كما نص على ذلك أهل العلم. ينظر: إعلام الموقعين "الفتوى: الفائدة ٦٦" ٤/٢٦١، الأصول من علم الأصول: الاجتهاد: مواضع التقليد ص١٠٠. وينظر في بيان حكم التصوير فتح الباري، باب التصاوير، والأبواب التسعة التي بعده، فتاوى شيخ مشايخنا محمد بن إبراهيم مفتي المملكة في وقته ١/١٧٨-١٩٥، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع د. عبد الله الطيار: التصوير ٢/٧٩٧-٨٣"، فتاوى اللجنة الدائمة لهيئة كبار العلماء بالمملكة ١/٤٥٨-٤٦٤، الشرح الممتع: باب شروط الصلاة ٢/١٩٥-٢٠٥، رسالة"التنوير فيما ورد في حكم =التصوير"للشيخ محمد الغفيلي، وينظر: رسالة"أحكام التصوير"للشيخ محمد بن أحمد الواصل، فهي شاملة لجل مسائل التصوير والأحكام المتعلقة به. "١" صحيح البخاري: اللباس "٥٩٥٠"، وصحيح مسلم: اللباس "٢١٠٩".
[ ٢٨٤ ]
أصوّر هذه الصور، فأفتني فيها، فقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم ". وقال: إن كنت لا بد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له"١".
وثبت عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لأبي الهياج الأسدي:"ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته". رواه مسلم"٢".
ولذلك فإنه ينبغي للمسلم ألا يتساهل في أمر التصوير بجميع أنواعه، سواء منه ما كان مجسمًا، كالتماثيل وغيرها مما له ظل – وهو أشد حرمة وأعظم إثمًا"٣" – أم ما كان على ورق أو جدار أو خرقة أو غيرها،
_________________
(١) "١" صحيح البخاري: البيوع "٢٢٢٥"، وصحيح مسلم "٢١١٠"، واللفظ له، ولفظ البخاري: سمعته يقول:" من صور صورة فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدًا "، فربا الرجل ربوة شديدة واصفَّر وجهه، فقال ابن عباس: ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح. أ. هـ. ومعنى قوله: ربا ربوة: ذعر وامتلأ خوفًا. "٢" صحيح مسلم "٩٦٩". "٣" وقد حكى ابن العربي المالكي الأندلسي في عارضة الأحوذي في اللباس ٧/٢٥٣ وغيره الإجماع على تحريم الصور المجسمة. واستثنى بعضهم من ذلك لعب الأطفال إذا كانت الصورة إجمالية لا تفصيلية.
[ ٢٨٥ ]
ويعظم خطر التصوير إذا كان المصوَّر من كبار أهل العلم، أو ممن لهم منزلة كبيرة في قلوب الناس.
قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان:"التصوير معناه نقل شكل الشيء وهيئته بواسطة الرسم أو الالتقاط بالآلة أو النحت، وإثبات هذا الشكل على لوحة أو ورقة أو تمثال، وكان العلماء يتعرضون للتصوير في مواضيع العقيدة؛ لأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك، وادعاء المشاركة لله بالخلق أو المحاولة لذلك، وأول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير فالتصوير هو منشأ الوثنية؛ لأن تصوير المخلوق تعظيم له، وتعلق به في الغالب، خصوصًا إذا كان المصوّر له شأن من سلطة أو علم أو صلاح، وخصوصًا إذا عُظمت الصورة بنصبها على حائط أو إقامتها
_________________
(١) والعبرة في تحريم الصورة بوجود الرأس، لحديث:"الصورة الرأس"الذي، رواه الإسماعيلي في معجمه كما في الجامع الصغير، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة "١٩٢١"، ولقول جبريل للنبي عليهما الصلاة والسلام:" مُرْ برأس التمثال يقطع فيصير كهيئة الشجرة "رواه أبو داود "٤١٥٨" بإسناد حسن. والتحريم يشمل في قول الجمهور: الصور الخيالية التي لا يوجد لها مثيل في الواقع، كإنسان له منقار، وفرس له جناحان، ونحو ذلك، ويشبه ذلك ما يعرف بأفلام الكرتون، وألحق بعض أهل العلم بالصور المحرمة تحنيط الحيوان؛ لأنه يؤدي إلى تعليق الصور، ولأن ذلك يكون وسيلة إلى تعلق بعض الجهال بها، ظنًا منهم أنها تدفع البلاء عن البيت وأهله. ينظر: رسالة"أحكام التصوير"لمحمد الواصل.
[ ٢٨٦ ]
في شارع أو ميدان، فإن ذلك يؤدي إلى التعلق بها من الجهال وأهل الضلال ولو بعد حين، ثم هذا فيه أيضًا فتح باب لنصب الأصنام والتماثيل التي تعبد من دون الله" "١".
ثالثًا: التبرك الممنوع بالصالحين، وسيأتي الكلام عليه عند الكلام على التبرك الممنوع في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) "١" ينظر كتاب الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد: خطر الشرك ١/٤٥، ٤٦.
[ ٢٨٧ ]
المبحث الثاني: التبرك الممنوع:
التبرك: طلب البركة، والبركة: كثرة الخير وزيادته واستمراره"٢".
_________________
(١) "٢" ينظر: معجم مقاييس اللغة ١/٢٣٠، تهذيب اللغة ١٠/٢٣١، النهاية، المصباح، مادة "برك"، تفسير القرطبي "تفسير الآية ٩٦ من آل عمران"، بدائع الفوائد ٢/١٨٢، ١٨٣، جلاء الأفهام: الفصل الثامن ص١٦٥، ١٦٦، وقال في النهاية "مادة: يمن":"وقد تكرر ذكر اليمن في الحديث، وهو البركة وضده الشؤم". أما"تبارك"فذكر الشعبي أنها بمعنى عظم وتعالى وكثرت بركته، وذكر ابن عطية أنها صفة لا يوصف بها إلا الله تعالى، ينظر: تفسير ابن عطية ٧/٧٧. والتبرك ينقسم من حيث الأصل إلى قسمين: الأول: تبرك ديني شرعي: وهو أن يريد المتبرك بهذا التبرك التقرب إلى الله تعالى، كأن يريد الثواب من الله تعالى أو النجاة من عذابه. الثاني: تبرك دنيوي: وهو أن يريد الإنسان بتبركه مصلحة دنيوية، كالشفاء من مرض ونحو ذلك.=
[ ٢٨٧ ]
والتبرك ينقسم من جهة حكمه إلى قسمين:
أ- تبرك مشروع: وهو أن يفعل المسلم العبادات المشروعة طلبًا للثواب المترتب عليها، ومن ذلك أن يتبرك بقراءة القرآن والعمل بأحكامه، فالتبرك به هو ما يرجو المسلم من الأجور على قراءته له وعمله بأحكامه، ومنه التبرك بالمسجد الحرام بالصلاة فيه ليحصل على فضيلة مضاعفة الصلاة فيه، فهذا من بركة المسجد الحرام"١".
_________________
(١) الشيء الذي يتبرك به – أي تطلب البركة بواسطته – قد يكون فيه بركة دينية، وقد يكون فيه بركة دنيوية، وقد يكون فيه بركة دينية ودنيوية معًا. فمثال الأول: المساجد الثلاثة، لما فيها من الأجر العظيم لمن صلى فيها وغير ذلك. ومثال الثاني: الماء واللبن، لما فيهما من المنافع الدنيوية الكثيرة. ومثال الثالث: القرآن، ففيه منافع دينية ودنيوية كثيرة، ويكفي أن من تمسك به أفلح في الدنيا والآخرة، وهو شفاء للقلوب والأبدان. ومن ذلك: خير البشر نبينا محمد ﷺ، فمن اقتدى به وسار على هديه سعد في الدنيا والآخرة، وصلحت دنياه وآخرته، وأيضًا في جسده وآثاره ﵊ بركات دينية ودنيوية. وما ذكرته من أمثلة النوع الأول والثاني إنما هو تمثيل أغلبي، وإلا قد يوجد في المساجد الثلاثة منافع دنيوية، وقد يوجد في الماء منافع دينية. وينظر: التبرك، للدكتور ناصر الجديع ص٤٣ وما بعدها. "١" سيأتي أيضًا ذكر بعض الأمثلة على التبرك المشروع عند الكلام على أنواع التبرك البدعي، وينظر التعليق السابق.
[ ٢٨٨ ]
ب- تبرك ممنوع:
وهو ينقسم من حيث حكمه إلى قسمين:
١- تبرك شركي: وهو أن يعتقد المتبرِّك أن المتبرَّك به – وهو المخلوق – يهب البركة بنفسه، فيبارك في الأشياء بذاته استقلالًا"١"؛ لأن الله تعالى وحده موجد البركة وواهبها، فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال:" البركة من الله ""٢"، فطلبها من غيره، أو اعتقاد أن غيره يهبها بذاته شرك أكبر.
٢- تبرك بدعي: وهو التبرك بما لم يرد دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقدًا أن الله جعل فيه بركة، أو التبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه.
وهذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو
_________________
(١) "١" كتاب التبيان ص٢٦، ٢٧، وكتاب التنشيط ص٦٠-٦٥، كلاهما للرستمي الحنفي نقلًا عن كتاب جهود علماء الحنفية لشمس الدين الأفغاني ٣/١٥٧٥-١٥٧٨، وينظر: التيسير، باب من تبرك بشجرة أو حجر ص١٤٨. "٢" صحيح البخاري، آخر كتاب الأشربة "٥٦٣٩". وروى مسلم في صحيحه، في الصلاة "٧٧١" عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه في استفتاح الصلاة: " والخير كله في يديك ".
[ ٢٨٩ ]
سنة"١"، ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فهو من الشرك الأصغر"٢"؛ ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر"٣" كما سيأتي بيانه.
وهذا القسم من التبرك – وهو التبرك البدعي – ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: التبرك الممنوع بالأولياء والصالحين:
وردت أدلة كثيرة تدل على مشروعية التبرك بجسد وآثار النبي ﷺ، كشعره وعرقه وثيابه وغير ذلك"٤".
_________________
(١) "١" وهذا خاص بالتبرك الديني. "٢" وهذا يشمل التبرك الديني والدنيوي، وسيأتي التوسع في هذه المسألة عند الكلام على الشرك الأصغر – إن شاء الله تعالى -. "٣" مجموع الفتاوى ٢٧/١٣٧، القول المفيد، باب من تبرك بشجرة أو حجر، الشرك ومظاهره للميلي الجزائري ص٩٩، جهود علماء الحنفية ص١٥٧٨،١٥٧٩، وينظر: التيسير ص١٤٨، ١٥٣، والقول السديد ص٥٣، وكتاب التوحيد للدكتور صالح الفوزان ص١١٢. "٤" وقد وردت في ذلك نصوص كثيرة تنظر في كتب السيرة، وكتب السنة، وقد جمعها الدكتور ناصر الجديع في رسالة"التبرك"، والدكتور علي العلياني في رسالة"التبرك". وآثار النبي ﷺ كلها قد فقدت، ومنبره احترق سنة ٦٥٤هـ فلا يوجد شيء من آثاره الآن على سبيل القطع واليقين، فلم يبق إلا التبرك باتباعه ﵊، فمن آمن به ﷺ واتبعه حصل له خير كثير في الدنيا والآخرة من بركة الرسول ﵊ بسبب إيمانه به، وطاعته له. ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ص٧٢٧، مجموع
[ ٢٩٠ ]
أما غير النبي ﷺ من الأولياء والصالحين فلم يرد دليل صحيح صريح يدل على مشروعية التبرك بأجسادهم ولا بآثارهم"١"، ولذلك لم يرد عن أحد من أصحاب النبي ﷺ، ولا عن أحد من التابعين أنهم تبركوا بجسد أو آثار أحد من الصالحين، فلم يتبركوا بأفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو أبو بكر الصديق ﵁ ولا بغيره من العشرة المبشرين بالجنة، ولا بأحد من أهل البيت ولا غيرهم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، لحرصهم الشديد على فعل جميع أنواع البر والخير، فإجماعهم على ترك التبرك بجسد وآثار غيره ﷺ من الصالحين"٢" دليل صريح على عدم مشروعيته.
_________________
(١) الفتاوى ١١/١١٣،١١٤، هداية السالك للكتاني الشافعي ٣/١٣٩٠، التوسل للألباني ص١٦١، هذه مفاهيمنا للشيخ صالح آل الشيخ ص٢٠٤. "١"بركة المسلم هي في طاعته لله تعالى، وما يجري الله على يديه من النفع للمسلمين، وما يغيث الله تعالى به العباد من المطر والخير والنصر، وما يدفع عنهم من الشر ببركة طاعته وصلاحه ودعائه، فهذا حق وثابت، وليس من التبرك الممنوع. ينظر: مجموع الفتاوى ١١/١١٣-١١٥، و٢٧/٩٦. "٢" وقد حكى إجماعهم على ذلك الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي الأندلسي في الاعتصام ٢/٨،٩، وابن رجب في"الحكم الجديرة بالإذاعة"ص٥٥، وصديق حسن البخاري في الدين الخالص ٢/٢٤٩، وسليمان بن عبد الله في التيسير، وعبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد كلاهما في باب من تبرك بشجرة أو حجر، وشيخ مشايخنا محمد بن إبراهيم كما في فتاواه ١/١٠٣،١٠٤، والميلي الجزائري في الشرك ومظاهره ص١٠٣، والشيخ
[ ٢٩١ ]
وعليه فإن من تبرك بذات أو آثار أحد من الصالحين غير النبي ﷺ قد عصى الله تعالى، وعصى نبيه محمدًا ﷺ، وأعطى هذه الخاصية التي خص بها ربنا جل وعلا نبيه ﷺ لغيره من البشر، وسواهم بالنبي ﷺ في ذلك، فسوى عموم الأولياء والصالحين بخير البشر وسيد ولد آدم ﷺ، وهذا فيه هضم لحقه ﷺ، ودليل على نقص محبته ﵊ في قلب هذا المتبرك"١".
ومن أنواع التبرك المحرم بالصالحين:
أ) التمسح بهم"٢" ولبس ثيابهم أو الشرب بعد شربهم طلبًا للبركة.
ب) تقبيل قبورهم"٣"، والتمسح بها، وأخذ ترابها طلبًا للبركة، وقد
_________________
(١) عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته ص٩٥، وشيخنا عبد العزيز بن باز في تعليقه على فتح الباري: الجنائز ٣/١٣٠، ١٤٤. "١" قال علامة الهند حسن صديق خان في الدين الخالص ٢/٢٥٠:"ولا يجوز أن يقاس أحد من الأمة على رسول الله ﷺ، ومن ذاك الذي يبلغ شأوه؟ قد كان له ﷺ في حال حياته خصائص كثيرة لا يصلح أن يشاركه فيها غيره". "٢" وقد ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي في رسالة"الحكم الجديرة بالإذاعة"ص٥٦ أن رجلًا جاء إلى الإمام أحمد، فمسح يديه على ثيابه، ومسح بهما وجهه، فغضب الإمام أحمد، وأنكر ذلك أشد الإنكار، وقال: عمن أخذتم هذا الأمر؟!. "٣" قال الإمام عزالدين بن جماعة الكناني الشافعي في هداية السالك ص١٣٩٠،١٣٩١: "عَدَّ بعض العلماء من البدع الانحناء للقبر المقدس عند التسليم، قال: يظن من لا علم له أنه
[ ٢٩٢ ]
حكى جمع من أهل العلم إجماع العلماء على أن هذا كله منهي عنه"١"، وذكر أبو حامد الغزالي الشافعي المتوفي سنة ٥٠٥هـ، وغيره من علماء
_________________
(١) من شعار التعظيم، وأقبح منه تقبيل الأرض للقبر، لم يفعله السلف الصالح، والخير كله في اتباعهم – رحمهم الله تعالى ونفعنا بهم – ومن خطر بباله أن تقبيل الأرض أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال السلف وعملهم، وليس عجبي ممن جهل ذلك فارتكبه، بل عجبي ممن أفتى بتحسينه مع علمه بقبحه ومخالفته لعمل السلف، واستشهد لذلك بالشعر. نسأل الله أن يوفقنا في القول والعمل، وأن يعصمنا من الهوى والزلل بمنه وكرمه". وينظر: رسالة التوحيد للدهلوي الهندي ص٢٣،٢٤. "١" ينظر: رسالة زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور، ص٢٧-٣٢، الاستغاثة في الرد على البكري ١/٣٥٦، مجموع الفتاوى٤/٥٢١، و٢٦/٩٧، و٢٧/٧٩-١٠٩، ١٣٦، ٢٩٤، الاختيارات: الجنائز ص٩٢، الصارم المنكي ص١٠٩،١٧٨، الزواجر: الكبيرة ٩٣-٩٨، ج١ ص١٤٩، وقال الهيتمي في حاشيته على منسك النووي ص٤٥٤: "قال: - أي الإمام أحمد -: رأيت أهل العلم بالمدينة لا يمسون القبر". وينظر: الصارم المنكي ص١٩١. وقال الإمام النووي الشافعي في منسكه ص٤٥٣:"الثامن – أي من مسائل الزيارة – لا يجوز أن يطاف بقبر النبي ﷺ، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار القبر، قاله الحليمي وغيره. ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته ﷺ، هذا هو الصواب، وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه، وينبغي أن لا يغتر بكثير من العوام في مخالفتهم ذلك، فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء، ولا يلتفت إلى محدثات العوام وجهالاتهم.. ومن خطر بباله أن
[ ٢٩٣ ]
الشافعية والحنفية أن هذه الأفعال من عادات النصارى"١"، وذكر بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية أن استلام القبور تبركًا كبيرة من كبائر
_________________
(١) المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال العلماء، وكيف يبتغي الفضل في مخالفة الصواب". قال محدث الشام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في تحذير الساجد بعد نقله لكلام النووي السابق ص١٠٧:"رحم الله الإمام النووي فإنه بهذه الكلمة أعطى لهؤلاء المشايخ الذين يتمسحون بالقبور فعلًا أو يحبذونها قولًا ما يستحقونه من المنزلة، حيث جعلهم من العوام الذين لا يجوز أن يلتفت إلى جهالاتهم، فهل من مدَّكر؟! ". "١" قال الهيتمي الشافعي في حاشيته على منسك النووي ص٤٥٤:"قال في الإحياء: مس المشاهد وتقبيلها عبادة للنصارى واليهود، وقال الزعفراني: ذلك من البدع التي تنكر شرعًا، وروي عن أنس أنه رأى رجلًا وضع يده على القبر الشريف فنهاه، وقال: ما كنا نعرف هذا – أي الدنو منه إلى هذا الحد – وعلم مما تقرر كراهة مس مشاهد الأولياء وتقبيلها". وينظر: الإحياء، الباب السادس ٤/٥٢٢، والغزالي مع أن عنده شيئًا من التصوف لكن لما ظهر له الحق في هذه المسألة قال به، فيجب على المسلم أن ينقاد للحق وألا يتبع هواه فيما يخالف سنة النبي ﷺ. وقال الإمام النووي في المجموع ٥/٣١١:"قال الإمام أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني، وكان من الفقهاء المحققين في كتابه الجنائز: ولا يستلم القبر بيده ولا يقبله، قال: وعلى هذا مضت السنة، قال أبو الحسن: واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرة شرعًا، ينبغي تجنب فعله وينهى فاعله. قال أبو موسى: وقال الفقهاء المتبحرون الخراسانيون: المستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة
[ ٢٩٤ ]
الذنوب"١".
ج) عبادة الله عند قبورهم تبركًا بها، معتقدًا فضل التعبد لله تعالى عندها، وأن ذلك سبب لقبول هذه العبادة، وسبب لاستجابة الدعاء، وسيأتي الكلام على هذا النوع بشيء من التفصيل في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) مستقبلًا وجه الميت يسلم ولا يمسح القبر ولا يقبله ولا يمسه، فإن ذلك عادة النصارى، قال: وما ذكروه صحيح لأنه قد صح النهي عن تعظيم القبور؛ ولأنه إذا لم يستحب استلام الركنين الشاميين من أركان الكعبة لكونه لم يسن مع استحباب استلام الركنين الآخرين، فلأن لا يستحب مس القبور أولى والله أعلم. وقال أبو محمد العيني الحنفي في البناية في الجنائز عند كلامه على وضع اليد على القبر ٣/٣٠٥:"قال شرف الأئمة: بدعة، قال: جاء الله بمشايخ مكة ينكرون ذلك ويقولون إنه عادة أهل الكتاب، وفي الأخبار: هو عادة النصارى. وقال الزعفراني: لا يلثم القبر ولا يقبله، قال: وعلى هذا مضت السنة، وما يفعله القوم الآن من البدع المنكرة شرعًا، وفي جوامع الفقه: يزار القبر من بعد ولا يقعد الزائر، وعند الدعاء للميت يستقبل القبلة وكذا عند قبر النبي ﷺ". وينظر: إصلاح المساجد للقاسمي ص٧٢، ٢١٧. "١" ذكر ذلك ابن حجر الهيتمي الشافعي في الزواجر عن اقتراف الكبائر: الكبيرة ٩٣-٩٨، ج١ ص ١٤٨، ١٤٩، ونقل ذلك أيضًا عن بعض الشافعية، ونقل كلامَ الهيتمي الألوسيُّ الحنفي في تفسيره روح المعاني، "تفسير الآية ٢١ من الكهف" مقرًا له، وسيأتي نقل كلام الهيتمي في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى عند بيان أن بناء المساجد وغيرها على القبور والتعبد لله عندها من كبائر الذنوب.
[ ٢٩٥ ]
النوع الثاني: التبرك بالأزمان والأماكن والأشياء التي لم يرد في الشرع ما يدل على مشروعية التبرك بها.
ومن أمثلة هذه الأشياء:
١- الأماكن التي مر بها النبي ﷺ، أو تعبد لله فيها اتفاقًا من غير قصد لها لذاتها، وإنما لأنه ﷺ كان موجودًا في هذه الأماكن وقت تعبده لله تعالى بهذه العبادة، ولم يرد دليل شرعي يدل على فضلها.
ومن هذه الأماكن: جبل ثور، وغار حراء، وجبل عرفات"١"، والأماكن التي مر بها النبي ﷺ في أسفاره، والمساجد السبعة التي قرب الخندق، والمكان الذي يزعم بعضهم أن النبي ﷺ ولد فيه - مع أنه مختلف في مكان ولادته ﵊ اختلافًا كثيرًا – ومثل الأماكن التي قيل إنه ولد فيها نبي أو ولي أو عاشوا فيها ونحو ذلك – مع أن كثيرًا من ذلك لم يثبت -.
فلا يجوز للمسلم قصد زيارة هذه الأماكن للتعبد لله تعالى عندها، أو فوقها، بصلاة أو دعاء أو غيرهما، كما لا يجوز للمسلم مسح شيء من هذه الأماكن لطلب البركة، ولا يشرع صعود هذه الجبال لا في أيام الحج
_________________
(١) "١" ويسمى جبل"إلال"على وزن"هلال"، ويسميه العامة"جبل الرحمة"، ينظر: الاقتضاء ص٨١٠، رسالة:"جبل إلال بعرفات"للشيخ بكر أبو زيد.
[ ٢٩٦ ]
ولا غيرها، حتى جبل عرفات، لا يشرع صعوده في يوم عرفة، ولا غيره، ولا التمسح بالعمود التي فوقه، وإنما يشرع الوقوف عند الصخرات القريبة منه إن تيسر، وإلا وقف الحاج في أي مكان من عرفات.
ولذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه قصد شيئًا من هذه الأماكن للتبرك بها بتقبيل أو لمس أو غيرهما"١" ولا أن أحدًا منهم
_________________
(١) "١" قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء ص٨٠٦-٨١١ بعد ذكره أن النبي ﷺ وجميع أصحابه قبل الهجرة وبعد فتح مكة وفي حجهم وعمرهم لم يزوروا شيئًا من البقاع بمكة ولا حولها، ولم يزوروا جبل ثور ولا غار حراء، ولم يتعبدوا لله إلا بالصلاة في المسجد الحرام والمشاعر في حجهم، وأنه ﷺ لم يشرع شيئًا من ذلك لأمته، وأنه ﷺ لم يبن بمكة مسجدًا غير المسجد الحرام، قال:"بل تلك كلها محدثة، مسجد المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد ولا زيارة موضع بيعة العقبة الذي خلف منى، وقد بني هناك له مسجد. ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعًا مستحبًا يثيب الله عليه، لكان النبي ﷺ أعلم الناس بذلك، ولكان يعلم أصحابه ذلك، وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة، التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة، فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله". ثم ذكر شيخ الإسلام –﵀– أنه لا يشرع التبرك بمقامات جميع الأنبياء، وذكر أن أكثرها كذب أو لا تعلم صحته، وذكر أنه لا يشرع قصد المساجد المبنية في كثير من البقاع حول مكة وفي داخل مكة للتبرك بالصلاة فيها أو الدعاء أو غير ذلك، ثم قال:"وأما تقبيل شيء من
[ ٢٩٧ ]
قصدها للتعبد لله فيها"١".
_________________
(١) ذلك والتمسح به فالأمر فيه أظهر، إذ قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعة رسول الله ﷺ. وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج، في أول عمري لبعض الشيوخ، جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يفعلوا شيئًا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك، وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف، وغير ذلك من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام، وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد، من دعا وصلاة وغير ذلك، إذا فعله في المسجد الحرام كان خيرًا له. بل هذا سنة مشروعة، وأما قصد مسجد غيره هناك تحريًا لفضله فبدعة غير مشروعة". وينظر: مجموع الفتاوى ٢٦/١٣٣، ١٤٤،١٥٠. وقال ابن وضاح المالكي الأندلسي المتوفى سنة "٢٨٧هـ" في رسالة"ما جاء في البدع" باب ما جاء في ابتداع الآثار ص٩١:"كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ بالمدينة ما عدا قباء وأحدًا". "١" أما ما جاء عن ابن عمر - ﵄ – من صلاته في مواضع صلى فيها النبي ﷺ فهو ﵁ لم يسافر إليها ولم يقصد زيارتها وهو في مكان آخر، وإنما لما مر بها وهو في طريقه في سفره وهو في وقت صلاة، أو يريد أن يصلي نافلة معينة صلى فيها هذه الصلاة، فهو يحب أن يوافق النبي ﷺ في صورة الفعل لا غير، ويدل على ذلك ما سيأتي عن ابن عمر في التعليق الآتي، وما سيأتي عنه عند تخريج قطع عمر لشجرة بيعة الرضوان في ختام الكلام على هذا النوع.
[ ٢٩٨ ]
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:" لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى "رواه البخاري ومسلم"١"، وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ الذي هو ثاني
_________________
(١) أما إنشاء صلاة لأجل البقعة أو السفر من أجل التعبد لله فيها، فهذا لم يفعله ابن عمر ولا غيره من سلف هذه الأمة، فالصحابة متفقون على أنه لا يعظم من الأماكن إلا ما عظمه النبي ﷺ. وعلى فرض أن ابن عمر أنشأ نافلة من أجل الصلاة في موضع من هذه المواضع لما مر بها – مع أنه لم يسافر من أجلها قطعًا – فقد خالف ابن عمر في فعله هذا بقية الصحابة، وعلى رأسهم والده ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -. ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ص٥٧٠-٧٥٨،٨٠٣-٨٢٨، مجموع الفتاوى ١٠/٤١٠،٤١١، و١٧/٤٦٦-٤٨١، ٤٩٦، ٤٩٧، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٦/١٤٤:"أما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام، كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أبي قبيس، ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي ﷺ وأصحابه، كمسجد المولد وغيره، فليس شيء من ذلك من السنة ولا استحبه أحد من الأئمة". "١" صحيح البخاري: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة "١١٨٩"، وصحيح مسلم: الحج "١٣٩٧". قال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي في فتح الباري ٣/٦٦٠: "معنى الحديث: لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الأمكنة لأجل ذلك المكان، إلا إلى الثلاث المذكورة"، ومما يدل على أن المراد في الحديث: الأماكن والبقع إنكار أبي بصرة الغفاري على من سافر إلى جبل الطور، واستدلاله بهذا الحديث،
[ ٢٩٩ ]
الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم أنه لما رأى الناس وهو راجع من الحج ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيَعًا"١"، من مر بشيء من هذه المساجد فحضرت الصلاة فليصل، وإلا فليمض""٢".
_________________
(١) وقد أقره أبو هريرة – ﵁ – بسكوته عند إنكار أبي بصرة، والخبر رواه الإمام مالك في الموطأ في ساعة الجمعة ١/١٠٩، والطيالسي "١٣٤٨"، وأحمد ٦/٧، ٣٩٧، والنسائي "١٤٢٩" من طريقين صحيحين، وقد صححه الألباني في الإرواء "٩٧٠"، وفي تحذير الساجد ص٩٥، ويدل على ذلك أيضًا ما رواه الأزرقي: حد المسجد الحرام وفضله ٢/٦٥ بإسناد حسن عن قزعة قال:"أردت الخروج إلى الطور فسألت ابن عمر فقال: أما علمت أن النبي ﷺ قال:" لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. ." ودع عنك الطور فلا تأته". وينظر: مصنف ابن أبي شيبة ٢/٣٧٤، ٣٧٥، وقد صحح إسناده الألباني في الجنائز ص٢٨٧. "١" البيَع: جمع بيعة بكسر الباء، وهي المكان الذي يتعبد فيه اليهود والنصارى، ينظر: القاموس والمصباح، لفظة"بيع". حاشية السندي على سنن النسائي ٢/٣٦٩. "٢" رواه عبد الرزاق: ما يقرأ في الصبح "٢٧٣٤"، وابن أبي شيبة في الصلاة: الصلاة عند قبر النبي ﷺ ٢/٣٧٦، وسعيد كما في الاقتضاء ص٧٥١، وابن وضاح "١٠٤". وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيحين، وقد صححه شيخ الإسلام كما في الفتاوى ١٠/٤١٠، والحافظ في الفتح ١/٥٦٩، وقال الألباني في تحذير الساجد ص٩٣. "سنده صحيح على شرط الشيخين".
[ ٣٠٠ ]
فهذا قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي قال عنه النبي ﷺ:" إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ""١". وقال عنه النبي ﷺ وعن أبي بكر - ﵄ -:" اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ""٢"، وهو – أي قول عمر السابق - يدل على التحذير من التبرك بالأماكن التي مر بها أو تعبد فيها نبينا ﷺ دون قصد لها، وعلى عدم مشروعية قصد هذه الأماكن للتعبد لله فيها، وعلى هذا أجمع سلف هذه الأمة وكل من سار على طريقتهم"٣" لما سبق؛ ولأن ذلك من المحدثات التي لا دليل عليها.
_________________
(١) "١" رواه الإمام أحمد ٢/٤٠١، وابن أبي شيبة ١٢/٢٥، وابن أبي عاصم "١٢٥٠"، وابن حبان في صحيحه "٦٨٨٩". وإسناده صحيح، وله شاهد عند ابن حبان "٦٨٩٥"، وغيره. "٢" رواه الإمام أحمد ٥/٣٩٩، والترمذي "٣٦٦٣"، وابن أبي شيبة ١٢/١١، وابن حبان "٦٩٠٢"، وابن عدي ٢/٦٦٦. وإسناده صحيح. "٣" ينظر: ما سبق نقله قريبًا عند بيان أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة قصد هذه الأماكن للتبرك بها من كلام شيخ الإسلام وابن وضاح، وينظر: الاقتضاء ص٨٠٦-٨١٢، ومجموع الفتاوى ٣/٢٧٤، و٢٧/١١٠، الاختيارات: الحج ص١١٨، الشرك ومظاهره للميلي الجزائري: الزيارة ص٢٤٦، القول السديد، باب من تبرك بشجرة أو حجر ص٥٣، وقد نقل الشيخ شمس الدين الأفغاني في جهود علماء الحنفية ص٦٥٠-٦٥٢ عن جمع من علماء الحنفية النهي عن التبرك بآثار الأنبياء ومواضع عباداتهم، وقال ابن عبد
[ ٣٠١ ]
٢- التبرك ببعض الأشجار وبعض الأحجار وبعض الأعمدة وبعض الآبار والعيون التي يظن بعض العامة أن لها فضلًا، إما لظنهم أن أحد الأنبياء والأولياء وقف على ذلك الحجر، أو لاعتقادهم أن نبيًا نام تحت تلك الشجرة، أو يرى أحدهم رؤيا أن هذه الشجرة أو هذا الحجر مبارك، أو يعتقدون أن نبيًا اغتسل في تلك البئر أو العين، أو أن شخصًا اغتسل فيها فشفي، ونحو ذلك، فيغلون فيها ويتبركون بها فيتمسحون بالأشجار والأحجار، ويغتسلون بماء هذه البئر أو تلك العين طلبًا للبركة، ويعلقون بالشجرة الخرق والمسامير والثياب"١"، فربما أدى بهم غلوهم هذا في آخر الأمر إلى عبادة هذه الأشياء، واعتقاد أنها تنفع وتضر بذاتها.
_________________
(١) الباقي في شرح الموطأ، كما في التيسير ص٢٩٥:"وقد كره مالك طلب موضع شجرة بيعة الرضوان مخالفة لليهود والنصارى". وينظر: حجة الله البالغة للدهلوي الهندي ١/٥٤٣. "١" قال أبو شامة الشافعي في كتابه الباعث على إنكار البدع والحوادث ص٢٣، عند كلامه على أقسام البدعة التي تعرف العامة والخاصة أنها بدعة، قال:"ومن هذا القسم أيضًا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون بهذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها،
[ ٣٠٢ ]
ولا شك أن التبرك بالأشجار والأحجار والعيون ونحوها، بأي نوع من أنواع التبرك، من مسح أو تقبيل، أو اغتسال، أو غيرها مما سبق ذكره محرم بإجماع أهل العلم"١"، ولا يفعله إلا الجهال؛ لأنه إحداث عبادات ليس
_________________
(١) ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر، وفي مدينة دمشق -صانها الله تعالى– من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحمي خارج باب توما، والعمود المخلَّق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق سهّل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات الأنواط الواردة في الحديث". ومن الأشياء التي توقع كثيرًا من العامة في هذا الغلو تمسكهم ببعض الأحاديث المكذوبة، كحديث: " لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به "، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ١١/٥١٣، ٥١٤، بعد ذكره لهذا الحديث:"هو من كلام أهل الشرك والبهتان، فإن عباد الأصنام أحسنوا ظنهم بها فكانوا هم وإياها من حصب جهنم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ "، وينظر: إغاثة اللهفان ١/٢١٥. "١" قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٨٠٨،٨٠٩:"اتفق العلماء على ما مضت به السنة من أنه لا يُشرع الاستلام والتقبيل لمقام إبراهيم ﵇، الذي ذكره الله في القرآن، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾، فإذا كان هذا بالسنة المتواترة، وباتفاق الأئمة لا يشرع تقبيله بالفم، ولا مسحه باليد، فغيره من مقامات الأنبياء أولى ألا يُشرع تقبيلها بالفم ولا مسحها باليد. وأيضًا، فإن المكان الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه في المدينة النبوية دائمًا لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا المواضع التي صلى فيها
[ ٣٠٣ ]
لها أصل في الشرع"١"، ولأنه من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر"٢"، ولما روى أبو واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم وأمتعتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ:" الله
_________________
(١) بمكة وغيرها، فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه الكريمتين ويصلي عليه لم يُشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال: إن غيره صلى فيه أو نام عليه". "١" هذا فيما يتعبد به لله تعالى، أما فيما يتعلق بالاستشفاء بها مع أنه لم يثبت بالتجربة أو غيرها أن فيها شفاء، ونحو ذلك فهو محرم أيضًا من جهة اتخاذ ما ليس بسبب سببًا، فهو من الشرك الأصغر. "٢" قال الحافظ ابن حجر في الفتح في الجهاد، باب البيعة ٦/١١٨ في شرح قول ابن عمر: "كانت رحمة من الله"يريد خفاء موضع شجرة بيعة الحديبية على الصحابة:"سيأتي في المغازي موافقة المسيب بن حَزَن – والد سعيد – لابن عمر على خفاء الشجرة، وبيان الحكمة في ذلك: هو ألا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر، كما نراه الآن مشاهدًا فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: كانت رحمة..". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٧/١٣٦، ١٣٧:"وأما الأشجار والأحجار والعيون ونحوها مما ينذر لها بعض العامة، أو يعلقون بها خرقًا، أو غير ذلك، أو يأخذون ورقها يتبركون به، أو يصلون عندها، أو نحو ذلك: فهذا كله من البدع المنكرة، وهو من عمل أهل الجاهلية، ومن أسباب الشرك بالله تعالى".
[ ٣٠٤ ]
أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [سورة الأعراف: ١٣٨]، ثم قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم ""١".
فلما طلب حدثاء العهد بالإسلام من الصحابة شجرة يتبركون بها تقليدًا للمشركين أنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وأخبرهم أن طلبهم هذا يشبه طلب بني إسرائيل من موسى ﵇ أن يجعل لهم آلهة تقليدًا لمشركي زمانهم، فطلبهم مشابه لطلب بني إسرائيل من جهة طلب التشبه بالمشركين فيما هو شرك، وإن كان ما طلبه هؤلاء الصحابة من الشرك الأصغر"٢".
_________________
(١) "١" رواه الإمام الشافعي في السنن المأثورة "٤٠٠" وعبد الرزاق "٢٠٧٦٣"، وأحمد ٥/٢١٨، والترمذي "٢١٨٠"، وابن حبان في صحيحه "٦٧٠٢"، وغيرهم بإسناد صحيح. رجاله رجال الصحيحين، وقد صححه جمع من أهل العلم، ينظر: جهود الحنفية ص٦٦٠. ومعنى ينوطون: أي يعلقون، وذات أنواط: اسم لشجرة بعينها. ينظر: الصحاح، والنهاية، مادة"نوط". "٢" قال في القول المفيد، باب من تبرك بشجرة أو حجر ١/٢٠٥ عند شرحه لحديث أبي واقد السابق:"فهؤلاء طلبوا سدرة يتبركون بها كما يتبرك المشركون بها، وأولئك طلبوا إلهًا كما لهم آلهة، فيكون في كلا الطلبين منافاة للتوحيد؛ لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك، واتخاذه إلهًا شرك واضح".
[ ٣٠٥ ]
ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه ليس هناك حجر أو غيره يشرع مسحه أو تقبيله تبركًا، حتى مقام إبراهيم الخليل – ﵇ – لا يشرع تقبيله مطلقًا مع أنه قد وقف عليه، وأثرت فيه قدماه – ﵇ -، وهذا كله قد أجمع عليه أهل العلم"١".
ومسح الحجر الأسود وتقبيله وكذلك مسح الركن اليماني في أثناء الطواف إنما هو من باب التعبد لله تعالى، واتباع سنة النبي ﷺ، ولذلك قال عمر ﵁ لما قبل الحجر الأسود:"إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك"رواه البخاري ومسلم"٢".
_________________
(١) "١" حكى هذا الإجماع شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ٣/٢٧٤، والاقتضاء ص٨٠٨، كما حكاه جمع من علماء الحنفية كما في جهود علماء الحنفية ص٦٥٧. "٢" صحيح البخاري: الحج "١٥٩٧"، وصحيح مسلم: الحج "١٢٧٠". قال الملا علي القاري الحنفي في مرقاة المفاتيح: الحج، باب دخول مكة الفصل الثالث ٣/٢١٣ في شرح قول عمر هذا:"فيه إشارة منه – ﵁ – إلى أن هذا الأمر تعبدي، فنفعل، وعن علته لا نسأل، وإيماء إلى التوحيد الحقيقي الذي عليه مدار العمل، وقال الطيبي ﵀: إنما قال ذلك لئلا يغتر به بعض قريبي العهد بالإسلام ممن ألفوا عبادة الأحجار، فيعتقدون نفعه وضره بالذات، فبيَّن ﵁ أنه لا يضر ولا ينفع لذاته، وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع باعتبار الجزاء"، وينظر شرح هذا الأثر في فتح الباري ٣/٤٦٢، ٤٦٣.
[ ٣٠٦ ]
كما أنه يجب قطع الأشجار وهدم الآبار والعيون، وإزالة الأحجار التي يتبرك بها العامة"١"، حسمًا لمادة الشرك، كما فعل عمر –﵁– حين قطع شجرة بيعة الرضوان"٢".
_________________
(١) "١" قال أبو بكر الطرطوشي المالكي المتوفى سنة ٥٣٠هـ في الحوادث والبدع، الباب الثاني ص٣٨، ٣٩، بعذ ذكره لحديث أبي واقد الليثي السابق، قال:"فانظروا – رحمكم الله – أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها ويرجون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها". "٢" روى ابن سعد ٢/١٠٠، وابن أبي شيبة ٢/٣٧٥، وابن وضاح "١٠٥" عن نافع مولى ابن عمر قال: "بلغ عمر بن الخطاب أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت"، قال الحافظ ابن حجر الشافعي في الفتح ٧/٤٤:"وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع ". قلت: وهو كما قال، وقد كانت هذه الشجرة خفي مكانها على الصحابة فلم يستطيعوا معرفة مكانها، فقد جاء في صحيح البخاري "٢٩٥٨" عن ابن عمر قال: "رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله"، وقد سبق قريبًا نقل كلام ابن حجر في شرح قول ابن عمر هذا، ومع ذلك فقد قام بعض الجهال من حدثاء العهد بالإسلام وغيرهم في عهد عمر بالتبرك بإحدى الأشجار بالحديبية بالتعبد لله عندها ظنًا منهم أنها شجرة بيعة الرضوان، فقام عمر ﵁ بقطع هذه الشجرة، حسمًا لمادة الشر، وخوفًا عليهم من الغلو فيها فيقعوا هم أو من يأتي بعدهم في الشرك الأكبر.
[ ٣٠٧ ]
٣- التبرك ببعض الليالي والأيام التي يقال: إنها وقعت فيها أحداث عظيمة، كالليلة التي يقال إنها حصل فيها الإسراء والمعراج، ونحو ذلك، وسيأتي الكلام على هذه المسألة بشيء من التفصيل في الفصل الخامس من هذا الباب عند الكلام على البدعة إن شاء الله تعالى.
النوع الثالث: التبرك بالأماكن والأشياء الفاضلة:
وردت نصوص شرعية كثيرة تدل على فضل وبركة كثير من الأماكن، كالكعبة المشرفة، والمساجد الثلاثة، وكثير من الأزمان كليلة القدر ويوم عرفة، وكثير من الأشياء الأخرى، كماء زمزم، والسحور للصائم، والتبكير في طلب الرزق ونحوه، وغير ذلك.
والتبرك بهذه الأشياء يكون بفعل العبادات وغيرها مما ورد في الشرع ما يدل على فضلها فيها"١"، ولا يجوز التبرك بها بغير ما ورد، وعليه فمن تبرك بالأزمان أو الأماكن أو الأشياء التي وردت نصوص تدل على فضلها
_________________
(١) "١" فمثلًا يكون التبرك بالكعبة المشرفة بالطواف بها، والتعبد لله تعالى باستلام الحجر الأسود والركن اليماني، أو تقبيل الحجر الأسود حال الطواف فقط، وبالصلاة داخلها، والتبرك بالمسجد الحرام بالصلاة والاعتكاف فيه، ونحو ذلك، والتبرك بليلة القدر بقيامها بالصلاة وقراءة كتاب الله تعالى ونحو ذلك، وماء زمزم بشربه والاغتسال منه طلبًا للشفاء من الأمراض ونحو ذلك، وهكذا بقية الأشياء المباركة الفاضلة.
[ ٣٠٨ ]
أو بركتها بتخصيصها بعبادات أو تبركات معينة لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، فقد خالف المشروع، وأحدث بدعة ليس لها أصل في الشرع، وذلك كمن يخص ليلة القدر بعمرة، وكمن يتبرك بجدران الكعبة بتقبيلها أو مسحها، أو يتمسح بمقام إبراهيم أو بالحجر المسمى حجر إسماعيل، أو بأستار الكعبة، أو بجدران المسجد الحرام، أو المسجد النبوي وأعمدتهما ونحو ذلك، فهذا كله محرم، وهو من البدع المحدثة، وقد اتفق أصحاب النبي ﷺ وسلف هذه الأمة على عدم مشروعيته"١"،
_________________
(١) "١" اقتضاء الصراط المستقيم ص٨٠٨،٨٠٩، مجموع الفتاوى ٤/٥٢١، و٢٧/٧٩،١٠٦-١١٠، الاختيارات: الجنائز ٩٢، والحج ص١١٨، زيارة القبور للبركوي الحنفي ص٥٢، مجلس الأبرار للرومي الحنفي مع خزينة الأسرار لسبحان بخش الهندي الحنفي ص١٣٠، ونفائش الأزهار للسورتي الحنفي ص١٦١ نقلًا عن جهود علماء الحنفية ص٦٥٧، إصلاح المساجد للقاسمي ص٥٢، القول السديد للسعدي ص٥٣، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ٥/١١،١٢. وروى عبد الرزاق: المقام "٨٩٥٧"، والفاكهي: ذكر مسح المقام "١٠٠٥" بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ارأيت أحدًا يقبل المقام أو يمسه؟ قال: أما أحد يعتد به فلا. وعطاء – وهو ابن أبي رباح – من أجلة التابعين، وممن لازم التدريس بالمسجد الحرام، فهذا يدل على إجماع الصحابة وعلماء التابعين على عدم مشروعيته، إذ لو كان مشروعًا لبادروا إلى فعله لحرصهم على الخير.
[ ٣٠٩ ]
ومثله أن يتبرك بأحجار أو تراب شيء من المواضع الفاضلة بالتمرغ عليه أو بجمعه والاحتفاظ به.
ومما يدل أيضًا على تحريم التبرك بالأشياء الفاضلة بغير ما ورد في الشرع ما ثبت في صحيح البخاري عن ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم: عمر بن الخطاب ﵁ والذي قال عنه النبي ﷺ:" إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه ""١"، وقال ﷺ عنه وعن أبي بكر:" اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ""٢"، أنه قال ﵁ لما قبَّل الحجر الأسود:"إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي
_________________
(١) وروى الأزرقي ٢/٢٩، والطبري في تفسير الآية "١٢٥" من البقرة "٢٠٠٠" بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن التابعي الجليل قتادة بن دعامة في تفسير: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها. وقال الإمام النووي في منسكه، الباب الخامس ص٣٩٧:"لا يُقبِّل مقام إبراهيم ولا يستلمه، فإنه بدعة"، وقال الهيتمي الشافعي في حاشيته عليه:"التقبيل والاستلام عبادتان مطلوبتان في الحجر الأسود، فلا يثبتان لغيره إلا بنص كذلك" ثم ذكر ما ثبت في الركن اليماني – يعني مسحه – وذكر أنه لم يثبت في المقام شيء. "١" سبق تخريجه قريبًا عند بيان النوع الثاني. "٢" سبق تخريجه قريبًا عند بيان النوع الثاني.
[ ٣١٠ ]
ﷺ يقبلك ما قبلتك"رواه البخاري ومسلم"١"، فقول عمر هذا صريح في أن تقبيل الحجر الأسود إنما هو اتباع للنبي ﷺ، فالمسلم يفعله تعبدًا لله تعالى، واقتداءً بخير البرية ﷺ، وليس من باب التبرك في شيء"٢".
وإذا كان هذا في شأن الحجر الأسود الذي هو أفضل الكعبة، فغيره من الأماكن والأشياء الفاضلة أولى، فيتعبد المسلم فيها بما ورد في الشرع ولا يزيد عليه.
ومما يدل كذلك على تحريم التبرك بالأشياء الفاضلة بغير ما ورد في الشرع ما ثبت عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عم النبي ﷺ عبد الله بن عباس -﵄– أنه أنكر على من استلم أركان الكعبة الأربعة؛ لأن النبي ﷺ لم يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني. رواه البخاري"٣"، وما ثبت عن الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير – ﵄ – من الإنكار على من مسح مقام إبراهيم"٤".
_________________
(١) "١" سبق تخريجه قريبًا. "٢" ينظر: كلام الملا علي القاري الحنفي حول هذا الأمر، والذي سبق نقله بعد تخريج هذا الحديث. "٣" صحيح البخاري، باب من لم يستلم إلا الركنين "١٦٠٨"، ورواه الإمام أحمد ١/٢١٧ مطولًا، وفيه أن معاوية قال لابن عباس - ﵃ -: صدقت. "٤" روى عبد الرزاق: باب المقام "٨٩٥٨" بإسناد صحيح عنه أنه رأى الناس يمسحون
[ ٣١١ ]
وفي ختام الكلام على هذا الموضوع – أي التبرك البدعي – أقول: إن هذا النوع من التبرك من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، ولذلك لما عصى الله تعالى بعض المسلمين بفعل التبرك البدعي أدى ذلك بكثير منهم إلى الوقوع في الشرك الأكبر، وذلك بالوقوع في التبرك الشركي، أو بالوقوع في نوع آخر من أنواع الشرك الأكبر.
وقد نقل ابن إسحاق صاحب المغازي وغيره ما يدل على أن سبب وقوع العرب في الشرك هو تعظيم حجارة حرم مكة والتبرك بها"١"، بل قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي عند كلامه على التبرك:" العامة لا تقتصر في ذلك على حد، بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ في جهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد، فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة، ولأجله
_________________
(١) المقام، فنهاهم، وقال: إنكم لم تؤمروا بالمسح، وإنما أمرتم بالصلاة، ورواه ابن أبي شيبة: مسح المقام ٤/٦١، والفاكهي "١٠٠٤" من طريق آخر. "١" ينظر: السيرة لابن هشام، قصة عمرو بن لحي ١/٧٧، السيرة لابن كثير: ذكر بني إسماعيل ١/١١٧، نقلًا عن ابن إسحاق، وقد ذكر ابن إسحاق والكلبي أن مشركي الجاهلية كانوا يتمسحون بالأصنام ويتبركون بها. ينظر: السيرة لابن هشام ١/٨١،٨٣، الأصنام للكلبي ص٤٨.
[ ٣١٢ ]
قطع عمر – ﵁ – الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ، بل هو كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية حسبما ذكره أهل السير""١"، وهذا يدل أيضًا على تحريم جميع أنواع التبرك الممنوع.
_________________
(١) "١" الاعتصام ٢/٩، وقال ابن الحاج المالكي كما في إصلاح المساجد ص "١٠١":"التعليل الذي لأجله كره العلماء رحمهم الله تعالى التمسح بالمصحف والمنبر والجدران إلى غير ذلك أن ذلك كان السبب في عبادة الأصنام". وينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ص٧٥٧،٧٥٨،٧٧٦، الحكم الجديرة بالإذاعة ص٥٥، التيسير والقول السديد، باب من تبرك بشجرة أو حجر، الدين الخالص٢/٢٥٠، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/١٠٢،١٠٤، الشرك ومظاهره للميلي الجزائري ص٩٩، جهود علماء الحنفية ص٦٢١-٦٨٢.
[ ٣١٣ ]
المبحث الثالث: رفع القبور وتجصيصها، وإسراجها، وبناء الغرف فوقها، وبناء المساجد عليها، وعبادة الله عندها.
وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن هذه الأمور كلها، ومنها:
١- ما رواه جندب بن عبد الله – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس"٢" وهو يقول:" ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك "رواه مسلم"٣".
_________________
(١) "٢" أي قبل أن يموت ﵊ بخمس ليال. "٣" صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور "٥٣٢".
[ ٣١٣ ]
٢- ما رواه ابن مسعود – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:" إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد ""١".
٣ - ما روته أم المؤمنين عائشة وابن عباس - ﵃ – قالا:"لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه"٢"، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك:" لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر مثل ما صنعوا. قالت عائشة - ﵂ -:"ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي"٣"، أن يتخذ مسجدًا". رواه البخاري ومسلم"٤".
_________________
(١) "١" رواه الإمام أحمد "٣٨٤٤،٤١٤٣، ٤٣٤٢"، وابن أبي شيبة في الجنائز ٣/٣٤٥، والطبراني "١٠٤١٣" وابن خزيمة في صحيحه "٧٨٩،٧٩٠"، وابن حبان في صحيحه "٢٣٢٥" بإسنادين أحدهما حسن، والثاني محتمل للتحسين، وقد جود إسناده شيخ الإسلام في الاقتضاء، والشوكاني في النيل ١/١٣٩، وحسنه الهيثمي في المجمع ٢/٢٧، وقال الألباني في الجنائز ص٢٨٧:"رواه أحمد بإسنادين حسنين". "٢" أي أن النبي ﷺ لما حضره الموت جعل يضع خميصة له – وهي كساء له أعلام – على وجهه الشريف ﷺ. "٣" ضبط بفتح الخاء، وضبط بضمها. ينظر: فتح الباري ٣/٢٠٠. "٤" صحيح البخاري "٤٣٥، ٤٣٦"، وصحيح مسلم "٥٢٩، ٥٣١". قال الحافظ ابن حجر الشافعي في الفتح، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور من كتاب الجنائز ٣/٢٠٠ عند قول عائشة - ﵂ -:"ولولا ذلك لأبرز قبره" قال:"أي
[ ٣١٤ ]
_________________
(١) لكشف قبر النبي ﷺ، ولم يتخذ عليه الحائل، والمراد الدفن خارج بيته، وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد النبوي، ولهذا لما وسع جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة، حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة". وقال أبو العباس القرطبي المالكي المتوفى سنة "٦٥٦هـ" في المفهم ٢/٩٣٢ عند شرحه لهذا الحديث: "ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر الرسول ﷺ فأعلوا حيطان تربته وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ﷺ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتتصوَّر الصلاة إليه بصورة العبادة فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وتحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من جهة الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره، ولهذا الذي ذكرناه كله قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبر نبيه". اهـ. وهذه العلة لدفنه ﷺ في غرفة عائشة – ﵂ – هي السبب الثابت في ذلك، لثبوته في الصحيحين كما سبق. أما حديث:" ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه " فقد اختلف في ثبوته. وعلى فرض ثبوته فهو يؤيد رواية الفتح للفظة"خشي". في حديث عائشة، وعليه يكون النبي ﷺ هو الذي أمرهم بدفنه في موضع وفاته لئلا يتخذ قبره مسجدًا. ينظر: الفتح ١/٥٢٩، و٣/٢٠٠. وكانت توسعة المسجد النبوي وإدخال غرفة عائشة - ﵂ - فيه في عهد الوليد بن عبد الملك الأموي بأمر منه بعد موت جميع الصحابة الذين بالمدينة لما احتاجوا إلى توسعته، وكانت حجرات أزواج النبي ﷺ بجانب المسجد، فاشتريت وضمت إلى المسجد، ومنها حجرة عائشة - ﵂ – التي فيها قبر خير البرية محمد ﷺ، فأعيد بناء الحجرة وجعلت مثلثة لكي لا تستقبل عند الصلاة كما سبق، وفي العصور
[ ٣١٥ ]
٤- ما رواه أبو الهياج الأسدي – ﵀ – قال: قال لي علي بن أبي طالب - ﵁ -:" ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أنْ لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته ". رواه مسلم.
٥- ما رواه جابر بن عبد الله - ﵄ – قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. رواه مسلم"٢".
_________________
(١) المتأخرة بنيت قبة على القبر، بناها أحد ملوك مصر المتأخرين، سنة ٦٧٨هـ. ينظر: تاريخ الطبري، حوادث سنة "٨٨هـ" ٦/٤٣٥، تاريخ الإسلام للذهبي الشافعي، حوادث سنة "٨١-١٠٠ "ص٣٢، اقتضاء الصراط المستقيم ص٦٨٥، مجموع الفتاوى ٢٧/٣٩٩، البداية والنهاية ١٢/٤١٣-٤١٥، الصارم المنكي ص١٩٦-٢٠١، فتح الباري، باب ما جاء في قبر النبي ﷺ ٣/٢٥٧. وقال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في آخر رسالة تطهير الاعتقاد ص٥٣:"فإن قلت: هذا قبر رسول الله ﷺ قد عمرت عليه قبة عظيمة أنفقت فيها الأموال؟ قلت: هذا جهل عظيم بحقيقة الحال، فإن هذه القبة ليس بناؤها منه ﷺ، ولا من أصحابه، ولا من تابعيهم، ولا تابعي التابعين، ولا من علماء أمته وأئمة ملته، بل هذه القبة المعمولة على قبره ﷺ من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين، وهو قلاوون الصالحي، المعروف بالملك المنصور، في سنة ٦٧٨هـ، ذكره في تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة، فهذه أمور دولية، لا دليلية يتبع فيها الآخر الأول". "١" صحيح مسلم، الجنائز، النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه "٩٦٩". "٢" صحيح مسلم "٩٧٠".
[ ٣١٦ ]
ولهذه الأحاديث شواهد كثيرة من أحاديث جمع من الصحابة بلغت حد التواتر"١".
_________________
(١) "١" وقد جزم بتواترها جمع من أهل العلم منهم شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٦٧٢، والحافظ السيوطي الشافعي في الأمر بالاتباع ص٩، والبركوي الحنفي في زيارة القبور ص٦، وأبوعبد الله الكتاني في نظم المتناثر من الحديث المتواتر رقم "١٠٩"، ومن هذه الأحاديث:
(٢) حديث أبي هريرة مرفوعًا:" اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " رواه أحمد ٢/٢٤٦ بإسناد حسن.
(٣) حديث عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة فيها تصاوير لرسول الله ﷺ فقال:" إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة "رواه البخاري "٤٣٤"، ومسلم "٥٢٨".
(٤) حديث أبي هريرة مرفوعًا:" قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "رواه البخاري "٤٣٧"، ومسلم "٥٣٠".
(٥) حديث أبي عبيدة بنحو الحديث الذي قبله، رواه الإمام أحمد ١/١٩٦، والبزار "٤٣٩"، وقال الهيثمي ٢/٢٨: "رجاله ثقات"وصححه الألباني في تحذير الساجد ص١.
(٦) حديث أسامة عند الطيالسي "منحة ٢/١١٣"، وأحمد ٥/٢٠٤، والطبراني "٣٩٣، ٤١١" بنحو حديث أبي هريرة، وقال الهيثمي ٢/٢٧:"رجاله موثقون" وقال الشوكاني في النيل ٢/١٣٩: "سنده جيد".
(٧) حديث زيد بن ثابت بنحو حديث أبي هريرة، رواه أحمد ٥/١٨٤، ١٨٦،
[ ٣١٧ ]
_________________
(١) والطبراني "٤٩٠٧"، وقال الهيثمي ٢/٢٧:" رجاله موثقون"، وقال الشوكاني في النيل ٢/١٣٩:"سنده جيد". ١٢، ١٣، ١٤- أحاديث أبي سعيد، وابن عباس، وأبي مرثد في النهي عن الصلاة إلى القبور، وفي بعضها النهي عن البناء على القبر، وستأتي مفصلة قريبًا إن شاء الله تعالى.
(٢) حديث فضالة، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بتسوية القبور. رواه مسلم "٩٦٨".
(٣) حديث معاوية بن أبي سفيان - ﵄ – قال:" إن تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى، فلا تشبهوا بهما". رواه الطبراني في الكبير ١٩/٣٥٢ رقم "٨٢٣" وإسناده حسن، وقد صححه الألباني في أحكام الجنائز ص٢٦٧، وقال الهيثمي ٣/٥٧:"رجاله رجال الصحيح".
(٤) حديث الحارث النجراني بمثل حديث جندب، رواه ابن أبي شيبة: الصلاة عند قبر النبي ﷺ ٢/٣٧٥، ٣٧٦، وصحح إسناده في تحذير الساجد ص١٥.
(٥) حديث كعب بن مالك بمثل حديث جندب، قال الهيتمي الشافعي في الزواجر ١/١٤٨:"أخرجه الطبراني بسند لا بأس به".
(٦) حديث عائشة مرفوعًا في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وفي آخره:"يحرم ذلك على أمته"رواه الإمام أحمد ٦/٢٧٤. ٢٠،٢١ - حديثا علي وأبي هريرة:" لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا " وسيأتي تخريجهما قريبًا إن شاء الله تعالى.
(٧) حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا:" الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام " رواه الإمام أحمد٣/٨، وأبو داود "٤٩٢"، وابن خزيمة في صحيحه "٧٩١"، وابن حبان
[ ٣١٨ ]
ومعنى اتخاذ القبور مساجد: بناء المساجد عليها، ويدخل فيه أيضًا جعلها مكانًا للصلاة ولو لم يبن عليها أو بينها مسجد، ويشمل السجود
_________________
(١) في صحيحه "٢٣١٦" وجود إسناده شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٦٧٧، وصححه الأرنؤوط في تعليقه على الإحسان.
(٢) حديث علي:"إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة" رواه أبو داود "٤٩٠، ٤٩١"، وهو حسن لغيره.
(٣) حديث أبي هريرة مرفوعًا:" لا تجعلوا بيوتكم مقابر "رواه مسلم "٧٨٠".
(٤) حديث ابن عمر مرفوعًا:" اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا "رواه البخاري "٤٣٢"، ومسلم "٧٧٧".
(٥) حديث أنس عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصلاة بين القبور، رواه البزار كما في كشف الأستار "٤٤١،٤٤٢،٤٤٣"، وأبو يعلى "٢٧٨٨"، وابن حبان في صحيحه "٢٣٢٢،٢٣٢٣"، وقال الهيثمي ٢/٢٧:"رجاله رجال الصحيح".
(٦) حديث عبد الله بن عمرو بنحو حديث أنس ﵁. رواه ابن حبان في صحيحه "٢٣١٩" وهو حسن لغيره.
(٧) حديث واثلة في النهي عن الصلاة إلى القبور. رواه الطبراني ٢٢/٧٩، وهو حسن لغيره. وفي الباب عدة مراسيل عن جمع من التابعين منهم الحسن بن الحسن بن علي وعمر بن عبد العزيز وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، وعطاء في النهي عن اتخاذ القبور مساجد. تنظر في الموطأ ٢/٨٩٢، ومصنف عبد الرزاق "١٥٨٧،١٥٩١"، ومصنف ابن أبي شيبة ٢/٣٧٥، وتحذير الساجد ص١٨، ١٩.
[ ٣١٩ ]
على القبر، ويشمل الصلاة إليه وجعله في قبلة المصلي، ويشمل قصد الصلاة والدعاء والذكر عنده"١".
وقد وردت أحاديث فيها النص على النهي عن هذه الأمور بخصوصها، ومنها:
١- ما رواه أبو مرثد الغنوي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:" لا تصلوا إلى القبور "٢" ولا تجلسوا عليها "رواه مسلم"٣".
_________________
(١) "١" وقد نص على هذا أو على بعضه جمع من أهل العلم، ينظر: مصنف عبد الرزاق ١/٤٠٦، الأم للإمام الشافعي ١/٢٧٨، الاقتضاء ص٦٧٧، فتح الباري ٣/٢٠٠، الأمر بالاتباع ص٦١، الزواجر ١/١٤٧، سبل السلام ١/٢٦٣، معارج الألباب للنعمي اليماني ص١٢٣، القول المفيد، باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر ١/٤٠٩. ويؤيد ذلك قوله ﷺ: " جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل "رواه البخاري "٣٣٥"، ومسلم "٥٢١". وقد وردت أحاديث خاصة في تحريم الصلاة في المقابر وإلى القبر، وقد سبق ذكر بعضها قريبًا، وقد ذكر ابن حزم في المحلى ٤/١٣٠ أن الأحاديث في ذلك بلغت حد التواتر. "٢" قال الملا علي القاري الحنفي في مرقاة المفاتيح، باب دفن الميت ٢/٣٧٢:"أي مستقبلين إليها لما فيه من التعظيم البالغ؛ لأنه من مرتبة المعبود، ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظِّم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم". "٣" صحيح مسلم: الجنائز "٩٧٢".
[ ٣٢٠ ]
٢- ما رواه أبو سعيد الخدري - ﵁ – أن رسول الله ﷺ نهى أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها"١".
٣- ما رواه ابن عباس مرفوعًا:" لا تصلوا إلى قبر، ولا تصلوا على قبر ""٢".
وورد في الأحاديث أيضًا النهي عن اتخاذ قبره ﷺ عيدًا، والعيد المكاني هو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة"٣".
ومن ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:" لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني
_________________
(١) "١" رواه الطبراني في الكبير "١٢٠٥١، ١٢١٦٨" من طريقين، وقد صححه بمجموعهما الألباني في تحذير الساجد ص٢. "٢" رواه أبو يعلى "١٠٢٠"، وابن ماجه "١٥٦٢"، وإسناد أبي يعلى صحيح، رجاله رجال مسلم، وقد صححه الألباني في أحكام الجنائز ص٢٦٤. "٣" قال الحافظ ابن القيم الحنبلي في إغاثة اللهفان ص١٩٤:"العيد: مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسمًا للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيدًا للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام التعبد فيها عيدًا"، وينظر: الاقتضاء ص٦٦٥، الأمر بالاتباع للسيوطي ص٥٨، شرح الصدور بتحريم رفع القبور للشوكاني ص٢٨.
[ ٣٢١ ]
حيث كنتم ""١"، وإذا كان هذا في حق قبره ﷺ الذي هو أفضل قبر على وجه الأرض، فكيف بقبر غيره من البشر"٢".
ولصحة هذه الأحاديث وتواترها عن النبي ﷺ وتنوع الوعيد الوارد
_________________
(١) "١" رواه أحمد ٢/٣٦٧، وأبو داود "٢٠٤٢" بإسناد حسن، وقد حسنه الحافظ ابن عبد الهادي وابن حجر وغيرهما، وقد توسعت في تخريجه في رسالة"اليهود"رقم "٥٣". وله شاهد من حديث علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، ثم روى عن أبيه عن جده مرفوعًا.. فذكره بنحو الحديث السابق، رواه إسماعيل بن إسحاق المالكي في رسالة الصلاة على النبي ﷺ "٢٠" وغيره. وقد حسنه بعض أهل العلم، تنظر: رسالة اليهود "٥٣". وله شاهد آخر من حديث الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب مرسلًا بنحو الرواية السابقة الموقوف منها والمرفوع، رواه عبد الرزاق "٦٧٢٦" وإسماعيل بن إسحاق وغيرهما. وهو حسن لغيره، وقد توسعت في تخريجه في رسالة اليهود "٥٣"، وينظر: تحذير الساجد ص٩٦. "٢" قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء ٢/٦٦٢ عند كلامه على هذا الحديث:"وجه الدلالة أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله ﷺ: " ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا " أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم". وينظر: الأمر بالاتباع للسيوطي الشافعي ص٥٨، زيارة القبور للبركوي الحنفي ص٦، ورحلة الصديق لحسن خان البخاري ص١٥٣.
[ ٣٢٢ ]
فيها"١" فقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة وجميع من سار على طريقتهم على تحريم بناء المساجد أو الغرف أو القبب على القبور أو بينها"٢".
_________________
(١) "١" قال علامة اليمن محمد بن علي الشوكاني في رسالة:"شرح الصدور بتحريم رفع القبور"ص٢٧،٢٨:"إن رفع القبور ووضع القباب والمساجد والمشاهد عليها قد لعن رسول الله ﷺ فاعله تارة، كما تقدم، وتارة قال: " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " فدعا عليهم بأن يشتد غضب الله عليهم بما فعلوه من هذه المعصية. وذلك ثابت في الصحيح. وتارة نهى عن ذلك، وتارة بعث من يهدمه، وتارة جعله من فعل اليهود والنصارى، وتارة قال: " لا تتخذوا قبري وثنًا "، وتارة قال: " لا تتخذوا قبري عيدًا " "أي موسمًا يجتمعون فيه"، كما صار يفعله كثير من عباد القبور، يجعلون لمن يعتقدون من الأموات أوقاتًا معلومة يجتمعون فيها عند قبورهم ينسكون لها المناسك، ويعكفون عليها". "٢" قال العلامة محمد بن علي الشوكاني اليماني في أول رسالة"شرح الصدور بتحريم رفع القبور"ص١٧:"اعلم أنه اتفق الناس سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة - ﵃ – إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول الله ﷺ لفاعلها – كما يأتي بيانه – ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين". وروى ابن سعد ٦/١٠٨ بإسناد حسن عن التابعي الجليل عمرو بن شرحبيل أنه قال: "لا ترفعوا جدثي – أي القبر – فإني رأيت المهاجرين يكرهون ذلك". وصححه الألباني في تحذير الساجد ص٩٨، وقال الإمام الشافعي في الأم، باب ما يكون بعد الدفن
[ ٣٢٣ ]
_________________
(١) ١/٢٧٨:"وأكره أن يبنى على القبر مسجد، أو يصلى إليه، وإن صلى إليه أجزأه، وقد أساء، وأكره هذا للسنة والآثار"، والكراهة عند السلف يراد بها التحريم، وهذا هو معناها الذي استعملت فيه في القرآن والسنة، كما في قوله تعالى بعد ذكره لجملة من عظائم الذنوب: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، وينظر: إعلام الموقعين ١/٣٩-٤٣. وقال الحافظ السيوطي الشافعي في الأمر بالاتباع ص٥٩،٦٠:"فأما بناء المساجد عليها وإشعال القناديل والشموع أو السرج، فصرح عامة علماء الطوائف بالنهي عن ذلك ولا ريب في القطع بتحريمه". وقال ابن عابدين الحنفي في حاشيته ١/٦٠١:"أما البناء عليه فلم أر من اختار جوازه". وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يعلم خلافًا بين العلماء المعروفين في تحريم إسراج القبور، ولا في تحريم اتخاذ المساجد عليها وبينها. ينظر: مجموع الفتاوى ٣/٣٩٨، و٢٢/١٩٤ و٢٤/٣٠٢، و٢٦/١٥٣، و٢٧/٤٤٨،٤٩٥، و٣١/٤٥، ٦٠، الاقتضاء ص٧٤٧، الاختيارات: الجنائز ص٨. وقال الإمام البركوي الحنفي المتوفى سنة ٩٨١هـ في زيارة القبور ص٦ عند كلامه على أحكام القبور:"وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها". وقال الإمام النووي الشافعي المتوفى سنة "٦٧٦هـ" في المجموع في الجنائز ٥/٣١٦: "اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر، سواء كان الميت مشهورًا بالصلاح أو غيره، لعموم الأحاديث"وسيأتي النقل عن بعض علماء الشافعية أن هذا من كبائر الذنوب قريبًا إن شاء الله.
[ ٣٢٤ ]
_________________
(١) وقال الإمام محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة في الآثار ٢/١٩١ عند كلامه على أحكام القبر: "نكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجد وهو قول أبي حنيفة"وقال العيني الحنفي في البناية ٣/٣٠٣:"وكره أبو حنيفة أن يبنى على القبر أو يصلى إليه، أو يصلى بين القبور"وإذا أطلق الإمام أبو حنيفة الكراهة فمراده كراهة التحريم، وعند محمد وأبي يوسف بمعنى المحرم كما نص على ذلك علماء الحنفية. ينظر: تكملة فتح القدير لابن الهمام، أول كتاب الكراهية ١٠/٤، وينظر أصله الهداية للمرغيناني الحنفي المطبوع معه. وقال الإمام القرطبي المالكي المتوفى سنة "٦٧١هـ" في تفسير الآية ٢١ من الكهف ١٠/٣٧٩،٣٨٠:"اتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه ممنوع لا يجوز"ثم ذكر الأحاديث التي فيها النهي عن ذلك، ثم قال:"قال علماؤنا: وهذا يحرِّم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد"وقال ابن عبد البر المالكي الأندلسي المتوفى سنة "٤٦٣هـ" في التمهيد ١/١٢٨ بعد ذكره لحديث عائشة في ذكر كنيسة الحبشة السابق:"هذا يحرِّم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد". وقال في المنتهى وشرحه في الفقه الحنبلي: الجنائز ١/٣٥٣:"ويحرم إسراجها – أي القبور – ويحرم التخلي على القبور وبينها، ويحرم جعل مسجد عليها وبينها". وينظر: بدائع الصنائع ١/٣٢٠، وتبيين الحقائق ١/٢٤٦، والتيسير، باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر ص٢٨٨-٢٩٠، ورسالتا"عمارة القبور" و"البناء على القبور"للمعلمي اليماني.
[ ٣٢٥ ]
كما أجمع أهل العلم على تحريم رفع القبور، سواء كان رفعها بجعل تراب القبر مرتفعًا أكثر من شبر"١" أم برفع جوانب القبر بطين أو بأحجار أو بغيرهما"٢"، وعلى تحريم إيقاد المصابيح والأنوار عندها"٣".
_________________
(١) "١" أما رفع التراب إلى مقدار شبر فهو جائز؛ لما روى ابن حبان "٦٦٣٥"، والبيهقي ٣/٤١٠ أن قبر النبي ﷺ رُفع قدر شبر. وإسناده حسن. قال ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق ٢/٢٠٩:"ويسنم قدر شبر، وقيل: قدر أربع أصابع، وما ورد في الصحيح من حديث علي: أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، محمول على ما زاد على التسنيم"، وينظر: المجموع ٥/٢٩٦، ٢٩٧. "٢" ينظر التعليق المذكور قبل التعليق السابق. "٣" ينظر التعليق المذكور قبل التعليقين السابقين. وقال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في إصلاح المساجد الباب الرابع ص ٢١٠: "وقال في شرح الإقناع: من نذر إسراج بئر أو مقبرة أو جبل أو شجرة أو نذر له أو لسكانه أو المضافين إلى ذلك المكان لم يجز الوفاء به إجماعا". وقال البركوي الحنفي المتوفي سنة "٩١٨"هـ في زيارة القبور ص٦عند ذكره لإيقاد السرج عند القبور: " صرح الفقهاء بتحريمه ولهذا قال العلماء: لا يجوز أن ينذر للقبور لا شمع ولا زيت ولا غير ذلك فإنه نذر معصية لا يجوز الوفاء به بالإتفاق ولا يوقف عليه شيئا لأجل ذلك فإن هذا الوقف لا يصح ولا يحل إثباته وتنفيذه" وقال الرومي الحنفي المتوفي سنة "١٠٤٣"هـ في المجالس الأربعة من مجالس الأبرار ص٣٦٦: "يجب إزالة كل قنديل وسرج وشمع أوقدت على القبور لأن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول الله ﷺ فكل ما لعن رسول الله ﷺ فهو من الكبائر ولهذا قال
[ ٣٢٦ ]
كما أجمعوا على تحريم الصلاة في المسجد الذي بني على قبر"١"، وقال
_________________
(١) العلماء لا يجوز أن ينذر للقبور الشمع ولا الزيت ولا غير ذلك فإنه نذر معصية لا يجوز الوفاء به ". "١" قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٧٧٥:"فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو غيره، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك، ولأجل أحاديث أخر". وفي الاختيارات لشيخ الإسلام أيضًا ص٤٤:"عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم – أي الإمام أحمد وأصحابه – يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولًا لحرمة القبر الواحد وفنائه المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره أنه لا يجوز الصلاة فيه – أي المسجد الذي قبلته إلى القبر – حتى يكون بين الحائط – أي حائط المسجد – وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم أنه منصوص أحمد". وقال شيخ الإسلام في رسالة"الجواب الباهر في زور المقابر"كما في مجموع الفتاوى ٢٦/ ٣٤٨، ٤٢٤:"والصلاة في المساجد المبنية على القبور منهي عنها مطلقًا، بخلاف
[ ٣٢٧ ]
كثير منهم ببطلان هذه الصلاة، لأجل النهي عنها"١".
وأجمعوا على أنه لا يجوز دفن الميت في المسجد"٢"، وأجمعوا على وجوب إزالة المسجد المبني على القبر، أو إزالة صورة القبر من المسجد،
_________________
(١) مسجده ﷺ، فإن الصلاة فيه بألف صلاة، فإنه أسس على التقوى، وكانت حرمته في حياته ﷺ وحياة خلفائه الراشدين قبل دخول الحجرة فيه، فإنها أدخلت بعد انقراض عصر الصحابة وهم لم يقصدوا دخول الحجرة فيه، وإنما قصدوا توسيعه بإدخال حجر أزواج النبي ﷺ، فدخلت الحجرة فيه ضرورة، مع كراهة من كره ذلك من السلف". وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في فتح الباري ٢/٤٤٢ بعد ذكره رواية لحديث عائشة في لعن من اتخذ القبور مساجد، وفي آخرها زيادة:"يحرم ذلك على أمته"قال:"وقد اتفق أئمة الإسلام على هذا المعنى". وينظر التعليق الآتي عند ذكر حكاية الإجماع على أن الذهاب إلى القبور للتعبّد لله عندها من البدع. "١" ينظر: مجموع الفتاوى ٣/٣٩٨، وفتح الباري للحافظ ابن رجب ٢/٣٩٩. وقال علامة اليمن محمد بن علي الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره لأحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة، وبعد نقله قول ابن حزم: إن الأحاديث في ذلك متواترة ج٢ص١٣٧: "أحاديث النهي المتواترة كما قال ذلك الإمام لا تقصر عن الدلالة على التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له، وقد تقرر في الأصول: أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، فيكون الحق التحريم والبطلان، لأن الفساد الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان من غير فرق بين الصلاة على القبر وبين المقابر وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة". "٢" قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ٢٢/١٩٤، ١٩٥:"اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غيّر
[ ٣٢٨ ]
وصرح كثير منهم بوجوب إزالة كل بناء على القبور أو رفع لها"١".
_________________
(١) إما بتسوية القبر، وإما بنبشه إن كان جديدًا، وإن كان المسجد بني بعد القبر فإما أن يزال المسجد، وإما أن تزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإنه منهي عنه". وقال ابن عبد الباقي في شرح الموطأ كما في التيسير ص٢٩٥:"روى أشهب عن مالك أنه كره لذلك أن يدفن الميت في المسجد". وقال الحافظ العراقي الشافعي كما في فيض القدير للمناوي ٥/٢٤٧: "لو بنى مسجدًا بقصد أن يدفن في بعضه دخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد، وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط، لمخالفته لمقتضى وقفه مسجدًا". وقال مرعي الحنبلي المقدسي في دليل الطالب ١/١٧٧:"ويحرم إسراج المقابر، والدفن في المساجد، وفي ملك الغير، ويُنبش" "١"قال الحافظ السيوطي الشافعي المتوفى سنة "٩١١هـ" في الأمر بالاتباع ص٦١:"فهذه المساجد المبنية على القبور يتعين إزالتها، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف". وقال الشيخ أحمد الرومي الحنفي المتوفى سنة "١٠٤٣هـ" كما في المجالس الأربعة من مجالس الأبرار ص٣٦٦: "المساجد المبنية على القبور فإن حكم الإسلام فيها أن تهدم كلها حتى تسوى بالأرض، وكذا القباب التي بنيت على القبور يجب هدمها؛ لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ ومخالفته، وكل بناء أسس على معصية الرسول ﷺ ومخالفته فهو بالهدم أولى من مسجد الضرار؛ لأنه ﵊ نهى عن البناء على القبور، ولعن المتخذين عليها مساجد، فيجب المبادرة والمسارعة إلى هدم ما نهى عنه رسول الله ﷺ ولعن فاعله".
[ ٣٢٩ ]
وأجمعوا أيضًا على أن الذهاب إلى القبور بقصد التعبد لله تعالى عندها، بالصلاة عندها أو إليها، أو للذبح لله عندها، أو دعاء الله تعالى
_________________
(١) وجاء في فتاوى الإمام النووي الشافعي ص٤٦ ما نصه:"مسألة: مقبرة مسبلة للمسلمين بني إنسان فيها مسجدًا وجعل فيها محرابًا، هل يجوز ذلك؟ وهل يجب هدمه؟ الجواب: لا يجوز له ذلك، ويجب هدمه؟ ". وقال الإمام النووي أيضًا في شرح مسلم ٧/٣٧، ٣٨:"قال الشافعي في الأم: ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى، ويؤيد الهدم قوله - أي في الحديث -:" ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته ". وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي في شرح المنهاج كما في روح المعاني ٨/٢٢٦:"وقد أفتى جمع بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية، حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة التي بناها بعض الملوك، وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة فيتعين الرفع للإمام أخذًا من كلام ابن الرفعة في الصلح". وقال الإمام القرطبي المالكي المتوفى سنة ٦٧١هـ في تفسيره ١٠/٣٨١ بعد ذكره لحديث علي:" ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته "، قال:"قال علماؤنا: ظاهرة منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون لاطئة، وقد قال به بعض أهل العلم، وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم، ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم، وذلك صفة قبر نبينا محمد ﷺ وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيمًا وتعظيمًا فذلك يهدم ويزال، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، تشبهًا بمن كان يعظم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي ينبغي أن يقال: هو حرام، والتسنيم في القبر ارتفاعه قدر شبر". وينظر: التعليق السابق، والتعليق السابق عند ذكر حكاية الإجماع على تحريم الصلاة في المسجد الذي بُني على قبر.
[ ٣٣٠ ]
عندها"١"، أو بغير ذلك من العبادات أن ذلك كله من البدع المنهي عنها"٢".
_________________
(١) "١" قال العلامة محمد بن بشير السهسواني الهندي في صيانة الإنسان ص٢٦٥:"المقصود من الدعاء الذي ينهى عنه عند القبر هو الدعاء الذي يقصد زيارة القبر لأجله، ويظن أن الدعاء عند القبر مستجاب، وأنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد زيارته لأجل طلب حوائجه، وأما الدعاء لنفسه عند القبر بالعافية وعدم حرمان الأجر وعدم الفتنة تبعًا للدعاء لأصحاب القبور والترحم عليهم والاستغفار لهم فلا ينهى عنه أحد من المسلمين". "٢" ينظر: مجموع الفتاوى ١/٣٥٤، و٢٣/٢٢٤، و٢٤/٣١٨،٣٢٠، و٢٦/١٤٦-١٥٦، و٢٧/٢٢، ١١٥،١٣٠-١٥٢، ١٨٠،٣٨٠،٤٨٨،٤٩٥، واقتضاء الصراط المستقيم ص٦٨٠-٦٨٧، وص٧٦٢-٧٧٥، وص٨٢٧، الصارم المنكي ص١٠٩،١٧٨، ١٧٩، رحلة الصديق ص١٥٣. وروى ابن حزم في المحلى ٤/٣٢ النهي والتغليظ على الصلاة في المقبرة أو عند القبر عن جمع من الصحابة، ثم قال:"فهؤلاء عمر وعلي وأبو هريرة وأنس وابن عباس ما نعلم لهم مخالفًا من الصحابة". وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – عمن يأتي إلى قبر نبي أو غيره من الصلحاء ثم يدعو في كشف كربته، فأجاب كما في مجموع الفتاوى ٢٧/١٥١،١٥٢:"الحمد لله رب العالمين، ليس ذلك بسنة بل هو بدعة، لم يفعل ذلك رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، ولا من أئمة الدين الذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم، ولا أمر بذلك ولا استحبه: لا رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، ولا أئمة الدين، بل لا يعرف هذا عن أحد من أهل العلم والدين من القرون المفضلة التي أثنى عليها رسول الله ﷺ: من الصحابة والتابعين وتابعيهم، لا من أهل الحجاز، ولا من اليمن، ولا الشام، ولا العراق، ولا مصر، ولا المغرب، ولا خراسان، وإنما أحدث بعد ذلك،
[ ٣٣١ ]
_________________
(١) ومعلوم أن كل ما لم يسنه ولا استحبه رسول الله ﷺ ولا أحد من هؤلاء الذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم فإنه يكون من البدع المنكرات.. فمن اتخذ عملًا من الأعمال عبادة ودينًا وليس ذلك في الشريعة واجبًا ولا مستحبًا فهو ضال باتفاق المسلمين". وقال الإمام النووي في المجموع ٥/٣١٦،٣١٧:"قال الشافعي والأصحاب: وتكره الصلاة إلى القبور، سواء كان الميت صالحًا أو غيره. قال الحافظ أبو موسى: قال الإمام أبو الحسن الزعفراني – ﵀ -: ولا يصلى إلى قبر ولا عنده تبركًا به وإعظامًا له، للأحاديث"، وقال الملا علي القاري الحنفي في المرقاة ٢/٣٧٢ عند شرحه لحديث"لا تصلوا إلى القبور"قال:"ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه حقيقة لكفر المعظِّم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم". وقال الحافظ السيوطي الشافعي في الأمر بالاتباع ص٦٣ عند كلامه على أحكام القبور:"فأما إن قصد الإنسان الصلاة عندها، أو الدعاء لنفسه في مهامه وحوائجه متبركًا بها راجيًا للإجابة عندها فهذا عين المحادة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه وشرعه، وابتداع دين لم يأذن به الله ولا رسوله ولا أئمة المسلمين المتبعين آثاره وسننه". وقال البركوي الحنفي في"زيارة القبور"ص٦:"وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها – أي على القبور – والصلاة إليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، ونص أصحاب أحمد ومالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة وإن أطلقت الكراهة لكن ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم، إحسانًا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن النبي ﷺ لعن فاعله والنهي عنه".
[ ٣٣٢ ]
وأجمعوا كذلك على أن الطواف بالقبور تقربًا إلى الله تعالى أو إلى غيره محرم"١".
وذكر بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية أن هذه الأمور كلها من كبائر الذنوب"٢".
_________________
(١) وحكى إسماعيل بن إسحاق المالكي والقاضي عياض المالكي كما في صيانة الإنسان للسهسواني ص٢٦٠، ٢٦٢ عن الإمام مالك أنه قال:"لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي"، وقال المناوي الشافعي في فيض القدير ٦/٤٠٧ عند شرحه لحديث:" لا تصلوا إلى قبر ولا على قبر "قال:"إن قصد إنسان التبرك بالصلاة في تلك البقعة فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة، فهي مكروهة كراهة تحريم" انتهى كلامه ملخصًا، وينظر التعليق المذكور بعد التعليق الآتي. "١" قال الكناني الشافعي في هداية السالك: الزيارة ٣/١٣٩١:"ولا يجوز أن يطاف بقبره ﷺ، ولا ببناء غير الكعبة الشريفة بالاتفاق". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٦/١٤٦ عند كلامه على زيارة قبر النبي ﷺ:"واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرة ولا يقبلها ولا يطوف بها ولا يصلي إليها، وإذا قال في سلامه: السلام عليك يا رسول الله، يا نبي الله، يا خيرة الله من خلقه، ويا أكرم الخلق على ربه، يا إمام المتقين، فهذا كله من صفاته بأبي هو وأمي ﷺ، ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة، فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة"وينظر أيضًا: مجموع الفتاوى ٢/٥٢١، و٤/٥٢١، و٢٦/١٤٩، الصارم المنكي ص٢١٤، ٢١٥. "٢" قال الهيتمي الشافعي في الزواجر عن اقتراف الكبائر " الكبيرة ٩٣-٩٨ج١ ص١٤٨،١٤٩":"الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ
[ ٣٣٣ ]
وحكى بعض العلماء من الحنفية وغيرهم الإجماع على أنه لا يستحب السفر من أجل زيارة القبر"١".
_________________
(١) القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثانًا، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها"ثم ذكر الأحاديث التي فيها النهي عن هذه الأمور ولعن فاعلها، ثم قال:"تنبيه: عد هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية، وكأنه أخذ ذلك مما ذكرته من هذه الأحاديث، ووجه أخذ اتخاذ القبر مسجدًا منها واضح؛ لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله يوم القيامة، ففيه تحذير لنا، ومن ثم قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركًا وإعظامًا وكون هذا الفعل كبيرة ظاهر من الأحاديث المذكورة لما علمت" انتهى كلامه – ﵀ – بحروفه مختصرًا. وقد نقل الألوسي الحنفي كلام الهيتمي هذا مقرًا له مستحسنًا له في تفسيره روح المعاني ٨/٢٢٥،٢٢٦. "١" قال البركوي الحنفي المتوفى سنة ٩٨١هـ في"زيارة القبور"ص٢٢ عند كلامه على مفاسد الغلو في القبور:"ومنها السفر إليها مع التعب الأليم والإثم العظيم، فإن جمهور العلماء قالوا: السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة، لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول رب العالمين، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك قربة وطاعة فقد خالف السنة والإجماع – أي الإجماع على عدم الاستحباب – ولو سافر إليها بذلك الاعتقاد – أي اعتقاد أن السفر مستحب – يحرم بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك". وينظر: مجموع الفتاوى ٤/٥٢٠، و٢٦/١٥٠، و٢٧/١٣-٣٨٥، الصارم المنكي ص١٠٩، ٢١٩،٢٢٠، رحلة الصديق إلى البيت العتيق، لصدّيق حسن خان البخاري،
[ ٣٣٤ ]
فيجب على المسلم الذي يريد لنفسه السلامة البعد عن هذه البدع المحرمة التي نهى عنها النبي ﷺ وغلظ على من فعلها، كما ابتعد عنها جميع سلف هذه الأمة اتباعًا منهم للنبي ﷺ، واجتنابًا لما نهى عنه"١".
_________________
(١) الباب الخامس ص١٣٩-١٥٠. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٧/٣٠٨:"علماء المسلمين إذا تنازعوا في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث، بل القول الثالث يكون مخالفًا لإجماعهم، والمسلمون تنازعوا في السفر لغير المساجد الثلاثة على قولين: هل هو حرام أو جائز غير مستحب، فاستحباب ذلك قول ثالث مخالف للإجماع، وليس من علماء المسلمين من قال: يستحب السفر لزيارة القبور". قلت: والعمدة في تحريم السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة حديث:" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ". متفق عليه، وقد أجاد محدث الشام الألباني ﵀ في بيان أن المراد من الحديث النهي عن السفر إلى بقعة سوى المساجد الثلاثة، وأيضًا قد ثبت الإنكار من أبي بصرة وابن عمر على من أراد السفر إلى جبل الطور بسيناء، واستدلا على ذلك بهذا الحديث، وأقر أبو هريرة أبا بصرة على ذلك بسكوته، فهؤلاء ثلاثة من الصحابة يرون المنع من ذلك، ولم يخالفهم أحد في عصرهم، وقد قال بتحريم السفر إلى القبور أيضًا من المتأخرين علماء من كافة المذاهب من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، ينظر: فتح الباري لابن حجر: شرح حديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ٣/٦٥، وحجة الله البالغة للدهلوي الحنفي ١/١٩٢، والجنائز للألباني ص٢٨٥-٢٩٣، وتنظر المراجع المذكورة أول هذا التعليق. "١" قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٧٦٢:"ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين
[ ٣٣٥ ]
_________________
(١) وتابعيهم في بلاد الإسلام، لا الحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا خراسان ولا مصر ولا المغرب مسجد مبني على قبر، ولا مشهد يقصد للزيارة أصلًا، ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي، لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ، ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه، واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل قبره. وينظر المرجع نفسه ص٧٦٩، ومجموع الفتاوى ٢٧/٨١،٤٦٦، الصارم المنكي ص١٠٩، الدرر السنية ١/٣٠٥، ٣٠٦. وقال علامة اليمن الإمام المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني في حاشيته"العدة"على إحكام الأحكام لابن دقيق العيد في الجنائز شرح الحديث الحادي عشر ٣/٢٥٨، ٢٥٩: "وكان البناء على القبور رأي الجاهلية ودأبهم، ولهذا أخرج مسلم وأصحاب السنن عن أبي الهياج الأسدي عن علي ﵁ أنه قال له: ألا ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ، أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته فإن قلتَ: ما هذا البلاء الذي عم الدنيا فلا تجد بلدة من بلاد الإسلام غالبًا إلا فيها قباب ومشاهد مجصصة مفضضة مبني عليها، ويسرجون عليها الشموع والقناديل بحيث إنها تضاهي كنائس أهل الكتاب أو تنيف عليها؟ . قلتُ: هذا يفعله الذين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، وهل يفعل هذا إلا ملوك الدنيا وأساطين الظلم الذين يأكلون أموال الناس بالباطل؟ وهل فعله الصحابة بقبره ﷺ، وهو أشرف قبر على وجه الأرض؟ بل كان قبره ﷺ كما رواه أبو داود وغيره عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: دخلت على عائشة – ﵂ – فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن
[ ٣٣٦ ]
وعليه فمن أصر على فعل شيء من هذه الأمور المحرمة أو دعا إلى فعلها فقد عرّض نفسه لعقوبة الله في الدنيا والآخرة.
والبعد عن هذه الأمور التي حذر منها نبينا – ﵊ – علامة على محبته ﷺ، وفعلها محادة له – ﵊ – ومخالفة لسنته ورد لها"١".
_________________
(١) قبر النبي ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. وكذلك لم يفعله أمير المؤمنين بقبر سيدة نساء العالمين فاطمة بنت سيد المرسلين، ولا فعله الحسنان بقبر أبيهما أمير المؤمنين ﵇، ولا يعلم عن أحد من أئمة الدين وصالحي عباد الله فعل ذلك". وقال الصنعاني أيضًا في المرجع السابق ٣/٢٦١:"التحقيق أن قبره ﷺ لم يعمر عليه المسجد لأنه موضع مستقل قبل بناء المسجد بدفنه ﷺ، فلم يصدق عليه أنه جعل قبره مسجدًا أو وثنًا يعبد، بل قد أجاب الله دعاءه فدفن في بيته وفي منزله الذي يملكه أو تملكه زوجه عائشة، وكان المسجد أقرب شيء إليه، ثم لما وسع المسجد لم يخرج ﷺ عن بيته ولا جعل بيته مسجدًا، بل غايته أنه اتصل المسجد به اتصالًا أشد مما كان، فالذي يصدق عليه أنه اتخذ مسجدًا إنما هو أن يدفن الميت في مسجد مسبل أو في مباح ثم يعمر عليه مسجد". وينظر فيما يتعلق بمسجد النبي ﷺ أيضًا التعليق السابق المذكور بعد تخريج الحديث الثالث من أحاديث النهي عن رفع القبور والبناء عليها، وينظر: كتاب"المشاهد المعصومية"للمعصومي الحنفي ص٢٨٠، ٢٩٢. "١" فهو ﷺ لشدة حرصه على استقامة أمته على الحق حثهم عند وفاته على الحرص على بعض
[ ٣٣٧ ]
ـ
_________________
(١) الأمور المهمة في الإسلام كعمود الإسلام: الصلاة، وحذرهم من فعل بعض الأمور التي توقعهم في الشرك، وهو اتخاذ القبور مساجد، كما أن لهذا التحذير علة أخرى أيضًا أشار إليها ابن حجر الشافعي في الفتح ١/٥٣٢ عند شرحه لحديث عائشة السابق، فقال:"وكأنه ﷺ علم أنه مرتحل من ذلك المرض فخاف أن يعظم قبره، كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم". وقال علامة العراق محمود الألوسي البغدادي الحنفي في تفسيره "روح المعاني"في تفسير الآية "٢١" من سورة الكهف ٨/٢٢٥-٢٢٨:"استُدل بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء، واتخاذ مسجد عليها، وجواز الصلاة في ذلك، وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي، وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد"ثم ذكر الأحاديث التي فيها النهي عن هذه الأمور، وأقوال بعض العلماء في تحريمها وكونها من كبائر الذنوب، وقولهم بوجوب هدم ما بني على القبور، ثم ذكر عدم صحة الاستدلال بهذه الآية على بناء المساجد على القبور، ثم قال:"وبالجملة لا ينبغي لمن له أدنى رشد أن يذهب إلى خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة، والآثار الصريحة معولًا على الاستدلال بهذه الآية، فإن ذلك في الغواية غاية، وفي قلة النُّهى نهاية، ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور الصالحين من إشرافها وبنائها بالجص والآجر، وتعليق القناديل عليها، والصلاة إليها، والطواف بها، واستلامها والاجتماع عندها في أوقات مخصوصة، إلى غير ذلك محتجًا بهذه الآية الكريمة، وبما جاء في بعض روايات القصة من جعل الملك لهم في كل سنة عيدًا، وجعله إياهم في توابيت من ساج ومقيسًا البعض على البعض، وكل ذلك محادة لله تعالى ورسوله ﷺ، وإبتداع دين لم
[ ٣٣٨ ]
كما أن في فعل هذه الأمور المحرمة في السنة تقديم لأقوال المشايخ وعادات الآباء والأجداد على سنة الحبيب محمد بن عبد الله ﷺ، وفعل لما يبغضه ﵊ أشد البغض، ولذلك حذر منه عند فراقه للدنيا أشد التحذير وغلظ على من فعله"١"، وعليه فمن فعل ذلك وأصر عليه بعد
_________________
(١) يأذن به الله ﷿. ويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله ﷺ في قبره – ﵊ – وهو أفضل قبر على وجه الأرض، والوقوف على أفعالهم في زيارتهم له والسلام عليه – ﵊ – فتتبع ذلك وتأمل ما هنا وما هناك والله ﷾ يتولى هداك". وقال البركوي الحنفي في زيارة القبور ص١٩، ٢٠: "ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به، ونهى عنه، وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادًا للآخر مناقضًا له بحيث لا يجتمعان أبدًا، فإنه ﵇ نهى عن الصلاة إلى القبور وهم يخالفونه ويصلون عندها، ونهى عن اتخاذ المساجد عليها وهم يخالفونه ويبنون عليها مساجد ويسمونها مشاهد، ونهى عن إيقاد السرج عليها وهم يخالفونه ويوقدون عليها القناديل والشموع، بل يوقفون لذلك أوقافًا، وأمر بتسويتها وهم يخالفونه ويرفعونها من الأرض كالبيت، ونهى عن تجصيصها والبناء عليها، وهم يخالفونه ويجصصونها ويعقدون عليها القباب، ونهى عن اتخاذها عيدًا، وهم يخالفونه ويتخذونها عيدًا، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد وأكثر، والحاصل أنهم مناقضون لما أمر به الرسول ﷺ، ونهى عنه، ومحادون لما جاء به"وينظر: معارج الألباب لحسين النعمي اليماني ص٥٤. "١" قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٦٨٠:"فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور
[ ٣٣٩ ]
علمه بنهي النبي ﷺ عنه، ولعنه لمن فعل ذلك عند فراق هذه الحياة لحرصه الشديد على بُعد أمته عنه، فذلك علامة على استهانته بسنة النبي ﷺ وعدم مبالاته بمخالفتها، وهذا أكبر برهان على نقص محبته للنبي ﷺ، كما أن فعل ذلك من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في أصحاب القبور والتعلق بهم حتى يصل إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة"١".
_________________
(١) الأنبياء والصالحين متبركًا بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ولرسوله ﷺ والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين الرسول ﷺ من أن الصلاة عند القبر – أي قبر كان – لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلًا، بل مزية شر"، وينظر: فتح الباري لابن رجب ٢/٤٤١، ٤٤٢، وينظر كلام الحافظ السيوطي الذي سبق نقله في التعليق المذكور قريبًا عند حكاية الإجماع على تحريم الطواف بالقبور تقربًا إلى الله تعالى. "١" ذكر شيخ الإسلام في الاقتضاء ٢/٦٧٨،٦٧٩،٧٧٦ أن هذه العلة – وهي خوف الوقوع في الشرك الأكبر – علة صحيحة للنهي عن اتخاذ القبور مساجد باتفاق العلماء. وينظر: مجموع الفتاوى ١١/٢٩٢، و١٩/٤١، و٢١/٣٢١-٣٢٣، و٢٧/٤٨٨،٤٨٩. وقال الإمام الشافعي في الأم ٢/٢٧٨:"كره - أي النبي ﷺ - والله أعلم أن يعظمه أحد من المسلمين – يعني يتخذ قبره مسجدًا – ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعده". وقال الحافظ السيوطي الشافعي في الأمر بالاتباع ص٦٢:"المقصود الأكبر بالنهي إنما هو مظنة اتخاذها أوثانًا، كما ورد عن الإمام الشافعي، وهذه العلة
[ ٣٤٠ ]
_________________
(١) التي لأجلها نهى الشارع ﷺ هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه". وقال الإمام النووي الشافعي في شرح مسلم ٥/١٣:"قال العلماء: إنما نهى النبي ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية". وقد ذكر الحافظ ابن القيم الحنبلي في إغاثة اللهفان ص١٨٨، ١٨٩ ما رواه ابن جرير عن مجاهد من عكوف قوم نوح على قبر اللات، وما قاله غير واحد من السلف من أن ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا قومًا صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، ثم قال ابن القيم: "فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسر واللات إنما كان من تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها". وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني ٣/٤٤١:"وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها". وقال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٦٨٠:"وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي أوقعت كثيرًا من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب، ونحو ذلك. فلأن يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله. ولهذا نجد أقوامًا كثيرين يتضرعون عندها – أي عند القبور – ويخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد، بل ولا في السحر، ومنهم من
[ ٣٤١ ]
فيؤدي ذلك إلى أن القبر وثنًا يُعبد من دون الله"١".
ولذلك لما سَنَّ العُبيديون المنتسبون إلى التشيع في مصر وغيرها سنة سيئة؛ وذلك ببناء المساجد والقباب والمشاهد على القبور، وكانوا أول من أحدثها في ديار الإسلام"٢" تقليدًا لليهود والنصارى"٣" انتشر وكثر الغلو في القبور.
_________________
(١) يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال". وينظر: تفسير الإمام القرطبي ١٠/٣٨٠، والصارم المنكي ص٤٥٩، وزيارة القبور للبركوي الحنفي ص٢٧-٣٢، والسيل الجرار للشوكاني: الجنائز ١/٣٦٧، ٣٦٨، والتيسير، باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا، ودلائل التوحيد للقاسمي ص١٠٦. "١" قال الشيخ حسين بن محمد المغربي في شرح بلوغ المرام لابن حجر بعد ذكره لأحاديث لعن من اتخذ القبور مساجد، قال:"وهذه الأخبار المعبر عنها باللعن والتشبيه بقوله: لا تجعلوا قبري وثنًا يعبد من دون الله. تفيد التحريم للعمارة والتزيين والتجصيص ووضع الصندوق المزخرف ووضع الستائر على القبر وعلى سمائه والتمسح بجدار القبر، وأن ذلك قد يفضي مع بعد العهد وفشو الجهل إلى ما كان عليه الأمم السابقة من عبادة الأوثان، فكان في المنع عن ذلك بالكلية قطع لهذه الذريعة المفضية إلى الفساد، وهو المناسب للحكمة المعتبرة في شرع الأحكام من جلب المصالح ودفع المفاسد، سواء كانت بأنفسها أو باعتبار ما تفضي إليه". انتهى، وقد نقل كلامه هذا الإمام الصنعاني في سبل السلام ٢/٢١٤ ثم قال:"وهذا كلامٌ حسن". "٢" ينظر: مجموع الفتاوى ٢٧/١٦٧، ١٧٤،٤٦٥،٤٦٦. "٣" سبق ذكر الأحاديث التي فيها بيان أن هذا من فعل اليهود والنصارى، وقال الإمام
[ ٣٤٢ ]
_________________
(١) الطحاوي الحنفي المتوفى سنة "٣٢١هـ" كما في مختصر اختلاف العلماء للجصاص الحنفي المتوفى سنة "٣٧٠هـ" ١/٤٠٧: "قال الليث: بنيان القبور ليس من حال المسلمين، وإنما هو من حال النصارى". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٧/٤٦١،٤٦٢:"والذين يعظمون القبور والمشاهد لهم شبه شديد بالنصارى حتى أني لما قدمت القاهرة اجتمع بي بعض معظّميهم من الرهبان، وناظرني في المسيح ودين النصارى، حيث بينت له فساد ذلك، وأجبته عما يدعيه من الحجة، وكان من آخر ما خاطبت به النصراني أن قلت له: أنتم مشركون، وبينت من شركهم ما هم عليه من العكوف على التماثيل والقبور وعبادتها والاستغاثة بها،. قال لي: نحن ما نشرك بهم ولا نعبدهم، وإنما نتوسل بهم كما يفعل المسلمون إذا جاءوا إلى قبر الرجل الصالح، فيتعلقون بالشباك الذي عليه ونحو ذلك. فقلت له: وهذا أيضًا من الشرك، ليس هذا من دين المسلمين وإن فعله الجهال، فأقر أنه شرك.. وكان بعض النصارى يقول لبعض المسلمين: لنا سيد وسيدة ولكم سيد وسيدة: لنا السيد المسيح والسيدة مريم، ولكم السيد الحسين والسيدة نفيسة، فالنصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين مما يوافق دينهم، ويشابهونهم فيه، ويحبون أن يقوى ذلك ويكثر". وقال الألباني في تحذير الساجد ص١٢٤:"قرأت مقالًا في مجلة المختار عدد مايو ١٩٥٨م تحت عنوان "الفاتيكان المدينة القديمة المقدسة" يصف فيه كاتبه"رونالد كارلوس بيتي"كنيسة بطرس في هذه المدينة فيقول ص٤٠:"إن كنيسة القديس بطرس، وهي أكبر كنيسة من نوعها في العالم المسيحي، تقوم على ساحة مكرسة
[ ٣٤٣ ]
ثم إنه لما تبع كثيرٌ من المسلمين العبيديين في بناء القبور، وجعلوا المقابر مكانًا للصلاة والدعاء"١"، أدى بهم ذلك إلى عبادة المقبورين من دون الله، فأصبحوا يستغيثون بهم، ويطلبون منهم كشف الكربات، وجلب النفع"٢"، ويطوفون بقبورهم تقربًا إليهم، ويذبحون عندها تقربًا إليهم،
_________________
(١) للعبادة منذ سبعة عشر قرنًا، إنها قائمة على قبر القديس نفسه، وتحت أرضيتها يقع تيه من المقابر الأثرية". "١" قال العلامة محمد بن علي الشوكاني اليماني في آخر رسالة"شرح الصدور بتحريم رفع القبور"ص٣٩،٤٠ ردًا على من قال من أئمة الزيدية وغيرهم: إنه يصح بناء المساجد على قبور أهل الفضل والصلاح، قال: "ثم انظر كيف يصح استثناء أهل الفضل برفع القباب على قبورهم، وقد صح عن النبي ﷺ كما قدمناه أنه قال: أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا. ثم لعنهم بهذا السبب. فكيف يسوغ من مسلم أن يستثني أهل الفضل بفعل هذا المحرم الشديد على قبورهم، مع أن أهل الكتاب الذين لعنهم الرسول ﷺ وحذر الناس ما صنعوا لم يعمروا المساجد إلا على قبور صلحائهم. ثم هذا رسول الله ﷺ سيد البشر وخير الخليقة وخاتم الرسل، وصفوة الله من خلقه ينهى أمته أن يجعلوا قبره مسجدًا أو وثنًا أو عيدًا، وهو القدوة لأمته فإن كان هذا محرمًا منهيًا عنه، ملعونًا فاعله في قبر رسول الله ﷺ، فما ظنك بقبر غيره من أمته؟ ". "٢" قال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في دلائل التوحيد ص١٠٨:"وهذا علي ﵁ يقول لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها. وعلى هذا النهج الواضح من المحافظة
[ ٣٤٤ ]
وهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة"١".
_________________
(١) على التوحيد سار السلف الصالح وأئمة الهدى من بعدهم، لم يسمحوا لأحد أن يخرق سياج التوحيد، أو يستبيح بيضته، حتى نبتت طوائف الشيعة والمتصوفة، فأعملوا فيه معاول هدمهم بغلوهم في أئمتهم وشيوخهم وتقديسهم للمشاهد والمزارات، وتبركهم بالآثار والمخلفات، وسجودهم على العتبات وتقديمهم النذور والقربانات. وما زال الأمر يستفحل والخطر يشتد حتى وصل إلى ما نشاهده الآن في معظم بلاد الإسلام من إقامة القباب على القبور، وإنشاء المقاصير حولها وتزيينها بالزخارف وفرشها بالبسط، وإيقاد السرج عليها ووضع صناديق النذور عندها، وفتحها للزائرين والزائرات يحجون إليها ويرتكبون عندها كثيرًا من الأعمال الشركية، كالطواف والتقبيل ووضع النذور والتوسل والمناجاة وذبح القرابين، وإقامة المهرجانات الجاهلية التي يسمونها الاحتفالات، إلى غير ذلك مما يخالف عقيدة الإسلام، وينقض الإيمان". "١" قال علامة اليمن محمد بن علي الشوكاني في رسالة "شرح الصدور بتحريم رفع القبور" بعد ذكره للاعتقاد الشركي بأن أصحاب القبور ينفعون ويضرون، قال ص٣٠-٣٢: "لا شك ولا ريب أن السبب الأعظم الذي نشأ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما زيّنه الشيطان للناس من رفع القبور، ووضع الستور عليها، وتجصيصها وتزيينها بأبلغ زينة، وتحسينها بأكمل تحسين. فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بنيت عليه قبة فدخلها، ونظر على القبور الستور الرائعة والسرج المتلألئة، وقد سطعت حوله مجامر الطيب، فلا شك ولا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيمًا لذلك القبر، ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الميت من المنزلة، ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين، وأشد وسائله إلى ضلال العباد ما يزلزله عن الإسلام قليلًا قليلًا، حتى يطلب من صاحب ذلك القبر ما لا يقدر عليه إلا الله
[ ٣٤٥ ]
_________________
(١) سبحانه. فيصير في عداد المشركين. وقد يحصل له هذا الشرك بأول رؤية لذلك القبر الذي صار على تلك الصفة، وعند أول زورة له إذ لا بد أن يخطر بباله أن هذه العناية البالغة من الأحياء بمثل هذا الميت لا تكون إلا لفائدة يرجونها منه، إما دنيوية أو أخروية، فيستصغر نفسه بالنسبة إلى من يراه من أشباه العلماء زائرًا لذلك القبر وعاكفًا عليه ومتمسحًا بأركانه، وقد يجعل الشيطان طائفة من إخوانه من بني آدم يقفون على ذلك القبر، يخادعون من يأتي إليه من الزائرين، يهولون عليهم الأمر، ويصنعون أمورًا من أنفسهم، وينسبونها إلى الميت على وجه لا يفطن له من كان من المغفلين، وقد يصنعون أكاذيب مشتملة على أشياء يسمونها كرامات لذلك الميت، ويبثونها في الناس، ويكررون ذكرها في مجالسهم وعند اجتماعهم بالناس، فتشيع وتستفيض ويتلقاها من يحسن الظن بالأموات، ويقبل عقله ما يروى عنهم من الأكاذيب، فيرويها كما سمعها، ويتحدث بها في مجالسه، فيقع الجهال في بلية عظيمة من الاعتقاد الشركي، وينذرون على ذلك الميت بكرائم أموالهم، ويحبسون على قبره من أملاكهم ما هو أحبها إلى قلوبهم، لاعتقادهم أنهم ينالون بجاه ذلك الميت خيرًا عظيمًا، وأجرًا كبيرًا، ويعتقدون أن ذلك قربة عظيمة، وطاعة نافعة، وحسنة متقبلة، فيحصل بذلك مقصود أولئك الذين جعلهم الشيطان من إخوانه من بني آدم على ذلك القبر. فإنهم إنما فعلوا تلك الأفاعيل، وهولوا على الناس بتلك التهاويل، وكذبوا تلك الأكاذيب لينالوا جانبًا من الحطام من أموال الطغام الأغتام. وبهذه الذريعة الملعونة، والوسيلة الإبليسية، تكاثرت الأوقاف على القبور، وبلغت مبلغًا عظيمًا، حتى بلغت غلات ما يوقف على المشهورين منهم ما لو اجتمعت أوقافه لبلغ ما يقتاته أهل
[ ٣٤٦ ]
_________________
(١) قرية كبيرة من قرى المسلمين، ولو بيعت تلك الحبائس الباطلة لأغنى الله بها طائفة عظيمة من الفقراء، وكلها من النذر في معصية الله". انتهى كلام الإمام الشوكاني – ﵀ -. وقال الإمام المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني اليماني في تطهير الاعتقاد:"الشبهة السابعة"ص٥٢:"هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، غالب – بل كل من يعمرها – هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة، إما على قريب لهم، أو على من يحسنون الظن فيه من فاضل أو عالم أو صوفي أو فقير، أو شيخ، أو كبير، ويزوره الناس الذين يعرفونه زيارة الأموات من دون توسل به، ولا هتف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم فيأتي من بعدهم فيجد قبرًا قد شيّد عليه البناء، وسرجت عليه الشموع، وفرش بالفراش الفاخر، وارخيت عليه الستور، وألقيت عليه الأوراد والزهور، فيعتقد أن ذلك لنفع أو لدفع ضر، ويأتيه السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل وأنزل بفلان الضرر، وبفلان النفع، حتى يغرسوا في جبلته كل باطل". وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني اليماني في"الدر النضيد"ص٤٦، ٤٧:"ولا شك أن علة النهي عن جعل القبور مساجد، وعن تسريجها وتجصيصها ورفعها وزخرفتها هي ما ينشأ عن ذلك من الاعتقادات الفاسدة، وكل عاقل يعلم أن لزيادة الزخرفة للقبور وإسبال الستور الرائعة عليها، وتسريجها والتأنق في تحسينها تأثيرًا في طبائع غالب العوام ينشأ عنه التعظيم والاعتقادات الباطلة، وهكذا إذا استعظمت نفوسهم شيئًا مما يتعلق بالأحياء، وبهذا السبب اعتقد كثير من الطوائف الإلهية في أشخاص كثيرة"،
[ ٣٤٧ ]
بل وصل الحال بسبب الغلو في القبور وتقديم الصدقات والقرابين لها أن قام كثير من المرتزقة والدجاجلة بإقامة مشاهد، وبناء مساجد على بعض القبور، وزعموا أن هذه القبور لبعض الأنبياء، أو لبعض الصحابة وآل البيت، كذبًا وزورًا"١"، بل وصل الحال بسبب كثرة الكذب والدجل
_________________
(١) ثم ذكر قصتين حصل في كل منهما تأثير تعظيم بعض المخلوقين في قلوب بعض العامة، حتى ظن أن هذا المعظم هو الله تعالى. وينظر: المشاهدات المعصومية للشيخ محمد سلطان المعصومي الحنفي ص٢٨١. "١" مع أنه لا يعرف بالتحديد مكان قبر نبي سوى نبينا محمد ﷺ، وفي قبر إبراهيم ﵇ خلاف، وكذلك قبور أكثر الصحابة وأكثر التابعين لا تعرف أماكنها بالتحديد، لأن الصحابة والتابعين ما كانوا يحرصون على معرفة أماكن قبور الأنبياء السابقين، ولا غيرهم من الصالحين، بل كانوا يخفون قبور من يخشون الافتتان بقبورهم، كما فعل الصحابة بقبر النبي ﷺ كما سبق بيانه عند تخريج الحديث الثالث في النهي عن رفع القبور والبناء عليها، وكما فعل الصحابة - ﵃ – بأمير المؤمنين الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ حيث دفنوه في قصر الإمارة بالكوفة، فخفي موضع قبره على الناس، والرافضة يعظمون قبرًا بالنجف يظنونه قبره، وهو قبر المغيرة بن شعبة ﵁، وكما فعلوا لما فتحوا تستر فوجدوا جثمان رجل يقال: إنه دانيال، وإنه نبي، وقيل: رجل صالح، وكان الكفار يتوسلون به عند الاستسقاء، فحفر الصحابة له بالنهار ثلاثة عشر قبرًا، ودفنوه في أحدها بالليل، وسووا القبور ليخفوا قبره. والقصة رواها يونس بن بكير كما في الاقتضاء ص٦٨٦، ومجموع الفتاوى ٢٧/٢٧٠، وإغاثة اللهفان ص٢٠٥، والبداية والنهاية ٢/٣٧٦ بإسناد رجاله رجال الصحيح، وقد صحح
[ ٣٤٨ ]
في ذلك أن جعل للحسين بن علي - ﵄ – ثلاثة قبور، وقد أجمع العلماء من أهل السير وغيرهم على أن القبر المنسوب إليه في القاهرة غير صحيح"١"، ووصل الحال أيضًا إلى أن جعل للجيلاني مائة قبر في العالم الإسلامي"٢".
وهذا كله يُبيِّن خطر التساهل فيما حذرنا نبينا محمد ﷺ منه ونهانا عنه، ويبين لنا أهمية التمسك بسنة النبي ﷺ وأنه يجب تقديمها على اجتهادات البشر وآرائهم، وما تميل إليه نفوسهم.
وبالجملة فإن من دعا الناس إلى الغلو في القبور فقد دعا الناس إلى خلاف ما دعا إليه رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ، وإلى خلاف ما دعا إليه جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه، وقد دعاهم أيضًا إلى ما هو سبب في وقوعهم فيما يبغضه النبي ﷺ ويبغضه جميع أولياء الله تعالى من الشرك
_________________
(١) إسناده الحافظ ابن كثير، وقد ذكر نعيم في الفتن "٣٧" وابن كثير للقصة ولدفنه متابعة وطرقًا أخرى تؤيد الرواية السابقة. وينظر مجموع الفتاوى ٢٧/٢٧٠،٢٧١، ٤٤٤-٤٩٤، تاريخ الإسلام للذهبي"عهد الراشدين"ص٦٥١. "١" أحد هذه القبور في كربلاء بالعراق، والثاني بالشام، والثالث هذا الذي بالقاهرة، ينظر: الفتاوى ٢٧/٤٤٤-٤٩٤، الاستغاثة ص٥٠٠-٥٠٤. "٢" ينظر: تصحيح الدعاء ص١٠٢.
[ ٣٤٩ ]
والكفر، والذي أرسل جميع رسل الله تعالى من أجل محاربته"١".
_________________
(١) "١" وليس لمن دعا إلى هذه الأمور المبتدعة دليل واحد يعتمدون عليه، لذلك تجدهم يتعلقون بشبه ضعيفة كقصة أصحاب الكهف، مع أن جميع الروايات التي يحتجون بها في تفسير الطبري من طريق محمد بن حميد، وهو متهم بالكذب، كما أنها مجرد حكاية فعل أهل الغلبة لا غير، ومع ذلك يقدمون ذلك على سنة الحبيب ﷺ، ولهم شبه أوهى من هذه أجاب عنها أهل العلم، فالواجب على المسلم أن ينقاد لسنة النبي ﷺ وألا يبحث عن الشبه لرد سنة خير الخلق ﷺ. وكثير ممن يغلو في القبور ببناء المساجد عليها، والتعبد لله عندها، وغير ذلك عمدتهم قول بعض المتأخرين الذين أباحوا هذه الأمور المحرمة خطأ وزللًا، تأثرًا بما أحدث العبيديون والرافضة من الغلو في القبور، واعتمادًا على أحاديث مكذوبة ونصوص من المتشابه، فيردون بها الأحاديث الصحيحة الصريحة. قال البركوي الحنفي بعد ذكره للأحاديث الواردة في زيارة القبور وما ورد فيها من مشروعية الدعاء للميت عند زيارة القبور في رسالة"زيارة القبور"ص٣٧-٣٩:"فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعًا وعشرين سنة، وهذه سنة الخلفاء الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين، فبدل أهل البدع والضلال قولًا غير الذي قيل لهم، فإنهم بدلوا الدعاء له بدعائه نفسه أو بالدعاء به، وبدلوا الشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحسانًا إلى الميت وإلى الزائر سؤال الميت، والإقسام به على الله تعالى، وخصصوا تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وجعلوا حضور القلب وخشوعه عندها أعظم منه في المساجد وأوقات الأسحار، ومن المحال أن يكون دعاء الموتى والدعاء بهم والدعاء عند قبورهم مشروعًا عملًا صالحًا، ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ﷺ، ثم يظفر به الخلوف الذين يقولون ما لا
[ ٣٥٠ ]
_________________
(١) يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.. فإن كنت في شك من هذا فانظر هل يمكن بشرًا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها. فضلًا أن يصلوا عندها ويسألوا الله تعالى بأصحابها ويسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثر واحد منها في ذلك. كلا، لا يمكنهم ذلك، بل يمكنهم أن يأتوا بكثير من ذلك عن الخلوف التي خلفت من بعدهم، ثم كلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله ﷺ ولا عن الخلفاء الراشدين ولا عن الصحابة والتابعين حرف واحد من ذلك، بل فيها من خلاف ذلك كثير كما سبق من الأحاديث المرفوعة التي من جملتها قوله ﵊: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرًا أي فحشًا. وأي فحش أعظم من الشرك عندها قولًا وفعلًا. وأما آثار الصحابة فأكثر من أن يحاط بها، ومن ذلك ما في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رأى أنس بن مالك ﵁ يصلي عند القبر، فقال: القبر القبر". انتهى كلامه ﵀. وأثر عمر هذا رواه البخاري في الصلاة "فتح١/٥٢٣" تعليقًا. ووصله عبد الرزاق "١٥٨١" بإسناد حسن، رجاله رجال الصحيحين، وزاد في آخره قال ثابت: فكان أنس بن مالك يأخذ بيدي إذا أراد أن يصلي فيتنحى عن القبور، وللأثر طرق أخرى عند ابن حجر في التغليق ٢/٢٢٩، ٢٣٠، وعند غيره. وصحح بعضها الألباني في التحذير ص٢٦، وينظر: عمدة القاري ٤/١٧٢. والآثار عن السلف في النهي عن التبرك بالقبور وفي النهي عن الغلو فيها بالبناء أو غيره
[ ٣٥١ ]
_________________
(١) كثيرة جدًا. ينظر بعضها في مصنف عبد الرزاق ١/٤٠٤-٤٠٧، و٥/٥٠٢-٥٠٧، مصنف ابن أبي شيبة: الجنائز ٣/٣٣٤-٣٤٢، سنن البيهقي ٢/٤٣٥، المحلى: الجنائز ٥/١٣٣،١٣٤، تحذير الساجد ص٨٨-٩٨. ومما ينبغي التنبه له أن الشيطان يعمل جاهدًا على تزيين الباطل والشرك ليوقع بني آدم فيه، وليجعلهم يستمرون عليه، ولذلك تجد الشياطين كثيرًا ما تتمثل في صور الآدميين لإعانة من يحاربون الحق ويقعون في الشرك، كما تمثل لقريش لما خرجوا لحرب النبي ﷺ في بدر في صورة سراقة بن مالك، وشجعهم على حرب النبي ﷺ، وقد ورد في ذلك روايات كثيرة عن ابن عباس وغيره رواها ابن جرير وغيره في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] . وثبت في الأحاديث الصحيحة أنه سيتمثل في آخر الزمان للأعراب في صور آبائهم عند خروج المسيح الدجال فيدعوهم إلى اتباع هذا الدجال الخبيث فيتبعونه، وثبت في وقائع كثيرة في أزمان متباعدة ومتقاربة أن الشيطان يتمثل لمن يغلون في القبور في صورة الميت فيقضي لهم بعض ما يطلبون، وأيضًا قد يستدرجهم الله تعالى فيحقق لهم بعض ما يدعون به عند القبور أو يطلبون من الموتى، فيحمل هذا كله هؤلاء الجهال ومن يسمع أخبارهم على زيادة الغلو في الموتى والاستمرار في ذلك، واعتقاد أنهم ينفعون ويضرون. ينظر: الفتن لنعيم بن حماد شيخ البخاري ٢/٥٣٠-٥٥٧، مصنف عبد الرزاق ١١/٣٩١-٤٠٣، مجموع الفتاوى ١/٨٢،٨٣، ١٦٨،١٧٥،٣٥٠، ٣٥٩-٣٦٥
[ ٣٥٢ ]
_________________
(١) و١٠/٢٩٣،٤١٦، و١٧/٤٥٧-٤٦٠، و١٩/٤١،٤٢، الاستغاثة ص٣٣٨، ٥٠٦، الاقتضاء ص٦٩١-٧٠٨، إغاثة اللهفان ص٢١٦، الدر النضيد للشوكاني ص٩٣، صيانة الإنسان للسهسواني الهندي ص١٩٧ نقلًا عن جلاء العينين للألوسي الحنفي. وقال الشيخ أحمد الرومي الحنفي كما في المجالس الأربعة من مجالس الأبرار ص٣٦٨،٣٦٩:"والذي أوقع عباد القبور في الافتتان بها – أي بالقبور – أمور منها: الجهل بحقيقة ما بعث الله – تعالى – به رسوله من تحقيق التوحيد، وقطع أسباب الشرك، فالذين قل نصيبهم من ذلك إذا دعاهم الشيطان إلى الفتنة بها ولم يكن لهم ما يبطل دعوته استجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا منه بقدر ما معهم من العلم. ومنها أحاديث مكذوبة وضعها على رسول الله ﷺ أشباه عبّاد الأصنام القبورية، وهي تناقض ما جاء به في دينه، كحديث: إذا تحيّرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور. وحديث: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور. وحديث: لو حسن أحدكم ظنه بحجر نفعه. وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام وضعها أشباه عباد الأصنام من القبورية، وراجت على الجهال والضُلاّل، والله – تعالى – إنما بعث رسوله لقتال من حسن ظنه بالأحجار والأشجار. فإنه – ﵇ – جنب أمته الفتنة بالقبور بكل طريق. ومنها حكايات حكيت عن أهل تلك القبور، أن فلانًا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها. وفلان نزل به فاستدعى صاحب ذلك القبر، فكشف ضره، وفلان دعاه في حاجة فقضيت حاجته، وعند السدنة والقبوريين شيء من ذلك يطول ذكره، وهم من أكذب خلق الله على الأحياء والأموات، والنفوس مولعة بقضاء حوائجها، وإزالة ما يضرها، لا سيما من كان مضطرًا يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه كراهة
[ ٣٥٣ ]
بل إن من دعا الناس إلى الغلو في القبور قد دعاهم إلى أن يكونوا أعداء لرسول الله ﷺ ولجميع أولياء الله تعالى ومحاربين لطريقتهم، وهم يظنون أنهم يوالونهم"١".
_________________
(١) ما، فإذا سمع أحد أن قبر فلان ترياق مجرب، يميل إليه فيذهب إليه ويدعو عنده، بحرقة وذلة وانكسار، فيجيب الله – تعالى – دعوته لما قام بقلبه من الذلة والانكسار، لا لأجل القبر، فإنه لو دعا كذلك في الحانة والحمام والسوق لأجابه، فيظن الجاهل أن للقبر تأثيرًا في إجابة تلك الدعوة، ولا يعلم أن الله – تعالى – يجيب المضطر ولو كان كافرًا". وينظر: الاقتضاء ص٧٤٨،٧٤٩، إغاثة اللهفان ص١٩٣، ٢١٤. "١" فهم يظنون أنهم بهذا العمل يوالون الأنبياء والصالحين والأولياء الذين غلوا في قبورهم بالبناء عليها والتبرك بها بالدعاء والصلاة والذبح عندها والطواف بها، وغير ذلك من البدع التي أحدثها الجهال، ثم تلقاها من قل علمه وتلاعب به الشيطان، وهم في الحقيقة إنما عملوا بما يبغضه جميع أولياء الله ويحاربونه، لأنه معصية لله تعالى، ولنبيه ﷺ. قال البركوي الحنفي المتوفى سنة "٩٨١هـ" في زيارة القبور بعد ذكره لنهي النبي ﷺ عن الغلو في القبور ص١٢، ١٣:"أبى أكثر الناس إلا عصيانًا لأمره وارتكابًا لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين وتعظيم الأولياء والصالحين ومحبتهم إنما يكون باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم وسلوك طريقتهم، دون عبادة قبورهم، والعكوف عليها واتخاذها أوثانًا، فإن من اقتفى آثارهم كان سببًا لتكثير أجورهم باتباعه لهم ودعوته الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إليه واشتغل بضده حرم نفسه وإياهم من ذلك الأجر، فأي تعظيم واحترام في هذا؟ "، وقال ﵀ أيضًا في المرجع نفسه ص٥٢:"وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب، فتنة أصحاب القبور، وهي أصل فتنة عباد الأصنام، كما قال السلف من الصحابة
[ ٣٥٤ ]
والمسلم الذي يبتغي لنفسه النجاة من عذاب الله يجب عليه أن يختار طريق أنبياء الله وأوليائه على طريق من خالف دعوتهم وهو يحسب أنه يحسن صنعًا"١".
_________________
(١) والتابعين، فإن الشيطان ينصب لهم قبر رجل معظم يعظمه الناس ثم يجعله وثنًا يعبد من دون الله، ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن عبادته واتخاذه عيدًا، وجعله وثنًا، فقد تنقصه وهضم حقه، فيسعى الجاهلون في قتله وعقوبته، ويكفرونه، وما ذنبه إلا أنه أمر بما أمر به الله تعالى ورسوله، ونهى عما نهى عنه الله ورسوله". وقال الشيخ شمس الدين الأفغاني في جهود علماء الحنفية ص٥٥٧-٥٦٠:"إن علماء الحنفية قد صرحوا بأن أهل التوحيد الذين لا يغالون في الأنبياء والأولياء من عهد رسول الله ﷺ إلى قيام الساعة في الحقيقة هم المعظمون للرسل الموقرون لهم، العارفون بحقوقهم، القائمون بما يجب لله وما يجب لعباده من الحقوق، فهم ليسوا بأهل شرك بهم، ولا أهل المعصية لهم، ولا نبذوا أوامرهم، ولا تركوا ما جاءوا به من الحق، فهم أهل التوحيد لله تعالى، وأهل طاعة رسول الله ﷺ، وأهل الإخلاص لله، فتركهم الاستغاثة بهم عند الكربات، وترك الطواف بقبورهم عند الملمات هو عين التعظيم لهم، وتركهم النذور لهم، وترك السجود لهم، وترك الغلو فيهم هو عين التوقير لهم". انتهى كلامه وقد أحال على غاية الأماني للألوسي الحنفي. "١" هذا هو حال كثير من الدعاة إلى الغلو في القبور وتعظيمها، وبعضهم قد يكون هدفه الحظوظ الدنيوية من جمع المال، والحصول على مكانة بين أتباعه ونحو ذلك. ولذلك تجدهم يكذبون في نسبة بعض القبور إلى بعض الصالحين الذين لهم مكانة في قلوب المسلمين، كالحسين بن علي وغيره من آل البيت، بل ربما ينسبون بعض القبور إلى بعض
[ ٣٥٥ ]
_________________
(١) الأنبياء كذبًا وزورًا، ليكثر الجهال من النذور والصدقات والذبائح عند قبورهم. قال علامة اليمن محمد بن علي الشوكاني في الدر النضيد ص٩٣، ٩٤: "واعلم أن ما حررنا وقررنا من أن كثيرًا مما يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركًا، قد يخفى على كثير من أهل العلم، وذلك لا لكونه خفيًا في نفسه، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر، وكونه قد شاب عليه الكبير وشبّ عليه الصغير، وهو يرى ذلك ويسمعه ولا يرى ولا يسمع من ينكره، بل ربما يسمع من يرغب فيه ويندب الناس إليه. وينضم إلى ذلك ما يظهره الشيطان للناس من قضاء حوائج من قصد بعض الأموات الذين لهم شهرة، وللعامة فيهم اعتقاد، وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذور، ويستدروا منهم الأرزاق، ويقتنصوا النحائر، ويستخرجوا من عوامّ الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولونه، ويجعلون ذلك مكسبًا ومعاشًا. وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات، ويجملون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه، ويوقدون في المشهد الشموع، ويوقدون فيه الأطياب، ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يتجمع فيها الجمع الجم فينبهر الزائر، ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم، وتكالبهم على القرب من الميت، والتمسح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به، والالتجاء إليه، وسؤاله قضاء الحاجات، ونجاح الطلبات، مع خضوعهم واستكانتهم وتقريبهم إليه نفائس الأموال ونحرهم أصناف النحائر. فبمجموع هذه الأمور مع تطاول الأزمنة، وانقراض القرن بعد القرن، يظن الإنسان مبادئ عمره وأوائل أيامه أن ذلك من أعظم القربات، وأفضل الطاعات، ثم لا ينفعه ما
[ ٣٥٦ ]
هذا، وهناك وسائل أخرى تؤدي إلى الشرك الأكبر غير هذه الوسائل الثلاث، يأتي بعضها عند الكلام على البدعة في الفصل الخامس من هذا الباب إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) تعلمه من العلم بعد ذلك، بل يذهل عن كل حجة شرعية تدل على أن هذا هو الشرك بعينه، وإذا سمع من يقول ذلك أنكره، ونبا عنه سمعه، وضاق به ذرعه، لأنه يبعد كل البعد أن ينقل ذهنه دفعة واحدة في وقت واحد عن شيء يعتقده من أعظم الطاعات، إلى كونه من أقبح المقبحات، وأكبر المحرمات، مع كونه قد درج عليه الأسلاف، ودبّ فيه الأخلاف، وتعاودته العصور، وتناوبه الدهور، وهكذا كل شيء يقلد الناس فيه أسلافهم، ويحكمون العادات المستمرة. وبهذه الذريعة الشيطانية، والوسيلة الطاغوتية، بقي المشرك من الجاهلية على شركه، واليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، وصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وتبدلت الأمة بكثير من المسائل الشرعية غيرها، وألفوا ذلك، ومرنت عليه نفوسهم، وقبلته قلوبهم، وأنسوا إليه حتى لو أراد من يتصدى للإرشاد أن يحملهم على المسائل الشرعية البيضاء النقية التي تبدلوا لها غيرها لنفروا عن ذلك، ولم تقبله طبائعهم، ونالوا ذلك المرشد بكل مكروه، ومزّقوا عرضه بكل لسان". انتهى كلامه ﵀.
[ ٣٥٧ ]
الشرك الأصغر
تعريفه وحكمه
الفصل الثاني: الشرك الأصغر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريفه وحكمه
سبق تعريف الشرك في اللغة عند الكلام على تعريف الشرك الأكبر.
أما تعريفه في الاصطلاح، فهو: كل ما كان فيه نوع شرك لكنه لم يصل إلى درجة الشرك الأكبر"١".
_________________
(١) "١" ويمكن أن يقال: هو كل قول أو عمل بالقلب أو الجوارح جعل العبد فيه ندًا لله تعالى، ولم تصل هذه الندية إلى إخراج صاحبها من الملة. وهذا التعريف أسلم من جهة عدم استعمال لفظ المعرف في التعريف، ولكن الأول أوضح. أما تعريفه بأنه: "كل ما ورد تسميته شركًا ولم يصل إلى درجة الشرك الأكبر". فهو غير جامع، وكذلك تعريفه بأنه "كل ما يؤي إلى الشرك"غير مانع، لأنه يدخل فيه كثير من البدع والمعاصي التي ليست من الشرك الأصغر، كالتصوير لغير التعظيم، فهو وسيلة للشرك، ولكن ليس فيه نوع إشراك حتى يكون شركًا، ومثله التساهل بالصلاة عند القبر من غير تعظيم له ولا قصد للصلاة عنده، وغير ذلك مما ليس فيه عند فعله نوع إشراك من الفاعل له فلا يدخل في الشرك الأصغر؛ لأنه ليس فيه إشراك أصلًا. وينظر المفردات ص٤٢٥، القول السديد باب الخوف من الشرك، وباب الذبح ص٣٤، ٥٩،
[ ٣٦١ ]
أما حكمه فيتلخص فيما يأتي:
١- أنه كبيرة من كبائر الذنوب، بل هو من أكبر الذنوب بعد نواقض التوحيد"١".
_________________
(١) حاشية ابن قاسم على كتاب التوحيد ص٥٠، فتاوى اللجنة الدائمة ١/٥١٧. وقد أطلق بعض العلماء الشرك الأصغر على جميع المعاصي؛ لأن فيها اتباعًا للهوى، وتقديمًا له على طاعة الله تعالى، مُستدلين بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] . ينظر: مجموع الفتاوى ١٠/٢١٦، ٢١٧، ٢٦١، ٢٦٢، تحقيق كلمة الإخلاص لابن رجب ص٢٦-٣٠، الدين الخالص ١/١٦٢-١٧١، معارج القبول ص٤٢٤، ٤٣٣، القول المفيد ١/٦١. وقد ذهب كثير من المفسرين، وعلى رأسهم ابن عباس - ﵄ - إلى أن الآية السابقة في المشرك الذي يعبد ما تهواه نفسه من معبودات، فما استحسن من شيء عبده. ينظر تفسير الطبري، وتفسير القرطبي، وتفسير الشوكاني للآية السابقة، وينظر مجموع الفتاوى ١٠/٥٩٢، تجريد التوحيد ص٤٦. وهذا القول هو الأقرب، وعليه فإن المعاصي لا يدخل منها في الشرك الأصغر إلا ما كان فيه نوع إشراك لمخلوق آخر. والله أعلم. "١" والدليل على هذا قوله ﷺ لما رأى في يد رجل حلقة من صفر: " ما هذه؟ " قال: من الواهنة. قال: " انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مِتَ وهي عليك ما أفلحت أبدًا "، وسيأتي تخريجه عند الكلام على التمائم. ويؤيد هذا قول ابن مسعود ﵁: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا". وسيأتي تخريجه
[ ٣٦٢ ]
_________________
(١) عند الكلام على الحلف بغير الله، فجعل الحلف بالله كاذبًا الذي هو من كبائر الذنوب أخف من الحلف بغيره صادقًا؛ لأنه من الشرك الأصغر. وينظر مجموع الفتاوى ١/٢٠٤، الفروع: الأيمان ٦/٣٤٠، إعلام الموقعين: فصل بعض الكبائر "آخر الكتاب ٤/٤٠٣"، وآخر كتاب التخويف من النار لابن رجب: فصل في ذكر أول من يدخل النار "ص٢٥٠"، كتاب التوحيد باب من الشرك لبس الحلقة، الدرر السنية ١/١٨٥، و٢/١٨٩، و١١/٤٩٦، تيسير العزيز الحميد "ص٥٣٠". هذا وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الشرك الأصغر لا يغفر إذا مات العبد وهو لم يتب منه، لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] . لكن أجيب عن هذا الاستدلال بأمرين:
(٢) أن الآيتين في الشرك الأكبر؛ لأنهما وردتا في ضمن آيات تتحدث عن المشركين والمنافقين وأهل الكتاب.
(٣) أن الآيات الأخرى في كتاب الله تعالى والتي رتب فيها الحكم على وصف الشرك لم يختلف أهل العلم في أن المراد به في هذه الآيات الشرك الأكبر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وكقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فكذلك آيتا النساء. وهذا هو الأقرب. وينظر: تلخيص الاستغاثة "ص١٤٨"، مدارج السالكين ١/٣٠٨، ٣٦٨، ٣٧٣، الدرر السنية ٢/١٨٥، الدين الخالص ١/٣٨٧، ٣٨٨، قرة عيون الموحدين ص٤٦، التوضيح عن توحيد الخلاق ص٤١٥، ٤١٦، رسالة "الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة"للعبّاد ص١٩٤، ١٩٥.
[ ٣٦٣ ]
٢- أن هذا الشرك قد يعظم حتى يؤول بصاحبه إلى الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام"١"، فصاحبه على خطر عظيم من أن يؤدي به الوقوع في الشرك الأصغر إلى الخروج من دين الإسلام.
٣ - أنه إذا صاحب العمل الصالح أبطل ثوابه"٢"، كما في الرياء وإرادة الإنسان الدنيا وحدها بعمله الصالح، والدليل قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ". رواه مسلم"٣".
_________________
(١) "١" ينظر: مدارج السالكين ١/٣٧٣، الدرر السنية ١/٢٠٠، وسيأتي عند ذكر أنواع الشرك الأصغر بيان ذلك. "٢" وفي المسألة تفصيل يأتي عند الكلام على الرياء – إن شاء الله تعالى -. "٣" صحيح مسلم "٢٩٨٥"، وله شاهد رواه النسائي "٣١٤٠" عن أبي أمامة أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر؟ . فقال ﷺ: "لا شيء له"فأعادها ثلاث مرار، يقول رسول الله ﷺ: " لا شيء له ". ثم قال: " إن الله - ﷿ – لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه ". وإسناده حسن. وقد صححه جمع من أهل العلم، وقد توسعت في تخريجه في رسالة النية، برقم "١٤".
[ ٣٦٤ ]
المبحث الثاني أنواع الشرك الأصغر:
للشرك الأصغر أنوع كثيرة، أشهرها:
النوع الأول: الشرك الأصغر في العبادات القلبية
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الرياء
الرياء في اللغة مشتق من الرؤية، وهي: النظر، يقال: رائيتُه، مراءاة، ورياء، إذا أريتُه على خلاف ما أنا عليه"١".
وفي الاصطلاح: أن يظهر الإنسان العمل الصالح للآخرين أو يحسنه عندهم، أو يَظهر عندهم بمظهر مندوب إليه ليمدحوه ويعظم في أنفسهم"٢".
_________________
(١) "١" ويقال: أريته العمل إراءة، ورئاء، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فالياء في "رياء"مقلوبة عن همزه. ينظر بصائر ذوي التمييز ٣/١١٦، القاموس المحيط "مادة رئاء". "٢" وينظر الرعاية ص٢٠٩، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ص١٦٠، الإحياء ٣/٣١٤، تفسير القرطبي للآية ٣٦ من سورة النساء ٥/١٨١، وتفسيره للآية ١٤٢ من سورة النساء ٥/٤٢٢، وتفسيره للآية الأخيرة من سورة الكهف ١١/٧١،
[ ٣٦٥ ]
فمن أراد وجه الله والرياء معًا فقد أشرك مع الله غيره في هذه العبادة، أما لو عمل العبادة وليس له مقصد في فعلها أصلًا سوى مدح الناس فهذا صاحبه على خطر عظيم، وقد قال بعض أهل العلم: إنه قد وقع في النفاق والشرك المخرج من الملة"١".
_________________
(١) مختصر منهاج القاصدين "ص٢٧٥"، الفروق "الفرق ١٢٢"، فتح الباري: الرقاق، باب الرياء ١١/٣٣٦، الزواجر "الكبيرة الثانية ١/٤٣"، الموافقات ٢/٢١٧، ٢٢١، ٢٢٢، سبل السلام ٤/٣٥٦. وقد أدخل بعض العلماء إرادة الدنيا في الرياء، والصحيح أن الرياء من إرادة الدنيا، لا العكس؛ لأن المرائي إما أن يريد أن يعظم في نفوس الخلق ليحصل على رئاسة أو مال من قبلهم ونحو ذلك، وهذا كله من الدنيا، وإما أن يريد مدح الناس والجلالة في أعينهم فقط، وهذا أيضًا من إرادة الدنيا؛ لأنه إنما يريد هذه الأمور العاجلة في هذه الحياة الدنيا، ولا يريد وجه الله والدار الآخرة، أما كون الإنسان يعمل العمل الصالح من أجل الوظيفة ونحو ذلك فهذا ليس من الرياء؛ لأنه لم يُرِ عمله أحدًا، وإنما هو من إرادة الدنيا، وهي أعمّ من الرياء، وأفرد الرياء بمبحث مستقل لخطره. ينظر: الفروق "الفرق١٢٢"، الموافقات ٢/٢١٧، فتح المجيد ص٤٣٧، رسالة "الشرك الأصغر"ص١٠٢-١٠٤. "١" قال ابن نجيم في "الأشباه""ص٣٩": "في الينابيع: قال إبراهيم بن يوسف: لو صلى رياء فلا أجر له، وعليه الوزر. وقال بعضهم: يكفر. وقال بعضهم: لا أجر له ولا وزر عليه، وهو كأنه لم يصل". وقال الشيخ حافظ الحكمي في "معارج القبول"٢/٤٩٣: "إن كان الباعث على العمل هو إرادة غير الله - ﷿ –
[ ٣٦٦ ]
والرياء له صور عديدة، منها:
١ - الرياء بالعمل، كمراءاة المصلي بطول الركوع والسجود"١".
_________________
(١) فذلك النفاق الأكبر، سواء في ذلك من يريد به جاهًا ورئاسة وطلب دنيا ومن يريد حقن دمه وعصمة ماله وغير ذلك". وينظر: شعب الإيمان للبيهقي ٥/٣٣٥، سبل السلام ٤/٣٥٦، ٣٥٧، النواقض الاعتقادية ص٢٠٤. وبعض العلماء كالغزالي وابن رجب والهيتمي لا يجعل الرياء المحض في العبادات مكفرًا، وهو ظاهر كلام كثير من أهل العلم، ولعله الأقرب، ومثله من أراد بعبادته الدنيا وحدها؛ لأنه لم يخضع ولم يتذلل في ذلك لأحد، ولم يعظمه، وإنما أراد تحقيق ما تهواه نفسه من المدح ونحوه من الحظوظ العاجلة وقد حكى أبوالبقاء في الكليات "مادة: شرك" الإجماع على أن العمل لغير الله معصية من غير كفر، وبالجملة فإن المسألة خطيرة، لكونه قصد بالعبادة غير وجه الله. وينظر: الرعاية ص٢١٠-٢١٤، إحياء علوم الدين ٣/٣١٧-٣٢٠، مختصر منهاج القاصدين ص٢٧٩، ٤٦٣، قواعد الأحكام ١/١٢٤، مجموع الفتاوى ٢٢/٢١، الفروع: الردة ٦/١٦٦، الزواجر ١/٤٤، جامع العلوم والحكم ١/٧٩، النواقض الاعتقادية ص٢٠٤. أما الرياء بأصل الإيمان، أو إظهار بعض العبادات الأخرى رياءً مع إبطان الكفر فهذا من الشرك الأكبر والنفاق الأكبر، كما سبق بيانه عند الكلام على شرك النية والإرادة والقصد في الباب السابق. "١" وكبِرِّ الوالدين ليُقال: بارٌّ وكإكرام الضيوف ليقال: كريم، وكالصدقة على الفقراء وفي أوجه الخير الأخرى ليقال: كريم. أما الإنفاق على الأغنياء وإقامة الولائم لهم لا
[ ٣٦٧ ]
٢ - المراءاة بالقول، كسرد الأدلة إظهارًا لغزارة العلم، ليقال: عالِم"١".
٣- المراءاة بالهيئة والزيِّ، كإبقاء أثر السجود على الجبهة رياءً"٢".
_________________
(١) على وجه العبادة والصدقة، بل ليقال: سخي، فليس من الرياء؛ لأنه ليس من أعمال الخير. "١" وكتحريك الشفتين بالذكر أمام الناس رياءً. ومن الرياء بالقول أن يحسن صوته بالقراءة، ليقال: فلان قارئ، وهذا من السمعة المحرمة، وقد روى البخاري "٦٤٩٩"، ومسلم "٢٩٨٧" عن جندب مرفوعًا: " من يرائي يراء الله به، ومن يسمع يسمع الله به " والمعنى أن الله يفضحه يوم القيامة بإظهار قصده السيء. ومن أنواع السمعة المحرمة أيضًا أن يذكر للناس ما عمله من أعمال صالحة فيما مضى، ليمدحوه أو يعظم في نفوسهم. وهل السمعة بعد انتهاء العمل تبطل العمل؟ ورد في ذلك حديثان عند البيهقي في "الشعب" "الباب: ٤٥ في الإخلاص وترك الرياء، رقم ٦٨١٣، ٦٨٦٤"، وعند الخطيب في "تاريخ بغداد" ٦/٦٣، ٦٤ في أنه يبطل. وإسناد كل منهما ضعيف. قال في الإحياء ٣/٣٢٥: "الأقيس أنه مثاب على عمله الذي مضى، ومعاقب على مراءاته بطاعة الله بعد الفراغ منها". وقال في مختصر منهاج القاصدين ص٢٨٣: "أما إن تحدث به بعد تمامه وأظهره فهذا مخوف، والغالب عليه أنه كان في قلبه وقت مباشرة العمل نوع رياء، فإن سلم من الرياء نقص أجره". "٢" وكتقصير الثياب، والظهور بمظهر الزهاد من أجل أن يمدح بذلك.
[ ٣٦٨ ]
_________________
(١) ينظر في صور الرياء: الرعاية للمحاسبي ص٢٢٧-٢٣٢، ٢٦٤، ٢٧٣، إحياء علوم الدين ٣/٣١٤-٣١٦، قواعد الأحكام ١/١٢٣-١٢٥، مختصر منهاج القاصدين ص٢٧٦-٢٧٨، شرح الأربعين للنووي ص١٠، مجموع الفتاوى ٢٢/٥٠٦، ٥٠٧، قواعد الأحكام ١/١٢٣-١٢٥، شرح الطيبي ١٠/٧، فيض القدير ٦/١٥٥، ١٥٧، فتح الباري ١١/٣٣٦، عمدة القاري ١/٣٣، ٣٢٠، الزواجر ١/٤٣-٤٧، المرقاة ٥/٩٨، سبل السلام ٤/٣٥٦، الشرك الأصغر ص٨٤-٩٤. هذا وهناك بعض الصور أدخلها بعض أهل العلم في الرياء، والأقرب أنها لا تدخل فيه ومنها:
(٢) ترك فعل العبادات أمام الناس خوفًا من الرياء، فقد عمم بعض العلماء الحكم في هذا، والأقرب في ذلك هو التفصيل: فمن علم من نفسه أنه سيقع في الرياء إن أدى هذه العبادة أمام الناس ينبغي له أن لا يفعلها أمامهم، بل إنه قد ورد الندب إلى فعل النوافل في البيوت، وورد الندب إلى الإسرار بالصدقة، فهنا أولى. وينظر: تفسير القرطبي للآية ٢٧١ من البقرة، الإحياء ٣/٣٣٩-٣٤٧، قواعد الأحكام ١/١٢٨، ١٢٩، الزواجر ١/٤٨، ٤٩. أما من ترك العبادة من أجل مجرد رؤية الناس له فهو رياء، لأنه تركها من أجل الناس، لكن لو تركها ليصليها في الخلوة فهذا مستحب. ينظر: شرح الأربعين للنووي ص١٥.
(٣) ترك المعصية خوفًا من ذم الناس، فإن الأقرب أن هذا ليس من الرياء؛ لأن المسلم مأمور بالستر على نفسه، ومأمور بأن يبتعد عما يسيء إلى عرضه، ومأمور بإبعاد قالة
[ ٣٦٩ ]
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الرياء وعظم عقوبة فاعله، وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه"١"، منها حديث محمود بن لبيد ﵁
_________________
(١) السوء عن نفسه، وترك المعصية وإخفاؤها خوفًا من الذم داخل في هذا، وقد ذكر الغزالي في الإحياء ٣/٣٣٦-٣٣٩: ثمانية أعذار يجوز أو يندب من أجلها إخفاء المعصية، ثم قال: "ومهما قصد بستر المعصية أن يخيل إلى الناس أنه ورع كان مرائيًا"، وبالجملة فإن العبرة بالنية والقصد. وينظر المقدمات لابن رشد ص٣٠، مختصر منهاج القاصدين ص٢٨٦، ٢٨٧، مقاصد المكلفين ص٤٧.
(٢) الفرح بعلم الناس بعمله بعد أدائه للعبادة. قال في مختصر منهاج القاصدين ص٢٨٣: "فإن ورد عليه بعد الفراغ سرور بالظهور من غير إظهار منه فهذا لا يحبط العمل، لأنه قد تم على نعت الإخلاص، فلا ينعطف ما طرأ عليه بعده". وقال شيخنا محمد بن عثيمين في القول المفيد ٢/٢٢٨: "وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة". وينظر الإحياء ٣/٣٢٣، ٣٢٤، شرح النووي لمسلم ١٦/١٨٩، جامع العلوم والحكم ١/٨٣، سبل السلام ٤/٣٥٧. "١" قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم ١/٧٩-٨٣: "تارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص تدل على بطلانه وحبوطه، ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين، وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط به عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجَّحا أن
[ ٣٧٠ ]
مرفوعًا: " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر "، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: " الرياء، يقول الله ﷿ لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم جزاءً؟ " "١".
وحديث محمود بن لبيد ﵁ الآخر، قال: خرج النبي ﷺ فقال: " أيها الناس! إياكم وشرك السرائر " قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟. قال: " يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدًا لما يرى
_________________
(١) عمله لا يبطل بذلك، وأنه يُجازى بنيته الأولى". انتهى كلامه مختصرًا. وينظر: شعب الإيمان للبيهقي ٥/٣٣٤، ٣٣٥، نقلًا عن الحليمي، مختصر منهاج القاصدين ص٢٧٩، ٢٨٣، شرح الأربعين للنووي ص٩، ١٠، قواعد الأحكام ١/١٢٤، الفروق: الفرق ١٢٢، مجموع الفتاوى ٢٢/٥٠٦، ٥٠٧، ٦١٢، و٢٦/٢٨-٣٢، إعلام الموقعين ٢/١٨٢، الاختيارات ص٥٩، الوابل الصيب ص١٦، تجريد التوحيد ص٩١، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٩، الزواجر ١/٤٣-٤٥، رسالة الشرك الأصغر لعبد الله السليم "رسالة ماجستير ص٨١-٨٦". "١" رواه أحمد "٢٣٦٣٠"، والبغوي "٤١٣٥" بإسناد حسن. وقال المنذري في الترغيب ١/٨٢، ٨٣: "رواه أحمد بإسناد جيد، وقد رواه الطبراني بإسناد جيد عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج، وقيل: إن حديث محمود هو الصواب دون ذكر رافع بن خديج فيه".
[ ٣٧١ ]
من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر ""١". وحديث أبي هريرة في خبر الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وهم رجل قاتل في الجهاد حتى قتل، ليقال: جرئ، ورجل تعلّم العلم وعلّمه أو قرأ القرآن ليقال: عالم أو قارئ، ورجل تصدَّق ليُقال: جواد. رواه مسلم"٢".
ولهذا ينبغي للمسلم البعد عن الرياء والحذر من الوقوع فيه، وهناك أمور تعين على البعد عنه، أهمها:
١- تقوية الإيمان في القلب، ليعظم رجاء العبد لربه، ويعرض عمن سواه، ولأن قوة الإيمان في القلب من أعظم الأسباب التي يعصم الله بها العبد من وساوس الشيطان، ومن الانقياد لشهوات النفس.
٢- التزود من العلم الشرعي، وبالأخص علم العقيدة الإسلامية، ليكون ذلك حرزًا له بإذن الله من فتن الشبهات، وليعرف عظمة ربه
_________________
(١) "١" رواه ابن أبي شيبة ٢/٤٨١، وابن خزيمة "٩٣٧" بإسناد حسن، وله شاهد من حديث أبي سعيد عند أحمد ٣/٣٠، وابن ماجه "٤٢٠٤"، وفي سنده ربيح بن عبد الرحمن، قال البخاري "منكر الحديث". "٢" صحيح مسلم: الإمارة باب: من قاتل للرياء والسمعة "١٩٠٥"، ورواه الترمذي "٢٣٨٢"، وابن خزيمة "٢٤٨٢"، وابن حبان "٤٠٨" مطولًا بإسناد صحيح.
[ ٣٧٢ ]
جل وعلا، وضعف المخلوقين وفقرهم، فيحمله ذلك كله على مقت الرياء واحتقاره والبعد عنه، وليعرف أيضًا مداخل الشيطان ووساوسه، فيحذرها.
٣- الإكثار من الالتجاء إلى الله تعالى ودعائه أنه يعيذه من شر نفسه ومن شرور الشيطان ووساوسه، وأن يرزقه الإخلاص فيما يأتي وما يذر، والإكثار من الأذكار الشرعية التي هي حصن من شرور النفس والشيطان.
٤- تذكر العقوبات الأخروية العظيمة التي تحصل للمرائي، ومن أعظمها أنه من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.
٥- التفكُّر في حقارة المرائي وأنه من السفهاء والسَّفَلة؛ لأنه يضيع ثواب عمله الذي هو سبب لفوزه بالجنة ونجاته من عذاب القبر وشدة القيامة وعذاب النار من أجل مدح الناس والحصول على منزلة عند المخلوقين، فهو يبحث عن رضا المخلوق بمعصية الخالق، ولهذا لما سُئل الإمام مالك ﵀: مَنِ السَّفَلة؟ قال: "من أكل بدينه" "١".
_________________
(١) "١" روى البيهقي في "الشعب""٦٩٣٣" عن الإمام مالك أنه سأله شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن –وهو من أئمة التابعين- فقال له: من السفلة؟ فقال مالك: من أكل
[ ٣٧٣ ]
٦- الحرص على كل ما هو سبب في عدم الوقوع في الرياء، وذلك بالحرص على إخفاء العبادات المستحبة، وبمدافعة الرياء عندما يخطر بالقلب، وبالبعد عن مجالسة المدّاحين وأهل الرياء، ونحو ذلك"١".
وفي ختام الكلام على مسألة الرياء يحسن التنبيه إلى أنه لا يجوز للمسلم أن يرمي مسلمًا آخر بالرياء، فإن الرياء من أعمال القلوب ولا
_________________
(١) بدينه. قال ربيعة: من سفلة السفلة؟ قال: من أصلح دنيا غيره بفساد دينه. قال مالك: فصدَّرني. وممن يأكل بدينه: المرائي. فقد يريد بأدائه للعبادة الحصول على مكانة في نفوس الناس ليكرم من أجلها أو يُولى عملًا يتقاضى عليه أجرًا، أو يكرم بالهدايا والهبات ونحو ذلك، كما سبق بيانه عند تعريف الرياء، ويدخل في سفلة السفلة الذين يصلحون دنيا غيرهم بإفساد أديان أنفسهم: من يعمل في تجارة محرمة لغيره، ومن يظلم الآخرين أو يعذبهم أو يتجسس عليهم فيتسبب في أذاهم من أجل المحافظة على مصالح غيره، ومن يفتي بحل ما حرّم الله من أجل تحقيق رغبات وشهوات ومصالح من يفتيهم، فيهلك نفسه من أجل مصلحة أو هوى غيره. "١" ينظر الرعاية ص٢٣٣-٢٤٢، الإحياء ٣/٣٢١-٣٣٤، مختصر منهاج القاصدين ص٢٨٣-٢٨٥، الزواجر "الكبيرة الثانية ١/٤٩، ٥٠"، مقاصد المكلفين للأشقر ص٤٦٥-٤٧٣، "نور الإخلاص"لسعيد بن علي القحطاني ص٢٠-٣٠، الإخلاص لحسين العوايشة ص٤١-٥٦، الإخلاص والشرك الأصغر للدكتور عبد العزيز العبد اللطيف ص١٠-١٢، الشرك الأصغر لعبد الله السليم ص٩٥-٩٩.
[ ٣٧٤ ]
يعلمه إلا علاّم الغيوب، واتهام المسلمين بالرياء هو من أعمال المنافقين"١"، والأصل في المسلم السلامة، وأنه إنما أراد وجه الله، وأيضًا فإن المسلم يندب له في بعض المواضع أن يظهر عمله للناس، إذا أمن على نفسه من الرياء، كما إذا أراد أن يُقتدى به في الخير، فليس كل من حرص على إظهار عمله للناس يعتبر مرائيًا"٢".
المثال الثاني: من أمثلة الشرك الأصغر في العبادات القلبية: إرادة الإنسان بعبادته الدنيا
المراد بهذا النوع: أن يعمل الإنسان العبادة المحضة ليحصل على مصلحة دنيوية مباشرة "٣"
_________________
(١) "١" ينظر ما سبق في الباب السابق عند الكلام على أعمال المنافقين الكفرية. وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [براءة:٧٩]، وروى البخاري "٤٦٦٨"، ومسلم "١٠١٨" في سبب نزول هذه الآية عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبوعقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء. ومعنى نتحامل: نحمل على ظهورنا للناس بالأجرة من أجل أن نتصدق بها، لأنه ليس عندهم شيء يتصدقون به. "٢" ينظر: الرعاية ص٣١٥-٣٢٤، الإحياء ٣/٣٣٤-٣٣٦، مختصر منهاج القاصدين ص٢٨٧. "٣" وقد قيدت هذا النوع بإرادة المصلحة المباشرة؛ لأن الرياء يريد به صاحبه أيضًا مصلحة
[ ٣٧٥ ]
وإرادة الإنسان بعمله الدنيا ينقسم من حيث الأصل إلى أقسام كثيرة"١"، أهمها:
١- أن لا يريد بالعبادة إلا الدنيا وحدها، كمن يحج ليأخذ المال، وكمن يغزو من أجل الغنيمة وحدها، وكمن يطلب العلم الشرعي من أجل الشهادة والوظيفة ولا يريد بذلك كله وجه الله البتة، فلم يخطر بباله احتساب الأجر عند الله تعالى، وهذا القسم محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، وهو من الشرك الأصغر"٢"، ويبطل العمل الذي يصاحبه.
ومن الأدلة على تحريم هذا القسم وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه:
_________________
(١) دنيوية، لكن ذلك غير مباشر، لأنه يرائي الناس ليعظم في أنفسهم رجاء أن يحصل مصلحة دنيوية من قبلهم، كما سبق بيانه عند تعريف الرياء. وينظر في المراد بالعبادة المحضة ما سبق عند الكلام على تعريف العبادة وبيان شمولها. "١" من إرادة الدنيا: النفاق بأصل الإيمان، أو أن يظهر بعض العبادات الأخرى مع إبطان الكفر من أجل الحصول على مصالح دنيوية، فهذا من الشرك الأكبر، كما سبق بيانه في شرك النية والإرادة والقصد في الباب السابق. "٢" وقد سبق عند ذكر حكم الرياء قول بعض العلماء: إن هذا النوع من الشرك الأكبر، ولعل الأقرب أنه من الأصغر.
[ ٣٧٦ ]
أ- قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥، ١٦] .
ب- حديث عمر ﵁ مرفوعًا: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". رواه البخاري ومسلم"١".
ج- حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: " من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة ". يعني ريحها"٢".
_________________
(١) "١" صحيح البخاري "١"، وصحيح مسلم "١٩٠٧" "٢" رواه أحمد ٢/٣٣٨، وأبوداود "٣٦٦٤"، وابن حبان "٧٨" بإسناد حسن إن شاء الله، رجاله رجال الصحيحين، وله شواهد بنحوه هو بها صحيح، وقد ذكرتها في رسالة النية في تخريج هذا الحديث تحت رقم "٣٣"، وله شواهد أخرى كثيرة في تحريم طلب الدنيا بالعمل الصالح، ذكرتها في المرجع نفسه برقم "٣١، ٣٢، ٣٥، ٤٢". وتفسير العرف بالريح هو من تفسير بعض رواة الحديث، وفي حديث عبد الله بن عمرو في صحيح البخاري "٦٩١٤": " وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا ".
[ ٣٧٧ ]
٢ - أن يريد بالعبادة وجه الله والدنيا معًا، كمن يحج لوجه الله وللتجارة، وكمن يقاتل ابتغاء وجه الله وللدنيا، وكمن يصوم لوجه الله وللعلاج، وكمن يتوضأ للصلاة وللتبرد، وكمن يطلب العلم لوجه الله وللوظيفة، فهذا الأقرب أنه مباح؛ لأن الوعيد إنما ورد في حق من طلب بالعبادة الدنيا وحدها، ولأن الله رتب على كثير من العبادات منافع دنيوية عاجلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢، ٣]، وكما في قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠-١٢]، والنصوص في هذا المعنى كثيرة"١"،
_________________
(١) "١" ومن ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد "٣٦٦٩"، والترمذي "٨١٠"، والنسائي "٢٦٣٢" بإسناد حسن عن ابن مسعود مرفوعًا: " تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة ". ولأوله شاهد من حديث ابن عباس عند النسائي "٢٦٣١" وإسناده حسن. وكما في حديث الثلاثة أصحاب الغار، وقد سبق تخريجه عند الكلام على تعريف العبادة وبيان شمولها، وكما في حديث أبي سعيد في قصة رقية اللديغ، فهو صريح في جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن. وسيأتي تخريجه عند الكلام على الرقى إن شاء
[ ٣٧٨ ]
فهذه النصوص تدل على جواز إرادة وجه الله وهذه المنافع الدنيوية معًا بالعبادة"١"؛ لأن هذه المنافع الدنيوية ذكرت على سبيل الترغيب في
_________________
(١) الله تعالى، وقد ذكر القرافي في الفروق "الفرق ١٢٢" أن من جاهد ليحصل طاعة الله بالجهاد وليحصل المال من الغنيمة أن ذلك لا يضره ولا يحرم عليه بالإجماع، وذكر السيوطي في منتهى الآمال ص١٧٥: أن من خرج حاجًا ومعه تجارة صح حجُّه وأثيب عليه بإجماع الأمة. "١" في هذا القسم كلام وخلاف لبعض أهل العلم، وبعضهم يفرق بين ما إذا كان الباعث على العمل وجه الله وكان طلب الدنيا تابعًا له، وبين ما سوى ذلك، وبعضهم يفرق في الحكم بحسب تساوي القصدين أو عدم تساويهما، والأقرب عدم التفريق، لأن النصوص أطلقت، ولم تفصل، بل إن حديث أبي سعيد في رقية اللديغ والذي سيأتي عند الكلام على الرقية –إن شاء الله تعالى– صريح في جواز أن تكون إرادة الدنيا هي الباعث على قراءة الفاتحة رقية، ولذلك امتنع الصحابة عن الرقية إلا بجعل. وينظر في هذا القسم: جامع بيان العلم ١/١٨٧، إحياء علوم الدين ٣/٣٢١، المحلى ١/٧٦، المسألة ١١٣، تفسير القرطبي ٥/١٨٠، و٩/١٤، مختصر منهاج القاصدين ص٣٩٣، الفروق "الفرق ١٢"، المجموع ١/٣٢٥، شرح الأربعين للنووي ص١٦، فيض القدير ٦/١٠٧، قاعدة في المحبة ص٩٩، تجريد التوحيد للمقريزي ص٥٣، ٥٤، دليل الفالحين شرح رياض الصالحين لابن علان ٤/١٩١، جامع العلوم والحكم ١/٨١، ٨٢، إعلام الموقعين ٢/١٨٢، الموافقات ٢/٢١٧-٢٢٢، فتح الباري: الجهاد باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، الأشباه لابن نجيم ص٣٩، ٤٠، منتهى الآمال ص١٧٤-١٨٠، التيسير وفتح المجيد والقول المفيد باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله
[ ٣٧٩ ]
هذه العبادات"١".
وهذا القسم لا يبطل العمل الذي يصاحبه، ولكن أجر هذه العبادة يُنقص منه بقدر ما خالط نيته الصالحة من إرادة الدنيا"٢".
_________________
(١) الدنيا، العدة للصنعاني ١/٦٠ الشرك ومظاهره للميلي ص٦٦، ٦٧، إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار لشيخنا محمد بن عثيمين - ﵀ – ص٥، ٦، وينظر رسالة "الشرك الأصغر" ص١٠٩-١١٥ ففيها تفصيل جيد لهذه المسألة. "١" ولو لم يجز للعبد أن يريدها بعبادته مع إرادة وجه الله لما وردت على هذه النحو، وكيف يرد الترغيب في أمر بذكر هذه الفوائد ثم يقال للعبد: لا تقصدها عند أدائك لهذه العبادة، ولا يكن في نفسك إرادة شيء من حظوظ الدنيا حتى ما رُغِّبت فيه، فدلّ ذلك على إباحة إرادة الأمرين معًا. ينظر رسالة "الشرك الأصغر" ص١١٠. "٢" والدليل على هذا حديث " وإنما لكل امرئ ما نوى "، وحديث " ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم " رواه مسلم "١٩٠٦"، فإذا كان هذا في حق من غنم وهو لم يقصد الغنيمة مع إرادة الجهاد، فمن أرادها وأراد وجه الله من باب أولى ولو لم يغنم؛ لأن العبد يُجزى على نيته، كما في حديث أبي كبشة عند أحمد ٤/٢٣١، والترمذي "٢٣٢٥" بإسناد حسن، وقد توسعت في تخريجه في رسالة "النية"، الحديث رقم "٤٥". . ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أنه إذا طلب المسلم العلم الشرعي في المدارس والكليات الشرعية ونحوها مبتغيًا تعليم نفسه ليعبد الله على بصيرة، وتعليم الناس ودعوتهم
[ ٣٨٠ ]
المثال الثالث من أمثلة الشرك الأصغر في الأعمال القلبية: الاعتماد على الأسباب
السبب لغة: الحبل، ويطلق على "كل شيء يُتوصل به إلى غيره" استعير من الحبل الذي يتوصل به إلى الماء"١".
وفي الاصطلاح هو: الأمور التي يفعلها الإنسان ليحصل له ما يريده من مطلوب، أو يندفع عنه ما يخشاه من مرهوب في الدنيا أو في الآخرة.
فمن الأسباب في أمور الدنيا: البيع والشراء أو العمل في وظيفة ليحصل على المال، ومنها: أن يستشفع بذي جاه عند السلطان ليسلم من عقوبة دنيوية، أو ليدفع عنه ظلمًا، أو لتحصل له منفعة دنيوية كوظيفة أو مال أو غيرهما، ومنها: أن يذهب إلى طبيب ليعالجه من
_________________
(١) ونفعهم، ومبتغيًا الحصول على شهادة أو وظيفة يستعين بها على عبادة الله وعلى التفرغ لتعليم الناس ودعوتهم ونفعهم يرجى أن يكون في دراسته هذه مخلصًا العمل لله تعالى وأن لا ينقص من أجره شيء. هذا ما ظهر لي في هذه المسألة المهمة، وهو ما ذهب إليه جمعٌ من مشايخي من علماء هذه البلاد "المملكة العربية السعودية". والله أعلم. "١" ينظر: لسان العرب، والتعريفات، والكليات "مادة: سبب".
[ ٣٨١ ]
مرض، ونحو ذلك"١".
ومن الأسباب في أمور الآخرة: فعل العبادات رجاء ثواب الله تعالى والنجاة من عذابه"٢"، ومنها: أن يطلب من غيره أن يدعو الله له بالفوز بالجنة والنجاة من النار، ونحو ذلك.
والذي ينبغي للمسلم في هذا الباب هو أن يستعمل الأسباب المشروعة التي ثبت نفعها بالشرع أو بالتجربة الصحيحة"٣"، مع توكله
_________________
(١) "١" كأن يستعمل دواء أو رقية للعلاج من مرض، وكأن يجري عملية جراحية لاستئصال مرض أو علاجه، وكأن يأخذ السلاح ويلبس الدرع في حال الحرب، وكأن يحمل الزاد معه في السفر ونحو ذلك. "٢" مجموع الفتاوى ٨/١٧٥، ١٧٦. "٣" قال شيخنا محمد بن عثيمين - ﵀ – في القول المفيد، باب من الشرك لبس الحلقة ١/١٦٥: "طريق العلم بأن الشيء سبب: إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩]، وكقراءة القرآن فيها شفاء، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٣] وإما عن طريق القدر، كما إذا جرّبنا هذا الشيء فوجدناه نافعًا في هذا الألم أو المرض، ولكن لابدّ أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا كما لو اكتوى بالنار فبرئ بذلك مثلًا؛ فهذا سبب ظاهر بيّن، وإنما قلنا هذا لئلاّ يقول قائل: أنا جرّبت هذا وانتفعت به، وهو لم يكن مباشرًا، كالحلقة، فقد يلبسها إنسان وهو يعتقد أنها نافعة، فينتفع
[ ٣٨٢ ]
على الله تعالى "١"، واعتقاد أن هذا الأمر إنما هو مجرد سبب، وأنه لا أثر له إلا بمشيئة الله تعالى، إن شاء نفع بهذا السبب، وإن شاء أبطل
_________________
(١) لأن للانفعال النفسي للشيء أثرًا بيّنًا، فقد يقرأ إنسان على مريض فلا يرتاح له، ثم يأتي آخر يعتقد أن قراءته نافعة فيقرأ عليه الآية نفسها فيرتاح له ويشعر بخفة الألم، كذلك الذين يلبسون الحِلَق ويربطون الخيوط؛ قد يحسون بخفة الألم أو اندفاعه أو ارتفاعه بناءً على اعتقادهم نفعها، وخفة الألم لمن اعتقد نفع تلك الحلقة مجرد شعور نفسي، والشعور النفسي ليس طريقًا شرعيًا لإثبات الأسباب، كما أن الإلهام ليس طريقًا للتشريع". وينظر مجموع الفتاوى ١/١٣٧. "١" تنوَّعت عبارات أهل العلم في تعريف التوكل، فقيل هو: الاكتفاء بالله تعالى مع الاعتماد عليه. وقيل هو: اعتماد القلب على الله دون سواه في جلب المنافع ودرء المفاسد في الدنيا والآخرة، واعتقاد أنه تعالى هو النافع والضار دون سواه. ينظر: المفهم ١/٤٦٧، ٤٦٨، تلبيس إبليس ص٣١٥، شرح النووي لصحيح مسلم: الإيمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ٢/٩٠-٩٢. وقال الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف: وظيفة شهر صفر "ص٧٠": "فالتوكل علم وعمل: والعلم معرفة القلب بتوحيد الله بالنفع والضر، وعامة المؤمنين تعلم ذلك. والعمل: هو ثقة القلب بالله، وفراغه من كل ما سواه، وهذا عزيز، ويختص به خواص المؤمنين". وقال الحافظ ابن القيم في "طريق الهجرتين" "ص٣٣٥، ٣٣٦": "التوكل يجمع أصلين: علم القلب، وعمله، أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك. وأما عمله: فسكونه إلى وكيله
[ ٣٨٣ ]
أثره"١".
أما إن اعتمد الإنسان على السبب فقد وقع في الشرك، لكن إن
_________________
(١) وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك، ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه، فبهذين الأصلين يتحقق التوكّل، وهما جماعه". وينظر مدارج السالكين: منزلة التوكل ٢/١١٦- ١٤٨، وقد أطال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم: شرح الحديث ٤٩: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكّله.. الخ"في الكلام على التوكل وفيما يكون وعاقبته وبيان عاقبة صدق اليقين والتوكل، وعواقب ضعف التوكل، وإن كان بعض ما ذكره من توكل بعض الزّهاد والعبّاد وسفرهم بغير زاد، وترك آخرين للتكسب فيه نظر، وليس هذا من عمل الأنبياء ﵈، ولا من عمل الصحابة، ولم يدل عليه نص من كتاب أو سنة، أو حتى أثر عن صحابي فيما أعلم. والله تعالى أعلم. "١" قال شيخنا محمد بن عثيمين في القول المفيد باب ما جاء في الرقى ١/١٨٤: "ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب، بل يعلقها بالله، فالموظف الذي يتعلق بمرتبه تعلقًا كاملًا، مع الغفلة عن المسبِّب – وهو الله – قد وقع في نوع من الشرك، أما إذا اعتقد أن المرتب سبب، والمسبِّب هو الله ﷾، وجعل الاعتماد على الله، وهو يشعر أن المرتب سبب، فهذا لا ينافي التوكّل، وقد كان الرسول ﷺ يأخذ بالأسباب مع اعتماده على المسبِّب، وهو الله - ﷿ -". وينظر مجموع الفتاوى ١/١٣٧، و٨/١٦٩، المدخل لابن الحاج ٤/٣٢٤-٣٢٦، مدارج السالكين ٣/٥٢١، الفتاوى الهندية: الكراهية الباب ١٨ في التداوي ٥/٢٥٤، شرح الطحاوية ص٦٨٠.
[ ٣٨٤ ]
اعتمد عليه اعتمادًا كليًا، مع اعتقاد أنه ينفعه من دون الله فقد وقع في الشرك الأكبر، وإن اعتمد على السبب مع اعتقاده أن الله هو النافع الضار فقد وقع في الشرك الأصغر"١"، فالمؤمن مأمور بفعل السبب مع التوكل على مسبّب الأسباب جل وعلا.
وعليه فإن ترك الأسباب واعتقادَ أن الشرع أمر بتركها، وأنها لا نفع فيها كذب على الشرع، ومخالفة لما أمر الله به وأجمع عليه أهل العلم، ومخالفة لمقتضى العقل"٢"، ولهذا قال بعض أهل العلم: "الالتفات إلى
_________________
(١) "١" لطائف المعارف: وظيفة شهر صفر ص٧٠، التيسير، وقرة عيون الموحدين، وإبطال التنديد، وفتح الله الحميد باب "وعلى الله فتوكلوا"، القول السديد باب لبس الحلقة ص٤٥، ٤٦، القول المفيد باب الرقى ١/١٨٣، وينظر: مجموع الفتاوى ٨/١٦٩، شرح الطيبي: الطب ٨/٣٢٠، آخر مدارج السالكين ٣/٥٢١، آخر مفتاح دار السعادة ٢/٧١٢، فيض القدير: شرح حديث "الطيرة شرك"٤/٢٩٤، مرقاة المفاتيح ٤/٥٢٣. وينظر ما سيأتي عند الكلام على الرقى المحرمة، وعند الكلام على التمائم المحرمة عند بيان وجه كونهما من الشرك – إن شاء الله تعالى -. "٢" قال القرطبي في "قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذلّ السؤال بالكتب والشفاعة"ص١٠٧ نقلًا عن رسالة الشرك الأصغر ص١٣٩: "القول بالأسباب والوسائط سنة الله وسنة رسوله، وهو الحق المبين، والصراط المستقيم الذي انعقد عليه إجماع المسلمين". وينظر: الفروق "الفرق ٢٥٧ بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك الأسباب
[ ٣٨٥ ]
الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدحٌ في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع""١".
ومن الشرك في الأسباب: أن يجعل ما ليس بسبب سببًا، فإن اعتقد أن هذا الشيء يستقل بالتأثير بدون مشيئة الله فهو شرك أكبر، كحال عبّاد الأصنام وعبّاد القبور الذين يعتقدون أنها تنفع وتضر استقلالًا، وإن اعتقد أن الله جعله سببًا، مع أن الله لم يجعله سببًا فهو شرك أصغر"٢"؛ لأنه شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بالسببية مع أن الله لم يجعله سببًا"٣".
_________________
(١) ٤/٢٢١-٢٢٤"، الموافقات: القسم الثاني من قسمي الأحكام ١/١٨٧-٢٦٢، مجموع الفتاوى ١/١٣٧، و٨/٤٨٥، ٤٨٦، مدارج السالكين ٣/٥١٦-٥٢٣، آخر مفتاح دار السعادة ٢/٧١١، ٧١٢. "١" مجموع الفتاوى ٨/١٦٩، وينظر آخر مدارج السالكين ٣/٥٢١، وشرح الطحاوية: الدعاء ص٦٧٩. "٢" ومن أمثلته: التطيّر، والاستسقاء بالنجوم، وسيأتي بيانهما وبيان كونهما من الشرك في هذا الفصل إن شاء الله تعالى. "٣" القول السديد باب من الشرك لبس الحلقة ص٤٥، ٤٦، القول المفيد باب الرقى ١/١٨٣، مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ١/١٠٢، ١٠٤، الشرك الأصغر ص١٣٥-١٤٧.
[ ٣٨٦ ]
المثال الرابع من أمثلة الشرك الأصغر في الأعمال القلبية: التَّطَيُّر
التطيُّر لغة: مصدر "تطيَّر"، ويُسمى "الطِّيَرة"، و"الطَّيْر""١".
وفي الاصطلاح: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو غيرهما"٢".
ومعنى ذلك أن يكون الإنسان قد عزم على أمر ما، فيرى أو يسمع أمرًا لا يعجبه فيحمله ذلك على ترك ما يريد فعله.
ويلحق بالتطيُّر في الحكم: عكسه، بأن يرى أو يسمع أمرًا يسر به، فيحمله على فعل أمر لم يكن عازمًا على فعله"٣".
_________________
(١) "١" ينظر: الصحاح، والقاموس المحيط، والنهاية "مادة: طير "، إكمال المعلم ٧/١٤١، جامع الأصول ٧/٦٢٨. "٢" أو هي: ما يتشاءم به من الفأل الردئ، والشؤم: ضد اليمن، وهو عدم البركة. تنظر: المراجع السابقة، وينظر شرح السنة: الطب ١٢/١٧٠، شرح صحيح مسلم للنووي كتاب السلام باب الطيرة ١٣/٢١٨، شرح الطيبي: الطب ٨/٣١٣، آخر كتاب مفتاح دار السعادة ٢/٢٤٦، القوانين الفقهية ص٢٩٦، فتح المجيد باب ما جاء في التطير ٢/٥٢٥، معارج القبول ٣/٩٩٠-٩٩٣، القول السديد ص١١٦، القول المفيد ١/٥٥٩. "٣" ويلحق بذلك أيضًا الاستقسام بالأزلام الذي حرمه الله تعالى بقوله ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] وهو ما كان يفعله أهل
[ ٣٨٧ ]
ومن أمثلة التطيُّر: ما كان يفعله أهل الجاهلية من أن أحدهم إذا أراد سفرًا زجر أو أثار طيرًا، فإن اتجه ذات اليمين تفاءل، فعزم على السفر، وإن اتجه ذات الشمال تشاءم، وترك هذا السفر، وقد كثر استعمال أهل الجاهلية للطيور في هذا الأمر حتى قيل لكل من تشاءم "تطيَّر"، ومن أمثلة التشاؤم أيضًا: التشاؤم بسماع كلمة لا تعجبه ك "يا هالك"، أو بملاقاة عجوز شمطاء، أو برؤية الغراب، أو البوم، أو صاحب عاهة في أول سفره، أو في أول نهاره فيترك هذا السفر، أو يترك البيع والشراء في هذا اليوم، ومن أمثلته: التشاؤم ببعض الأشهر كصفر، والتشاؤم ببعض الأرقام كثلاثة عشر، كما يفعله كثير من أصحاب الفنادق والعمارات وغيرهم في هذا العصر، فتجد بعضهم لا يضع هذا الرقم في أدوار العمارة أو في المصعد أو في مقاعد الطائرات، ونحو ذلك تشاؤمًا.
_________________
(١) الجاهلية من أنهم إذا أرادوا عمل أمر من الأمور أتوا بقداح مثل السهام أو الحصى، وقد كتب على أحدها علامة الخير، وعلى الثاني علامة الشر، والثالث غفل لا شيء عليه، فإذا خرج هذا فعلوا، وإذا خرج هذا تركوا، وإذا خرج الغفل أعادوا الاستقسام، ومثله الضرب بالحصى والشعير واللوح والخشب ونحوها، ينظر تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم والقرطبي وابن كثير للآيتين السابقتين، والفتاوى الكبرى ١/٢٠٩.
[ ٣٨٨ ]
والتطيّر محرم"١"، وشرك أصغر"٢". ومثله: الفعل الذي يقدم عليه العبد أو يعزم عليه لرؤيته أو سماعه ما يسر به – كما سبق – ويستثنى
_________________
(١) "١" ينظر: الكبائر للذهبي "الكبيرة ٦٣"، وتنبيه الغافلين لابن النحاس ص٢٠٩، وقد سبق عند بيان حكم الشرك الأصغر أنه من أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر. "٢" السبب في كونه شركًا هو بسبب ما يعتقده المتطير من أن ما فعله من التطيُّر كان سببًا في دفع مكروه عنه أو في جلب الخير له مع أنه سبب غير صحيح، وإنما هومن خرافات الجاهلية، ومما يزينه الشيطان في نفوس الجهال، فإذا وقع بعض ما تطيروا به في بعض الأحيان جعلهم الشيطان يتعلقون بهذا التطير ويظنون أنه صحيح، كما أن في هذا التطير نوعًا من الاعتماد على الأسباب في دفع الضر وجلب الخير، فهي أسباب باطلة شرعًا وعقلًا، فهو قد اعتمد على سبب لم يجعله الله سببًا، وتعلّق قلبه بهذه الأسباب الباطلة، كما أن في التطير نوع اعتماد على هذه الأمور الباطلة في دعوى معرفة ما سيكون في المستقبل. وينظر: مشكل الآثار ٢/٢٩٩، التمهيد ٢٤/١٩٥، عارضة الأحوذي ٧/١١٦، ١١٧، شرح صحيح البخاري لابن بطال ٩/٤٣٦، شرح النووي لصحيح مسلم باب الطيرة "١٣/٢١٩، شرح الطيبي ٨/٣٢٠، فتح المجيد ٢/٥٠٦، ٥٢١، ٥٢٦، الدين الخالص ٢/١٤٢، ١٤٣، القول السديد ص١١٦-١١٨، القول المفيد ١/٥٧٤، ٥٨٠، الشرك الأصغر ص١٢٤، ١٢٥، وهذا الحكم إنما هو في حق من اعتقد أن ما تطير به جعله الله علامة على هذا الأمر المكروه أو سببًا في حصوله، أما من اعتقد أن هذا المتشاءَم به يحدث الشر بنفسه ويفعله استقلالًا، أو اعتقد أنه يعلم الأمر الذي سيقع في المستقبل ويخبر به، فهذا من الشرك الأكبر. ينظر: فيض القدير ٤/٢٩٤، مرقاة المفاتيح ٤/٥٢٢، ٥٢٣، القول المفيد
[ ٣٨٩ ]
منه الفأل الحسن، وهو: أن يكون الإنسان قد عزم على أمر معين فيرى أو يسمع أمرًا حسنًا من غير قصد له، فيسر به ويستبشر به، ويزيده ذلك اطمئنانًا بأن ما كان قد عزم على فعله سيكون فيه خير وبركة بمشيئة الله تعالى، ويعظم رجاؤه في الله تعالى في تحقيق هذا الأمر، من غير اعتماد على هذا الفأل، فهذا حسن، فالفأل حسن ظن بالله تعالى، ورجاء له، وباعث على الاستعانة به، والتوكل عليه، وعلى سرور النفس، وانشراح الصدر، وهو مسكن للخوف، باعث للآمال، والطيرة على النقيض من ذلك: فهي سوء ظن بالله، وتوكل على غيره، وقطع للرجاء، وتوقع للبلاء، وقنوط للنفس من الخير، وهو مذموم وباطل شرعًا وعقلًا"١".
_________________
(١) ١/٥٧٧، الدعاء للعروسي السوداني ٢/٩١٢. ومثل التطير في الحكم: الاستقسام بالأزلام الذي سبقت الإشارة إليه قريبًا، ومثله قراءة الكف أو الفنجان أو فتح المصحف أو كتاب ثم الاستدلال بما يقرأ في هذه الصفحة على ما سيقع، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك عند الكلام على الشرك في الأسماء والصفات في الباب السابق، وينظر تفسير القرطبي "تفسير الآية ٩٠ من المائدة ٦/٢٨٥، وتفسير الآية ٢٦ من الجن ١٩/٢٨". "١" ينظر شرح السنة ١٢/١٧٥، المفهم ٥/٦٢٧، ٦٢٨، إكمال المعلم ٧/١٤٤، جامع الأصول: الكتاب الخامس في الطيرة والفأل والشؤم والعدوى ٧/٦٣٨، تفسير
[ ٣٩٠ ]
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على بطلان التطير"١"، وتحريمه، ومن
_________________
(١) القرطبي للآية "٣" من سورة المائدة، مفتاح دار السعادة "٢/٢٤٤-٢٤٧"، حاشية ابن عابدين باب العيدين ١/٥٥٥، وتنظر أكثر المراجع الآتية في التعليق بعده. "١" أما حديث ابن عمر الذي رواه البخاري "٥٠٩٤، ٥٧٥٣"، ومسلم "٢٢٢٥" عن النبي ﷺ أنه قال: " لا عدوى ولا طيرة، وإن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس "ومثله حديث سهل بن سعد عند البخاري "٢٨٥٩"، ومسلم "٢٢٢٦" فالأقرب أن المراد بالشؤم في هذا الحديث وشواهده ما رجّحه الإمام البخاري في صحيحه وغيره، ورجّحه شيخنا عبد العزيز بن باز - ﵀ – في بعض دروسه من أن المراد ما يكون في بعض أعيان هذه الثلاثة من الضرر المحسوس، كالمرأة السيئة الخلق، والدار الضيقة، أو السيئة الجيران، والفرس السيئة الطباع، ونحو ذلك، كما في الحديث الذي رواه ابن حبان "٤٠٣٢" بإسناد حسن عن النبي ﷺ قال: " أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء ". وينظر: صحيح البخاري مع شرحه لابن بطال وشرحه لابن حجر: الجهاد باب ما يتقي من شؤم الفرس، والطب باب الطيرة، والنكاح باب ما يتقي من شؤم المرأة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] . مصنف عبالرزاق "كتاب الجامع لمعمر باب الشؤم ١٠/٤١١"، التمهيد ٩/٢٧٨، ٢٩١، شرح السنة ١٢/١٧٨، ١٧٩، معالم السنن وتهذيب السنن ١/٣٨٠، ٣٨١، شرح النووي لصحيح مسلم ١٣/٢٢٠-٢٢٢، شرح الطيبي ٨/٣٢١، معارج القبول ٣/٩٩٠-٩٩٣، وينظر أيضًا الموطأ مع شرحه المنتقى باب ما يتقى من
[ ٣٩١ ]
ذلك ما ثبت عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " الطيرة شرك ""١".
_________________
(١) الشؤم ٧/٢٩٣، ٢٩٥، تهذيب الآثار "مسند علي ص٣٤"، شرح معاني الآثار: الكراهية باب الرجل يكون به الداء ٤/٣١٤، المعلم ٣/١٠٤، مفتاح دار السعادة ٢/٢٥١-٢٥٦، الآداب الشرعية ٣/٣٦٥، لطائف المعارف ص٧٥، فتح المجيد والقول السديد، والقول المفيد باب الطيرة، عالم السحر والشياطين ص٣٠٤-٣١٠، رسالة "الطير والطيرة "ص١١-١٠٩، ورسالة "الشرك الأصغر"ص١٢٥-١٣١، الطيرة والفأل لمحمود الجاسم ص٤٧-٧٧، وينظر المراجع المذكورة في التعليق السابق. "١" رواه الإمام أحمد "٣٦٨٧ تحقيق شاكر"، وابن أبي شيبة "٦٤٤٢"، وأبوداود "٣٩١٠"، والترمذي "١٦١٤"، وابن حبان "٦١٢٢"، والحاكم ١/١٧، ١٨. وإسناده صحيح. وقد صححه الترمذي، والحاكم، وصححه أيضًا الذهبي والعراقي كما في فيض القدير ٤/٢٩٤، وابن العربي في عارضة الأحوذي ٧/١١٦ وتمامه: "وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل "وهذه التتمة من قول ابن مسعود ﵁ كما في سنن الترمذي، والمعنى: وما منا أحد إلا وقد يعتريه التطير. وهذا يدل على أن ما يقع في القلب من التطير من غير قصد من العبد ولم يستقر في القلب معفو عنه، لكن إن ترتب عليه إقدام أو إحجام فهو محرم، ويؤيد هذا حديث معاوية بن الحكم عند مسلم "٥٣٧": قال قلت: ومنا رجال يتطيرون؟ فقال ﷺ: " ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم "، وفي رواية: " فلا يصدنّكم "، ويؤيده حديث ابن عمرو الآتي. وينظر: شعب الإيمان ٢/٦٢-٦٤، المفهم ١/٤٦٥، و٥/٦٢٨، الآداب الشرعية ٣/٣٦١، مرقاة المفاتيح ٤/٥٢٣، فتح المجيد ٢/٥٢٦.
[ ٣٩٢ ]
ومما يدل على تحريم الطيرة أيضًا وإباحة الفأل: ما رواه عروة بن عامر، قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ، فقال: " أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم: لا
_________________
(١) ولهذا الحديث شواهد، منها ما رواه الإمام أحمد "٧٠٤٥ تحقيق شاكر" وابن وهب في الجامع "٦٥٦" ومن طريقه ابن السني "٢٩٢" عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: " من أرجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك "، قالوا: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: " يقول أحدهم: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك " وليس عند ابن وهب قوله: "قالوا.. الخ "وسنده حسن. وللنهي عن الطيرة وبيان بطلانها شواهد أخرى كثيرة منها: قوله تعالى عن قوم صالح: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ "النمل:٤٧"، ففي الآية نفي الطيرة، وإثبات أن ما أصابهم إنما هو بتقدير الله تعالى، ومن قبله، ومنها الحديث السابق، ومنها حديث ابن عباس في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب، وفيه يقول ﷺ في صفتهم: " هم الذين لا يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون "رواه البخاري "٥٧٥٢" واللفظ له، ومسلم "٢٢٠"، ومنها حديث جابر عند مسلم "٢٢٢٢": "لا عدوى، ولا طيرة، ولا غول"، ومنها ما رواه تمام في فوائده "١٤٤٤"، والبيهقي في شعب الإيمان "١١٧٧" عن أبي الدرداء مرفوعًا: " لن يلجَ الدرجات العلى من الجنة من تَكَهَّن أو تُكُهن له، أو رجع من سفر تطيرًا "، وغيرها، وقد ذكر الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/٣١١ أن الأحاديث في النهي عن الطيرة متواترة، وينظر المجمع ٥/١٠١-١١٦.
[ ٣٩٣ ]
يأتِ بالحسنات إلا أنت "١"، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك "٢" ""٣"، وقوله ﷺ: " لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل الحسن" قالوا: وما الفأل؟ قال: " الكلمة الصالحة يسمعها
_________________
(١) "١" قال شيخنا محمد بن عثيمين في القول المفيد ١/٥٧١، ٥٧٢: "وهذا هوحقيقة التوكل، وقوله "اللهم" يعني: ياألله، ولهذا بُنيت على الضم؛ لأن المنادى علم، بل هو أعلم الأعلام وأعرف المعارف على الإطلاق". "٢" قال في فتح المجيد ص٥٢٢: "وقوله: " ولا حول ولا قوة إلا بك " استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، وعدم الالتفات إلى الطيرة التي قد تكون سببًا لوقوع المكروه عقوبة لفاعلها، وذلك الدعاء إنما يصدر عن حقيقة التوكل الذي هو أقوى الأسباب في جلب الخيرات ودفع المكروهات". "٣" رواه أبوداود في الطب "٣٩١٩"، وابن أبي شيبة في الأدب "٦٤٤٣"، وابن السني "٢٩٣"، والبيهقي في كتابه "الدعوات" "٥٠٠". وإسناده صحيح إن ثبت سماع حبيب من عروة، والأقرب أن عروة صحابي، فقد أثبت صحبته جماعة، ونفاها آخرون، والمثبت مقدم على النافي. ينظر الإصابة ٢/٤٦٩، تهذيب التهذيب ٢/١٨٥، وقد صحح هذا الحديث النووي في رياض الصالحين "١٦٨٦". وله شاهد من مرسل الشعبي رواه عبد الرزاق في الجامع لشيخه معمر باب الطيرة "١٩٥١٢"، وسنده صحيح، ومراسيل الشعبي قوية، وله شاهد آخر من مرسل عبد الرحمن بن سابط، رواه أبوداود في المراسيل "٥٣٩"، وإسناده حسن، فحديث عروة على القول بأن سنده ضعيف حسن لغيره بهذين الشاهدين.
[ ٣٩٤ ]
أحدكم ". رواه البخاري ومسلم "١".
قال الحافظ ابن رجب بعد ذكره أن التشاؤم باطل شرعًا وعقلًا، قال: "وفي الجملة فلا شؤم إلا المعاصي والذنوب فإنها تسخط الله ﷿، فإذا سخط على عبده شقي في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة، فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله، واليُمن هو طاعة الله وتقواه كما قيل:
إنَّ رأيًا دعا إلى طَاعةِ اللهِ لَرَأيٌ مُبارَكٌ مَيمُونُ
والعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي، فمن قاربها وخالطها وأصر عليها هلك، وكذلك مخالطة أهل المعاصي ومن يحسِّن المعصية ويزيِّنها ويدعو إليها من شياطين الإنس، وهم أضر من شياطين الجن، قال بعض السلف: شيطان الجن تستعيذ بالله منه فينصرف،
_________________
(١) "١" صحيح البخاري "٥٧٥٤"، وصحيح مسلم "٢٢٢٣" من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث أنس عند البخاري "٥٧٥٦"، ومسلم "٢٢٢٤"، وله شاهد آخر رواه البخاري "٢٧٣١"، وهو قوله ﷺ في صلح الحديبية لما جاء سهيل بن عمرو: " سُهِّل لكم من أمركم "، وهو من مرسل عكرمة، وله شاهد ثالث رواه الترمذي "١٦١٦"، وشاهد رابع رواه أبوداود "٣٩٢٠" وما ذكر فيه من تغيره ﷺ إذا سمع اسمًا مكروهًا يحمل على أنه من أجل كراهته لهذا الاسم لا غير. وينظر التمهيد ٢٤/٦٨-٧٤، مجمع الزوائد: الطب ٥/١٠٥، ١٠٦.
[ ٣٩٥ ]
وشيطان الإنس لا يبرح حتى يوقعك في المعصية، وفي الحديث: " المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل " "١"، وفي حديث آخر: " لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي ""٢"، فالعاصي مشؤوم على نفسه وعلى غيره فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس، خصوصًا من لم ينكر عليه عمله فالبعد عنه متعين، فإذا كثر الخبث هلك الناس عمومًا" "٣".
النوع الثاني من أنواع الشرك الأصغر: الشرك في الأفعال
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الرقى الشركية"٤".
_________________
(١) "١" رواه أبوداود "٤٨٣٣"، والترمذي "٢٣٧٨"، وسنده حسن. "٢" رواه أحمد ٣/٣٨، وأبوداود "٤٨٣٢"، والترمذي "٢٣٩٥"، وابن حبان "٥٥٤"، وسنده حسن. "٣" ينظر: لطائف المعارف: وظيفة شهر صفر ص٧٧. "٤" الرقية تشتمل على قول اللسان، وذلك بقراءة الأذكار، وتشمل على عمل القلب، وهو اعتماد كل من الراقي والمرقي بقلبه على ما استعاذ به والتجأ إليه، وتشتمل في الغالب على أفعال كالنفث ومسح الجسد بعد الرقية، ووضع اليد على موضع الألم، وصب الماء على المريض، وشرب المريض للماء، وبعضهم يكتب الأذكار في إناء أو
[ ٣٩٦ ]
الرُّقى في اللغة: جمع رقية، والاسم منه "رقيا"، يقال: رقيته، أرقيه، رَقيًا، والمرة "رقية""١".
وفي الاصطلاح: الأمور التي يعوَّذ بها لرفع البلاء أو دفعه"٢".
والرقية الشرعية هي الأذكار من القرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في السنة أو الأدعية الأخرى المشروعة التي يقرؤها الإنسان على نفسه أو يقرؤها عليه غيره ليعيذه الله من الشرور بأنواعها، من الأمراض وشرور جميع مخلوقات الله الأخرى من السباع والهوام والجن والإنس وغيرها، فيعيذه منها بدفعها قبل وقوعها، بأن لا تصيبه"٣"، أو يعيذه
_________________
(١) على ورق بماء الزعفران أو غيره على ورق أو على إناء، ثم يغسله، ثم يصبُّه على المريض أو يسقيه إياه، وبعضهم يكتب الأذكار على بدن المريض، ونظرًا لكثرة الأفعال في الرقية، ولارتباطها كثيرًا بالتمائم – كما سيأتي إن شاء الله تعالى – ولذكرها معها في الحديث، والتمائم غالبها أفعال، لذلك كله ذكرت الرقى مع الأفعال في هذا الباب. "١" النهاية، والمصباح، "مادة: رقى ". "٢" وينظر المرجعين السابقين وفتح الباري: الطب باب الرقى بالقرآن ١٠/١٩٥، وعمدة القاري ٢١/٢٦٢. والرقى تسمى العزائم. والعزائم في الأصل: رقى كانوا يعزمون بها على الجن، فيقال: عزم الراقي، كأنه أقسم على الداء. ينظر لسان العرب "مادة: عزم "، وينظر المراد بالعزائم عند المشعوذين في الفروق "الفرق ٢٤٢، ٤/١٤٧". "٣" بعض الفقهاء لا يجيز الرقية إلا للعلاج لا للوقاية من الأمراض، والأقرب صحتها لرفع البلاء ولدفعه قبل وقوعه، للأدلة الدالة على ذلك، كما سيأتي، وهي صريحة في ذلك.
[ ٣٩٧ ]
منها بعد وقوعها بأن يرفعها ويزيلها عنه، وغالبًا يصحب قراءة هذه الأذكار نفث من الراقي"١"، وقد تكون الرقية بالقراءة والنفث على بدن المرقي أو في يديه ويمسح بهما جسده ومواضع الألم إن وجدت، وقد تكون بالقراءة في ماء ثم يشربه المرقي أو يُصبُّ على بدنه"٢"،
_________________
(١) "١" وهذا النفث قد يصحبه ريق وقد يكون هواء بلا ريق، وفي حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه البخاري "٥٧٣٦"، ومسلم "٢٢٠١" في قصة رقية أحد الصحابة لسيد أهل الحي الذين نزل بهم جماعة من الصحابة فلم يضيفوهم لما لدغ، فرقاه بقطيع من الغنم، فأقرهم النبي ﷺ، فيه: "فجعل يقرأ أم القرآن، ويجمع بزاقه، ويتفل"، قال القاضي عياض في إكمال المعلم ٨/١٠١: "وفائدة ذلك – والله أعلم – التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء والنَفَس المباشر للرقية والذكر الحسن والدعاء والكلام الطيب، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى في النشر، وقد يكون على وجه التفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض وانفصاله عنه، كانفصال ذلك النفث عن في الراقي". وينظر صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الطب باب النفث في الرقية ١٠/٢٠٩، ٢١٠، مصنف ابن أبي شيبة: الطب ٧/٤٠٠-٤٠٣، شرح ابن بطال ٩/٤٣٤، التمهيد ٨/١٢٩-١٣٣، التبيان للنووي: آخر الباب السابع ص٩٩، ١٠٠، تفسير القرطبي "تفسير سورة الفلق ٢/٢٥٨"، المفهم ٥/٥٨٠، زاد المعاد: الطب، فصل في هديه ﷺ في رقية اللديغ ٤/١٧٩، عمدة القاري: الطب ٢١/٢٦٢، الآداب الشرعية ٢/٤٥٧، ٤٥٨، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/٩١، ٩٢. "٢" ويدل لهذا ما رواه أبوداود "٣٨٨٥"، وابن حبان "٦٠٦٩" عن النبي ﷺ أنه نفث
[ ٣٩٨ ]
وبعضهم يقوم بكتابة الأذكار بزعفران أو غيره على ورق أو في إناء، ثم يغسله بماء، ثم يسقيه المريض"١".
_________________
(١) في ماء، وصبه على ثابت بن قيس، وفي إسناده ضعف يسير. وله شاهد موقوف على عائشة ﵂ رواه ابن أبي شيبة "٣٥٦٠" أنها كانت لا ترى بأسًا أن يعوذ في الماء ثم يصب على المريض، وسنده صحيح. فيتقوى به الحديث السابق، وقد جزم بثبوت هذا الحديث شيخنا عبد العزيز بن باز - ﵀ – كما في مجموع فتاويه ومقالاته ١/٢٧٠، وينظر تفسير القرطبي "تفسير الآية ٨٢ من الإسراء ١٠/٣١٨"، زاد المعاد ٤/١٧٨، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/٩٢-٩٤. "١" وثبت نحو هذا عن بعض التابعين، وروي عن ابن عباس ﵄ كما في المصنف لابن أبي شيبة: الطب ٧/٣٨٥، وإسناده ضعيف، ورواه ابن السني "٦١٩"، عن ابن عباس مرفوعًا، وفي إسناده محمد بن عبد الله بن المغيرة، وهو منكر الحديث، وقد ذكره شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ١٩/٦٤ بإسناد أحمد بنحو رواية ابن أبي شيبة، وذكر أن أحمد أشار إلى إسناد آخر له، ولم يذكره بتمامه. وقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء كما في مجلة البحوث الإسلامية العدد ١٢ ص١٠٢، والعدد ٢١ ص٤٧، ٤٨ بأن الأولى ترك الرقية التي بهذه الصفة والاستغناء عنها بالرقى الثابتة. ولعل هذا هو الأقرب والأولى، لأن قراءة القرآن وذكر الله في حال الرقية عبادة، والأصل في العبادات التوقيف، ومن قال بجواز هذه الرقية استدل بالقياس على ما ورد، وأخذ بعموم الاستشفاء بالقرآن، وبعموم حديث: " لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" رواه مسلم "٢٢٠٠". ينظر: فضائل القرآن لأبي عبيد ص٢٣١، المصنف لابن أبي شيبة ٧/٣٨٦، ٣٨٧، الجامع لابن أبي زيد ص٢٣٧، شرح السنة ١٢/١٦٦،
[ ٣٩٩ ]
والرقى التي يفعلها الناس تنقسم إلى نوعين:
النوع الأول: الرقى الشرعية، وهي الرُّقى التي سبق ذكرها، وقد أجمع أهل العلم على جوازها في الجملة"١".
_________________
(١) التبيان للنووي: آخر الباب السابع ص٩٨، ٩٩، زاد المعاد ٤/٣٥٨، الآداب الشرعية ٢/٤٥٥، ٤٥٦، أسهل المدارك في فقه الإمام مالك ٣/٣٦٧، المدخل لابن الحاج ٤/٣٢٦-٣٢٨، حاشية ابن عابدين: أول البيع ٥/٢٣٢، الفتاوى الهندية: الكراهية ٥/٣٥٦، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/٩٤، الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية ص١٠٢-١٠٨، كتاب دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة "بحث أ. د. محمد شبير عن الرقى والتمائم ٢/٤٩١-٤٩٥". وقريب من هذا ما يفعله بعضهم من القراءة في زيت ثم يدهن به جسد المريض. وينظر المدخل لابن الحاج ٤/٣٢٨، ٣٢٩، الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية ص٣٩، ٤٠. وبعضهم يقوم بكتابة الأذكار على بدن المريض، وقد أفتى بعض أهل العلم بجوازه، ولم يرد في ذلك شيء عن السلف فيما أعلم، ولذلك فالأقرب والأولى تركه. وينظر الآداب الشرعية فصل فيما يجوز من التمائم ٢/٤٥٧، زاد المعاد ٤/٣٥٨، ٣٥٩، الفتاوى الهندية كتاب الكراهية الباب ١٨ في التداوي ٥/٣٥٦، التبرك للجديع ص٢٣٣، ٢٣٤. "١" قال الحافظ ابن حجر الشافعي في الفتح في كتاب الطب باب الرقى بالقرآن ١٠/١٩٥: "أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسماء الله وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن
[ ٤٠٠ ]
ويشترط في هذه الرقية أيضًا أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، وأن لا يعتمد عليها المرقي بقلبه، وأن يعتقد أن النفع إنما هو من الله تعالى، وأن هذه الرقية إنما هي سبب من الأسباب المشروعة"١"، ويشترط أن لا تكون هذه الرقية من ساحر أو متهم بالسحر، وحكم هذه الرقية عند اجتماع الشروط السابقة أنها مستحبة، وهي من أعظم أسباب الشفاء من الأمراض بإذن الله تعالى"٢".
_________________
(١) يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى، واختلفوا في كونها شرطًا، والراجح أنه لابد من اعتبار الشروط المذكورة"، وقال النووي في شرح مسلم ١٣/١٦٩: "وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تعالى"، وقال ابن رشد في الجامع من المقدمات ص٣٠٩: "لا اختلاف في جواز الاستعاذة بالقرآن والرقية به"، ونقل عن الحافظ السيوطي نحو قول الحافظ ابن حجر السابق. ينظر فتح المجيد ص٢٤٣، وينظر التمهيد ٥/٢٦٤-٢٨٥، و٢٣/١٥٦، ١٥٧، أسهل المدارك كتاب جامع ٣/٣٦٧، مجلة البحوث الإسلامية "العدد ١٢ ص١٠١". "١" وقد حكى الحافظ ابن حجر والحافظ السيوطي الإجماع على هذين الشرطين، وقد سبق نقل كلامهما قريبًا، وينظر المدخل لابن الحاج ٤/٣٢٦. "٢" سبق قريبًا ذكر حديث أبي سعيد في رقية اللديغ، وفيه: أنه لما رُقي بسورة الفاتحة قام كأنما نشط من عقال. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح في كتاب المرضى باب فضل من يصرع من الريح ١٠/١١٥: "علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وإن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية
[ ٤٠١ ]
_________________
(١) البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما: من جهة العليل، وهو صدق القصد، والآخر: من جهة المداوي، وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل"انتهى كلامه مع تصرف يسير. وذكر الحافظ ابن القيم في زاد المعاد ٤/١٨٢ أن الأدوية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعًا مضرًا، وإن كان مؤذيًا، أما الأدوية فإنما تنفع بعد حصول الداء، وقال في مدارج السالكين ١/٦٧ بعد ذكره لحديث أبي سعيد السابق: "فقد تضمن هذا الحديث حصول شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه، فأغنته عن الدواء، وربما بلغت من شفائه ما لم يبلغه الدواء، هذا مع كون المحل غير قابل، إما لكون هؤلاء الحي غير مسلمين أو أهل بخل ولؤم، فكيف إذا كان المحل قابلًا"، وقال أيضًا في المرجع نفسه ١/٦٩: "فهنا أمور ثلاثة: موافقة الدواء للداء، وبذل الطبيب له، وقبول طبيعة العليل. فمتى تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء. وإذا اجتمعت حصل الشفاء ولابد بإذن الله ﷾. ومن عرف هذا كما ينبغي تبين له أسرار الرقى، وميز بين النافع منها وغيره، ورقى الداء بما يناسبه من الرقى، وتبين له أن الرقية براقيها وقبول المحل، كما أن السيف بضاربه مع قبول المحل للقطع، وهذه إشارة مطلعة على ما وراءها لمن دق نظره، وحسن تأمله. والله أعلم. وأما شهادة التجارب بذلك فهي أكثر من أن تذكر، وذلك في كل زمان، وقد جربتُ أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورًا عجيبة، ولا سيما مدة المقام بمكة، فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة، بحيث تكاد تقطع الحركة مني، وذلك في أثناء الطواف وغيره، فأبادر إلى قراءة الفاتحة، وأمسح بها على محل الألم فكأنه
[ ٤٠٢ ]
والدليل على استحباب الرقية في حق المرقي"١": ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى
_________________
(١) حصاة تسقط، جربت ذلك مرارًا عديدة، وكنت آخذ قدحًا من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مرارًا، فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء. والأمر أعظم من ذلك، ولكن بحسب قوة الإيمان وصحة اليقين، والله المستعان". وينظر: زاد المعاد ٤/١١، ١٢، ١٧٨-١٨٠، وقد ذكر فيه أن من قويت طبيعته ونفسه، وقويت استعانته بربّه وتوكله عليه كان ذلك لها من أكبر الأدوية، وأنه كلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى كانت الرقية أتم. وينظر التمهيد ٢/٢٧٠، و٢٣/٢٩. "١" قال القرطبي في المفهم: الإيمان باب يدخل الجنة من أمة محمد ﷺ سبعون ألفًا بغير حساب ١/٤٦٤، ٤٦٥: "الرُّقى باسماء الله تعالى هو غاية التوكل على الله، فإنه التجاء إليه، ويتضمن ذلك رغبته له، وتبركًا بأسمائه، والتعويل عليه في كشف الضر والبلاء، فإن كان هذا قادحًا فيلكن الدعاء والأذكار قادحًا في التوكل، ولا قائل به، وكيف يكون ذلك؟ وقد رقى النبي ﷺ واسترقي، ورقاه جبريل وغيره، ورقته عائشة، وفعل ذلك الخلفاء والسلف، فإن كانت الرقى قادحة في التوكل ومانعة من اللحوق بالسبعين ألفًا فالتوكل لم يتم للنبي ﷺ، ولا لأحد من الخلفاء، ولا يكون أحد منهم في السبعين ألفًا، مع أنهم أفضل من وافى القيامة بعد الأنبياء، ولا يتخيل هذا عاقل". وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم في شرح الحديث ٤٩، ج٢ ص٥٠١: "ومن رجَّح التداوي قال: إنه حال النبي ﷺ الذي كان يداوم عليه، وهو لا يفعل إلا الأفضل، وحمل الحديث – أي حديث السبعين الفًا – على الرقى المكروهة التي يُخشى منها الشرك، بدليل أنه قرنها بالكي والطيرة، وكلاهما مكروه". وينظر ما ذكره
[ ٤٠٣ ]
فراشه نفث في كفيه بـ: قل هو الله أحد، وبالمعوذتين جميعًا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به"١".
_________________
(١) ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص٣٢٥، وابن القيم في زاد المعاد ٤/١٠، ١٥، ١٦، حول عموم التداوي، وأنه لا ينافي التوكل، بل إن حقيقة التوحيد لا تتم إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا. "١" صحيح البخاري: الطب. باب النفث في الرقية "٥٧٤٨"، ورواه البخاري "٥٠١٦"، ومسلم "٢١٩٢" عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها. وأيضًا روى مسلم "٢١٨٥" عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى رقاه جبريل ﵉، وروى البخاري "٥٧٣٨"، ومسلم "٢١٩٥"، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يأمرها أن تسترقي من العين، وروى البخاري "٥٧٣٩"، ومسلم "٢١٩٧" عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: " استرقوا لها، فإن بها النظرة "، والنظرة: الصفرة كما في رواية مسلم وقيل: المراد:عين من نظر الجن كما في عمدة القارئ ٢١/٢٦٦، فهذه الأحاديث صريحة في استحباب طلب الرقية، وأنه لا نقص في توكل العبد إذا رقى نفسه أو طلب من غيره أن يرقيه، لفعله وأمره بذلك لأهله ﷺ، وهو أفضل البشر توكلًا ﵊، وهو ﷺ لا يفعل ولا يأمر أهله إلا بما هو الأفضل في حقه وحق أهل بيته ﷺ.
[ ٤٠٤ ]
والدليل على استحبابها في حق الراقي: ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله -﵄- قال: كان لي خال يرقي من
_________________
(١) أما حديث السبعين الفًا الذي سبق ذكره عند الكلام على التطير، والذي فيه "ولا يسترقون" فمحمول على الرقى المحرمة التي كان يفعلها أهل الجاهلية، كما ذكر غير واحد من أهل العلم. ينظر: تأويل مختلف الحديث ص٢٢٣-٢٢٧، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ١٣/٤٥٥، ٤٥٦، شرح معاني الآثار كتاب الكراهية باب الكي ٤/٣٢٠-٣٢٩، معالم السنن ٤/٢١٢، شرح السنة ١٢/١٥٩، شرح مسلم للنووي ١٤/١٦٩، المفهم ١/٤٦٣-٤٦٧، المعلم ١/٢٣١، التمهيد ٥/٢٧٣، الآداب الشرعية ٢/٣٤٨-٣٥٢، الشرك الأصغر ص٢٠٦، ٢٠٧. ويؤيد استحباب الاسترقاء ما رواه أحمد ٤/٢٧٨، وأبوداود "٣٨٥٥"، والترمذي "٢٠٣٨"، وابن حبان "٦٠٦١، ٦٠٦٤"، والحاكم ٤/١٩٨، ١٩٩، ٣٩٩، ٤٠٠، عن أسامة بن شريك مرفوعًا: " تداووا عباد الله. وسنده صحيح. وله شاهد عند أحمد ٣/١٥٦ من حديث أنس، وسنده حسن. وله شواهد أخرى كثيرة بمعناه، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، وأحسن التداوي ما كان بكتاب الله، وذكره، ودعائه، كما مر في التعليق السابق، وأيضًا فإن طلب الرقية من المسلم من جنس طلب الدعاء منه كما قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ١/١٨٢، ٣٢٨، وقد قال النبي ﷺ لرجل من أفضل أصحابه ﵃ وهو عمر بن الخطاب في شأن أويس بن عامر: " إن استطعت أن يستغفر لك فافعل ". وفي رواية: " فمن لقيه فليستغفر لكم ". رواه مسلم "٢٥٤٢"، وأقل أحوال الأمر الاستحباب.
[ ٤٠٥ ]
العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وأنا أرقي من العقرب؟ فقال: " من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " "١".
النوع الثاني: الرُّقى المحرمة
ومنها: الرقى الشركية، وهي الرقى التي يعتمد فيها الراقي أو المرقي على الرقية، فإن اعتمد عليها مع اعتقاده أنها سبب من الأسباب، وأنها لا تستقل بالتأثير فهذا شرك أصغر"٢"، وإن اعتمد عليها اعتمادًا كليًا حتى اعتقد أنها تنفع من دون الله، أو تضمنت صرف شيء من العبادة لغير الله، كالدعاء، أو الاستعاذة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو من الشرك الأكبر المخرج من الملة"٣".
_________________
(١) "١" صحيح مسلم، كتاب السلام. باب استحباب الرقية رقم "٢١٩٩"، وروى البخاري "٤٤٣٩"، ومسلم "٢١٩٢" عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلتُ أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه، لأنها كانت أعظم بركة من يدي، والمعوذات: الفلق والناس، أو هما والصمد، وسُميت "المعوذات" تغليبًا. ينظر الفتح ٩/٦٢. "٢" ومن الشرك الأصغر في الرقية: أن يرقى بأسماء الملائكة أو الأنبياء أو الجن أو غيرهم من المخلوقين من غير استعاذة بهم، ومنه أيضًا أن يقسم بأحد منهم. "٣" قال الحافظ ابن حجر الشافعي في "الفتح" كتاب الطب باب الرقى بالقرآن ١٠/١٩٦
[ ٤٠٦ ]
والدليل على تحريم جميع الرقى الشركية: قوله ﷺ: " إن الرقى والتمائم والتولة"١" شرك " "٢"، وما روى عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: " أعرضوا عليَّ رُقاكم، لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك "رواه مسلم"٣".
ومن الرقى المحرمة: أن تكون الرقية فيها طلاسم، أو ألفاظ غير مفهومة، والغالب أنها رقى شركية، وبالأخص إذا كانت من شخص غير معروف بالصلاح والاستقامة على دين الله تعالى"٤"، أو كانت من
_________________
(١) "وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله". "١" التِّولة: نوع من السحر، يحبب المرأة إلى زوجها. ينظر غريب الحديث لأبي عبيد ٤/٥٠، الصحاح "مادة: تول"، جامع الأصول ٧/٥٧٥. "٢" رواه الإمام أحمد ١/٣٨١، وأبوداود "٣٨٨٣ "، وابن ماجه "٣٥٣٠"، والطبراني "٨٨٦٣"، وابن حبان "٦٠٩٠"، والحاكم ٤/٢١٧ من طرق عن ابن مسعود. وهو صحيح بمجموع طرقه، وقد توسعت في تخريجه في رسالة "اليهود"تحت رقم "٨٧"، وأوله أن ابن مسعود دخل على زوجته، فرأى في عنقها خيطًا، فقال: ما هذا الخيط؟ قالت: خيط رُقي لي فيه. فأخذه وقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الرقى.. ."فذكره. "٣" صحيح مسلم: السلام "٢٢٠٠". "٤" قال الحافظ ابن حجر الشافعي في فتح الباري: الطب باب الرقى بالقرآن والمعوذات
[ ٤٠٧ ]
كافر كتابي أو غيره"١".
المثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأفعال: التمائم الشركية
التمائم في اللغة: جمع تميمة، وهي في الأصل خرزة كانت تُعلّق
_________________
(١) ١٠/١٩٥: "دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك، فيمنع احتياطًا"، وقال ابن الحاج المالكي في المدخل ٤/٣٢٦: "ينهى عن الرقى إذا كانت باللغة العجمية أو بما لا يدرى معناه، لجواز أن يكون فيه كفر". وبعض العلماء يمنع أن تكون الرقية بغير العربية، والأقرب أنها جائزة إذا كانت بلغة مفهومة عند المرقي عليه، أو عند من يثق به ممن يسمع هذه الرقية. ينظر: تأويل مختلف الحديث ٢٢٧، المعلم ٣/٩٥، شرح السنة ١٢/١٥٩، الفروق للحازمي ص١٨٥، البيان والتحصيل ١/٤٣٨-٤٤٠، و١٧/١٦٥، الفروق "الفرق ٢٤٢، ٤/١٤٧"، مجموع الفتاوى ١/٣٦٢، و١٩/١٣، ٦١، و٢٤/٢٧٨، شرح ابن بطال ٩/٤٢٧، الآداب الشرعية ٢/٤٥٥، النهاية "مادة: رقى"، الدر المختار في الفقه الحنفي مع حاشيته لابن عابدين: أول البيوع ٥/٢٣٢، الإقناع مع شرحه كشاف القناع: الردة ٦/١٨٨، مجموع فتاوى ومقالات شيخنا عبد العزيز بن باز ١/٢٧٥، السنن والمبتدعات ص٢٧٩. "١" ينظر: التمهيد ١٥/٢٥٤، ٢٥٥، الجامع لابن أبي زيد القيرواني ص٢٣٩، شرح ابن بطال لصحيح البخاري: الطب باب الرقى بالقرآن ٩/٤٢٨، فتح الباري: الطب باب الرقى بالقرآن ٩/١٩٥، منهج الإمام مالك في إثبات العقيدة ص٤٠٠-٤٠٣، الرقى للدكتور علي العلياني.
[ ٤٠٨ ]
على الأطفال، يتقون بها من العين ونحوها"١"، وكأنّ العرب سموها بهذا الاسم لأنهم يريدون أنها تمام الدواء والشفاء المطلوب"٢".
وفي الاصطلاح: هي كل ما يعلق على المرضى أو الأطفال أو البهائم أو غيرها من تعاويذ لدفع البلاء أو رفعه"٣".
ومن أنواع التمائم: الحجب والرقى التي يكتبها بعض المشعوذين ويكتبون فيها طلاسم وكتابات لا يفهم معناها، وغالبها شرك، واستغاثات بالشياطين، وتعلق على الأطفال أو على البهائم، أو على بعض السلع أو أبواب البيوت يزعمون أنها سبب لدفع العين أو أنها سبب لشفاء المرضى من بني الإنسان أو من الحيوان، ومنها: الخلاخيل التي يجعلها بعض الجهّال على أولادهم يعتقدون أنها سبب
_________________
(١) "١" ينظر: تأويل محتلف الحديث ص٢٢٦، والصحاح، والنهاية، والقاموس، ولسان العرب "مادة: تمم". "٢" كما قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة "مادة: تمَّ"، وكما قال ابن الأثير في النهاية "مادة: تمم". "٣" التمهيد ١٧/١٦٢، سنن البيهقي: الضحايا ٩/٣٥٠، تفسير القرطبي "تفسير الآية ٨٢ من الإسراء ١٠/٣٢٠"، النهاية لابن الأثير "مادة: تمم"، شرح السنة ١٢/١٥٨، القوانين الفقهية كتاب الجامع ص٢٩٥.
[ ٤٠٩ ]
لحفظهم من الموت، ومنها: لبس حلقة الفضة للبركة أو للبواسير"١"، ولبس خواتم لها فصوص معينة يعتقدون أنها تحفظ من الجن، ولبس أو
_________________
(١) "١" وقريب من ذلك لبس المعضد للعلاج، وقد أطال شيخنا عبد العزيز بن باز الكلام على حكمه كما في مجموع فتاويه ومقالاته ١/٢٠٦-٢١٠، وقد ذكر خلاف العلماء المعاصرين في حكمه، ثم قال: "ما عرف أنه من جنس الأسباب المحرمة فهو محرم، وإنْ قدر فيه بعض النفع، ومعلوم أن لبس المعضد يبقى على الإنسان كما تبقى الحروز والتمائم الأيام والليالي والسنوات، بخلاف الحبة التي يأكلها ويفرغ منها، وبخلاف الإبرة التي يستعملها وينتهي منها، فلبس المعضد من جنس هذه الأشياء، بل هو أشبه بلبس الحلقة التي ورد فيها حديث عمران بن حصين". انتهى كلامه مختصرًا. وسيأتي حديث عمران قريبًا إن شاء الله تعالى. وقد أطال أيضًا –﵀– في بيان حكم السوار الذي يستعمله بعضهم لعلاج "الروماتيزم" في المرجع السابق ١/٢١، ٢١٢، وبيَّن الخلاف في حكمه، ثم قال: "والذي أرى في هذه المسألة هو ترك الأسورة المذكورة وعدم استعمالها، سدًا لذريعة الشرك، وحسمًا لمادة الفتنة بها والميل إليها وتعلق النفوس بها، ورغبة في توجه المسلم بقلبه إلى الله سبحانه ثقة به واعتمادًا عليه واكتفاء بالأسباب المشروعة المعلومة إباحتها بلا شك، وفيما أباح الله ويسر لعبادة غنية عما حرّم عليهم، وعما اشتبه أمره" وينظر فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ١/١١٠، ١١١، والقول المفيد ١/١٩٢. وقال شيخنا ابن باز في المرجع السابق ١/٢٠٧: "ليس كل ما فيه نفع يباح استعماله، بل لابد من أمرين: أحدهما: أن لا يرد فيه نهي خاص عن الشارع ﵊. والأمر الثاني: أن لا تكون مضرته أكبر من نفعه"، وذكر شيخنا
[ ٤١٠ ]
تعليق خيوط عقد فيها شخص له اسم معين كـ"محمد " عقدًا للعلاج من بعض الأمراض"١"، ومنها الحروز وجلود الحيوانات والخيوط وغيرها مما يعلق على الأطفال أو على أبواب البيوت ونحو ذلك، والتي يزعمون أنها تدفع العين أو المرض أو الجن أو أنها سبب للشفاء من الأمراض.
وهذه التمائم كلها محرمة، وهي من الشرك، لقوله ﷺ: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك ""٢"، ولقوله ﷺ: " من علق تميمة فقد أشرك ""٣"، فهي من الشرك، لأنهم ظنوا أن لغير الله تأثيرًا في
_________________
(١) محمد بن عثيمين في شرح رياض الصالحين: شرح حديث " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه " ٣/٣٢٦، ٣٢٧ أن الضرورة لا تبيح المحرم إلا بشرطين:
(٢) أن لا تندفع الضرورة بسواه.
(٣) أن يكون مزيلًا للضرورة. وذكر أنه على ذلك لا يجوز التداوي بالمحرم؛ لأن الإنسان قد يشفى بغيره، كرقيه أو علاج آخر مباح؛ ولأنه ليس يقينًا أنه سيشفى بهذا الدواء المحرم. "١" ينظر تعليق الشيخ محمد حامد الفقي المصري – ﵀ – على فتح المجيد باب من الشرك لبس الحلقة ص١١٤، ١١٨. "٢" سبق تخريجه في الرقى. "٣" رواه الإمام أحمد ٤/١٥٦، والحاكم ٤/٢١٩ بإسناد حسن من حديث عقبة بن عامر، وأول الحديث: أن عقبة ﵁ جاء في ركب عشرة إلى النبي ﷺ، فبايع
[ ٤١١ ]
الشفاء"١"، وطلبوا دفع الأذى من غيره تعالى مع أنه لا يدفعه أحد
_________________
(١) تسعة، وأمسك عن بيعة رجل منهم، فقالوا: ما شأن هذا الرجل لا تبايعه؟ فقال ﷺ: " إن في عضده تميمة "، فقطع الرجل التميمة، فبايعه رسول الله ﷺ، ثم قال: " من علق تميمة فقد أشرك ". وله شاهد بنحوه رواه ابن وهب في الجامع "٦٦٦" من حديث رجل من صداء من الصحابة، وسنده حسن. وله شاهد آخر بلفظ: "من تعلّق شيئًا وُكل إليه"- أي لم يعنه الله تعالى ووكله إلى هذا السبب الذي لا نفع فيه. والحديث رواه أحمد ٤/٣١١، والترمذي "٢٠٧٠" من حديث عبد الله بن عكيم، ورواه النسائي "٤٠٩٠" من حديث أبي هريرة، وفي كل منهما ضعف، ورواه ابن وهب في الجامع "٦٦٧" بإسناد حسن من مرسل الحسن البصري، فهو حسن بهذه الأسانيد الثلاثة. وله شاهد ثالث رواه الإمام أحمد ٤/٤٤٥، وابن حبان "٦٠٨٥" عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ أبصر على عضد رجل حلقة، فقال: " ويحك، ما هذه؟ " قال: من الواهنة. قال: " أما إنها لا تزيدك إلا وهنًا، أنبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا ". وسنده حسن. وله شاهد رابع رواه البخاري "٣٠٠٥"، ومسلم "٢١١٥" عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، فأرسل رسول الله ﷺ: " لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر –أو قلادة– إلا قطعت "، زاد مسلم في روايته: "قال مالك: أرى ذلك من العين". وله شواهد أخرى كثيرة يطول الكلام بذكرها، تنظر في أكثر مراجع التخريج السابقة. "١" التمهيد ١٧/١٦٣، الدر النضيد للشوكاني ص٩.
[ ٤١٢ ]
سواه جل وعلا"١".
لكن إن اعتقد متخذ هذه التمائم أنها تنفع بذاتها من دون الله فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أن الله هو النافع وحده، لكن تعلّق قلبه بها في دفع الضر، فهو شرك أصغر، لاعتماده على الأسباب، ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا"٢"، فهذه التمائم السابق ذكرها كلها ليس فيها نفع بوجه من الوجوه، وهي من خرافات الجاهلية التي ينشرها السحرة والمشعوذون، ويدجلون بها على السذج والجهلة من الناس.
ويدخل في التمائم أن تكتب آيات من القرآن أو بعض الأذكار الشرعية "الرقى" في ورقة ثم توضع في جلد أو غيره ثم تعلق على الأطفال أو على بعض المرضى، وقد اختلف في جواز تعليقها"٣"، والأحوط المنع من هذه التمائم، لعدة أمور، أهمها:
_________________
(١) "١" النهاية لابن الأثير "مادة: تمم"، حاشية ابن عابدين: أول البيع ٥/٢٣٢. "٢" ينظر: التيسير، وقرة عيون الموحدين، والقول السديد، والقول المفيد باب من الشرك لبس الحلقة، وتعليق شيخنا عبد العزيز بن باز على فتح المجيد باب الرقى "ص١٢" ومجموع فتاويه ومقالاته ١/٢٧٥، والشرك الأصغر ص٢١٦. "٣" ينظر: في أقوال العلم من الصحابة فمن بعدهم في هذه المسالة في الجامع لعبد الله بن وهب ص٧٥٠-٧٥٩، ومصنف عبد الرزاق "١١/٢٠٨، ٢٠٩"، مصنف ابن أبي شيبة: الطب باب في تعليق التمائم ٧/٣٧١-٣٧٦، وباب من رخص في تعليق التعاويذ ٧/٣٩٦-٣٩٨، غريب الحديث لأبي عبيد ٤/٥١، فضائل القرآن لأبي
[ ٤١٣ ]
١- أن الأحاديث جاءت عامة في النهي عن التمائم"١"، ولم يأتِ
_________________
(١) عبيد أيضًا،ص٢٣١-٢٣٤، الموطأ مع شرحه المنتقى كتاب العين باب الرقية من العين، جامع الأصول: الطب والرقى ٧/٥٧٥، ٥٧٦، الجامع لابن أبي زيد القيرواني ص٢٣٦-٢٤٠، البيان والتحصيل ١/٤٣٨-٤٤٠، و١٧/١٩٦ و١٨/٤٢٦، ٤٢٧، شرح معاني الآثار: الكراهية ٤/٣٢٥، سنن البيهقي: الضحايا ٩/٣٥٠، ٣٥١، التمهيد ١٧/١٦٠-١٦٥، مجمع الزوائد ٥/١٠٣، شرح السنة ١٢/١٥٨، المجموع آخر الأطعمة ٥/٦٦، ٦٧، الجامع لابن رشد ص٣٠٩، تفسير القرطبي تفسير الآية ٨٢ من الإسراء ١/٣١٩، ٣٢٠"، شرح ابن بطال ٩/٤٢٨، مختصر خليل مع شرحه للزرقاني "مس المصحف ١/٩٤"، الفتح ٦/١٦٥، زاد المعاد ٤/٣٥٧، الآداب الشرعية ٢/٤٥٥، ٤٥٦، القوانين الفقهية ص٢٩٥، شرح المنهج مع حاشيته للجمل: الأحداث ١/٧٦، أسهل المدارك ٣/٣٦٧، تيسير العزيز الحميد،= = وفتح المجيد، والقول المفيد باب ما جاء في الرقى والتمائم، حاشية قليوبي: أول البيع ٢/١٥٦، حاشية ابن عابدين: أول البيع ٥/٢٣٢، الفتاوى الهندية ٥/٣٥٦، معارج القبول ١/٣٨٢، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/٥-٩٩، كتاب "دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة "بحث ضوابط التداوي بالرقى والتمائم للأستاذ الدكتور محمد شبير ص٤٨٧-٤٩١"، مجلة البحوث الإسلامية "العدد ١٢ ص١٠٢، والعدد ٢١ ص٤٦، ٤٧، التمائم للدكتور علي العلياني، التبرك للدكتور ناصر الجديع ص٢٣٧-٢٣٩، رسالة "الشرك الأصغر"لعبد الله السليم ص٢١٧-٢١٩. "١" ويؤيد ذلك أن الصحابة الذين رووا أحاديث النهي عن التمائم كابن مسعود وعقبة بن عامر فهموا منها عموم النهي عن جميع التمائم.
[ ٤١٤ ]
حديث واحد في استثناء شيء منها"١".
٢- أن تعليق التمائم من القرآن والأدعية والأذكار المشروعة نوع من الاستعاذة والدعاء، فهي على هذا عبادة، وهي بهذه الصفة لم ترد في القرآن ولا في السنة، والأصل في العبادات التوقيف، فلا يجوز إحداث عبادة لا دليل عليها"٢"
٣- أن في تعليقها تعريضًا للقرآن وكلام الله تعالى وعموم الأذكار
_________________
(١) "١" أما ما ثبت عن عبد الله بن عمرو من الترخيص في تعليق التمائم من الأذكار الشرعية حرزًا قبل وقوع المرض فهو معارض بما ثبت عن عائشة ﵂ من أن ما علق قبل المرض فهو من التمائم المنهي عنها، ومعارض أيضًا بما ثبت عن ابن مسعود ﵁ من قطع التميمة والتشديد في أمر التمائم مطلقًا، وبما ثبت عن عقبة ابن عامر أنه قال: "وضع التميمة على الإنسان والطفل شرك"، وما ثبت عن حذيفة من قوله لرجل وجد على عضده خيطًا: ما هذا؟ قال: خيط رقي لي فيه. فقال حذيفة: "لو متَّ ما صليت عليك"، وبما ثبت عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقول: "تعليق التمائم شعبة من شعب الجاهلية"، فعموم قوله يدل على نهيه عن جميع التمائم. وإذا تعارضت الآثار عن الصحابة تقابلت، ولم يعمل بشيء منها، ويرجع إلى الأدلة الأخرى، والنصوص من السنة كلها عامة في النهي عن التمائم كما سبق. "٢" هذا التعليل لم أقف على من ذكره، ولكنه فيما ظهر لي تعليل صحيح.
[ ٤١٥ ]
الشرعية للإهانة، إذ قد يدخل بالتميمة أماكن الخلاء، وقد ينام عليها الأطفال أو غيرهم، وقد تصيبها بعض النجاسات، وفي منع تعليقها صيانة للقرآن ولذكر الله تعالى عن الإهانة"١".
٤- سد الذريعة؛ لأن تعليق هذه التمائم يؤدي إلى تعلُّق القلوب بها من دون الله، ويؤدي إلى تعليق التمائم الأخرى المقطوع بتحريمها من التمائم الشركية وغير الشركية، كما هو الواقع عند كثير من المسلمين"٢".
_________________
(١) "١" قال شيخ مشايخنا محمد بن إبراهيم مفتي المملكة في وقته كما في مجموع فتاويه ١/٩٩: "ثم ههنا شؤم يقعون فيه، وهو أنهم بعض الأحيان يتخذون مصحفًا صغيرًا تميمة، فيدخلون به المحال القذرة، فيجعلون المصحف كالأمتعة، وكفى بهذا القول ضعفًا أن يكون من فروعه اتخاذ مصحف يعلق في الرقبة، ويعلقه الجنب والحائض". "٢" تنظر أكثر مراجع أقوال العلم في هذه المسألة والتي سبق ذكرها قريبًا. وقريب من هذه المسألة: مسألة تعليق القرآن أو آيات أو سور منه في البيوت ونحوها للتبرك أو للزينة، أو كتابة القرآن أو آيات منه على جدران البيوت أو جدران المساجد أو غيرها، أو وضع المصحف في البيت أو المحل أو السيارة تبركًا أو لدفع ضرر، فقد صرح جمع من أهل العلم بكراهة ذلك؛ لأنه مخترع لا دليل عليه من كتاب أو سنة. ينظر: شرح السنة للبغوي الشافعي: فضائل القرآن ٤/٥٢٩، التذكار في أفضل الأذكار للقرطبي المالكي الباب ص٢٧٩، المغني لابن قدامة الحنبلي: الوليمة ١٠/٢٠٥، الشرح الكبير ٢٧/٣٤٣، التبيان للنووي ص٩٩، ١١٥، تنبيه الغافلين لابن النحاس ص٢٦٤، الحوادث والبدع للطرطوشي ص١٠١، نقلًا عن التبرك للجديع
[ ٤١٦ ]
النوع الثالث: الشرك الأصغر في الأقوال
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الحلف بغير الله
الحلف في اللغة: مصدر حلَف، يحلف، وهو الملازمة؛ لأن الإنسان يلزمه الثبات على ما حلف عليه، ويُسمى "اليمين"؛ لأن المتحالفين كان أحدهما يصفق بيمينه على يمين صاحبه"١"، ويُسمّى أيضًا "القسم""٢".
والحلف في الأصل: توكيد الشيء بذكر معظَّم مصدَّرًا بحرف من حروف القسم.
_________________
(١) ص٢٣٩، ٢٤٠، الفتاوى الهندية: الكراهية الباب ١٨، ج٢ ص٣٥٦، حاشية ابن عابدين: أول البيع ٥/٢٣٢، مجموع فتاوى ومقالات شيخنا عبد العزيز بن باز ١/٥١، ٥٢، مجموع فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ١/١٠٥-١٠٧ "١" ينظر: معجم مقاييس اللغة "مادة: حلف، ومادة: يمن"، المطلع ص٣٨٧، الدر النقي ٣/٧٩٦. "٢" وأصلها من "القسامة"، وهي الأيمان التي تقسم على أولياء المقتول إذا ادّعوا دم مقتولهم على أناس اتهموهم به. ثم أطلق القسم على كل حلف. ينظر: معجم مقاييس اللغة، ولسان العرب"مادة: قسم".
[ ٤١٧ ]
وفي الاصطلاح: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى"١" مصدرًا بحرف من حروف القسم.
وقد أجمع أهل العلم على أن اليمين المشروعة هي قول الرجل: والله، أو بالله، أو تا لله"٢"، واختلفوا فيما عدا ذلك"٣".
_________________
(١) "١" روضة الطالبين ١١/٣، فتح الباري: أول كتاب الأيمان والنذور ١١/٥١٦، القول المفيد باب قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ٣/٢١٣، وينظر: المنتهى "مطبوع مع شرحه للبهوتي ٣/٤١٩"، فتح القدير لابن الهمام ٥/٦٧، مغني المحتاج ٥/٣٢٠، المطلع ص٣٨٧. "٢" حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر في الإجماع ص١٣٦، وابن حزم في مراتب الإجماع ص١٨٥، وابن عبد البر في التمهيد ١٤/٣٦٩، وابن قدامة في المغني ١٣/٤٥٢، وابن جزي في القوانين الفقهية ص١٠٦، وحكوا جميعًا الإجماع على انعقاد اليمين إذا كانت باسم من أسماء الله تعالى التي لا يسمى بها سواه، ك "الله"، و"الرحمن". وحكى الحافظ في الفتح: الأيمان باب لا تحلفوا بآبائكم ١١/٥٣١ الإجماع على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته. "٣" ومما اختلفوا فيه: الحلف باسم من أسماء الله التي يسمى بها غيره، ومما اختلفوا فيه قول: "لعمر الله"، والمراد به: الحلف ببقاء الله تعالى وحياته، وقول: بحق الله، وقول: علي يمين، وقول: علم الله، وقول: "أيم الله"وقيل: إن "أيم"عوض عن واو القسم، وقيل: إنها بمعنى "أحلف بالله"، كما اختلفوا في الحلف بفعل
[ ٤١٨ ]
واليمين عبادة من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله"١"، فيحرم الحلف بغيره تعالى، لقوله ﷺ: " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله، وإلا فليصمت " متفق عليه"٢"، فمن حلف بغير الله سواء أكان نبيًا أم وليًا أم الكعبة أم غيرها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب"٣"، ووقع في الشرك، لقوله ﷺ:
_________________
(١) من أفعال الله تعالى. ينظر: المراجع السابقة، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٣/٢٣٩-٢٤١، دلائل الأحكام لابن شداد ٤/٢٧٥-٢٧٧، المنهاج مع شرحه مغني المحتاج ٥/٣٢٠، ٣٢١، الفروق "الفرق ١٢٤"، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف ٢٧/٤٣٠-٤٤٤ شرح الزركشي ٥/٧٦-٧٩، الفتح ١١/٥٢٢، ٥٢٦، ٥٤٧، فتح القدير لابن الهمام ٥/٦٧، نهاية المحتاج ٨/١٧٤-١٧٧. "١" بدائع الصنائع: الأيمان ٣/٢. "٢" صحيح البخاري: الأدب "٦١٠٨"، وصحيح مسلم: الأيمان "١٦٤٦". وقد سبق في تعريف العبادة المحضة عند الكلام على أنواع العبادة في الباب الأول أن ما دلّ دليل على تحريم صرفه لغير الله فهو عبادة محضة. "٣"قال الإمام الذهبي الشافعي في الكبائر "الكبيرة ٢٥: اليمن الغموس ص٩١" قال: "ومن ذلك الحلف بغير الله - ﷿-، كالنبي والكعبة والملائكة والسماء والماء والأمانة، وهي من أشد ما هنا، والروح والراس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان". وذكر ابن النحاس في تنبيه الغافلين ص٢٠١ أن الحلف بغير الله من كبائر الذنوب، وقال الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر "الكبيرة ٤١٢، ٢/١٨٤":
[ ٤١٩ ]
" من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ""١"، ولأن الحلف فيه تعظيم
_________________
(١) "الحكم عليه – أي الحلف بغير الله – بالكبيرة غير بعيد، لما في الحديث السابق والأحاديث الآتية من الوعيد الشديد". ومما يؤيد أن الحلف بغير الله كبيرة من كبائر الذنوب سوى ما يأتي من الأحاديث: قول عبد الله بن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحبّ إلي من أحلف بغيره صادقًا". رواه عبد الرزاق "١٥٩٢٩"، والطبراني "٨٩٠٢"، من طريقين عن وبرة، عن عبد الله. وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيحين، وقال الألباني في الإرواء "٢٥٦٢" عن إسناد الطبراني: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"، ورواه ابن وهب كما في المدونة ٢/٣٣ من طريق وبرة عن همام بن الحارث عن عبد الله ورجاله ثقات، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه "الجزء المفقود ص١٨" من طريق أبي بردة عن عبد الله، ورجاله ثقات. وقال ابن عبد البر في التمهيد ١٤/٣٦٦: "لا يجوز الحلف بغير الله ﷿ في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال، وهذا أمر مجتمع عليه"، وقال ١٤/٣٦٧: "أجمع العلماء أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز الحلف بها لأحد". وينظر: الأم: الأيمان ٧/٦١، مجموع الفتاوى ١/٢٩٠، ٣٣٥، الاستغاثة ١/٣٦٤، ٣٦٥، بداية المجتهد ١/٤٠٧، نيل الأوطار ٩/١٢٤، إرشاد السائل إلى دلائل المسائل للشوكاني "مطبوع ضمن الرسائل السلفية ص٤٧"، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع. د. الطيار ص٧١٩". "١" رواه الإمام أحمد "٣٢٩، ٤٩٠٤، ٥٣٧٥ تحقيق شاكر "، وأبوداود "٣٢٥١"، والترمذي "١٥٣٥"، وابن حبان "٤٣٥٨"، والحاكم ١/١٨، و٤/٢٩٧، وإسناده
[ ٤٢٠ ]
للمحلوف به، فمن حلف بغير الله كائنًا من كان"١"، فقد جعله شريكًا لله ﷿ في هذا التعظيم الذي لا يليق إلا به ﷾"٢".
_________________
(١) صحيح، رجاله رجال مسلم. وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، وقال الذهبي في مختصر الكبائر "الكبيرة ٢٣": "إسناده على شرط مسلم". وأوله: أن ابن عمر سمع رجلًا يقول: "لا والكعبة"، فقال ابن عمر: ويحك لا تحلف بغير الله، فإني سمعت النبي ﷺ يقول فذكره. وله شاهد يأتي في التشريك في الألفاظ قريبًا – إن شاء الله تعالى - "١" وما ورد من الأحاديث مما ظاهره الحلف بغير الله، كحديث " أفلح وأبيه إن صدق "، وحديث " نعم وأبيك لتنبأنّ " فقد أجيب عنها بعدة أجوبة، منها: أن ذكر الحلف في الحديثين شاذ لم يثبت كما بين ذلك الحافظ ابن عبد البر المالكي وغيره، كما أجيب عن ذلك – على فرض ثبوته – بأن ذلك كان جائزًا في أول الإسلام، ثم نسخ، وقال بعض أهل العلم: إن هذا على فرض ثبوته خاص بالنبي ﷺ، أما غيره فهو منهي عن ذلك؛ لأنهم لا يساوون النبي ﷺ في الإخلاص والتوحيد. ينظر معالم السنن ١/٢٣٠، ٢٣١، سنن البيهقي ١٠/٢٩، التمهيد ١٤/٣٦٧، شرح السنة ١٠/٦، ٧، المغني ٣/٤٣٨، الفتح ١١/٥٣٤، القول المفيد ١/٢١٥. "٢" قال الحافظ في الفتح ١١/٥٣١، والسيوطي في التوشيح شرح الجامع الصحيح ٩/٣٩٢٤: "قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده"، وقال الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع ٣/٨ عند كلامه على النهي عن الحلف بغير الله: "وروى عنه أنه قال ﷺ: " من حلف بغير الله فقد أشرك "؛ لأن هذا النوع من الحلف لتعظيم
[ ٤٢١ ]
وهذا الحلف يكون من الشرك الأصغر إن كان الحالف أشرك في لفظ القسم لا غير"١"، أما إن قصد الحالف بحلفه تعظيم المخلوق الذي
_________________
(١) المحلوف، وهذا النوع من التعظيم لا يستحقه إلا الله تعالى"، وقال الحجاوي في الإقناع "مطبوع مع شرحه الكشاف ٦/٢٣٤": "ويحرم الحلف بغير الله وصفاته ولو بنبي، لأنه شرك في تعظيم الله"، وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار ٩/١٢٤: "قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا بالله وذاته وصفاته، وعلى ذلك اتفق الفقهاء". وينظر صحيح البخاري مع شرحه لابن بطال ٩/٢٩٢، وشرحه للعيني ٢٢/١٦٠ كتاب الأدب باب من لم يرَ إكفار من قال ذلك متأولًا، المبسوط ٨/١٢٦، شرح الكرماني لصحيح البخاي: الأيمان ٢٣/١٠٥، فيض القدير ٦/٢٠٧، مغني المحتاج ٥/٣٢٠، سبل السلام ٤/١٩٧. وذكر علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في دلائل التوحيد ص١٠١، وعلامة مصر محمد خليل هراس في دعوة التوحيد ص٥٥ أن الحلف بغير الله إنما نهي عنه لأن في الحلف تعظيمًا للمحلوف به، وهو لا ينبغي إلا لله، ولأن فيه معنى إشهاد المحلوف به على صدق الحالف، وهذا لا يصح إلا بمن يعلم صدق المحلوف عليه أو كذبه، وهو الله تعالى، كما أن من يُحلف به يجب أن يكون يملك عقاب من حلف به والانتقام منه عند حلفه به كاذبًا، وهو الله تعالى دون سواه. "١" ينظر: مشكل الآثار للطحاوي الحنفي ٢/٢٩٧-٢٩٩، مدارج السالكين ١/٣٧٣، "معطية الأمان من حنث الأيمان"لابن العماد الحنبلي ص٨٣، ٨٤، فتح المجيد والقول السديد باب ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، "اليمين"لسعاد الشايقي
[ ٤٢٢ ]
حلف به كتعظيم الله تعالى، كما يفعله كثير من المتصوفة الذين يحلفون بالأولياء والمشايخ أحياء وأمواتًا، حتى ربما بلغ تعظيمهم في قلوبهم أنهم لا يحلفون بهم كاذبين مع أنهم يحلفون بالله وهم كاذبون، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن هذا المحلوف به أجل وأعظم وأخوف عندهم من الله تعالى"١".
_________________
(١) ص١٥٧، ١٥٨، فقه الأيمان للدكتور أمير عبد العزيز ص٢٩-٣٢، فقه الأيمان للدكتور محمد عبيدات ص٣١-٣٣: "من أحكام اليمين"لناجي الطنطاوي ص٢٢، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع فهد السليمان" ٢/٢١٥-٢٢١". "١" قال علاّمة اليمن محمد بن علي الشوكاني في الدر النضيد ص١٠ بعد ذكره لبعض الأحاديث التي فيها أن من حلف بغير الله فقد أشرك، والتي سبق ذكر بعضها، قال: "وهذه الأحاديث في دواوين الإسلام، وفيها: أن الحلف بغير الله يخرج به الحالف عن الإسلام، وذلك لكون الحلف بشيء مظنة تعظيمه"، وقال النووي في روضة الطالبين ١١/٦: "قال الأصحاب – أي الشافعية – فلو اعتقد الحالف في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر". وقال الرملي في نهاية المحتاج ٨/١٧٥: "لو اعتقد تعظيمه كما يعظم الله كفر"، وقال الشيخ أحمد بن يحيى المرتضى في البحر الزخار ٥/٢٣٥: "فإن أراد تعظيمها –أي الكعبة والملائكة والأنبياء والأئمة ونحوهم– كتعظيم الله حرم وكفر، لقوله ﷺ: " من حلف بغير الله فقد أشرك بالله " إذ لم يكفر المشركون إلا لتعظيمهم الأوثان"، ونقل ابن العماد في "معطية الأمان
[ ٤٢٣ ]
المثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: التشريك بين الله تعالى وبين أحد من خلقه بـ"الواو".
العطف بالواو يقتضي مطلق الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولذلك فإنه يحرم العطف بها"١" بين الله وبين أحد من خلقه في أي أمر
_________________
(١) من حنث الأيمان"عن "جامع الرموز"للقهستاني الحنفي أن الحالف بغير الله إن اعتقد أن حلفه به حلف يجب الوفاء به كفر. وينظر: الجواب الكافي ص١٩٨، الدر المختار "مطبوع مع حاشيته لابن عابدين ٣/٥٣"، تجريد التوحيد ص٦٤، تطهير الاعتقاد ص٣٨، الزواجر "الكبيرة ٤١٢"، الدررالسنية ١/٢٣٢، سبل السلام ٤/١٩٧، سيف الله لصنع الله الحنفي ص٦٩، دليل الفالحين ٤/٥٤٠، دلائل التوحيد ص١٠١، التيسير والقول المفيد باب ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادا﴾، أحكام اليمين للدكتور خالد المشيقح ص٨٠، "اليمين"للدكتور عطية الجبوري ص٥٩، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع فهد السليمان ٢/٢٢". وينظر أيضًا: أكثر المراجع المذكورة في التعليق السابق. "١" أما العطف ب "ثم" فهو جائز؛ لأن "ثم"تفيد الترتيب والتراخي.ينظر: شرح شذور الذهب ص٥٧٦، أوضح المسالك ص٣١٧-٣١٩، وأولى من العطف ب "ثم" أن ينسب الأمر إلى الله وحده كما في حديث ابن عباس، وكما في قول ابن عباس الآتيين قريبًا – إن شاء الله تعالى – وهذا أكمل في الإخلاص. وينظر: فتح المجيد باب قول ما شاء الله وشئت ص٤٩٩.
[ ٤٢٤ ]
من الأمور التي يكون للمخلوق فيها دخل في وقوعها"١"، كأن يقال: "ما شاء الله وشئت"، أو يقال: "هذا من بركات الله وبركاتك"، أو يقال: "ما لي إلا الله وأنت"، أو يقال: "أرجو الله وأرجوك"، ونحو ذلك، فمن تلفظ بأحد هذه الألفاظ أو ما يشبهها فقد وقع في الشرك، والدليل قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة:٢٢] قال ابن عباس ﵄: "الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص "٢"، وقول
_________________
(١) "١" قال فضل الله الجيلاني في فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٢/٢٥٣: "وهذا في الأمور التي يكون فيها لأحد دخل عادي أو شرعي في وقوعها وعدمه، ولو بحسب الغالب"، وعليه فإن الأمور الشرعية التي ليس للمخلوق دخل في وقوعها يجوز العطف بالواو، كما في حديث " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ". متفق عليه، وإن كان الأولى عدم الجمع بين اسم الله واسم رسوله ﷺ بالضمير، ولهذا قال النبي ﷺ للخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال النبي ﷺ: " بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعصِ الله ورسوله ". رواه مسلم "٨٧٠". وينظر: معجم المناهي اللفظية ص٣١٥. "٢" وهذا يدل على أن هذه اللفظة وما يشبهها من الألفاظ التي فيها نسبة التأثير والتدبير
[ ٤٢٥ ]
الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها "فلان"، فإن هذا كله به شرك""١"، وما روته قتيلة بنت صيفي - ﵂ - أن يهوديًا أتى النبي ﷺ، فقال: "إنكم
_________________
(١) أو النعمة لغير الله تعالى من الأشياء التي جعلها الله تعالى سببًا كقول بعضهم: "هذا الخير من عرق الجبين"، أو "لولا فلان لم يحصل كذا"، ونحوها مما ينهى عنها، وقد ذكر بعضهم كابن القيم في مدارج السالكين ١/٣٧٣ أن هذا من الشرك الأصغر، وذكر ابن رجب في لطائف المعارف: وظائف شهر صفر ص٧٠ أنه من الشرك الخفي، وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]: "قيل: معناها: أنهم يدعون الله ينجيهم من الهلكة، فإذا أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان ما نجونا، ولولا الكلب لدخل علينا اللص، ونحو هذا، فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان، ووقايته منسوبة إلى الكلب، وقد يقع في هذا القول كثير من عوام المسلمين". وقد استثنى بعض أهل العلم من هذا الحكم: ما إذا أضاف النعمة إلى سبب صحيح ثابت على سبيل الإخبار لا غير، مع اطمئنان القلب إلى أن المنعم الحقيقي هو الله تعالى، وأن هذا السبب إنما هو من فضل الله وإنعامه، فقالوا: بأن هذا جائز، ولهذا أدلة منها حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أباطالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال النبي ﷺ: " هو في ضحضاح من نار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ". رواه البخاري "٦٢٠٨"، ومسلم "٢٠٩". وينظر الشرك الأصغر ص١٨٣-١٨٧. "١" رواه ابن أبي حاتم في تفسيره في تفسير هذه الآية، رقم "٢٣٠" وسنده حسن.
[ ٤٢٦ ]
تندِّدون، وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة"، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت"١". فأقر النبي ﷺ هذا اليهودي على تسمية هذا العطف شركًا، وعليه: فإن كان هذا القائل يعتقد أن
_________________
(١) "١" رواه الإمام أحمد ٦/٣٧١، ٣٧٢، والنسائي في المجتبى: الأيمان "٣٧٨٢"، والطحاوي في مشكل الآثار "٣٢٨" من طريقين أحدهما صحيح، عن معبد بن خالد عن عبد الله بن يسار عن قتيلة، ورجاله ثقات، وقد صححه الحافظ في الإصابة ٤/٣٧٨. ورواه بنحوه أخصر منه الإمام أحمد ٥/٤٨٤، وأبوداود "٤٩٨٠"، وابن أبي شيبة: الأدب ٩/١١٧، والدعاء ١٠/٣٤٦ من طرق عن شعبة عن منصور عن عبد الله بن يسار عن حذيفة. ورجاله ثقات، وقد صححه النووي في الأذكار كتاب حفظ اللسان ص٣٠٨، وفي رياض الصالحين كتاب الأمور المنهي عنها "١٧٥٤"، ورجّحه البخاري على حديث قتيلة كما في العلل للترمذي "٦٥٨". وله شواهد بنحوه أخصر منه، منها حديث الطفيل بن سخبرة الذي رواه الإمام أحمد ٥/٧٢، والحاكم ٣/٤٦٢، وسنده صحيح. ومنها حديث ابن عباس الذي رواه أحمد ١/٢١٤، والبخاري في الادب المفرد "٧٨٣"، وسنده حسن، ولفظه: أن رجلًا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال النبي ﷺ: " أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده ". وقد صحح الألباني في السلسلة الصحيحة "١٣٦-١٣٩" هذه الأحاديث الأربعة.
[ ٤٢٧ ]
ما نسبه إلى المخلوق الذي عطفه على اسم الله تعالى بـ"الواو" ليس على سبيل الاستقلال، ولكن نسبه إلى هذا المخلوق لأنه هو المباشر لهذا الأمر لا غير، مع اعتقاده أن الله هو الخالق المقدِّر، فهو شرك أصغر، من أجل هذا اللفظ الذي فيه تشريك. وإن كان يعتقد أن هذا المخلوق مشارك لله تعالى على سبيل الاستقلال، وأن تصرفه في ذلك بدون مشيئة الله تعالى فهو شرك أكبر"١".
_________________
(١) "١" مدارج السالكين ١/٣٧٣، الدر النضيد "مطبوع ضمن الرسائل السلفية ص١٤، ١٥"، القول المفيد باب "فلا تجعلوا لله أندادًا"، وباب قول ما شاء الله وشئت، الشرك الأصغر ص١٦٦-١٦٨. وينظر: الجامع لمعمر "مطبوع في آخر المصنف لعبد الرزاق ١١/٢٧"، الصمت لابن أبي الدنيا ٥/٢١٥-٢٢١، صحيح البخاري مع الفتح: الأَيمان باب لا يقول ما شاء الله وشئت ١١/٥٣٩، ٥٤٠، مشكل الآثار ١/٢٢٠، ٢٢١، آخر الاعتبار للحازمي ص١٨٨، ١٨٩، المفهم: الجمعة ٢/٥١٠-٥١٢، شرح السنة: الاستئذان ١٢/٣٦١، شرح الكرماني للبخاري ٢٣/١٠٨، مجموع الفتاوى: "رسالة زيارة القبور ٢٧/٩٥"، شرح الطيبي للمشكاة: الآداب باب الأسامي ٩/٧٩، إكمال المعلم: الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة ٣/٢٧٥، عمدة القاري ٢٣/١٨٠، إعلام الموقعين: الوجه ٤٣ من الأوجه المؤدية إلى المحرّم ٣/١٤٦، تجريد التوحيد ص٦٥، التيسير، وفتح المجيد، والقول السديد "البابين السابقين"، الدين الخالص ١/٤١٣، التوحيد للدهلوي ص٧٦، الشرك ومظاهره للميلي ص٥٠ مرقاة
[ ٤٢٨ ]
المثال الثالث من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: الاستسقاء بالأنواء
الاستسقاء في اللغة: من سقى، يسقي، والمصدر: سَقيًا، بفتح السين وتسكين القاف، والاسم: السُّقيا، والمراد: إنزال الغيث"١"، والسين والتاء في "الاستسقاء" تدل على الطلب، أي طلب السقيا، كالاستغفار، فهو طلب المغفرة، فمادة "استفعل"تدل على الطلب غالبًا"٢".
والأنواء: جمع نوء، وهو النجم، وفي السنة الشمسية ثمانية وعشرون نجمًا، كنجم الثريا، ونجم الحوت"٣".
فالاستسقاء بالأنواء: أن يُطلب من النجم أن ينزل الغيث، ويدخل فيه أن يُنسب الغيث إلى النجم، كما كان أهل الجاهلية يزعمون، فكانوا إذا نزل مطر في وقت نجم معين نسبوا المطر إلى ذلك النجم،
_________________
(١) المفاتيح ٤/٦٠٨ وقد قال الملا علي القاري الحنفي في هذا الموضع: "لو قالوا: ما شاء الله وشاء محمد لكان شركًا جليًا". "١" معجم مقاييس اللغة، والنهاية "مادة: سقي". "٢" القول المفيد باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء. "٣" ومدة النجم ١٣ يومًا، وهذه النجوم هي منازل القمر، وفي نهاية كل منزلة يغيب نجم من جهة المغرب، ويطلع نجم من جهة المشرق، وأصل النوء: طلوع النجم، وقيل: غروب النجم، ثم أطلق على نفس النجم.
[ ٤٢٩ ]
فيقولون: مطرنا بنوء كذا، أو هذا مطر الوسمي، أو هذا مطر الثريا، ويزعمون أن النجم هو الذي أنزل هذا الغيث "١".
والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن ينسب المطر إلى النجم معتقدًا أنه هو المنزل للغيث بدون مشيئة الله وفعله جلّ وعلا، فهذا شرك أكبر بالإجماع"٢".
القسم الثاني: أن ينسب المطر إلى النوء معتقدًا أن الله جعل هذا النجم سببًا في نزول هذا الغيث، فهذا من الشرك الأصغر"٣"؛ لأنه
_________________
(١) "١" ينظر: التمهيد ١٦/٢٨٧، ٢٨٨، شرح السنة ٤/٤٢٠، شرح النووي لصحيح مسلم ٢/٦١، النهاية "مادة: نوأ "، جامع الأصول: النجوم ١١/٥٧٧، ٥٧٨. "٢" قال في الفروع ٢/١٦٣: "وإضافة المطر إلى النوء دون الله كفر إجماعًا ". وهذا شرك في الربوبية، ومن الشرك الأكبر في هذا الباب: أن يدعو النجم أن ينزل الغيث، فهذا شرك أكبر في الربوبية والألوهية، وقد سبق الكلام على نحو من هذا عند الكلام على شرك الدعاء في الباب السابق، وينظر الأم ١/٢٥٢، الأنواء لابن قتيبة، التمهيد ١٦/٢٦٨، إكمال المعلم ١/٣٣٠، شرح مسلم للنووي ٢/٦٠، الأذكار للنووي ص٣٠٨، تنبيه الغافلين ص١٩٢، مغني المحتاج ١/٣٢٦، الفتاوى الكبرى ١/٣٩٣، لطائف المعارف ص٧٠. "٣" بعض العلماء يسمي هذا الشرك بـ"كفر النعمة"؛ لأنه نسب إنعام الله تعالى عليه بالغيث إلى النجم، وجعله سببًا في ذلك، مع أن الله لم يجعله سببًا. وينظر: إكمال
[ ٤٣٠ ]
جعل ما ليس بسبب سببًا"١"، فالله تعالى لم يجعل شيئًا من النجوم سببًا في نزول الأمطار، ولا صلة للنجوم بنزولها بأي وجه، وإنما أجرى الله العادة بنزول بعض الأمطار في وقت بعض النجوم.
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الاستسقاء بالأنواء، ومنها:
١- ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: مُطر الناس على عهد رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: " أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا ". قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ "٢"، ومعنى الآية الأخيرة: أنكم تجعلون شكر ما أنعم الله به عليكم من الغيث أنكم تُكذّبون بذلك، وذلك بنسبة إنزال الغيث إلى غير الله تعالى"٣".
_________________
(١) المعلم ١/٣٣٢، شرح مسلم للنووي ٢/٦١، الفروع ٢/١٦٣، لطائف المعارف: وظيفة شهر صفر ص٧٠، التيسير ص٤٠٢. "١" القول المفيد باب ماجاء في الاستسقاء بالأنواء ٢/١٩. "٢" صحيح مسلم: الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء "٧٣". "٣" ينظر تفسير ابن جرير، وتفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير، وتفسير الشوكاني للآية ٨٢ من سورة الواقعة، المفهم ١/٢٦١، إكمال المعلم ١/٣٣٣.
[ ٤٣١ ]
٢- ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل"١"، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ "قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب " "٢". وهذا الحديث يشمل على الصحيح النوعين السابقين، فهذا القول كفر، لكن إن نسب الغيث إلى النجم من دون الله فهو كفر وشرك أكبر، وإن نسبه إليه نسبة تسبب فهو كفر نعمة وشرك أصغر"٣".
_________________
(١) "١" أي بعد مطر نزل في الليل، وسمى المطر سماءً لأنه ينزل من السماء. ينظر: شرح السنة ٤/٤٢٠. "٢" صحيح البخاري "٨٤٦"، وصحيح مسلم "٧١". وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم "٧٢"، ومن حديث معاوية الليثي عند أحمد "٣/٤٢٩" وسنده حسن. "٣" التمهيد ١٦/٢٨٦، ولهذا قال كثير من العلماء: إن الحديث يحتمل الأمرين. ينظر الأم ١/٢٥٢، المنتقى ١/٣٣٤، المفهم ٢/٢٦١، جامع الأصول ١١/٥٧٨، شرح مسلم للنووي ٢/٦٠، الفتح: آخر الاستسقاء ٢/٥٢٤.
[ ٤٣٢ ]
٣- ما رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: "أربعٌ في أمّتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة ""١".
هذا وإذا قال المسلم: "مُطرنا بنوء كذا وكذا "ومقصده أن الله أنزل المطر في وقت هذا النجم"٢"، معتقدًا أنه ليس للنجم أدنى تأثير لا استقلالًا ولا تسببًا فقد اختلف أهل العلم في حكم هذا اللفظ: فقيل: هو محرم"٣".
وقيل: مكروه"٤". وقيل: مباح"٥"، ولا شك أن هذا اللفظ ينبغي
_________________
(١) "١" صحيح مسلم: الجنائز "٩٣٤". "٢" لأن الباء تأتي للظرفية بمعنى "في"، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: وفي الليل، وكما في قوله تعالى: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر:٣٤]، لكن الباء أظهر في كونها للسببية. ينظر: مغني اللبيب ١/١٢١، القول المفيد ٢/٣١. "٣" الفروع: صلاة الاستسقاء ١/١٦٣، التيسير وفتح المجيد باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، وينظر كلام ابن قتيبة وكلام الباجي وكلام ابن العربي وكلام القاضي عياض التي سيأتي نقلها قريبًا – إن شاء الله تعالى -. "٤" الأذكار للنووي ص٣٠٨، شرح مسلم للنووي ٢/٦١، وينظر كلام الإمام الشافعي الذي سيأتي قريبًا –إن شاء الله تعالى-. "٥" شرح السنة: الاستسقاء ٤/٤٢١، النهاية "مادة: نوأ"؛ جامع الأصول: النجوم ١١/٥٧٨.
[ ٤٣٣ ]
تركه، واستبداله بالألفاظ الأخرى التي لا إيهام فيها، فإما أن يقول: "مطرنا بفضل الله ورحمته"، أو يقول: "هذه رحمة الله"، وهذا هو الذي ورد الثناء على من قاله، كما سبق في النصوص، فهو أولى من غيره، وإما أن يقول: "هذا مطر أنزله الله في وقت نجم كذا"، أو يقول: "مطرنا في نوء كذا" "١"، ونحو ذلك من العبارات الصريحة التي لا لبس ولا إشكال فيها، فقول "مطرنا بنوء كذا "أقل أحواله الكراهة الشديدة، والقول بالتحريم قول قوي، لما يلي:
١- أنه قد جاء الحديث القدسي مطلقًا بعيب قائلي هذا اللفظ، وباعتبار قولهم كفرًا بالله تعالى، وإيمانًا بالكوكب"٢".
_________________
(١) "١" مغني المحتاج: صلاة الاستسقاء ١/٣٢٦، الفروع ١/١٦٣، الإنصاف ٥/٤٣٩. "٢" قال الإمام الشافعي في "الأم": الاستسقاء: كراهية الاستمطار بالأنواء ١/٢٥٢: "من قال: "مطرنا بنوء كذا" على معنى: مطرنا بوقت كذا فإنما ذلك كقوله: مطرنا في شهر كذا. ولا يكون هذا كفرًا، وغيره من الكلام أحب إلي منه". قال الحافظ ابن حجر في الفتح: الاستسقاء باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٢/٥٢٣ بعد نقله لكلام الإمام الشافعي السابق: "يعني حسمًا للمادة، وعلى ذلك يحمل إطلاق الحديث"، وقال الإمام ابن قتيبة في "الأنواء"كما في الفتح ٢/٥٢٤: "وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة فليس بشرك، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه وإرادة كفر النعمة؛ لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث
[ ٤٣٤ ]
٢- أن هذا القول ذريعة إلى الوقوع في الاعتقاد الشركي، فاعتياد الناس عليه في عصر قد يُؤدي بجُهَّالهم أو بمن يأتي بعدهم إلى الوقوع في الاستسقاء الشركي بالأنواء"١".
٣- أنه لفظ موهم لاعتقاد فاسد"٢".
٤ - أن فيه استبدالًا للفظ المندوب إليه شرعًا في هذه الحال، وهو قول: " مطرنا بفضل الله ورحمته "بلفظ من ألفاظ المشركين، ففي هذا ترك للسنة وتشبّهٌ بالمشركين، وقد نُهينا عن التشبه بهم"٣".
_________________
(١) بين الكفر والشرك واسطة، فيُحمل الكفر فيه على المعنيين لتناول الأمرين"، وقال الباجي المالكي في المنتقى: الاستسقاء ١/٣٣٥: "هذا اللفظ لا يجوز إطلاقه بوجه، وإن لم يعتقد قائله ما ذكرناه، لورود الشرع بالمنع منه، ولما فيه من إيهام السامع ما تقدم ذكره"، وينظر كلام القرطبي الآتي قريبًا - إن شاء الله تعالى-. "١" ينظر قول الحافظ ابن حجر السابق، وقول القرطبي الآتي. "٢" ينظر قول الباجي الذي سبق نقله قريبًا، وينظر فتح المجيد ص٣٧٣. "٣" قال القرطبي في المفهم: الإيمان باب نسبة الاختراع إلى غير الله حقيقة كفر ١/٢٥٩، ٢٦٠: "من اعتقد أن الله تعالى هو الذي خلق المطر واخترعه، ثم تكلم بذلك القول فليس بكافر، ولكنه مخطئ من وجهين: أحدهما: أنه خالف الشرع؛ فإنه قد حذر من ذلك الإطلاق. وثانيهما: أنه قد تشبه بأهل الكفر في قولهم، وذلك لا يجوز، لأنا قد أمرنا بمخالفتهم، فقال: " خالفوا المشركين "، و" خالفوا
[ ٤٣٥ ]
هذا وهناك أمثلة أخرى كثيرة للشرك الأصغر تركتها خشية الإطالة، ومن ذلك التسمي بالأسماء التي فيها تعظيم لا يليق إلا بالله تعالى، كملك الملوك، وقاضي القضاة ونحوهما"١"، ومنها التسمّي
_________________
(١) اليهود "، ونهينا عن التشبه بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأقوال والأفعال علىما يأتي إن شاء الله تعالى؛ ولأن الله تعالى قد منعنا من التشبه بهم في النطق بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ لما كان اليهود يقولون تلك الكلمة للنبي ﷺ يقصدون ترعينه منعنا الله من إطلاقها وقولها للنبي ﷺ وإن قصدنا بها الخير، سدًّا للذريعة، ومنعًا من التشبه بهم.."ثم ذكر القرطبي مقولة المشركين السابقة عند نزول الغيث وبَيَّنَ اعتقادهم الشركي في ذلك، ثم قال: "فنهى الشرع عن إطلاق ذلك، لئلا يعتقد أحد اعتقادهم، ولا يتشبه بهم في نطقهم"، وقال القاضي عياض في إكمال المعلم ١/٣٣٢: "فأما القول "مطرنا بنوء كذا" وإن لم يعتقد قائله تأثير النجوم وفعلها ففيه مشابهة لقول من يعتقد قائله ذلك، والشرع قد حرّم التشبّه بالكفار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ إذ كانت كلمة اليهود والمنافقين معرضين بها". "١" وقد روى البخاري "٦٢٠٥"، ومسلم "٢١٤٣" عن أبي هريرة مرفوعًا: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه وأغيظه عليه: رجل كان يسمى: ملك الأملاك، لا ملك إلا الله ". وينظر التيسير، وفتح المجيد، والقول السديد، والقول المفيد باب
[ ٤٣٦ ]
بأسماء الله تعالى"١"، ومنها التسمِّي باسم فيه تعبيد لغير الله تعالى، كعبد الرسول، وعبد الحسين، ونحوهما"٢"،
_________________
(١) التسمي بقاضي القضاة ونحوه، وباب احترام أسماء الله تعالى، الشرك الأصغر ص١٦٩-١٧١. "١" وقد قيل: إن النهي إنما يكون إذا لوحظت الصفة عند التسمية، كما في قصة "أبي الحكم"الذي غير النبي ﷺ كنيته بعد أن ذكر أن سبب تكنيته بذلك هو حكمه بين قومه. والحديث رواه أبوداود "٤٩٥٥"، والنسائي "٥٤٠٢" وإسناده حسن. وقد كنَّاه النبي ﷺ بأبي شريح، وهو أكبر أولاده. فعلى هذا إذا كان الاسم لمجرد العلمية فلا بأس. وينظر: معالم السنن ٧/٢٥٦، النهاية "مادة: حكم"، شرح الطيبي للمشكاة: الآداب باب الأسامي ٩/٧٥، الشرك الأصغر ص١٧٢، ١٧٣. وتنظر في أسماء الله تعالى الخاصة به المراجع المذكورة فيما سبق في أول الكلام على الحلف بغير الله. "٢" ولهذا غيَّر النبي ﷺ أسماء من اسلم من الصحابة، وكان اسمه معبَّدًا لغيرالله، وقد جمع هذه الأسماء التي غيَّرها النبي ﷺ الشيخ بكر أبوزيد في كتاب "معجم المناهي اللفظية"ص٢٢٥-٢٣٤، وخرّج الأحاديث الواردة فيها. وقد حكى ابن حزم في مراتب الإجماع باب الصيد والضحايا والذبائح والعقيقة ص١٧٩ الإجماع على تحريم كل اسم معبّد لغير الله، عدا عبد المطلب. ولعل استثناء هذا الاسم "عبد المطلب"من أجل أن التعبيد فيه المراد به عبودية الرق لا غير، كما هو معروف في سبب تسميته بهذا الاسم، حيث ظن بعض من رآه في صغره أنه عبد للمطلب، فسموه "عبد المطلب" ينظر: شأن الدعاء للخطابي ص٨٤، ٨٥. وينظر تحفة المودود ص٧٣.
[ ٤٣٧ ]
ومنها بعض صور التبرك البدعي"١"، ومنها التصوير لذوات الأرواح إذا كان فيه نوع تعظيم"٢"، ومنها سبّ الدهر"٣"، ومنها الحكم بغير
_________________
(١) وقد ألحق بعض أهل العلم بذلك اسم: "غلام رسول"لأن "غلام"في اللغة الأردية بمعنى "عبد". ينظر الدين الخالص ٢/٢١٣، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/١٧٦، ١٧٧. أما قول السيد لعبده "عبدي"فقد ورد النهي عنه في حديث مرفوع في صحيح البخاري "٢٥٥٢"، وصحيح مسلم "٢٢٤"، لكن حكى ابن حجر في الفتح: العتق باب كراهة التطاول على الرقيق ٥/١٧٨ الاتفاق على أن النهي للتنزيه، وحمل بعض العلماء النهي على أن المقصود من النهي هو الإكثار من استعمال هذا اللفظ وما يشبهه، أو أن ذلك في حق من استعملها على سبيل التعاظم. ينظر: المفهم ٥/٥٥٢-٥٥٥، شرح النووي لصحيح مسلم ١٥/٦، ٧، شرح الطيبي: الآداب ٩/٧٢، التيسير، وفتح المجيد، والقول المفيد باب لا يقول: عبدي وأمَتي، الشرك الأصغر ١٧٤-١٨١. "١" ينظر ما سبق عند الكلام على بدعة التبرك في فصل "وسائل الشرك"وهو الفصل الأول من هذا الباب. "٢" ينظر ما سبق عند الكلام على الغلو في الصالحين في فصل "وسائل الشرك"وهو الفصل الأول من هذا الباب. "٣" روى البخاري "٤٨٢٦"، ومسلم "٢٢٤٦" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه تعالى: "يُؤذيني ابن آدم، يسبّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلّب الليل والنهار". فالله هو الفاعل حقيقة، فمن سبّ الدهر فقد سبّ الله، وسبّ الدهر
[ ٤٣٨ ]
ما أنزل الله، وبالأخص إذا كان في قضية واحدة"١".
_________________
(١) يكون من الشرك الأصغر في حق من سبَّ الدهر وهو يعتقد عدم تأثيره، فالشرك من أجل اللفظ الذي فيه نوع تشريك بين الله وبين الدهر في الفعل والتأثير، أما إن كان الساب للدهر يعتقد ما يعتقده أهل الجاهلية من تأثير الدهر وفعله من دون الله، كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم يقولون: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] فهو شرك أكبر. وينظر: الأسماء والصفات للبيهقي ١/٣٧٨، زاد المعاد ٢/٣٥٥، فتح الباري: تفسير سورة الجاثية ٨/٥٧٤، ٥٧٥، الشرك الأصغر ص١٩٧-٢٠٠. "١" ينظر ما سبق في الباب السابق عند الكلام على الشرك في الحكم والطاعة.
[ ٤٣٩ ]
الكفر الأصغر
تعريفه وحكمه
الفصل الثالث: الكفر الأصغر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريفه وحكمه
الكفر الأصغر هو: كل معصية ورد في الشرع تسميتها كفرًا ولم تصل إلى حد الكفر الأكبر المخرج من الملة"١".
فكل معصية ورد في الشرع أنها كفر أو أن من فعلها كفر ولم تصل إلى درجة الكفر الأكبر المخرج من الملة فهي كفر أصغر، وبعض أهل العلم يطلق عليه اسم "كفر دون كفر" "٢"، وبعضهم يطلق عليه
_________________
(١) "١" ينظر: أعلام السنة المنشورة ص١٨٥. "٢" ينظر: تفسير عبد الرزاق، وتفسير ابن جرير، وتفسير ابن أبي حاتم، وسنن سعيد بن منصور "تفسير الآية ٤٤ من المائدة"، صحيح البخاري مع الفتح: الإيمان باب كفران العشير وكفر دون كفر ١/٨٣، ٨٤، سنن الترمذي ٥/٢١، مستدرك الحاكم ٢/٣١٣، الإبانة لابن بطة ص٧٢٣-٧٣٧، المفهم ١/٢٥٣، مجموع الفتاوى ١١/١٤٠، الإيمان لشيخ الإسلام ص٢٨٦-٢٨٩، شرح البخاري لابن رجب ١/١٢٨-١٣٨، كشاف القناع: الردة ٦/١٦٩، ١٧٠، إيثار الحق ص٣٨٩، ٣٩٠، الدر النضيد ص١٠٢-١١٠، السيل الجرار: الردة
[ ٤٤٣ ]
اسم "كفر النعمة" "١"، وهو تسمية له بمثال من أشهر أمثلته"٢".
وحكم هذا الكفر: أنه محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنه من أعمال الكفار التي حرمها الإسلام، ولكنه لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام"٣".
_________________
(١) ٤/٥٧٩، الدرر السنية ١/٤٨٠-٤٨٤، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع الطيار ص٥٣٨، ٩٨٥-٩٩٢"، الجهل بمسائل الاعتقاد ص١٠٨، الغلو ص٢٥٤، مجلة البحوث الإسلامية: العدد ٤٩، ص٣٧٣، ٣٧٤. "١" الإيمان لابي عبيد باب الخروج من الإيمان بالمعاصي ص٨٦، ٨٧، الفِصَل ٢/٢٤٧، غريب الحديث للخطابي ١/٣٠٥، نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص٥١٦، ٥١٧، شرح صحيح مسلم للنووي: الإيمان ٢/٥٠-٦١، مجموع الفتاوى "المناظرة مع ابن المرحل في الحمد والشكر" ١١/١٣٧-١٣٩، الدرر السنية ٢/٧١. "٢" وقد رد أبوعبيد في المرجع السابق ص٨٨ تعميم هذه التسمية على جميع أمثلة الكفر، وسيأتي كلامه قريبًا – إن شاء الله تعالى-. "٣" قال أبوعبيد في الموضع السابق ص٩٣: "وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي، فإن معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفرًا ولا شركًا يزيلان الإيمان عن صاحبه، وإنما وجوهها أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون". ثم ذكر أدلة هذا الحكم. وينظر سنن الترمذي: الإيمان ٥/٢١، المفهم ١/٢٥٤-٢٦١، شرح ابن بطال ١/٨٥-٩٠، إكمال
[ ٤٤٤ ]
_________________
(١) المعلم ١/٣٢٢-٣٢٨، وقال ابن القيم في مدارج السالكين ١/٣٦٥: "المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر، فإنها ضد الشكر" وما ذكره ابن القيم - ﵀ – فيه نظر، فإن من المعاصي ما هو كفر أكبر، ومنها ما هو كفر أصغر، ومنها ما هو دون الكفر الأصغر؛ كصغائر الذنوب، ومنها ما هو من الكبائر، ولكن لم يطلق عليها الشرع اسم "الكفر"، فهي لا تدخل في الكفر في الاصطلاح، وإن كان كثير من العلماء –ومنهم ابن القيم كما سبق- يدخلونها في كفر النعمة؛ لأنهم يتوسعون فيه، فيجعلون عدم شكر النعمة من كفر النعمة، وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ما قاله أبوعبيد وما قاله صاحب "العباب" في تفسير كفر النعمة.
[ ٤٤٥ ]
المبحث الثاني: أمثلته
للكفر الأصغر أمثلة كثيرة، أهمها:
١- كفر النعمة والحقوق، وذلك بأن لا يعترف العبد بنعمة الله تعالى عليه"١"، ومنه أن ينكر معروفًا أسداه إليه أحد المخلوقين"٢"،
_________________
(١) "١" الاستدلال على هذا المثال بقوله تعالى ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً..﴾ [النحل:١١٢] فيه نظر، فإن الأقرب أن الآية في الكفر الأكبر، والقرية هي مكة، لما كفر أهلها بالنبي ﷺ كما ورد عن كثير من المفسرين، أما ما رواه الطبري في تفسير هذه الآية عن حفصة ﵂ من أن القرية هي المدينة النبوية لقتلهم عثمان ﵁ فإسناده ضعيف. "٢" قال أبوعبيد في رسالة "الإيمان" ص٨٧، ٨٨ بعد ذكره لبعض الأحاديث الواردة في نفي الإيمان عمن فعل بعض المعاصي، وبعض الأحاديث التي فيها
[ ٤٤٥ ]
ومن أوضح الأدلة على هذا المثال ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس – ﵄ – في ذكر صلاة الكسوف، وفيه أن النبي ﷺ قال: " وأُريت النار، فلم أرَ منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت
_________________
(١) البراءة ممن فعل بعض المعاصي، كحديث: " من غشنا فليس منا "، وبعض أحاديث الشرك الأصغر، وبعض أحاديث الكفر الأصغر، قال: "فهذه أربعة أنواع من الحديث، قد كان الناس فيها على أربعة أصناف من التأويل: فطائفة تذهب إلى كفر النعمة، وثانية تحملها على التغليظ والترهيب. وثالثة تجعلها كفر أهل الردة. ورابعة تذهبها كلها وتردها، فكل هذه الوجوه عندنا مردودة غير مقبولة، لما يدخلها من الخلل والفساد. والذي يرد المذهب الأول ما نعرفه من كلام العرب ولغاتها، وذلك أنهم لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لإنعام الله وآلائه وهو كالمخبر عن نفسه بالعدم، وقد وهب الله له الثروة، أو بالسقم، وقد منَّ الله عليه بالسلامة. وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب، فهذا الذي تسميه العرب كفرانًا إن كان ذلك فيما بينها وبين الله، أو كان من بعضهم لبعض إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه. ينبئك عن ذلك مقالة النبي ﷺ للنساء: " إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير - يعني الزوج - وذلك أن تغضب إحداكن فتقول: ما رأيت منك خيرًا قط "، فهذا ما في كفر النعمة"، وقال في العباب كما في عمدة القاري ١/٢٠٠: "الكفر: نقيض الإيمان، والكفر أيضًا جحود النعمة، وهو ضد الشكر، وأصل الكفر التغطية، وقد كفرت الشيء أي سترته، وكل شيء غطى شيئًا فقد كفره، ومنه الكافر، لأنه يستر توحيد الله أو نعمة الله".
[ ٤٤٦ ]
أكثر أهلها النساء " قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: " بكفرهن"، قيل: يكفرن بالله؟ قال: " يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط " "١".
٢- قتال المسلم لأخيه المسلم، ففي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " "٢".
٣ و٤- الطعن في أنساب الآخرين"٣"، والنياحة على الميِّت"٤"،
_________________
(١) "١" صحيح البخاري: الكسوف "١٠٥٢"، وصحيح مسلم: الكسوف "٩٠٧"، ولموضع الشاهد منه شاهد من حديث ابن عمر عند مسلم في الإيمان باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والح قوق "٧٩"، وله شاهد آخر من حديث أبي سعيد عند البخاري "٣٠٤"، ومسلم "٨٠"، وله شاهد ثالث من حديث جابر عند مسلم "٨٨٥"، وليس في هذه الشواهد قوله: " لو أحسنت إلى إحداهن.. الخ". "٢" صحيح البخاري "٤٨"، وصحيح مسلم "٦٤"، وله شاهد من حديث جرير عند البخاري "١٢١"، ومسلم "٦٥"، ومن حديث ابن عمر عند البخاري "٤٤٠٣"، ومسلم "٦٦"، ولفظهما: " لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ". "٣" وذلك كأن يقدح في نسب قبيلة بقادح، وكأن يقول: إن نسبهم وضيع، ونحو ذلك. "٤" النياحة هي: ما يفعله من توفي له قريب من البكاء بصياح ورنة وندب، والندب
[ ٤٤٧ ]
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت " "١".
٥- إباق العبد – أي هروبه – عن سيده، ففي صحيح مسلم عن جرير قال: "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم""٢".
٦- انتساب الإنسان لغير أبيه، ففي الصحيحين عن أبي ذر ﵁
_________________
(١) هو النداء بحرف "وا"، وهذا غالبًا يصدر من النساء، كأن تقول: "واأبتاه" عند وفاة أبيها، أو "وامحمداه" عند وفاة "محمد"، أو تقول "واجبلاه" أو "واعضداه"، فتذكر محاسن الميت، وفي البخاري "١٢٩٤" مرفوعًا: " ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعى بدعوى الجاهلية " وهي النياحة ونحوها. وفي البخاري أيضًا "١٢٩٦" أن النبي ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. والصالقة: التي ترفع صوتها بالبكاء، والحالقة: التي تحلق شعرها. وينظر الفتح ٢/١٦٤-١٦٦، المطلع ص١٢١، لسان العرب "مادة: ندب". "١" صحيح مسلم: الإيمان "٦٧". "٢" رواه مسلم "٦٨" عن منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن جرير. ثم قال: قال منصور: قد والله روي عن النبي ﷺ، ولكني أكره أن يروى عني ههنا بالبصرة. فمنصور قد رواه مرفوعًا أيضًا، ولكنه لم يذكر رواية الرفع بالبصرة لئلا يتمسك بها الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة، وكانت البصرة من مواطن تجمعهم. ينظر شرح مسلم للنووي ٢/٥٩
[ ٤٤٨ ]
مرفوعًا: " ليس من رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر " "١".
_________________
(١) "١" صحيح البخاري "٣٥٠٨"، وصحيح مسلم "٦١"، وله شاهد عند البخاري "٦٧٦٨"، ومسلم "٦٢" عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: " لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر ".
[ ٤٤٩ ]
النفاق الأصغر
تعريفه وحكمه
الفصل الرابع: النفاق الأصغر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريفه وحكمه
النفاق الأصغر هو: أن يظهر الإنسان أمرًا مشروعًا ويبطن أمرًا محرمًا يخالف ما أظهره"١".
_________________
(١) "١" قال البغوي في شرح السنة باب علامات النفاق ١/٧٦:"الثاني – أي من أنواع النفاق – ترك المحافظة على حدود أمور الدين سرًا ومراعاتها علنًا، فهذا يسمى منافقًا، ولكنه نفاق دون نفاق"، وقال القاضي عياض في إكمال المعلم ١/٣١٣ عند ذكره لتفسير حديثي أبي هريرة وابن عمرو في خصال المنافقين وللاحتمالات في ذلك قال:" أو يكون أراد النفاق اللغوي الذي هو خلاف المضمر، وإذا تأملت هذه الأوصاف وجدت فيها معنى ذلك؛ لأن الكاذب يُظهر إليك أنه صدق، ويبطن خلافه، والخصم يظهر أنه أنصف ويضمر الفجور، والواعد يظهر أنه سيفعل وينكشف الباطن بخلافه "، وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم: شرح الحديث ٤٨، ج٢ ص٤٨١:"النفاق الأصغر – وهو نفاق العمل – هو أن يظهر الإنسان علانية صالحة ويبطن ما يخالف ذلك"، ثم ذكر خصال هذا النفاق، ثم قال ص٤٩٠:"وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية، قاله الحسن، وقال الحسن أيضًا: من
[ ٤٥٣ ]
فكل من فعل أو قال قولًا مشروعًا واجبًا أو مستحبًا أو مباحًا، وقد أبطن ضد ما أظهره فقد فعل خصلة من خصال النفاق الأصغر، ويسميه بعض أهل العلم"النفاق العملي" لأنه يتعلق بالأعمال، وليس في الاعتقاد"١"، وأطلق عليه بعض أهل العلم أيضًا "نفاقًا دون
_________________
(١) النفاق اختلاف القلب واللسان، واختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج. وقالت طائفة من السلف: خشوع النفاق: أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع". وأثر الحسن الثاني رواه ابن بطة "٦٩٠"، والفريابي في صفة المنافق "٤٩" بإسناد صحيح، وقال ابن مفلح في الفروع: الردة ٦/١٦٦ نقلًا عن القاضي أبي يعلى:"ومن أظهر الإسلام وأسر الكفر فمنافق كافر، كعبد الله بن أبيّ بن سلول، وإن أظهر أنه قائم بالواجب وفي قلبه أن لا يفعل فنفاق". وينظر: مجموع الفتاوى ١١/١٤٠-١٤٤، شرح الطيبي ١/١٩٠-١٩٢، فيض القدير ١/٤٦٣، ٤٦٤. "١" ينظر ما سبق عند تعريف النفاق الأكبر في الاصطلاح في الباب السابق، وقد ثبتت تسمية هذا النوع ب"نفاق العمل"عن الحسن البصري عند ابن بطة في "الإبانة""٩٣٩" بإسناد صحيح، وقال الترمذي في سننه ٥/٢٠ تعليقًا على حديث " أربعٌ من كنّ فيه. ."، قال:"وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل". وينظر المفهم ١/٢٥٠، عارضة الأحوذي ١٠/٩٨، ١٠١، مجموع الفتاوى ٢٨/٤٣٥، تفسير ابن كثير "تفسير الآية ٨، والآية ٢٠ من سورة البقرة" فتح الباري ١/٨٩، كتاب الصلاة لابن القيم ص٥٩، عمدة القاري ١/٢١٧، الفروع وتصحيحه ٦/١٦٦.
[ ٤٥٤ ]
نفاق""١". وحكم هذا النفاق أنه محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب"٢"، ومن فعل خصلة من خصاله فقد تشبّه بالمنافقين"٣"، ولكنه لا يخرج من ملة الإسلام بإجماع أهل العلم"٤".
_________________
(١) "١" ينظر عارضة الأحوذي: الإيمان ١٠/٩٨، الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٦٦. "٢" قال ابن كثير في أول تفسير الآية "٨" من البقرة: "هو من أكبر الذنوب"، وينظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر: الكبيرة ٥٣: عدم الوفاء بالعهد. "٣" قال القاضي عياض في إكمال المعلم ١/٣١٤ بعد ذكره لحديثي أبي هريرة وعبد الله بن عمرو في خصال النفاق الأصغر وبعد ذكره لما ذكره ابن الأنباري من أوجه سبب تسمية المنافق منافقًا، قال:"اختلف تأويل العلماء لهذا الحديث على الوجوه التي ذكرها وغيرها، وأظهرها التشبيه بهذه الخصال بالمنافقين والتخلق بأخلاقهم في إظهار خلاف ما يبطنون، وهو معنى النفاق"، وينظر التعليق الآتي. "٤" قال النووي في شرح صحيح مسلم ٢/٤٦، ٤٧ عند كلامه على حديث:" أربع من كن فيه.." قال: "هذا الحديث مما عدّه جماعة من العلماء مشكلًا من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك وقد اجمع العلماء على أمن كان مصدقًا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عيه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار، فإن إخوة يوسف ﷺ جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو
[ ٤٥٥ ]
_________________
(١) الصحيح المختار أن معناه: أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم يرد ﷺ بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار"، وينظر: المحلى "المسألة ٢١٩٩، ج١١ ص٢٠٢-٢٠٤، الفِصَل ٢/٢٤٥ مجموع الفتاوى ٧/٣٥٢، ٤٧٨، ٤٧٩، شرح صحيح البخاري لابن بطال ١/٩٠، ٩١، المفهم ١/٢٤٩، ٢٥٠، الفروع مع تصحيحه: الردة ٦/١٦٦، ١٦٧، فيض القدير ١/٦٣. أحمد ٤/١٨٣، وأبوداود "٤٩٧١"، والبخاري في الأدب المفرد "٣٩٣" من طريقين عن النبي ﷺ أنه
[ ٤٥٦ ]
المبحث الثاني: خصاله وأمثلته
للنفاق الأصغر خصال كثيرة، أهمها:
١- أن يكذب في كلامه متعمدًا، ومن يسمع كلامه مصدق له"١".
٢- أن يعدَ وفي نيته وقت الوعد أن لا يفي بما وعد به"٢"، ثم لا
_________________
(١) "١" جامع العلوم والحكم ٢/٤٨٦، وينظر كلام القاضي عياض الذي سبق نقله عند تعريف النفاق الأصغر. وقد روى الإمام أحمد ٤/١٨٣، وأبوداود "٤٩٧١"، والبخاري في الأدب المفرد "٣٩٣" من طريقين عن النبي ﷺ أنه قال: " كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو مصدق لك، وأنت به كاذب ". وقد جوّدَ العراقي في تخريج الإحياء ٣/١٤٣ أحد طريقيه. "٢" قال في عمدة القاري ١/٢٢١: "خلف الوعد لا يقدح إلا إذا عزم عليه مقارنًا بوعده، أما إذا كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم توجد فيه
[ ٤٥٦ ]
يفي فعلًا بهذا الوعد"١".
٣- أن يخاصم غيره، ويفجر في خصومته، بأن يعدل عن الحق إلى الباطل متعمدًا"٢"، فيدّعي ويحتج بالباطل والكذب، ليأخذ
_________________
(١) صفة النفاق، ويشهد لذلك ما رواه الطبراني بإسناد لا بأس به في حديث طويل من حديث سلمان ﵁: " إذا وعد يحدث نفسه أنه يخلف " وكذا في باقي الخصال"، وقال بنحو هذا القسطلاني، في شرح صحيح البخاري ١/١١٩، وقال بنحوه أخصر منه القاري في المرقاة ١/١٠٦، وينظر: الإحياء: آفات اللسان "الآفة ١٣"، جامع العلوم ٢/٤٨٢. والصحيح أن إرادة إخلاف الوعد المتأخرة عن الوعد محرمة، وقد توسّعت في بيان حكم هذه المسألة في رسالة"الأجل في والقرض" ص٧٥-٨٧، وحديث سلمان المشار إليه أعلّه أبوحاتم كما في"العلل" لابنه ٢/٢٧٤ بجهالة اثنين من رواته وبالاضطراب، وقال الدارقطني كما في جامع العلوم ٢/٤٨٣:"الحديث غير ثبت"، ورواه الطبراني "٦١٨٦" وأعله الهيثمي ١/١٠٨ بجهالة اثنين من رواته نقلًا عن الترمذي، وقال ابن حجر في"الفتح" ١/٩٠:"إسناده لا بأس به، ليس فيهم من أجمع على تركه". "١" عدم وفائه بالوعد يظهر إرادة عدم الوفاء به كما سبق في كلام القاضي عياض المنقول عند تعريف النفاق الأصغر. "٢" جامع العلوم ٢/٤٨٦، وينظر كلام القاضي عياض الذي سبق عند تعريف النفاق الأصغر. وقد روى الإمام أحمد ٢/٧٠، وأبوداود "٣٥٩٧" عن ابن عمر ﵄
[ ٤٥٧ ]
ما لا يجوز له أخذه"١".
٤- أن يعاهد غيره بعهد، وفي نيته وقت العهد أن لا يفي به، ثم لا يفي فعلًا بهذا العهد"٢".
والدليل على كون هذه الخصال الأربع من النفاق الأصغر: ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو – ﵄ – عن
_________________
(١) عن النبي ﷺ أنه قال: " من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع ". وإسناده حسن. وروى أحمد ٢/٨٢، وأبوداود "٣٥٩٨"، وابن ماجه "٢٣٢٠" عن ابن عمر أيضًا مرفوعًا: " من أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله " وهو حسن بمجموع طرقه. "١" قال القاضي عياض في إكمال المعلم ٢/٣١٥:"قال الهروي وغيره: أصل الفجور: الميل عن القصد، ويكون أيضًا: الكذب"، وينظر: شرح الطيبي ١/١٩٢، عمدة القاري ١/٢٢٤. "٢" قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٧٧]، قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم ٢/٤٨٨: "ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها ويحرم الغدر فيها: جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله - ﷿ – مما يعاهد العبدُ ربَّه عليه من نذر التبرر ونحوه".
[ ٤٥٨ ]
النبي ﷺ قال: " أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا"١"، وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر " "٢".
٥- الخيانة في الأمانة، وذلك بأن يأخذ الأمانات من الآخرين وفي نيته وقت أخذها أن يجحدها، ثم لا يؤدّيها إليهم"٣"، فقد روى
_________________
(١) "١" للعلماء أقوال في تفسير هذه الجملة من الحديث، فقيل: معناه: أنه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال، إذا كان مستكثرًا منها. وقيل: معناه: التحذير للمسلم من أن يعتاد هذه الخصال، فتفضي به إلى النفاق. وقيل: معناه: أن من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها كان فاسد الاعتقاد غالبًا. وقيل: معناه: أن من اجتمعت فيه هذه الخصال الأربع كلها فهو منافق النفاق الأكبر. ولعل الأقرب هو التفسير الثاني. وينظر: شرح السنة ١/٧٦، المفهم ١/٢٥٠، عارضة الأحوذي ١٠/٩٨، ٩٩، شرح النووي لمسلم ٢/٤٧، شرح صحيح البخاري لابن بطال ١/٩١-٩٤، إكمال المعلم ١/٣١٣-٣١٥، فتح الباري لابن حجر: الإيمان ١/٩٠، ٩١، شرح الطيبي ١/١٩٠، ١٩١، فبيض القدير ١/٤٦٣، عمدة القاري ١/٢٢١، ٢٢٢، ٢٢٤، التيسير شرح الجامع الصغير ١/١٣٧، شرح القسطلاني ١/١١٩، كتاب الصلاة لابن القيم ص٥٩، دليل الفالحين ٤/٤٣٦، شرح الأبي وشرح السنوسي ١/١٦٧، ١٦٨، المرقاة ١/١٠٦، ١٠٧، الدرر السنية ١/٤٨٣، ٤٨٤. "٢" حيح البخاري "٣٤"، وصحيح مسلم "٥٨". "٣" قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ
[ ٤٥٩ ]
البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: " آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان " "١".
٦- الرياء في الأعمال الصالحة"٢"، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:" أكثر منافقي أمّتي قراؤها " "٣".
_________________
(١) تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] . "١" حيح البخاري "٣٣"، وصحيح مسلم "٥٩"، وفي رواية لمسلم:" من علامات المنافق ثلاثة.." وفي رواية أخرى له: " آية المنافق ثلاث، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم". "٢" سبق الكلام على الرياء في الفصل الأول من هذا الباب عند الكلام على أنواع الشرك الأصغر. وقال ابن بطة في الإبانة ص٧٠٣:"الرياء هو النفاق؛ لأن المنافق هو الذي يُسرّ خلاف ما يبطن، ويصف المحاسن بلسانه، ويخالفها بفعله، ويقول ما يعرف، ويأتي ما ينكر، ويترصد الغفلات لانتهاز الهفوات"، وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم ٢/٤٩٣: "ومن أعظم خصال النفاق العملي: أن يعمل الإنسان عملًا ويظهر أنه قصد به الخير، وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض له سيئ.."، وروى الفريابي "٦٩" عن الحسن البصري، قال: "المنافق الذي إذا صلى راءَى بصلاته، وإن فاتته لم يأسَ عليها، ويمنع زكاة ماله" وسنده حسن. وينظر عارضة الأحوذي ١٠/٩٩، المفهم ١/٢٥١، إتحاف السادة المتقين:"ذم تلاوة الغافلين" ٥/٢١، الفتاوى السعدية: المسألة ٣٢. "٣" رواه الإمام أحمد ٢/١٧٥، والفريابي "٣٦" من حديث عبد الله بن عمرو بإسناد حسن، ورواه أيضًا أحمد ٤/١٥١، ١٥٤، والفريابي "٣٣" من حديث عقبة بن
[ ٤٦٠ ]
والمراد بنفاق القراء: الرياء"١".
٧- إعراض المسلم عن الجهاد، وعدم تحديث نفسه به"٢"، فقد روى مسلم عن النبي ﷺ أنه قال:" من مات ولم يغز ولم يحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق " "٣".
٨- إظهار مودة الغير، والتقرب إليه بما يحب، مع إضمار بغضه، أو التكلّم فيه في غيبته بما لا يرضيه"٤"، فقد روى البخاري عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، قال: قال أناس لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنا نَعُدُّ هذا نفاقًا "٥".
_________________
(١) عامر بإسناد حسن. وللحديثين طرق أخرى وشواهد تنظر في فيض القدير ٢/٨١، والسلسلة الصحيحة "٧٥٠". "١" قال في شرح السنة ١/٧٧:"قوله: " أكثر منافقي أمتي قراؤها " هو أن يعتاد ترك الإخلاص في العمل". وقال ابن مفلح في الفروع ٦/١٦٦ بعد ذكره لهذا الحديث: "والمراد: الرياء"، وكذا قال الزمخشري كما في إتحاف السادة المتقين ٥/٢١، والمناوي في التيسير ١/٢٠٠. "٢" ينظرشرح النووي لصحيح مسلم: الإمارة ١٣/٥٦، مجموع الفتاوى ٢٨/٤٣٦. "٣" صحيح مسلم: الإمارة "١٩١٠". "٤" النواقض الاعتقادية ٢/١٥٧. "٥" صحيح البخاري "٧١٧٨". ورواه الإمام أحمد "٥٨٢٩ تحقيق شاكر" بإسناد
[ ٤٦١ ]
٩- بغض الأنصار – ﵃ – فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " آية المنافق بغضُ الأنصار، وآية المؤمن حبُّ الأنصار " "١".
١٠ - بغض الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁، فقد روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: والذي فلَقَ الحبّةَ وبَرَأ النسمة إنه لعهد النبيِّ الأميِّ ﷺ إليَّ: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق "٢".
_________________
(١) صحيح، رجاله رجال الصحيحين، بلفظ:"كنا نعد هذا على عهد رسول الله ﷺ النفاق". "١" صحيح البخاري "١٧"، وصحيح مسلم "٧٤". وله شاهد من حديث البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال في الأنصار:" لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق " رواه البخاري "٣٧٨٣"، ومسلم "٧٥". قال الحافظ ابن رجب في فتح الباري "١/٥٩":"محبة أولياء الله عمومًا من الإيمان، وهي من أعلى مراتبه، وبغضهم محرم، فهو من خصال النفاق؛ لأنه مما لا يتظاهر به غالبًا، ومن تظاهر به فقد تظاهر بنفاقه، فهو شر ممن كتمه وأخفاه". "٢" صحيح مسلم "٧٨". قال الحافظ ابن حجر في الفتح: الإيمان باب علامة الإيمان حب الأنصار ١/٦٣ بعد ذكره لهذا الحديث: "وهذا جار باطراد في أعيان الصحابة، لتحقّق مشترك الإكرام، لمالهم من حسن الغناء في الدين".
[ ٤٦٢ ]
وهناك أمثلة أخرى كثيرة لهذا النفاق "١"، وبالجملة فإن من اجتمعت فيه أكثر خصال هذا النفاق، واستمر عليها فهو على خطر عظيم، ويُخشى أن يقع في النفاق الأكبر"٢"، ولذلك خاف أصحاب النبي ﷺ كعمر ﵁"٣"
_________________
(١) "١" ومنها:
(٢) الغلول من الغنيمة. ٢- الجبن. فقد روى الفريابي "٢٠" عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال:"المنافق الذي إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا غنم غلّ، وإذا أُمر عصى، وإذا لقي جبن، فمن كن فيه ففيه النفاق كله، ومن كان فيه بعضهن ففيه بعض النفاق"وسنده حسن، وقال القرطبي في المفهم: الإيمان ١/٢٥١:"ولا شك في أن للمنافقين خصالًا أخر مذمومة، كما قد وصفهم الله تعالى، حيث قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢] فيحتمل أن يُقال: إنما خصت تلك الخصال الخمس بالذكر لأنها أظهر عليهم من غيرها.."، وينظر: فيض القدير شرح حديث: آيةٌ بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والفجر ١/٦٣"، الفتاوى السعدية: المسألة ٣٢، ص١٠. "٢" ينظر: ما سبق قريبًا عند شرح لفظه: " كان منافقًا خالصًا " في حديث عبد الله بن عمرو. "٣" روى الفريابي في صفة النفاق "٨٦" ومن طريقه الذهبي في سير النبلاء ١١/٤٣٥ بإسناد حسن عن معاوية بن قرة أن عمر كان يخشى النفاق. وهو مرسل حسن.
[ ٤٦٣ ]
ـ
_________________
(١) وله شاهد من مرسل الحسن عند الفريابي "٨٤" بإسناد حسن، ويؤيده الأثران بعده. فهو حسن لغيره. وروى الفريابي "٨١"، وأبونعيم في الحلية ٣/٣٠٨ عن الجعد أبي عثمان، قال: سألت أبارجاء العطاردي: قلت: يا أبارجاء، أرأيت من أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ هل كانوا يخافون على أنفسهم النفاق؟ - وكان قد أدرك عمر بن الخطاب – فقال: أما إني أدركت بحمد الله منهم صدرًا حسنًا، نعم شديدًا، نعم شديدًا. وسنده حسن. وروى يعقوب بن سفيان ٢/٧٦٩ من طريق الأعمش عن زيد بن وهب قال: مات رجل من المنافقين، فلم يصل عليه حذيفة فقال له عمر: أمِن القوم هو؟ قال: نعم. قال: بالله أنا منهم؟ قال: لا، ولن أخبر أحدًا بعدك. وسنده صحيح، رجاله رجال الصحيحين. وقد أعلّه يعقوب بنكارة متنه، وردّ قوله الذهبي في الميزان ٢/١٠٧، وابن حجر في هدي الساري ص٤٠٤.رواه البزار كما في كشف الأستار: الجنائز "٨٣١" من طريق الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة. ورجاله حديثهم لا ينزل عن درجة الحسن، وقال القرطبي في المفهم ١/٢٥٠ عند شرحه لحديث: " آية المنافق ثلاث.."، قال:"اختلف العلماء فيه على أقوال: أحدها: أن هذا النفاق هو نفاق العمل الذي سأل عنه عمر حذيفة، لما قال له: هل تعلم فيَّ شيئًا من النفاق؟ أي من صفات المنافقين الفعلية. ووجه هذا أن من كانت فيه هذه الخصال المذكورة كان ساترًا لها ومظهرًا لنقائضها، فصدق عليه اسم منافق..".
[ ٤٦٤ ]
وحنظلة"١"، وغيرهم"٢"، وخاف السلف الصالح"٣" على أنفسهم من
_________________
(١) "١" صحيح مسلم: التوبة "٢٧٥٠". "٢" روى البخاري تعليقًا مجزومًا به في الإيمان باب خوف المؤمن أن يحبط عمله عن ابن أبي مليكة، قال: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه. ورواه موصولًا: البخاري في تاريخه الكبير ٥/١٣٧، وأبوزرعة في تاريخه، ومن طريقه الحافظ في التغليق ٢/٥٢ وإسناده قريب من الحسن، ويشهد له قول أبي رجاء السابق، فهو حسن لغيره. وله طريق آخر، فيه"الصلت" وهو متروك. وينظر في خوف بعض الصحابة أيضًا: صفة النفاق باب فيمن كان يخاف النفاق ولا يأمنه على نفسه ص٦٩-٧٢، الإبانة ص٧٥٤، ٧٥٥، فتح الباري لابن رجب ١/١٧٨، وقال الحافظ في الفتح في ١/١١١ بعد تخريجه لأثر ابن أبي مليكة السابق وذكره لجماعة من الصحابة الذين أدركهم، قال: "وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك، فكأنه إجماع.. وذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى". "٣" ينظر في خوف كثير من السلف: صفة النفاق ص٧١-٧٣، وقد روى الإمام أحمد كما في الفتح لابن رجب ١/١٨٠، والفريابي "٨٧" بإسنادين صحيحين عن الحسن البصري قال:"والله ما أصبح على وجه الأرض مؤمن ولا أمسى على وجهها مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه، وما أمن النفاق إلا منافق". وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم ٢/٤٩٢، ٤٩٣: "والآثار عن السلف في هذا كثيرة جدًا.. وسُئل الإمام أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف النفاق؟ فقال: ومن يأمن على نفسه النفاق؟ "، وقال في شرحه للبخاري ١/١٧٨ بعد ذكره
[ ٤٦٥ ]
الوقوع في النفاق الأصغر"١".
_________________
(١) خوف بعض الصحابة:"وأما التابعون فكثير، وكلام الحسن في هذا كثير جدًا، وكذلك كلام أئمة الإسلام بعدهم". "١" قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم ٢/٤٩٢، ٤٩٣:"قال الأوزاعي قد خاف عمر النفاق على نفسه. والظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف على نفسه في الحال من النفاق الأصغر، والنفاق الأصغر وسيلة وذريعة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر، فكما يخشى علىمن أصر على المعصية أن يُسلب الإيمان عند الموت كذلك يخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان، فيصير منافقًا خالصًا"، وقال ابن رجب بنحو قوله هذا أيضًا في شرحه للبخاري ١/١٧٩، وينظر: المفهم ١/٢٥٠، وينظر كلام ابن حجر الذي سبق قريبًا.
[ ٤٦٦ ]
الفصل الخامس: البدعة
البدعة في اللغة: مصدر "بدع"، وهو: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال سابق"١"، وإحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر"٢".
فالبدعة لغة: خلاف السنة، وهي اسم لما ابتدع في الدين وغيره"٣".
والبدعة في الاصطلاح الشرعي: كل اعتقاد أو قول أو فعل أو ترك تعبّد به لله تعالى، وليس في الشرع ما يدل على مشروعيته"٤".
_________________
(١) "١" معجم مقاييس اللغة ١/٢٠٩. "٢" العين للخليل بن أحمد ٢/٥٤. "٣" المرجع السابق. والبَدْع – بفتح الباء – إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر، كما قال الله تعالى عن نفسه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي أن الله تعالى ابتدعهما ولم يكونا قبل ذلك شيئًا. والبِدْع - بكسر الباء وسكون الدال-: الشيء الذي يكون أولًا في كل أمر، كما قال جل شأنه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي لست بأول مرسل. ينظر: المرجع السابق. "٤" للعلماء تعريفات كثيرة قريبة من هذا التعريف، تنظر في مجموع الفتاوى ٤/١٠٧،١٠٨، ١٩٥،١٩٦، و١٨/٢٤٦، فتح الباري ١٣/٢٥٣، جامع العلوم شرح
[ ٤٦٩ ]
_________________
(١) الحديث ٢٨، الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي المالكي ١/٣٧، السنن والمبتدعات للشقيري المصري ص١٥، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع أشرف بن عبد المقصود" ١/١٢٢، وتنظر: رسالة حقيقة البدعة ١/٢٦٣-٢٦٧، فقد نقل تعريفات للبدعة لجماعة من أهل العلم. ومن هذا التعريف يعلم أن المستحدث في العادات كأمور المأكل والمشرب والملبس وما يستعمله الناس في حياتهم من آلات ونحوها، كل هذا لا يدخل في البدعة الشرعية – وإن كان يسمى في اللغة بدعة – إلا إن قصد به التقرب إلى الله تعالى، فحينئذ إن كان له أصل في الشرع فهو مشروع، وليس ببدعة في الشرع، وإن لم يكن له أصل في الشرع فهو بدعة شرعية محرمة. وقال الشيخ أحمد الرومي الحنفي المتوفى سنة "١٠٤٣هـ" كما في المجالس الأربعة من مجالس الأبرار ص٣٧١، ٣٧٢ بعد ذكره لحديثي جابر والعرباض الآتيين، قال: "المراد بالبدعة المذكورة في هذين الحديثين البدعة السيئة التي ليس لها من الكتاب والسنة أصل وسند ظاهر أو خفي، ملفوظ أو مستنبط. لا البدعة غير السيئة التي يكون لها أصل وسند ظاهر أو خفي، فإنها لا تكون ضلالة، بل هي قد تكون مباحة كاستعمال المنخل والمواظبة على أكل لب الحنطة، والشبع منه، وقد تكون مستحبة كبناء المنارة، وتصنيف الكتب، وقد تكون واجبة كنظم الدلائل لرد شبه الملاحدة والفرق الضالة؛ لأن البدعة لها معنيان، أحدهما: لغوي عام، وهو المحدث مطلقًا، سواء كان من العادات أو من العبادات، والثاني: شرعي خاص، وهو الزيادة في الدين أو النقصان منه بعد الصحابة بغير إذن من الشارع، لا قولًا ولا فعلًا، لا صريحًا ولا إشارةً، فإنها في
[ ٤٧٠ ]
والبدعة تنقسم بحسب متعلقها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: البدعة الاعتقادية: وهي اعتقاد خلاف ما أخبر الله به وأخبر به رسوله ﷺ.
ومن أمثلة هذه البدعة: بدعة التمثيل أو التعطيل، وبدعة نفي القدر أو القول بالجبر، والابتداع باستعمال علم الكلام والاعتماد على العقل البشري"١" وكاعتقاد أن الأولياء يتصرفون في الكون ونحو ذلك.
_________________
(١) الحديثين وإن كانت عامة تشتمل على جميع المحدثات لكن عمومها ليس بحسب معناها اللغوي، بل عمومها بحسب معناها الشرعي الخاص، فلا تتناول العادات أصلًا، بل تقتصر على بعض الاعتقادات وبعض صور العبادات إذا تقرر هذا، فالمنارة عون لإعلام وقت الصلاة، وتصنيف الكتب عون للتعليم والتبليغ، ونظم الدلائل لرد شبه الملاحدة والفرق الضالة، نهي عن المنكر وذب عن الدين، فكل منها مأذون فيه، بل مأمور به؛ لأن البدعة غير السيئة ما لم يحتج إليه الأوائل ثم احتاج إليه الأواخر ورأوه حسنًا على سبيل الإجماع بلا خلاف، ولا نزاع". وينظر التعليق الآتي قريبًا فيما يتعلق بما أحدث وله أصل في الشرع وفيما يتعلق بالبدع في الأمور الدنيوية المباحة. "١" قال الحافظ ابن حجر في الفتح: الاعتصام باب الاقتداء ١٣/٢٥٣ بعد ذكره لبعض الأمور التي أحدثت وأدركها بعض السلف، قال: "اشتد إنكار السلف لذلك كأبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي، وكلامهم في ذم أهل الكلام مشهور، وسببه أنهم تكلموا فيما سكت عنه النبي ﷺ وأصحابه، وثبت عن مالك أنه لم
[ ٤٧١ ]
القسم الثاني: البدعة العملية: وهي التعبد لله بغير ما شرع، وذلك بإحداث عبادة لم تُشرع، أو الزيادة أو النقص في عبادة مشروعة، أو الإتيان بالعبادة على صفة محدثة، أو المواظبة على عبادة مشروعة في وقت معين، مع أنه لم يرد دليل شرعي على مشروعيتها في هذ الوقت.
ومن أمثلة هذه البدعة: البناء على القبور، والدعاء عندها، وبناء المساجد عليها، والأعياد والاحتفالات المحدثة التي يتعبد لله تعالى بها، ونحوذ لك.
القسم الثالث: بدعة الترك: وهي ترك المباح أو ترك ما طلب فعله تعبدًا.
_________________
(١) يكن في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر شيء من الأهواء – يعني بدع الخوارج والروافض والقدرية – وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرهًا، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف، وإن لم يكن له منه بد فليكتف منه بقدر الحاجة، ويجعل الأول المقصود بالأصالة والله الموفق".
[ ٤٧٢ ]
ومن أمثلة هذه البدعة: ترك أكل اللحم تعبُّدًا، وترك الزواج تعبُّدًا "١".
_________________
(١) "١" ولا يدخل في هذا ترك ما طلب فعله إيجابًا أو ندبًا لدليل شرعي آخر، فلا حرج عليه إذا تركه تعبدًا كأن يترك الحج المندوب لأنه يؤدي إلى تعطيل عبادة أهم منها، أو يؤخر الحج الواجب لأنه يخشى فتنة في دينه. وكذلك لا يدخل في هذا ما لو منع نفسه من أكل نوع من الأطعمة المباحة مدة من الزمن؛ لأنه يؤدي به إلى الوقوع في أمر محرم. وفي كل من البدع الاعتقادية والعملية ما هو بدعة في الأصول أو في الفروع، وإن كان الغالب على البدع الاعتقادية أنها بدع في الأصول، وكثير من البدع العملية مبني على بدعة اعتقادية. وقد ذكر الإمام أبو إسحاق الشاطبي الأندلسي المالكي أن الابتداع الذي يخرج صاحبه من الفرقة الناجية، ويصيّره من الفرق الضالة هو ما كان في أ) معنى كلي في الدين. ب" أو كان في قاعدة من قواعد الشريعة. ج" أو كان في أصل عام من أصول الشرع. د" أن يكثر من اختراع وإنشاء الفروع والجزئيات بحيث تعود لكثرتها على كثير من الشريعة بالمعارضة. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن البدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء –وهم أهل البدع– هي ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والروافض والقدرية ونحوهم. وذكر أن مذهب السلف أنهم لا يؤثمون مجتهدًا في المسائل الأصولية ولا الفرعية.
[ ٤٧٣ ]
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم البدع والتغليظ على مبتدعها وفاعلها، ومن أهمها قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى:٢١]، وما رواه جابر بن عبد الله - ﵄ – قال: كان النبي ﷺ يقول في خطبته:" أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة "رواه مسلم "١"، وما رواه العرباض بن سارية ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ""٢"،
_________________
(١) ينظر فيما سبق: الحوادث والبدع للطرطوشي ص٣٦،٤٠،مجموع الفتاوى ٦/٥٦-٥٨، و١١/٢٠٠، و١٢/٤٨٤-٥٠١، و١٩/٢٠٣-٢١٩، و٣٤/٤١٤،٤١٥، الاستقامة ١/٢٥٤، ٢٥٥، مختصر الفتاوى المصرية ص٣٢٠، الاعتصام ١/١٦٢-١٦٦، و٢/٢٠٠—٢٥٨، المجالس الأربعة من مجالس الأبرار للرومي الحنفي ص٣٧١، رسالة: سؤال وجواب في أهم المهمات للسعدي " مطبوعة ضمن المجموعة الكاملة ١/٦٩"، رسالة حقيقة البدعة ٢/٢٦٢-٢٦٧، و٢٧٣-٢٧٩، رسالة موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع ١/٦٤-٧٢، و١٠٠-١٠٢، و١١٨-١٢٢. "١" صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة "٨٦٧". "٢" سبق تخريجه في المقدمة عند تعريف"أهل السنة والجماعة".
[ ٤٧٤ ]
وما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ". رواه البخاري ومسلم"١"، وفي رواية لمسلم: " من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ". وما رواه أنس بن مالك ﵁ في قصة الثلاثة الذين أرادوا أن يزيدوا على عبادة النبي ﷺ، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فقال رسول الله ﷺ: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني "رواه البخاري ومسلم"٢".
فصيغ العموم الواردة في النصوص السابقة تدل على تحريم جميع البدع التي يحدثها الناس ويتعبدون لله بها وليس لها أصل في الشرع"٣" وأنه ليس شيء منها حسنا ً.
_________________
(١) "١" صحيح البخاري: الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور "٢٦٩٧"، وصحيح مسلم: الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة "١٧١٨". "٢" البخاري: فاتحة النكاح "٥٠٦٣"، ومسلم: فاتحة النكاح "١٤٠١"، قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث في الفتح ٩/١٠٥: "المراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني". "٣" أما ما له أصل في الشرع فليس من البدع، اللهم إلا أن يراد أنه بدعة لغة، لأن
[ ٤٧٥ ]
_________________
(١) البدعة في اللغة أعم منها في الشرع، كما هو ظاهر من التعريفين اللغوي والشرعي للبدعة – كما سبق بيانهما -. وقد نص على هذا بعض أهل العلم، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: الاعتصام، باب الاقتداء ١٣/٢٥٣:"المحدثات: جمع محدثة، والمراد بها ما أحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع "بدعة"، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة، بخلاف اللغة، فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة، سواء كان محمودًا أو مذمومًا". وعلى هذا فقد يكون الفعل بدعة في اللغة ولا يكون بدعة في الشرع، كأن يأتي في النصوص الحث على عبادة معينة فلا يتحقق فعلها إلا بعد وفاة النبي ﷺ، إما لوجود علة مانعة من فعلها في حياته ﷺ أو لغير ذلك، فهي في حق أول من فعلها تعتبر بدعة لغوية، لأنه إحداث على غير مثال سابق، ولا تعتبر بدعة شرعية، لدلالة النصوص على مشروعيتها، ومن ذلك جمع القرآن في مصحف واحد، وكتابة الحديث في المسانيد والسنن والجوامع، وصلاة التراويح، وتأليف كتب العلم في الفنون المختلفة، وفتح المدارس، ونحو ذلك، فهذه كلها ليست بدعًا شرعية، لدلالة الأدلة الشرعية على جوازها، ولذلك قال عمر ﵁ عن جمعه للناس في صلاة التراويح على إمام واحد: "نعمت البدعة هذه"ومراده البدعة اللغوية لا الشرعية كما سيأتي بيان ذلك مفصلًا إن شاء الله تعالى. ومن ذلك ما إذا صنع أو اشترى المسلم آلة حربية من المخترعات الحديثة واستعملها في حرب الكفار أو اقتناها لذلك، كمدفع أو دبابة أو طائرة أو غيرها، فهذه كلها
[ ٤٧٦ ]
_________________
(١) يصح أن تسمى"بدعة"في اللغة، ولكنها ليست بدعة شرعية، بل هي من الأمور المطلوبة شرعًا، لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ . ومما يدخل في البدعة اللغوية ما يحدثه الناس في الأمور الدنيوية المباحة، ولا يقصدون التعبد به لله تعالى، كالمخترعات والمحدثات في أمور الملبس والمركب، وكأساليب البناء، وكأجهزة الاتصالات، وكالأجهزة والعقاقير الطبية، وغيرها، فهذه كلها لا تعتبر بدعة في الشرع، بل هي من المباحات، إذا لم يوجد في شيء منها ما هو ممنوع شرعًا من وجه آخر، كأن يكون فيه تشبه محرم، أو فيه إسراف أو خيلاء، أو كان فيه ضرر أو مخالفة لنص أو أصل شرعي، ينظر: السنن والمبتدعات للشقيري ص١٨. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ص٥٩٨، قاعدة تضبط بها البدعة الشرعية المحرمة، فقال: "ما رآه الناس مصلحة نظر في السبب المحوج إليه، فإن كان السبب المحوج إليه أمرًا حدث بعد النبي ﷺ من غير تفريط منا فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائمًا على عهد رسول الله ﷺ، لكن تركه النبي ﷺ لمعارض زال بموته. وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله ﷺ موجودًا لو كان مصلحة ولم يفعل - يعلم أنه ليس بمصلحة-، وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخلق، فقد يكون مصلحة". وقال شيخنا محمد العثيمين في رسالة"الإبداع"وهي مطبوعة ضمن مجموع فتاواه
[ ٤٧٧ ]
وهذه الصيغ العامة هي:" ما " في الآية والحديث و" كل محدثة بدعة "، و" كل بدعة ضلالة " و" عملًا "، فهذه الألفاظ كلها
_________________
(١) "جمع فهد السلمان ٥/٢٥١" عند كلامه على إنشاء المدارس وتصنيف الكتب، وما أشبه ذلك مما استحسنه المسلمون، وكيف يجمع بينه وبين حديث " كل بدعة ضلالة "؟ قال:"هذا في الواقع ليس ببدعة، بل هذا وسيلة إلى مشروع، والوسائل تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، ومن القواعد المقررة أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فوسائل المشروع مشروعة فالمدارس وتصنيف العلم، وتأليف الكتب وإن كان بدعة لم يوجد في عهد النبي ﷺ على هذا الوجه، إلا أنه ليس مقصدًا بل هو وسيلة، والوسائل لها أحكام المقاصد". وينظر أيضًا: مجموع الفتاوى ٢١/٣١٧-٣١٩، الاقتضاء ٢/٥٩١-٥٩٧، الاعتصام ٢/٧٩،٨٠، ٢٠٥، جامع العلوم شرح الحديث ٢٨، فتح الباري ١٣/٢٥٣، السنن والمبتدعات ص ١٥،١٨، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع الطيار ص ٨٣٨،٨٣٩"، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع أشرف بن عبد المقصود ١/١٢٣، وجمع فهد السليمان ٢/٢٩٢،٢٩٣ "، رسالة حقيقة البدعة، الباب الأول والباب الثاني، ورسالة موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع ١/٩٣، وينظر ما سبق نقله عن الرومي الحنفي عند تعريف البدعة. وينبغي التنبيه إلى مسألة مهمة، وهي أن بعض من يقع في بعض البدع يحتج على جوازها بفعل بعض أهل السنة لبعض الأمور التي يرى أنها تشبه البدعة التي وقع فيها، وهذا ليس بحجة، فالواجب أن تعرض تصرفات الناس على الكتاب والسنة، فما وافقهما فهو الحق، وما خالفهما فهو الباطل بغض النظر عن فاعلها، والله أعلم.
[ ٤٧٨ ]
تدل على العموم، فهي صريحة في أن جميع البدع محرمة وممنوع من فعلها"١".
فلا يجوز لمسلم أن يعارض قول رسول الله ﷺ بقول غيره من البشر كائنًا من كان"٢"، فإن عارض قوله ﷺ بقول غيره، كان ذلك
_________________
(١) "١" قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي في الاعتصام ١/١٤١،١٤٣:"قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكررها، وإعادة تقررها، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم، كقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ وما أشبه ذلك، وبسط الاستدلال على ذلك هنالك، فما نحن بصدده من هذا القبيل، إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلفة: أن كل بدعة ضلالة، وأن كل محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة. ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها. فدلّ ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها"انتهى كلامه ﵀، وينظر: "شرح الواسطية"ورسالة"الإبداع"كلاهما لشيخنا محمد بن عثيمين "مطبوعتان ضمن مجموع فتاواه ٥/٢٤٨،و٨/٦٤٠". "٢" قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ص٥٩١: "ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ الكلية، وهي قوله:"كل بدعة ضلالة"بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة الرسول ﷺ أقرب منه إلى التأويل". وقال أيضًا في المرجع السابق ص٥٨٦:
[ ٤٧٩ ]
دليلًا على ضعف التأسِّي بالنبي ﷺ، ودليلًا على نقص محبته له ﵊؛ لتقديمه قول غيره وهوى نفسه على سنة خير البشر ﷺ"١".
_________________
(١) "إن قيل عن بدعة معينة: هذه البدعة حسنة؛ لأن فيها من المصلحة كيت وكيت، فهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة، والجواب: أما القول: إن شر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نص رسول الله ﷺ، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم". قلت: أي قد نبذ الشرع وتركه وخرج على حكمه، ينظر: الصحاح ولسان العرب، مادة"رغم". "١" إذ كيف يقول النبي ﷺ: " كل بدعة ضلالة " ثم يأتي ويقول: بل ليس كل بدعة ضلالة، وبدعة كذا حسنة، وهذا بلا شك مضادة للشرع الذي جاء به النبي ﷺ. قال الإمام أبوإسحاق الشاطبي المالكي في الاعتصام ١/١٤٢-١٤٤ بعد كلامه الذي سبق نقله قريبًا، وبعد ذكر إجماع الصحابة على ترك البدع:"إن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه؛ لأنه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع، والشرع قد دل على أن الهوى هو المتبع الأول في البدع، وهو المقصود السابق في حقهم ودليل الشرع كالتبع في حقهم، ولذلك تجدهم يتأولون كل دليل خالف هواهم، ويتبعون كل شبهة وافقت أغراضهم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ فأثبت لهم الزيغ أولًا،
[ ٤٨٠ ]
_________________
(١) وهو الميل عن الصواب، ثم اتباع المتشابه وهو خلاف المحكم الواضح المعنى، الذي هو أم الكتاب ومعظمه. ومتشابهه على هذا قليل، فتركوا اتباع المعظم إلى اتباع الأقل المتشابه الذي لا يعطي مفهومًا واضحًا ابتغاء تأويله، وعامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح، فهو عمدتهم الأولى، وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع، فهو المقدم في نحلهم بحيث لا يتهمون العقل، وقد يتهمون الأدلة إذا لم توافقهم في الظاهر، حتى يردوا كثيرًا من الأدلة الشرعية. وقد علمت - أيها الناظر - أنه ليس كل ما يقضي به العقل يكون حقًا، ولذلك تراهم يرتضون اليوم مذهبًا ويرجعون عنه غدًا، ثم يصيرون بعد غد إلى رأي ثالث، ولو كان كل ما يقضي به حقًا لكفى في إصلاح معاش الخلق ومعادهم، ولم يكن لبعثة الرسل ﵈ فائدة، ولكان على هذا الأصل تعد الرسالة عبثًا لا معنى له، وهو كله باطل، فما أدى إليه مثله. فأنت ترى أنهم قدموا أهواءهم على الشرع، ولذلك سموا في بعض الأحاديث وفي إشارة القرآن: أهل الأهواء". انتهى كلامه بحروفه مختصرًا. وقال الشيخ محمد بن عبد السلام الشقيري المصري في السنن والمبتدعات ص١٥،١٧:"كل بدعة في الدين ضلالة، كما نص عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فلا يمكننا أن نغير ولا نحرف ولا نؤول ما قال فيه الرسول ﷺ: إنه ضلالة وفي النار، إلى أنه مستحسن.. وتقسيم بعض متأخري الفقهاء البدعة إلى خمسة أقسام خطأ وظن: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ بل هذا منهم مشاقة ومحادة للرسول ﷺ القائل: " وكل بدعة ضلالة " فلهم نصيب من الوعيد المذكور في آية: ﴿وَمَنْ
[ ٤٨١ ]
وقد ثبت عن الإمام مالك أنه قال:"من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا""١"، وقد ثبت عن جمع من أصحاب النبي ﷺ النهي عن كثير من البدع في وقائع متعددة"٢".
_________________
(١) يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ . وينظر ما يأتي ذكره في التعليق الآتي في أواخر الكلام على بدعة الغلو في القبور من تزيين الشيطان البدعة في نفس فاعلها وتمثله لبعض العصاة في صورة آدمي ليعينه على المعصية، فيؤدي به ذلك إلى أن يحرص عليها ويدعو إليها. "١" روى هذا القول عن الإمام مالك تلميذه ابن الماجشون كما في الاعتصام ١/٤٩، وقال أبو إسحاق الشاطبي الأندلسي المالكي في الموضع السابق من الاعتصام: "فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله: إن الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولا استدرك عليها". "٢" ومن ذلك ما رواه الدارمي في كراهية أخذ الرأي "٢٠٤"، وبحشل في تاريخ واسط في ترجمة أبي الشعثاء ص ١٩٨، ١٩٩ بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود - ﵁- أنه أخبر عن قوم جالسين حلقًا في المسجد ينتظرون الصلاة، وفي كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبِّروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، فوقف
[ ٤٨٢ ]
_________________
(١) ابن مسعود على حلقة من تلك الحلق، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. فقال: ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة محمد ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. ورواه عبد الرزاق في ذكر القُصَّاص رقم "٥٤٠٩"، وابن وضاح في "البدع" رقم "٩، ١٩،٢٠،٢٣" والطبراني في الكبير رقم "٨٦٢٨" إلى "٨٦٣٣"، ورقم "٨٦٣٦" إلى "٨٦٣٩" من طرق كثيرة، وبعض أسانيد الطبراني حسن، وقد صحح بعضها الهيثمي ١/١٨١. ورواه عبد الرزاق "٥٤٠٨" مختصرًا بإسناد صحيح رجاله رجال الصحيحين. وروى أبو داود "٥٣٨٤"، والطبراني "١٣٤٨٦"، والبيهقي في السنن ١/٤٢٤ عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر، فقال: اخرج بنا، فإن هذه بدعة. وإسناده حسن، وقد حسنه الألباني في الإرواء "٢٣٦". والتثويب هو أن ينادي المؤذن بعد الأذان للصلاة إذا أبطأ الناس. وروى ابن وضاح "٣٢" عن عبد الله بن خباب بن الأرت - ﵄ - قال: "بينما نحن في المسجد ونحن جلوس مع قوم نقرأ السجدة ونبكي، فأرسل إلي أبي، فوجدته قد احتجز، معه هراوة، فأقبل علي، فقلت: يا أبت مالي مالي؟ قال: ألم أرك مع العمالقة؟ ثم قال: هذا قرن خارج الآن. وإسناده
[ ٤٨٣ ]
وقد حكى الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي الأندلسي إجماع السلف من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذم البدع وتقبيحها"١"، وهذا إجماع صحيح غير مخروم، فلم يثبت عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه أجاز شيئًا من البدع أو تساهل في أمرها"٢"، بل قد ثبت عن ابن عمر – ﵄ – أنه قال:"كل بدعة ضلالة، وإن
_________________
(١) صحيح رجاله ثقات رجال مسلم، عدا شيخ ابن وضاح، وهو ثقة إمام مترجم في سير النبلاء ١٢/١٠٨، والظاهر أن عبد الله بن خباب ومن معه كانوا يختارون بعض الآيات التي فيها سجدة تلاوة، فيقرأها أحدهم ثم يسجدون، ويبكون في سجودهم. وهذه طريقة محدثة ليس لها أصل في الشرع، وقد أنكرها غير واحد من الصحابة، وفي الباب آثار أخرى عن جماعة من الصحابة يطول الكلام بذكرها، تنظر في مراجع التخريج السابقة. "١" الاعتصام، الباب الثالث في أن ذم البدع والمحدثات عام ١/١٤٢. "٢" أما ما رواه البخاري "٢٠١٠" عن عمر – ﵁ - أنه قال لما جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح:"نعمت البدعة هذه". فالمراد بدعة لغة – كما سبق بيانه عند الكلام على التعريف اللغوي للبدعة – ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري في صلاة التراويح "٢٠١٢" عن عائشة - ﵂ - أن النبي ﷺ صلى بالناس التراويح ثلاث ليال ثم اجتمع الناس في الليلة الرابعة فلم يخرج عليهم ﷺ حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: " أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها "، فهل ما فعله النبي ﷺ يصح أن تسمى
[ ٤٨٤ ]
رآها الناس حسنة ""١".
فالبدع محرمة ومذمومة كلها"٢"، وخطرها كبير سواء منها ما هو شرك وكفر أم ما لم يصل منها إلى درجة الشرك والكفر.
_________________
(١) بدعة شرعية؟ فمراد عمر – ﵁ – كما قال الحافظ ابن رجب:"أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها"، إذن فهو بدعة في اللغة لا في الشرع، ثم إن ما فعله الخلفاء الراشدون مما لم يكن له مثال سابق لا يعتبر بدعة بالمعنى الشرعي، بل هو سنة لحديث: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين.." الحديث، ومثل فعل الخلفاء الراشدين أو قولهم ما جاء عن أحد من أصحاب النبي ﷺ عند من يرى أن قول الصحابي حجة، وبالأخص إذا كان في عصر الخلفاء الراشدين. وينظر: الاقتضاء ص٥٩١-٥٩٥، مجموع الفتاوى ٢١/٣١٧-٣١٩، جامع العلوم شرح الحديث ٢٨، تفسير ابن كثير، تفسير الآية ١١٧ من البقرة، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز، جمع الطيار ٢/٨٤٠، شرح شيخنا محمد بن عثيمين للواسطية "مطبوع ضمن مجموع فتاواه ٨/٦٤٢،٦٤٣"، رسالة حقيقة البدعة، الباب الثاني. "١" رواه المروزي في السنة رقم "٨٢" ص٢٩، وابن بطة في الإبانة ١/٣٣٩، رقم "٢٠٥"، واللالكائي ١/٩٢، رقم "١٢٦"، وإسناد المروزي وابن بطة حسن، وقد صححه الألباني في تحذير الساجد. "٢" ذكر الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي أن ما قيل فيه من البدع"مكروه"ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم، لعموم قوله ﷺ: "كل بدعة ضلالة" والضلالة ضد الهدى، ولأنه ليس في الشرع دليل يدل على ارتفاع الإثم عن فاعل أي بدعة، بل
[ ٤٨٥ ]
_________________
(١) ورد في الشرع ما يدل على خلاف ذلك، وهو حديث: " فمن رغب عن سنتي فليس مني "وهذه العبارة أشد شيء في الإنكار، مع أنهم إنما التزموا ترك بعض المباحات تعبدًا، وبعضهم التزم فعل بعض العبادات التي أصلها مشروع كالصلاة والصيام لكن على طريقة لم ترد في السنة. ثم ذكر الشاطبي ﵀ انقسام البدع إلى صغائر وكبائر، ثم ذكر إشكالًا في إطلاق لفظ"الصغيرة"على بعض البدع؛ لأن الابتداع راجع إلى الإخلال بالدين؛ لأنه مضادة للشارع ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه منصب المستدرك على الشريعة، لا منصب المكتفي بما حُد له، فهو إما قد أتى بتشريع زائد أو ناقص أو قد غير التشريع الصحيح، وهذا كله قدح في التشريع، وهذا لو قصده المسلم لكفر، فمن فعله بتأويل فاسد أو رأي غالط، أو ألحقه بالمشروع إذا لم نكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر. ثم ذكر ما ثبت عن الإمام مالك – ﵀ – من إنكاره التثويب على المؤذن – وهو أن ينادي بعد الأذان إذا أبطأ الناس للصلاة - فقال الإمام مالك: "التثويب ضلال، ومن أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينًا لم يكن اليوم دينًا. ثم ذكر قول الإمام مالك أيضًا للرجل الذي أراد أن يُحْرِمَ من مسجد النبي ﷺ " لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة " فقال الرجل: وأي فتنة في هذا؟ إنما هي أميال أزيدها. فقال الإمام مالك: "وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى
[ ٤٨٦ ]
_________________
(١) فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ، إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ "، ثم قال الشاطبي:"كأنه –أي الإمام مالك– يقول: يلزمك في هذا القول كذا". ثم ذكر الخلاف في لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ وذكر أن رأي المحققين أنه ليس بمذهب، ومال إلى ذلك، وذكر أنه على هذا تكون البدع كالمعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر، ثم ذكر أن البدعة إذا اجتمع فيها وصفان صح أن تسمى صغيرة، وهما: أن تكون جزئية، وأن تكون بتأويل يقرب مأخذه، ومثل لها بمسألة من نذر أن يصوم قائمًا وضاحيًا لا يستظل. وذكر أن الصغائر قد تتحول إلى كبائر إذا داوم عليها، أو دعا إليها، أو فعلها في مجتمعات الناس، أو استحقرها واستهان بها، فالاستهانة بالذنب أعظم من الذنب، ينظر: الاعتصام: الباب السادس ٢/٤٩-٧٢. وقال الشيخ أحمد الرومي الحنفي كما في المجالس الأربعة من مجالس الأبرار ص٣٧٢:"البدعة في الاعتقاد بعضها كفر، وبعضها ليس بكفر، لكنها أكبر من كل كبيرة حتى القتل والزنى، وليس فوقها إلا الكفر، والبدعة في العبادة وإن كانت دونها لكن فعلها عصيان وضلال، لا سيما إذا صادمت سنة مؤكدة". وقال الشيخ محمد بن عبد السلام الشقيري المصري في السنن والمبتدعات ص١٧:"وقد ذهب كثير من محققي العلماء إلى أن كل بدعة في الدين صغيرة كانت أو كبيرة فهي محرمة، واستدلوا لذلك بالأحاديث التي جاءت في ذم البدع بصيغ العموم". وينظر أيضًا الاعتصام: الباب الثاني ١/٤٦-٥٣، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز
[ ٤٨٧ ]
وما كان من البدع دون الشرك والكفر فهو من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك والكفر"١"، فإذا فتح المسلم لنفسه باب الابتداع في الدين، أو استحسن شيئًا من البدع فلن يقف في غالب الأحوال"٢" هو أو من يقلده عند حد حتى يقع في الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر.
_________________
(١) "جمع الطيار" ص٨٣٨،٨٣٩، حقيقة البدعة: الباب الثالث، منهج الإمام مالك في إثبات العقيدة: الفصل الثاني. وسيأتي الكلام على البدع الجزئية والمركبة قريبًا إن شاء الله تعالى. "١" ذكر الحافظ ابن القيم الحنبلي في بدائع الفوائد ٢/٢٦٠ أن البدعة هي باب الكفر والشرك وقال الشيخ محمد بن عثيمين في القول المفيد، باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم الغلو في الصالحين ١/٣٨٤:"نقل عن السلف أن البدع سبب الكفر، قال أهل العلم: إن الكفر له أسباب متعددة، وذكروا من أسبابه: البدعة، واستدلوا بقوله ﷺ: " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ". انتهى كلامه مختصرًا. وذكر الإمام الشاطبي المالكي في الاعتصام ١/١٠٦-١٣٣ عشرين عقوبة أو وصفًا محذورًا أو معنى مذمومًا يقع فيها المبتدع وتحصل له بارتكابه للبدعة، وذكر منها: أنه يخاف عليه أن يكون معدودًا في الكفار الخارجين من الملة؛ لاختلاف السلف في تكفير كثير من المبتدعة، وذكر منها أيضًا: أنه يخشى عليه من سوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء ص٦١١،٦١٢ بعض أضرار ومفاسد البدع. "٢" وبالأخص عند وقوعه في البدع الكلية والبدع المركبة.
[ ٤٨٨ ]
والبدع كثيرة، وقد سبق ذكر كثير منها "١"، وسأذكر بشيء من التفصيل ثلاثًا من أخطر البدع العملية، وأكثرها وقوعًا والتي لا تصل إلى حد الشرك الأكبر، ولكن أدى ابتداعها والتساهل بها إلى الوقوع فيه فيما يلي:
_________________
(١) والبدع الكلية هي التي تعتبر كالقاعدة أو الأصل لبدع أخرى تنبني عليها، كبدعة الشيعة "الرافضة" في قولهم بعصمة الأئمة، فقد ترتب عليها بدع كثيرة، كاعتقادهم أن الأئمة أفضل من الرسل، وكاعتقادهم الصواب المطلق في أقوالهم، وكتقديمهم لأقوالهم على القرآن والسنة، وكاعتقادهم خروج مهديهم المزعوم من السرداب وغير ذلك من الضلالات. ومثلها بدعة الخوارج في قولهم: لا حكم إلا لله. فالبدع الكلية لا تختص بفرع من فروع الشريعة، بل تنتظم ما لا يحصى من الفروع، والغالب أن البدع الكلية من البدع الكفرية. والبدعة المركبة: هي التي تنتظم بدعًا كثيرة وتحتوي عدة محدثات انضمت إلى بعضها حتى أصبحت كأنها بدعة واحدة، ومن أمثلتها: بدعة المولد، فهي تضم عدة بدع، منها تخصيص ليلة معينة، وتخصيص ذكر معين، وهيئة معينة بلا دليل، ومنها إحداث أوراد وأشعار مبتدعة تحوي كثيرًا من الأكاذيب والضلالات. ما البدعة الجزئية والبسيطة فهي في الغالب لا تتجاوز ذاتها. والبدعة الجزئية هي التي يكون الخلل الواقع بسببها في فرع من الفروع فقط، ومثالها: بدعة التثويب بالصلاة، وبدعة الأذان والإقامة في العيدين. والبدعة البسيطة: هي عكس البدعة المركبة، وهي تشبه البدعة الجزئية، ينظر: الاعتصام ٢/٥٩- ٦٤، حقيقة البدعة ٢/٣٤،٣٥. "١" ومن ذلك التبرك الممنوع، والغلو في الصالحين وغير ذلك.
[ ٤٨٩ ]
البدعة الأولى: التوسل البدعي
التوسل في اللغة: هو التقرب إلى الشيء بالشيء. ومنه أن يتقرب شخص إلى شخص بعمل معين، أو بهدية معينة، أو بقرابة أو غيرها ليحصل له ما يريد منه"١".
والتوسل في الاصطلاح له تعريفان:
الأول: تعريف عام: وهو التقرب إلى الله تعالى بفعل المأمورات وترك المحرمات"٢".
الثاني: تعريف خاص بباب الدعاء: وهو أن يذكر الداعي في دعائه ما يرجو أن يكون سببًا في قبول دعائه، أو أن يطلب من عبد صالح أن يدعو له.
_________________
(١) "١" ينظر: الصحاح ولسان العرب، مادة "وسل". وينظر: جهود الحنفية ص١٤٤٠-١٤٤٥، والشرك للميلي الجزائري ص١٩٩، ٢٠٠ فقد توسعا في نقل أقوال أهل اللغة. "٢" فالعبد يتقرب إلى ربه بذلك ليتوصل به إلى رضوانه تعالى والفوز بالجنة والنجاة من النار، وينظر: رسالة التوسل والوسيلة "مجموع الفتاوى ١/١٤٢،١٤٣،١٥٣، ١٩٩-٢٠٢، ٢٤٧"، الاقتضاء ص٧٨٧-٧٩٢، تفسير الآية ٣٥ من سورة المائدة في تفسيري ابن كثير والشنقيطي، الشرك ومظاهره للميلي ص٢٠٠-٢٠٢، صيانة الإنسان للسهسواني ص١٩٤، ٢٠١-٢٠٣، جهود علماء الحنفية ص١٤٤٧،١٤٤٨،١٤٥٩،١٤٦٠، فتاوى ابن عثيمين ٥/٢٧٩، الدعاء للعروسي ص٦٢٨، ٦٢٩.
[ ٤٩٠ ]
والتوسل في أصله ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التوسل المشروع:
وهذا القسم يشمل أنواعًا كثيرة، يمكن إجمالها فيما يلي:
١- التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [سورة الأعراف:١٨٠] .
وذلك بأن يدعو الله تعالى بأسمائه كلها، كأن يقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى أن تغفر لي"١"، أو أن يدعو الله تعالى باسم معين من أسمائه تعالى يناسب ما يدعو به، كأن يقول: اللهم يا رحمن ارحمني، أو أن يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم أن ترحمني"٢".
_________________
(١) "١" ومن ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك الخ"رواه الإمام أحمد "٣٧١٢"، وابن حبان "٩٧٢" بإسناد حسن، وقد صححه الألباني في الصحيحة "١٩٩". "٢" ومن أهم ما يتوسل به اسم الله الأعظم، وهو"الله"أو"الحي"أو"القيوم"، وإن جمع بينها فهو أولى، فيقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الحي القيوم أن ترحمني. وينظر: مشكل الآثار ١/١٦٠-١٦٥، مجموع الفتاوى ١٨/٣١١، صحيح سنن الترمذي "١٤٩٣-١٤٩٦"، الدر المنظم في الاسم الأعظم للسيوطي "الحاوي ١/٣٩٤"، تحفة الذاكرين ص٦٨.
[ ٤٩١ ]
أو أن يدعو الله تعالى بجميع صفاته، كأن يقول:"اللهم إني أسألك بصفاتك العليا أن ترزقني رزقًا حلالًا"أو أن يدعوه بصفة واحدة من صفاته تعالى تناسب ما يدعو به، كأن يقول:"اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ""١"، أو يقول مثلًا: "اللهم انصرنا على القوم الكافرين إنك قوي عزيز" "٢".
٢- الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبيه محمد ﷺ في بداية الدعاء"٣"، لما ثبت عن فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ أنه سمع رجلًا يدعو
_________________
(١) "١" روى الترمذي "٣٥١٣"، وابن ماجه "٣٨٥٠"، وأحمد ٦/١٧١، وابن السني "٧٦٧" عن عائشة قالت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ فقال ﷺ:"قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني "، وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيحين، وصححه النووي في الأذكار "٥٥٧". "٢" ومن ذلك دعاء الاستخارة الثابت في صحيح البخاري "١١٦٢"، وفيه: " اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر، ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال: عاجل أمري وآجله – فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه ". ومن ذلك أيضًا الاستعاذة بكلمات الله تعالى، والاستعاذة بعزته تعالى، ففي كل منهما توسل بصفة من صفات الله تعالى. ينظر فتاوى ابن عثيمين "٥/٢٨١". "٣" قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ١/٣٤٧:"والذين يتوسلون بذاته
[ ٤٩٢ ]
في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على نبيه ﷺ، فقال:"عجل هذا"، ثم دعاه فقال له: " إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ، ثم ليدع بما شاء "، قال: وسمع رسول الله ﷺ رجلًا يصلي فمجَّد الله وحمده، وصلى على نبيه محمد ﷺ، فقال ﵊:" ادع تجب، وسل تعط " "١".
ومن ذلك أن يثني على الله تعالى بكلمة التوحيد"لا إله إلا الله"، التي هي أعظم الثناء على الله تعالى، كما توسل بها يونس ﵇ في بطن الحوت"٢"، ثم يصلي على النبي ﷺ، فيقول في توسله مثلًا:"لا إله
_________________
(١) لقبول الدعاء عدلوا عما أمروا به وشرع لهم، وهو أنفع الأمور لهم إلى ما ليس كذلك، فإن الصلاة عليه من أعظم الوسائل التي بها يستجاب الدعاء، وقد أمر الله بها، والصلاة عليه في الدعاء هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والإجماع". وينظر: صيانة الإنسان ص٢٠٦، وقال الإمام النووي في الأذكار: كتاب الصلاة على النبي ﷺ، الباب الثالث ص٩٩:"أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله ﷺ، وكذلك تختم الدعاء بهما". وينظر: تصحيح الدعاء ص٦٧. "١" رواه الإمام أحمد "٢٣٩٣٧"، وأبو داود "١٤٨١"، والترمذي "٣٤٧٦ و٣٤٧٧"، والنسائي ٣/٤٤،٤٥، وابن حبان "١٩٦٠" بإسناد حسن، وزيادة: "قال: وسمع " عند النسائي وحده، وروى بعضها الترمذي. "٢" روى الإمام أحمد ١/١٧٠ عن سعد مرفوعًا: " دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت
[ ٤٩٣ ]
إلا الله، اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي".
ومن ذلك سورة الفاتحة، فشطرها الأول ثناء على الله تعالى، وآخرها دعاء"١".
٣- التوسل إلى الله تعالى بذكر وعده جل وعلا، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [سورة آل عمران: ١٩٤]، ومنه أن يقول الداعي: اللهم إنك وعدت من دعاك بالإجابة، فاستجب دعائي.
٤- التوسل إلى الله تعالى بأفعاله جل وعلا، كأن يقول: اللهم يا من
_________________
(١) لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له". وإسناده حسن، وقد صححه الألباني في الصحيحة "١٧٤٤". "١" روى مسلم في صحيحه "٣٩٥" عن رسول الله ﷺ قال:" قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجدني عبدي، " "وقال مرة: فوض إلي عبدي "، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". وينظر: التوصل إلى حقيقة التوسل ص٦٠-٦٤.
[ ٤٩٤ ]
نصرت محمدًا ﷺ يوم بدر انصرنا على القوم الكافرين"١".
٥ - أن يتوسل العبد إلى الله تعالى بعباداته القلبية، أو الفعلية، أو القولية، أو غيرها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [سورة المؤمنون: ١٠٩]، وكما في قصة الثلاثة أصحاب الغار، فأحدهم توسل إلى الله تعالى ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله تعالى بإعطاء الأجير أجره كاملًا بعد تنميته له، والثالث توسل إلى الله تعالى بتركه الفاحشة، وقال كل واحد منهم في آخر دعائه:" اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ""٢".
ومن ذلك أن يقول الداعي: اللهم إني أسألك بمحبتي لك ولنبيك محمد ﷺ ولجميع رسلك وأوليائك أن تنجيني من النار، أو يقول: اللهم إني صمت رمضان ابتغاء وجهك فارزقني السعادة في الدنيا والآخرة.
٦- أن يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله، وأنه محتاج إلى رحمة الله وعونه، كما في دعاء موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ
_________________
(١) "١" ومن ذلك الدعاء الوارد في التحيات: " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم "، والكاف هنا للتعليل، فأنت تسأل الله تعالى الذي من على إبراهيم ﵇ وآله بالصلاة، أن يمن على محمد ﷺ وآله بالصلاة أيضًا. ينظر: فتاوى ابن عثيمين ٥/٢٨١. "٢" سبق تخريجه عند الكلام على تعريف العبادة وبيان شمولها في الباب الأول.
[ ٤٩٥ ]
خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [سورة القصص: ٢٤]، فهو ﵇ توسل إلى ربه جل وعلا باحتياجه للخير أن ينزل عليه خيرًا.
ومن ذلك قول الداعي: اللهم إني ضعيف لا أتحمل عذاب القبر ولا عذاب جهنم فأنجني منهما، أو يقول: اللهم إني قد آلمني المرض فاشفني منه.
ويدخل في هذا الاعتراف بالذنب وإظهار الحاجة لرحمة الله ومغفرته، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] .
٧- التوسل بدعاء الصالحين رجاء أن يستجيب الله دعاءهم. وذلك بأن يطلب من مسلم حي حاضر أن يدعو له.
كما في قول أبناء يعقوب ﵈ له: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [سورة يوسف: ٩٧]، وكما في قصة الأعرابي الذي طلب من النبي ﷺ أن يدعو بنزول المطر، فدعا ﷺ"١"، وكما في قصة المرأة التي طلبت منه ﵊ أن يدعو الله لها بأن لا تتكشف"٢"، وكما طلب عمر – ومعه الصحابة – في عهد عمر من
_________________
(١) "١" رواه البخاري في الاستسقاء "١٠١٣"، ومسلم في الاستسقاء "٨٩٧". "٢" رواه البخاري في المرض "٥٦٥٢"، ومسلم في البر "٢٥٧٦".
[ ٤٩٦ ]
العباس أن يستسقي لهم، أي أن يدعو الله أن يغيثهم بنزول المطر"١".
فهذه التوسلات كلها صحيحة؛ لأنه قد ثبت في النصوص ما يدل على مشروعيتها، وأجمع أهل العلم على ذلك"٢".
القسم الثاني: التوسل الممنوع
لما كان التوسل جزءًا من الدعاء، والدعاء عبادة من العبادات، كما ثبت في الحديث: " الدعاء هو العبادة ""٣"، وقد وردت النصوص الصحيحة
_________________
(١) "١" رواه البخاري في الاستسقاء "١٠١٠"، ولفظه: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، قال: فيسقون. وسيأتي شرح هذا الحديث بشيء من التفصيل عند الكلام على التوسل الممنوع. "٢" ينظر: رسالة التوسل والوسيلة "مجموع الفتاوى ١/٢٨٨، ٣٠٩-٣١٨،٣٢٦-٣٢٩، وينظر أيضًا: مجموع الفتاوى ٢٧/١٣١-١٣٣، الاقتضاء ص٧٨١-٧٨٧، ٧٩٣-٧٩٦، الاختيارات ص٨٤، الأذكار للنووي، كتاب جامع الدعوات، جلاء الأفهام، الباب الثالث ص٧٠،٧١، جهود علماء الحنفية ص١٤٥٩-١٤٦٣، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع د. الطيار ص٩٤٧-٩٥٢"، مجموع فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٥/٢٨٠-٢٨٧، الدعاء للعروسي السوداني ص٦٣١-٦٣٥، منهج الإمام مالك في بيان العقيدة ص٣١٧-٣٢٣، الشرك ومظاهره للميلي الجزائري ص٢٠٢-٢٠٥، التوسل للألباني ص٣١-٥٤، التوصل إلى حقيقة التوسل للرفاعي الحلبي ص٢٣-١٨٠. "٣" سبق تخريجه في الباب السابق عند الكلام على الشرك في دعاء المسألة.
[ ٤٩٧ ]
الصريحة"١" بتحريم إحداث عبادة لم ترد في النصوص الشرعية، فإن كل توسل لم يرد في النصوص ما يدل على مشروعيته فهو توسل بدعي محرم، ومن أمثلة هذه التوسلات المحرمة:
١- أن يتوسل إلى الله تعالى بذات نبي أو عبد صالح، أو الكعبة، أو غيرها من الأشياء الفاضلة، كأن يقول:"اللهم إني أسألك بذات أبينا آدم ﵇ أن ترحمني".
٢- أن يتوسل بحق نبي أو عبد صالح أو الكعبة أو غيرها.
٣- أن يتوسل بجاه نبي أو عبد صالح أو بركته أو حرمته أو بحق قبره ونحو ذلك.
فلا يجوز للمسلم أن يدعو الله تعالى بشيء من هذه التوسلات، ولذلك لم يثبت في رواية صحيحة صريحة أن أحدًا من الصحابة أو التابعين توسل إلى الله تعالى بشيء منها، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وقد نقلت عنهم أدعية كثيرة جدًا، وليس فيها شيء من هذه التوسلات، وهذا إجماع من أصحاب النبي ﷺ والتابعين على عدم مشروعية جميع هذه التوسلات"٢".
_________________
(١) "١" سبق ذكر هذه النصوص في بداية هذا الفصل. "٢" وقد حكى إجماع الصحابة والتابعين على ترك هذه التوسلات جمع من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية "مجموع الفتاوى ١/٢٠٢و٢٧/٨٣،٨٥،١٣٣"، الاستغاثة
[ ٤٩٨ ]
_________________
(١) ٣٣٦،٣٦٣،٥٣٧. ونقل ابن القيم في إغاثة اللهفان ١/٢١٨ عن شيخه شيخ الإسلام أنه قال عند ذكره للبدع التي تفعل عند القبر:"المرتبة الثانية: أن يسأل الله تعالى به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة باتفاق المسلمين". وقال الشيخ محمد الشقيري المصري في القول الجلي في حكم التوسل بالنبي والولي ص٥٥:"التوسل بحق النبي أو الولي أو بجاهه أو بركته، أو بحق قبره أو قبته، وهذا مذموم منهي عنه بلا نزاع". وقال محدث الشام محمد ناصر الدين الألباني في رسالة "التوسل" ص٧٤،٧٥ بعد ذكره ما صح عن عمر والصحابة من التوسل بدعاء العباس وما صح عن معاوية وأهل الشام من التوسل بدعاء يزيد بن الأسود وهو من التابعين، قال:"إن جريان عمل الصحابة على ترك التوسل بذاته ﷺ عند نزول الشدائد بهم – بعد أن كانوا لا يتوسلون بغيره ﷺ في حياته – لهو من أكبر الأدلة الواضحة على أن التوسل بذاته ﷺ غير مشروع، وإلا لنقل ذلك عنهم من طرق كثيرة في حوادث متعددة، ألا ترى إلى هؤلاء المخالفين كيف يلهجون بالتوسل بذاته ﷺ لأدنى مناسبة لظنهم أنه مشروع، فلو كان الأمر كذلك لنقل مثله عن الصحابة، مع العلم أنهم أشد تعظيمًا ومحبة له ﷺ من هؤلاء، فكيف ولم ينقل عنهم ذلك ولا مرة واحدة، بل صح عنهم الرغبة عنه إلى التوسل بالصالحين". وينظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي سيأتي عند الكلام على رد الاستدلال بالاستسقاء بالعباس على التوسل الممنوع، وما ذكر من أن فعل عمر ومعه الصحابة يدل
[ ٤٩٩ ]
وهذا لا يدل على نقص مكانة أو جاه أحد من الأنبياء أو الصالحين بوجه من الوجوه، ومن ظن ذلك فقد وهم، فمكانة الأنبياء والصالحين كبيرة، وجاههم عظيم، ولكن جاههم منزلة لهم، خاصة بهم، وهم يشفعون في حياتهم في الدنيا وفي الآخرة لمن شاءوا"١" وليس هناك ما يدل
_________________
(١) على إجماعهم على تحريم التوسل بالذات أو الحق أو الجاه ونحوها. وقد ذكر الشيخ جيلان العروسي السوداني ما يقرب من خمسة عشر دليلًا لتحريم هذا التوسل البدعي في كتاب الدعاء ص٦٣٦-٦٤٧. وقد نص على تحريم هذه التوسلات أو بعضها جم غفير من فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة، وغيرهم، وفي مقدمتهم أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف. ينظر على سبيل المثال لا الحصر كتاب بداية المبتدي مع شرحه الهداية ومع شرحهما البناية في الفقه الحنفي: كتاب الكراهية ١١/٢٧٧-٢٨١، صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان للسهسواني الهندي ص١٨٧-٢٠٦، ٢٧٣،٢٧٤، الشرك ومظاهره للميلي الجزائري ص٢١٣، جلاء العينين للألوسي الحنفي ص٤٥٢، نقلًا عن جهود علماء الحنفية ص١٤٨٥، فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز، جمع الطيار ص٩٤٦، التوصل إلى حقيقة التوسل للرفاعي الحلبي ص١٨٦، جهود علماء الحنفية ص١١٢٣ وما بعدها، وينظر كلام ابن أبي العز الحنفي الذي سيأتي نقله قريبًا. "١" قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٧/١٣٣،١٣٤:"التوسل إلى الله بالنبيين هو التوسل بالإيمان بهم وبطاعتهم، كالصلاة والسلام عليهم، ومحبتهم وموالاتهم، أو بدعائهم وشفاعتهم، وأما نفس ذواتهم فليس فيها ما يقتضي حصول مطلوب العبد وإن كان لهم عند الله الجاه العظيم والمنزلة العالية، بسبب إكرام الله لهم
[ ٥٠٠ ]
على أن لغيرهم أن يتوسل إلى الله بذواتهم أو بجاههم"١"، وكذلك لا يجوز لأحد أن يقسم على الله في دعائه بأحد من خلقه؛ لأن القسم بغير الله لا
_________________
(١) وإحسانه إليهم وفضله عليهم وليس في ذلك ما يقتضي إجابة دعاء غيرهم، إلا أن يكون بسبب منه إليهم، كالإيمان بهم والطاعة لهم، أو بسبب منهم إليه، كدعائهم له وشفاعتهم فيه، فهذان الشيئان يتوسل بهما، وأما الإقسام بالمخلوق فلا، وما يذكره بعض العامة من قوله: " إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم ". حديث كذب موضوع". "١" قال شيخ الإسلام في التوسل والوسيلة "مجموع الفتاوى ١/١٤٣":"وهو ﷺ شفيع الخلائق، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدرًا وأعلاهم جاهًا عند الله، وقد قال تعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ وقال عن المسيح: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ومحمد ﷺ أعظم جاهًا من جميع الأنبياء والمرسلين؛ لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه، كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ﵎ بدعائه وشفاعته ﵌ تسليمًا. ولفظ "التوسل" في عرف الصحابة كانوا يستعملونه في هذا المعنى". وقال شيخ الإسلام أيضًا في الاقتضاء ص٧٨٦:"وأما إذا سُئل بشيء ليس سببًا للمطلوب: فإما أن يكون إقسامًا عليه به، فلا يقسم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالًا بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم الفائدة، فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق لهم وبكلماته التامة، ورحمته لهم أن ينعمهم ولا يعذبهم، وهم وجهاء
[ ٥٠١ ]
يجوز أصلًا"١"، فكيف بمن يقسم به على الله تعالى"٢"، وأيضًا لا يجوز لأحد أن يسأل الله بحق فلان؛ لأن الحق لله على العباد، وليس للعباد حق على الله تعالى إلا ما أوجبه تعالى على نفسه من نصرة المؤمنين ومن عدم تعذيبه للمخلصين، وإثابته لهم واستجابته لدعائهم"٣"، وإنما يجوز أن يتوسل إلى الله
_________________
(١) عنده، يقبل من شفاعتهم ودعائهم ما لا يقبله من دعاء غيرهم. فإذا قال الداعي: أسألك بحق فلان، وفلان لم يدع له، وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص ومحبته وطاعته، بل بنفس ذاته، وما جعله له ربه من الكرامة لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب". وينظر: الدرر السنية ٢/٢٣٨، ٢٣٩، التوسل للألباني"دفع توهم"ص٨٤-٨٧. "١" سيأتي الكلام على حكم الحلف بغير الله مفصلًا في الباب الثالث إن شاء الله تعالى. "٢" ينظر: التعليق الآتي، ومثال القسم بالمخلوق في الدعاء أن يقول:"أقسم بفلان عليك يا رب أن تغفر لي"أو يقول:"أسألك بفلان أن ترحمني"إذا كانت الباء للقسم، أما إن كانت للسببية فهو توسل بالذات، ينظر: مجموع الفتاوى ١/٢٠٥، ٢٠٦، ٢٣٩-٢٤٥، الشرك ومظاهره للميلي ص٢١١. "٣" قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية ص٢٩٤-٢٩٧:"وأما الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره في الدنيا إلى الله تعالى في الدعاء، ففيه تفصيل: فإن الداعي تارة يقول: بحق نبيك، أو بحق فلان، يقسم على الله بأحد من مخلوقاته، فهذا محذور من وجهين: أحدهما: أنه أقسم بغير الله. والثاني: اعتقاده أن لأحد على الله حقًا. ولا يجوز الحلف بغير الله، وليس لأحد على الله حق إلا ما أحقه على نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم:٤٧] . وكذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ لمعاذ - ﵁ -: " أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: الله ورسوله
[ ٥٠٢ ]
تعالى بمحبته للأنبياء والأولياء والصالحين، ونحو ذلك من التوسلات الجائزة التي سبق ذكرها.
_________________
(١) أعلم. قال: " حقهم عليه أن لا يعذبهم "، فهذا حق وجب بكلماته التامة، ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئًا، كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يقسم به، ولا أن يُسأل بسببه، ويتوسل به، لأن السبب هو ما نصبه الله سببًا، فكأنه يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي، وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة الأعراف:٥٥]، وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن أحد من الأئمة ﵃، وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتبها الجهال والطرقية. والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على السنة والاتباع، لا على الهوى والابتداع، وإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان، فذلك محذور أيضًا؛ لأن الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز، فكيف على الخالق؟ وقد قال ﷺ: " من حلف بغير الله فقد أشرك "، ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه - ﵃ -: يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، والمشعر الحرام، ونحو ذلك". انتهى كلامه ﵀. وينظر: الاقتضاء ص٧٨٥،٧٨٦، الصواعق المرسلة الشهابية ص١٥٥-٢٨٠، تصحيح الدعاء ص٢٥٧-٢٥٩، وينظر كلام البركوي الحنفي الذي سيتم نقله إن شاء الله تعالى في نهاية الكلام على هذه البدعة "التوسل البدعي".
[ ٥٠٣ ]
وليس للذين أجازوا التوسلات البدعية دليل صحيح يعتمد عليه، وقد احتجوا ببعض الأحاديث والآثار التي فيها الحث على التوسل بجاه النبي ﷺ أو بجاه غيره من الأنبياء، ولكنها كلها موضوعة أو واهية"١"، لا يعتمد عليها، كما احتجوا بحديث أبي سعيد، والذي فيه التوسل إلى الله تعالى بحق السائلين، وبحق المشي إلى المسجد"٢"، وهو حديث ضعيف، وعلى
_________________
(١) "١" ومن ذلك حديث: " إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم " وهو حديث موضوع لم يرد في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها في رواية الحديث، وأحاديث أخرى وآثار واهية أو موضوعة. ينظر: مجموع الفتاوى ١/٢٥٢-٢٦٤، ٢٨٧،٣١٩، الاقتضاء ص٧٩٢، الشرك ومظاهره للميلي الجزائري ص٢٠٨-٢١٦، التوسل للألباني ص١٠٨-١٤٤، التوصل إلى حقيقة التوسل ص٢٤٦-٣٣١، الدعاء للعروسي السوداني، الباب الرابع الفصل الثاني. "٢" رواه الإمام أحمد ٣/٢١، وابن ماجه "٧٧٨"، وابن السني "٨٥" وغيرهم، كلهم من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد. وإسناده ضعيف، قال في التقريب عن عطية: "صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا"، وكان يدلس تدليس الشيوخ، فيقول:"عن أبي سعيد"ليوهم الناس أنه سمعه من أبي سعيد الخدري، وهو إنما سمعه من الكلبي المتهم بالكذب، ينظر: تهذيب التهذيب ٧/٢٢٥،٢٢٦. ولم يصرح عطية بالتحديث إلا في رواية موقوفة، والراوي عنه فضيل بن مرزوق، وهو صدوق يهم، وقد شك في بعض الروايات في رفع الحديث، وهذا كله يوهن هذا الإسناد. وقد ضعف هذا الحديث النووي في الأذكار "٨٥"، والألباني في الضعيفة "٢٤".
[ ٥٠٤ ]
فرض صحته فإن حق السائلين هو الإجابة من الله تعالى"١"، وحق المشي إلى المسجد هو الإثابة من الله تعالى"٢"، والإجابة والإثابة صفتان من صفات الله تعالى، "٣" والتوسل إلى الله بصفاته من التوسل المشروع كما سبق بيانه.
كما احتجوا ببعض الأحاديث الصحيحة، ولكنها غير صريحة فيما ذهبوا إليه من جواز التوسل الممنوع"٤".
_________________
(١) وله شاهد لا يفرح به من حديث بلال، رواه ابن السني "٨٤"، وإسناده ضعيف جدًا، قال النووي في الأذكار "٨٤":"أحد رواته الوازع بن نافع، وهو متفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث". "١" كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر: ٦٠]، فهو حق وعد الله تعالى به عباده. وينظر: مجموع الفتاوى ١/٣٤١. "٢" وهذا مقتضى عدله جل وعلا، وقد وعد ﷾ من عبده وأخلص في عبادته أن لا يعذبه، كما في حديث معاذ في صحيح البخاري "٥٩٦٧"، وصحيح مسلم "٣٠"، وسبق ذكر لفظه قريبًا ضمن كلام ابن أبي العز الحنفي. "٣" ينظر: مجموع الفتاوى ١/٢٠٩، ٢٨٨، ٣٣٩، ٣٤١، و٢٧/٨٤، الاقتضاء ص٧٩٦، ٧٩٧، صيانة الإنسان للسهسواني الهندي ص١٩٥، الشرك للميلي الجزائري ص٢٠٦،٢٠٧، التوسل للألباني ص١٠٩. "٤" ومن ذلك حديث عثمان بن حنيف - ﵁ - أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال:" إن شئت صبرت وهو خير لك، وإن شئت دعوت "، فقال: ادعه. فأمره النبي ﷺ أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين، ويدعو
[ ٥٠٥ ]
_________________
(١) بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في وشفعني فيه. رواه الإمام أحمد ٤/١٣٨، والترمذي "٣٥٧٨"، وابن ماجه "١٣٨٥"، والطبراني في الدعاء "١٠٥١" وغيرهم، وقد اختلف أهل العلم في تصحيحه، وقد توسعت في تخريجه في كتاب"أوقات النهي"ص٢٤٦،٢٤٧. ورواه الطبراني في الكبير "٨٣١١"، وفي الصغير ١/١٨٣، وابن السني "٦٢٨" من طريق آخر، وفي أوله قصة لرجل مع عثمان بن عفان وعثمان بن حنيف. وإسناد هذه الرواية ضعيف. وقد توسع في الكلام عليها محدث الشام محمد ناصر الدين الألباني في رسالة التوسل ص٩٢-٩٩، والشيخ محمد نسيب الرفاعي الحلبي في التوصل ص٢٤١-٢٤٥، وبيّنا علل هذه الرواية وعلى القول بصحة الرواية الأولى لهذا الحديث فإنه لا دلالة فيه على التوسل الممنوع، لأمور أهمها:
(٢) أن النبي ﷺ وعده أن يدعو له – أي يشفع له عند الله تعالى – والنبي ﷺ لا يخلف وعده.
(٣) أن في الدعاء الذي علم النبي ﷺ الأعمى أن يدعو به: "اللهم فشفعه في " أي شفع نبيك محمدًا ﷺ فيّ، والشفاعة عند الله هي الدعاء، فيكون المعنى: اقبل دعاءه فيّ أن ترد عليّ بصري.
(٤) أن في هذا الدعاء أيضًا قوله: " وشفعني فيه " أي اقبل دعائي في أن تقبل دعاء النبي ﷺ لي. وهذه الأمور الثلاثة تدل على أن الأعمى إنما توسل إلى الله تعالى بدعاء النبي ﷺ،
[ ٥٠٦ ]
بل إن أصح الأحاديث التي احتجوا بها يدل على تحريم هذا النوع من التوسل، وهو توسل عمر والصحابة بالعباس ﵃"١".
_________________
(١) وأنه لم يتوسل إليه لا بذاته ولا بحقه ولا بجاهه ﷺ. قال علامة الجزائر الشيخ مبارك الميلي في الشرك ص٢٠٥ عند كلامه على هذا الحديث:"والتوجه بالنبي ﷺ معناه التوجه بدعائه، دل على هذا المحذوف اختيار الأعمى لدعاء الرسول ﷺ بعد تخييره له بينه وبين الصبر، وأمره للأعمى بالدعاء بعد دعائه ﷺ، نظير ما أخرجه مسلم وغيره من قوله ﷺ لمن سأله مرافقته في الجنة: " أعنّي على نفسك بكثرة السجود ". فنصح لهم بعبادتي: الصلاة والدعاء، لمناسبتهما للمطلوب". وينظر أيضًا: التوسل والوسيلة "مجموع الفتاوى ١/٢٦٥-٢٨٥،٣٢٣-٣٢٦"، الاقتضاء ص٧٩٢، السنن والمبتدعات للشقيري المصري: صلاة الحاجة ص١٢٥،١٢٦، صيانة الإنسان للسهسواني الهندي ص١٩٥، التوسل للألباني ص٧٥-٨٣، التوصل للرفاعي الحلبي ص٢٣٦-٢٤٠. "١" سبق تخريج هذا الحديث وذكر لفظه عند ذكر التوسل المشروع. وهذا الحديث يدل على عدم مشروعية هذا التوسل، لأنه لو كان جائزًا لما عدل عمر عن التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلمإلى جاه العباس ﵁؛ لأن جاه النبي ﷺ أعظم؛ ولأن جاهه ﷺ لا ينقص بعد موته، وقد نص عمر في دعائه على العدول عن التوسل بالفاضل إلى المفضول، فدل قطعًا على أن التوسل بالفاضل– وهو النبي ﷺ– بعد وفاته غير ممكن، لا بدعائه، لوفاته ﷺ، ولا بذاته أو حقه أو جاهه، لتحريمها، ومن ظن أن جاه النبي ﷺ ومكانته وقدره قد نقص بعد وفاته ﷺ، وأن عمر والصحابة إنما عدلوا إلى العباس من أجل ذلك، فقد أخطأ خطأ فاحشًا، يجب عليه أن يتوب منه.
[ ٥٠٧ ]
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في التوسل والوسيلة "مجموع الفتاوى ١/٢٨٤،٢٨٥" بعد ذكره لدعاء عمر المذكور في هذا الحديث والذي أقره عليه المهاجرون والأنصار، قال:"وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، ولم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته لما استسقى بالناس، فلو كان توسلهم بالنبي ﷺ بعد مماته كتوسلهم به في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونعدل عن التوسل بالنبي ﷺ الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به، لا بذاته". وقال ابن أبي العز الحنفي عند ذكره لأنواع التوسل في شرح الطحاوية ص٢٩٨: "وتارة يقول: بجاه فلان عندك، أو يقول: نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك، ومراده: لأن فلانًا عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة، فأجب دعاءنا، وهذا أيضًا محذور، فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم، وهم يؤمنون على دعائه، كما في الاستسقاء وغيره، فلما مات ﷺ، قال عمر – ﵁ – لما خرجوا يستسقون-: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. معناه بدعائه هو ربه وشفاعته وسؤاله، ليس المراد أنا نقسم عليك به، أو نسألك بجاهه عندك، إذ لو كان ذلك مرادًا لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاه العباس".
[ ٥٠٨ ]
ولما أعرض كثير من المسلمين عن التوسلات الشرعية التي سنها النبي ﷺ
_________________
(١) وقال السهسواني الهندي في صيانة الإنسان ص٢١٣:"ولم يرد في حديث ضعيف، فضلًا عن الحسن أو الصحيح أن الناس طلبوا السقيا من الله في حياته - أي في حياة النبي ﷺ - متوسلين به ﷺ من غير أن يفعل ﷺ ما يفعل في الاستسقاء المشروع من طلب السقيا والدعاء والصلاة وغيرهما مما ثبت بالأحاديث الصحيحة، ومن يدعي وروده فعليه الإثبات» . ومما يدل على أن الصحابة في توسلهم بالنبي ﷺ الذي أشار إليه عمر في هذه الرواية إنما هو التوسل بدعائه ﷺ: رواية الإسماعيلي في مستخرجه على الصحيح لهذا الحديث، ولفظها:"كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا به، فيستسقي لهم، فيسقون، فلما كان في إمارة عمر "فقوله في هذه الرواية:"فيستسقي لهم"صريح في أنه ﷺ كان يدعو لهم، فالاستسقاء هو الدعاء بأن يسقيهم الله تعالى. ومما يدل أيضًا على أنهم إنما توسلوا بدعاء العباس - ﵁ - أنه قد روى الزبير بن بكار صفة استسقاء العباس ﵁ لما طلب منه عمر ذلك، وهو أن العباس – ﵁ – قال:"اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث". ينظر: فتح الباري لابن حجر ٢/٤٩٥، ٤٩٧، وينظر: الاستغاثة ص٥٣٧، ومجموع الفتاوى ١/٢٠١،٢٠٢،٣١٤-٣١٩، و٢٧/٨٥،٨٦، الاقتضاء ص٧٩٣، صيانة الإنسان للسهسواني الهندي ص٢٠٢،٢١٣، الشرك ومظاهره للميلي الجزائري ص٢٠٥،٢٠٦، التوسل للألباني ص٥٥-٧٤، التوصل إلى حقيقة التوسل للرفاعي الحلبي ص١٧٣-١٧٧، ٢٦١-٢٦٦.
[ ٥٠٩ ]
وقدموا عليها التوسلات البدعية، فدعوا الله تعالى بما لم يشرعه من التوسل المحرم، وكان بعضهم يذهب إلى القبر ويتوسل إلى الله بجاه أو بذات صاحب القبر، أدى ذلك بكثير منهم وكثير ممن قلدهم واغتر بفعلهم إلى الوقوع في التوسل الشركي"١"، المخرج من الملة، فأصبحوا يدعون الأموات مباشرة، ويطلبون منهم جلب الخير ودفع الضر، أو يطلبون منهم أن يشفعوا لهم عند الله تعالى"٢".
_________________
(١) "١" وتسمية هذا النوع توسلًا إنما أطلقها بعض المتأخرين، وإلا فهو في حقيقته استغاثة بالميت. ينظر: مجموع الفتاوى ١/١٤٣، وقال الشيخ شمس الدين الأفغاني في جهود الحنفية ص١٤٨٤:"توسل القبورية نوعان: الأول: ما فيه خطاب للميت وطلب منه، فهذا وأمثاله ليس من التوسل بالميت لغة، بل هو استغاثة بالميت وطلب منه، وهو إشراك صريح بالله تعالى"انتهى بحروفه مختصرًا. وينظر المرجع نفسه ص١٤٧٩-١٤٨٣، والدعاء للعروسي ص٦٢٩. "٢" قال البركوي الحنفي المتوفى سنة "٩٨١هـ" في زيارة القبور ص٤٧، ٤٨:"والمقصود أن الشيطان يلطف كيده للإنسان بتحسين الدعاء له عند القبر وجعله أرجح منه في بيته ومسجده وأوقات الأسحار. فإذا قرر ذلك عنده نقله درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء بصاحب القبر والإقسام على الله تعالى به، وهذا أعظم من الذي قبله، فإن شأنه تعالى أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله تعالى به، والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه، وأنجح في قضاء حاجته نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله تعالى والنذر له".
[ ٥١٠ ]
ولذلك كله ينبغي للمسلم البعد عن هذه التوسلات البدعية التي لم ترد أدلة صحيحة صريحة تدل عليها، والتي أعرض عنها جميع الصحابة والتابعين، وجزم بتحريمها جماهير السلف والخلف، وأقل أحوالها عند من يسهل في أمرها أنها من المشتبهات، ومن ابتعد عن الشبهات فقد استبرأ لدينه، كما أخبر النبي ﷺ، والمسلم يقدم عليها الأدعية الكثيرة الثابتة في كتاب الله تعالى وفي سنة الحبيب ﷺ، وعن صحابته - ﵃ – فلا يزاحم الأدعية النبوية بهذه التوسلات، ولا يقدمها عليها، بل السلامة – فضلًا عن رجاء الإجابة – في الإعراض عن هذه التوسلات.
ثم إنه قد ثبت في السنة أن هناك أسبابًا أخرى كثيرة لإجابة الدعاء"١"، وثبت في القرآن والسنة أن هناك أسبابًا كثيرة لمغفرة الذنوب، وأن يحصل للإنسان ما أهمه، فيحقق الله له ما يرجوه من مرغوب ويدفع عنه ما
_________________
(١) وينظر: إغاثة اللهفان ١/٢١٦،٢١٧، معارج الألباب للنعمي اليماني ص١٩٢-١٩٤، وقد سبق بيان الدعاء الشركي في المبحث الأول من هذا الفصل. "١" ومن ذلك اختيار الأزمان والأماكن التي يستجاب فيها الدعاء، كثلث الليل الآخر، وآخر ساعة من يوم الجمعة، وحال السجود، وغيرها، ومن ذلك فعل ما هو سبب لإجابة الدعاء، كالمكسب الحلال، والبعد عن المكسب الحرام. ينظر في تفصيل هذه الأسباب: كتاب الدعاء للطبراني، والدعوات للبيهقي، والترغيب للمنذري: الذكر والدعاء، وتحفة الذاكرين للشوكاني، الباب الثاني.
[ ٥١١ ]
يخشاه من مرهوب، ومن أعظم هذه الأسباب تقوى الله تعالى"١"، والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ"٢"، فينبغي للمسلم أن يقدمها على تلك التوسلات البدعية.
_________________
(١) "١" قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٢٩]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وينظر ما سبق ذكره عند الكلام على الأصل الأول من أصول العبادة. "٢" روى الإمام أحمد ٥/١٣٦، والترمذي "٢٤٥٧"، والحاكم ٢/٤٢١ عن أبي بن كعب ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام، فقال: " يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه ". قال أبي بن كعب: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال - أي قال أبي بن كعب -: قلت الربع؟ قال: " ما شئت، فإن زدت فهو خيرٌ لك ". قلت: النصف؟ قال: " ما شئت، فإن زدت فهو خيرٌ لك "، قلت: فالثلثين؟ قال:"ما شئت، فإن زدت فهو خيرٌ لك". قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: " إذن تكفى همك ويغفر لك ذنبك ". وإسناده قريب من الحسن، وقد حسنه الألباني في الصحيحة "٩٥٤". ولموضع الشاهد منه شاهد عند يعقوب في المعرفة ١/٣٨٩، والبيهقي في الشعب "١٥٨٠" عن محمد بن يحيى بن حبان مرسلًا مختصرًا، وهو مرسل صحيح الإسناد، رجاله رجال الصحيحين، ووصله الطبراني "٣٥٧٤"، وحسن إسناده المنذري "٢٤٨٢"، والهيثمي ١٠/١٦٠، فالحديث بمجموع الروايتين صحيح. والراجفة والرادفة هما نفختا الصور، ومعنى"من صلاتي"أي من دعائي. ينظر: تفسير ابن جرير لسورة النازعات، والترغيب للمنذري، ومجموع الفتاوى ١/٣٤٩.
[ ٥١٢ ]
البدعة الثانية: إقامة الأعياد والاحتفالات البدعية
شرع الله تعالى لأهل الإسلام عيدين يفرحون فيهما بما أنعم الله به عليهم من إدراك المواسم الفاضلة، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى"١"، كما شرع لهم عيدًا ثالثًا وهو يوم الجمعة، وهو يتكرر في كل أسبوع يجتمع فيه المسلمون لصلاة الجمعة وسماع الذكر في خطبتها – وهو عيد نسبي"٢"- فلا يجوز للمسلمين التعبد لله تعالى بإحداث أعياد واحتفالات أخرى تتكرر بتكرر الأيام أو الشهور أو السنين"٣".
_________________
(١) "١" ويلحق بعيد الأضحى يوم عرفة وأيام التشريق. ينظر: لطائف المعارف: وظائف شهر ذي الحجة: المجلس الثاني ص٢٨٧. "٢" وهو أفضل أيام الأسبوع، ويأتي في آخر الأسبوع بعد إكمال الصلوات المكتوبات التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين في الأيام التي قبله، ولذلك نهي عن تخصيصه بالصوم. ينظر: المرجع السابق ص٢٨٦، ٢٨٧. "٣" ينظر: الاقتضاء ص٦٣٤-٦٣٦. أما الاحتفالات التي لا يتعبد لله بها، والتي حدث كثير منها في هذه العصور تقليدًا للكفار، والتي تسمى"أعيادًا"أو"يومًا"أو"أسبوعًا"فللعلماء فيها كلام وتفصيل. ينظر: فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ٣/٥١، ١٠٦-١٢٢، فتاوى شيخنا عبد العزيز ابن باز "جمع د. الطيار ص٨٩٤"، وفتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع فهد السليمان٢/٣٠٠-٣٠٣"، وفتاواه "جمع أشرف بن عبد المقصود ١/١٣٠،١٣١"، القول المفيد، باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم هو الغلو في الصالحين ١/٣٨٧، رسالة "عيد اليوبيل
[ ٥١٣ ]
فلا يجوز تخصيص شيء من الأزمنة، سواء من الليالي، أم الأيام، أم الشهور، أم السنين بعبادة أو عبادات معينة لم يرد في الشرع تخصيصها بها، سواء أكانت هذه الأزمان أزمانًا فاضلة أم لا؛ لأن ذلك من البدع المحدثة، ولذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من سلف هذه الأمة تخصيص ليلة معينة بعبادة معينة، وهذا إجماع منهم على عدم مشروعيته"١"، بل إنه قد جاء عن بعض الصحابة الإنكار على من خص
_________________
(١) للشيخ بكر أبو زيد، رسالة "أعياد الكفار" للشيخ إبراهيم الحقيل ص٥٤،٥٥، ٦٨-٧١. "١" قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٥٨١،٦٠٣:"ومن المنكرات سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها من المنكرات المكروهات، سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه، وذلك أن أعياد أهل الكتاب نهي عنها لسببين: أحدهما: أن فيها مشابهة للكفار، والثاني: أنها من البدع. فما أحدث من المواسم والأعياد هو منكر، وإن لم يكن فيها مشابهة لأهل الكتاب، لوجهين: أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع المحدثات الثاني: ما تشتمل عليه من الفساد في الدين. واعلم أنه ليس كل أحد، بل ولا أكثر الناس يدرك فساد هذا النوع من البدع، لا سيما إذا كان من جنس العبادات المشروعة، بل أولو الألباب هم الذين يدركون بعض ما فيه من الفساد. والواجب على الخلق: اتباع الكتاب والسنة، وإن لم يدركوا ما في ذلك من المصلحة والمفسدة"ثم ذكر لها مفاسد كثيرة ص٦٣٤-٦٣٦. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف: وظيفة رجب ص١٢٣: "يشبه الذبح في رجب اتخاذه موسمًا وعيدًا كأكل الحلوى ونحوها، وقد روي عن ابن عباس
[ ٥١٤ ]
بعض الشهور بعبادة معينة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم"١".
وقد أحدث كثير من المسلمين في العصور المتأخرة أعيادًا واحتفالات وعبادات في كثير من الأزمان، مع أنه لم يرد دليل صحيح يدل على مشروعيتها، وهذه الأزمنة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: يوم لم تعظمه الشريعة أصلًا، ولم يحدث فيه حادث له شأن، مثل أول خميس من رجب، وليلة الجمعة التي تليه، فهذا اليوم وهذه الليلة يعظمها بعض الجهال، بصيام نهار ذلك الخميس، وقيام هذه الليلة التي تليه، ويصلون فيها صلاة يسمونها صلاة الرغائب، وكل هذا لا دليل عليه، وهو من البدع المحرمة، وإنما أحدثت هذه الصلاة بعد
_________________
(١) -﵄– أنه كان يكره أن يتخذ رجب عيدًا، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: كان النبي ﷺ ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدًا، وعن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تتخذوا شهرًا عيدًا ولا يومًا عيدًا "، وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدًا إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدًا، وهو يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق، وهي أعياد العام ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع، وما عدا ذلك فاتخاذه عيدًا وموسمًا بدعة لا أصل له في الشريعة"، وينظر: المراجع المذكورة في التعليق السابق. "١" ينظرما سيأتي من إنكار عمر على من صام رجب، وفي ذلك أيضًا آثار عن السلف، يأتي بعضها في التعليق المذكور بعد تعليقين، إن شاء الله تعالى.
[ ٥١٥ ]
الأربعمائة"١"، وقد وضع بعضهم حديثًا في فضلها، وهو حديث موضوع بإجماع أهل العلم"٢"، وقد وردت أيضًا أحاديث في فضل صيام بعض أيام رجب، ووردت كذلك أحاديث في فضل الصلاة في بعض أيام أو ليالي رجب، وكل هذه الأحاديث ضعيفة أو موضوعة"٣"، وقد ثبت عن بعض
_________________
(١) "١" الحوادث والبدع للطرطوشي ص١٣٢، الباعث ص٤٢، لطائف المعارف ص١٢٣، الأمر بالاتباع للسيوطي ص٧٧،٧٨. "٢" ينظر في بيان وضع هذا الحديث: الباعث ص٦١، الاقتضاء ص٦١٧، المنار المنيف ص٩٥-٩٧، لطائف المعارف ص١٢٣، تبيين العجب ص٥٤، الأمر بالاتباع ص٧٧،٧٨، المدخل ص٤٢٦-٤٥٠، الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص٤٧-٥٠، إصلاح المساجد ص٩٨، السنن والمبتدعات ص١٤٠. "٣" وقد ألف بعض أهل العلم مؤلفات مستقلة في بيان ضعف أو وضع هذه الأحاديث، وبيان بدعية تخصيص شيء من أيام شهر رجب بصيام أو عبادة معينة، وبدعية تخصيص شيء من ليالي هذا الشهر بقيام أو عبادة معينة. ومن هذه المؤلفات"الباعث على إنكار البدع والحوادث"لأبي شامة الشافعي،"تبيين العجب فيما ورد في شهر رجب"للحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي، رسالة العز بن عبد السلام في الرد على من أجاز صلاة الرغائب، وهي مطبوعة، وطبع معها فتوى للشيخ زكريا الأنصاري الشافعي، وفتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، وفتوى للنووي الشافعي، وفتوى لتلميذه علي بن إبراهيم العطار. وتكلم عن ذلك أيضًا بعض العلماء ضمن مؤلفاتهم، ومن هذه المؤلفات المراجع المذكورة في التعليقين السابقين وغيرها.
[ ٥١٦ ]
الصحابة النهي أو الكراهة لتعظيم رجب بصيام أو غيره، وثبت عن بعضهم أن تعظيم شهر رجب من عمل أهل الجاهلية"١" فمن عظمه فقد اقتدى بهم.
النوع الثاني: الأيام والليالي التي جاء في الشرع ما يدل على فضلها، مثل يوم عرفة، ويومي العيدين، ويوم عاشوراء، وليلة القدر، وليلة النصف من
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر الشافعي في تبيين العجب ص٢٣:"لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ، رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه عن غيره". "١" روى ابن أبي شيبة في مصنفه: صوم رجب ٣/١٠٢ بإسناد صحيح رجاله رجال الصحيحين عن خرشة بن الحر قال: رأيت عمر يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان، ويقول: كلوا، فإنما هو شهر يعظمه أهل الجاهلية. ورواه سعيد بن منصور كما في تبيين العجب ص٧٠. وروى ابن أبي شيبة أيضًا في الموضع السابق بإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيحين عن ابن عمر أنه إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كره ذلك. وروى عبد الرزاق: صيام الأشهر الحرم "٧٨٥٤" عن ابن عباس أنه كان ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدًا. ورجاله ثقات، رجال الصحيحين، وقد صححه الحافظ ابن حجر في تبيين العجب ص٧٠. وينظر: الحوادث والبدع للطرطوشي المالكي ص١٤٠،١٤١.
[ ٥١٧ ]
شعبان"١"، فهذه الأوقات يستحب أن يفعل فيها من العبادات ما ورد في الشرع ما يدل على مشروعيته فيها، ولا يجوز فيها إحداث عبادات ليس لها أصل في الشرع، كصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان"٢" التي أحدثت
_________________
(١) "١" ورد في فضل ليلة النصف من شعبان أحاديث كثيرة في أن الله تعالى يغفر فيها لكثير من عباده ذنوبهم، إلا من كان مشركًا أو مشاحنًا. وهو صحيح بمجموع طرقه، ينظر في الكلام على هذا الحديث: صحيح ابن حبان "٥٦٦٥"، الاقتضاء ص٦٣١، لطائف المعارف ص١٤٣، السلسلة الصحيحة "١١٤٤". "٢" وهي أن يصلي مائة ركعة، يقرأ في كل ركعة الفاتحة ثم يقرأ بعدها "قل هو الله أحد" عشر مرات، فتتكرر ألف مرة، لذلك سميت"الألفية"، ولم يرد في مشروعيتها سوى حديث موضوع، وكذلك لا يشرع تخصيص يومها بالصوم أو الاحتفال في يومها أو ليلتها، ولا يشرع كذلك تخصيصها بصلاة نافلة جماعة، أو بعبادة معينة تتكرر في كل عام. ينظر"ما جاء في البدع"لابن وضاح المالكي ص١٠٠، الباعث لأبي شامة الشافعي ص٥١-٥٩، الحوادث والبدع للطرطوشي المالكي ص١٢٨-١٣٣، الاقتضاء ص٦٣٢، المنار المنيف في الصحيح والضعيف للحافظ ابن القيم الحنبلي ص٩٨، ٩٩، لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي ص١٤٤-١٤٧، الأمر بالاتباع للسيوطي الشافعي ص٧٩-٨٤، الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة للقاري الحنفي ص٢٧٢، الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني ص٥٠، ٥١، إصلاح المساجد لعلاّمة الشام القاسمي ص٩٩، السنن والمبتدعات للشقيري المصري ص١٤٥، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع دار الإفتاء ١/١٩١-١٩٧".
[ ٥١٨ ]
في القرن الخامس الهجري"١"، وكالتعريف بالأمصار في يوم عرفة"٢"، وكالاحتفال في يوم عاشوراء"٣"، كما لا يجوز للمسلم تخصيص شيء من
_________________
(١) "١" المنار المنيف ص٩٩، إصلاح المساجد ص٩٩. "٢" الاجتماع في مساجد الأمصار بعد عصر يوم عرفة للدعاء أو الذكر الجماعي، ومثله إنشاد الشعر، كل هذا من البدع، ومثله السفر إلى غير عرفات، كالسفر إلى مسجد بيت المقدس أو غيره من أجل الجلوس فيه بعد العصر من يوم عرفة للدعاء والذكر. أما جلوس غير الحاج في مسجد بلده عشية عرفة للدعاء والذكر بمفرده فهذا اختلف فيه أهل العلم، وقد أنكره بعض التابعين وبعض السلف كالإمام مالك. ينظر: مصنف ابن أبي شيبة "الجزء المفقود ص٣١٠، ٣١١"، سنن البيهقي ٥/١١٧،١١٨، ما جاء في البدع لابن وضاح ص١٠٢، الحوادث والبدع للطرطوشي ص١٢٦-١٢٨، الاقتضاء ص٦٤٣، الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة ص٢٩-٣٢، لطائف المعارف: عشر ذي الحجة ص٢٨٣، هداية السالك، الباب ١١ ص١٠٣٧، المجموع للنووي ٨/١١٦،١١٧، الإيضاح له: آخر الباب الرابع ص٣٠٥،٣٠٦، الشرح الكبير والإنصاف ومنار السبيل: آخر باب العيدين، الأمر بالاتباع للسيوطي ص٨٥-٨٧، تصحيح الدعاء: تصحيح الدعاء الزماني ص١١٣. "٣" لم يثبت في فضل عاشوراء سوى الندب إلى صومه؛ لأن الله تعالى نجى فيه موسى ﵇ وقومه. وقد جعل الرافضة المنتسبون إلى التشيع هذا اليوم مأتمًا، وذلك لأن الحسين بن علي -﵄- قتل فيه، وقابلهم بعض الناصبة وبعض الجهال، فجعلوا هذا اليوم يوم فرح، ووضع بعضهم فيه أحاديث، وورد حديث ضعيف في فضل التوسيع على
[ ٥١٩ ]
هذه الأوقات الفاضلة بعبادة يكررها كلما جاء هذا الوقت الفاضل مما لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، كتخصيص ليلة القدر بعمرة أو بذكر خاص أو بصلاة خاصة يكررها في كل عام"١".
النوع الثالث: الأيام والليالي التي حدثت فيها حوادث مهمة، ولكن لم يأت في الشرع ما يدل على فضلها أو على مشروعية التعبد لله أو الاحتفال فيها.
ومن هذه الأوقات: الليلة التي يقال: إنه حصل فيها الإسراء والمعراج لنبينا محمد ﷺ مع أنه لم يثبت في تحديد هذه الليلة شيء"٢".
_________________
(١) الأهل فيه، واغتر بعض المنتسبين إلى السنة ممن قلت بضاعتهم في معرفة صحيح السنة من سقيمها بهذه الأحاديث والآثار فقالوا بذلك، وهذا كله بلا شك من البدع المحرمة، كما أن جعل أيام المصائب مآتم محرم، وهو من عمل أهل الجاهلية، ينظر ما جاء في البدع لابن وضاح ص٩٥، مجموع الفتاوى ٢٥/٣٠٧-٣١٤، الأمر بالاتباع ص٨٨،٨٩، لطائف المعارف ص٥٢،٥٣، السنن والمبتدعات، الباب٢٢، ص١٣٤، تصحيح الدعاء ص١٠٩. "١" لم يثبت في ليلة القدر ذكر خاص سوى دعاء: " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني "، أما ما أحدثه بعضهم من صلاة خاصة بهذه الليلة فهو من البدع المحرمة، ينظر: الأذكار للنووي ص١٦٣، لطائف المعارف ص٢١٧-٢٢٠، السنن والمبتدعات ص١٥٦. "٢" فالإسراء والمعراج ثابتان، أما تحديد يوم معين لوقت الإسراء والمعراج فلم يرد في ذلك حديث صحيح ولا ضعيف، وليس هناك ما يعتمد عليه في تحديد الشهر الذي حدثا فيه، وقد اختلف في ذلك على أكثر من عشرة أقوال، كما ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني
[ ٥٢٠ ]
ومن هذه الليالي أيضًا الليلة التي يقال: إن النبي ﷺ ولد فيها، مع أنه لم يثبت في تحديد شهر ولادته ولا يومها شيء يعتمد عليه، بل في ذلك خلاف مشهور"١"، وقد جزم وقطع العبيديون الرافضة في القرن الرابع
_________________
(١) الشافعي، وكثير من الجهال يعتقدون أن الإسراء والمعراج حصل في ليلة سبع وعشرين من شهر رجب، ويعملون فيها أمورًا محدثة، كتخصيصها بدعاء معين وصلاة معينة، وتخصيصها بقراءة قصة الإسراء والمعراج فيها، أو الاحتفال وتعطيل الأعمال في يومها. وكل هذا من البدع المحرمة. قال أبو شامة الشافعي في الباعث ص٧١:"وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب "، وقال الشيخ بكر أبو زيد في تصحيح الدعاء ص١١١: "وليعلم أن تحديد الإسراء والمعراج في هذا التاريخ هو أضعف الأقوال"وينظر: شرح النووي لصحيح مسلم: الإيمان باب الإسراء ٢/٢٠٩، تبيين العجب بما ورد في شهر رجب لابن حجر، ومقدمة محققه طارق الدارعمي ص٩-٢٣، زاد المعاد ١/٥٧-٥٩، السيرة النبوية لابن كثير ٢/٨١، فتح الباري ٧/٢٠٣، شرح الحديث "٣٨٨٧"، لطائف المعارف ص١٢٦، فتاوى الشيخ ابن باز "جمع دار الإفتاء ١/١٨٨-١٩٠"، فتاوى الشيخ ابن عثيمين "جمع أشرف بن عبد المقصود١/١٣٠". "١" فقد قيل إنه ﷺ ولد في شهر رمضان، وقيل: في شهر رجب، وقيل في شهر ربيع الأول، وقد اختلف القائلون بأنه ولد في شهر ربيع الأول في تحديد يوم ولادته، فقال بعضهم: في اليوم الثاني منه، وقيل: في الثامن، وقيل: في العاشر، وقيل: في الثاني عشر، وقيل: في السابع عشر، وقيل: الثامن عشر، وقيل: في الثاني والعشرين، وليس على شيء منها دليل يعتمد عليه. ينظر: الطبقات الكبرى ١/١٠٠، ١٠١،
[ ٥٢١ ]
الهجري أن مولده ﷺ في شهر ربيع الأول، مع أنه ليس هناك ما يرجح هذا القول.
وهذا الشهر قد أصيبت فيه الأمة الإسلامية بأعظم مصيبة، وهي وفاته ﷺ"١"، فقد كانت وفاته ﵊ في شهر ربيع الأول بلا خلاف.
بل إن العبيديين اختاروا يوم الثاني عشر منه، فأقاموا فيه احتفالًا وقت حكمهم لمصر زعموا أنه من باب الفرح بولادته ﷺ، مع أن هذا اليوم هو اليوم الذي توفي فيه النبي ﷺ في قول عامة أهل العلم"٢".
_________________
(١) السيرة لابن هشام ١/١٥٨، تاريخ الإسلام "السيرة ص٢٥،٢٦"، لطائف المعارف ص٩٥، البداية والنهاية ٣/٣٧٣-٣٨٠، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع فهد السليمان ٢/٢٩٨" "١" فقد ثبت عنه ﵊ أنه قال: " إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب "رواه ابن ماجه "١٥٩٩" متصلًا بإسناد فيه ضعف، ورواه الدارمي "٨٥، ٨٦"، وابن سعد ٢/٧٥ من طريقين صحيحين مرسلين، فالحديث بمجموع هذه الطرق حسن، وقد صححه الألباني في الصحيحة "١١٠٦". "٢" ينظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٢٧٢-٢٧٥، تاريخ الإسلام للذهبي الشافعي "السيرة ص٥٦٨-٥٧١"، فتح الباري لابن حجر الشافعي: المغازي باب مرض النبي ﷺ ووفاته ٨/١٢٩، ١٣٠، البداية والنهاية ٣/٣٧٣-٣٨٠، لطائف المعارف للحافظ ابن رجب: المجلس الثاني في ذكر المولد ص٩٧، ١١٣.
[ ٥٢٢ ]
وكان كثير من هؤلاء العبيديين من الملاحدة الحاقدين على الإسلام وعلى رسول الله ﷺ، فقد ادعى بعضهم الألوهية، وعلى رأسهم الحاكم بأمر الله العبيدي الذي يؤلهه الدروز إلى الآن"١"، ومنهم أو من أتباعهم: القرامطة، الذين قتلوا الحُجَّاج في عرفات وعند الكعبة المشرفة، وهدموا جزءًا من الكعبة، وأخذوا الحجر الأسود منها، ولم يعيدوه إلا بعد عدة سنوات"٢".
والعبيديون هم أول من أقام الاحتفال بالمولد في القرن الرابع الهجري، وكان ذلك سنة ٣٦٣هـ أثناء حكمهم لمصر"٣".
_________________
(١) "١" قال الإمام الذهبي الشافعي في ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٥/١٧٣:"صاحب مصر، الحاكم بأمر الله العبيدي، المصري، الرافضي، بل الإسماعيلي، الزنديق، المدعي الربوبية"وينظر: البداية والنهاية "حوادث سنة ٤١١هـ، ١٥/٥٨٢-٥٨٤". "٢" وكان قائدهم وقتئذ: أبو طاهر القرمطي، وكان ينشد وهو يقتل الناس عند الكعبة: أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا ينظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير ٨/٢٠٧، ٢٠٨، البداية والنهاية "حوادث سنة ٣١٧هـ، ١٥/٣٧-٤١"، لطائف المعارف: المجلس الثاني في ذكر المولد ص٩٦، ٩٧. "٣" ينظر: "تاريخ الاحتفال بالمولد» للسندوبي ص٦٢، والسندوبي من الصوفية الذين يرون جواز الاحتفال في هذا اليوم، ومع ذلك أقر بأن العبيديين هم أول من أحدثه، ومثله علي محفوظ في كتاب الإبداع في مضار الابتداع ص٢٥١، وينظر"عيد اليوبيل"لبكر أبو زيد ص١٦، وينظر ما يأتي قريبًا من حكاية الإجماع على أن السلف لم يفعلوه، والنقل عن جمع من أهل العلم في ذلك.
[ ٥٢٣ ]
فلا يُبعد أن هؤلاء العبيديين المنحرفين الذين يجزم بأن بعضهم يبغض النبي ﷺ قد اختاروا شهر ويوم وفاته ﷺ وقتًا لهذا الاحتفال، فرحًا بوفاته ﷺ، وأظهروا للناس أنه للفرح بولادته ﵊.
وقد اتفق أهل العلم على أن السلف الصالح من أهل القرون الثلاثة المفضلة، وفي مقدمتهم أصحاب النبي ﷺ لم يفعلوا هذا الاحتفال، ولذلك لم ينقل فعله ولا القول بمشروعيته عن أحد من أهل القرون الثلاثة المفضلة، مع شدة محبتهم للنبي ﷺ وحرصهم على الخير"١".
_________________
(١) وقد ذهب السيوطي في"حسن المقصد"ص١٨٩، وتبعه في ذلك بعض المعاصرين إلى أن أول من عمله السلطان كوكبري الأيوبي المتوفى سنة "٦٣٠هـ"، وهذا وَهْمٌ منه؛ لأنه قد أحدث قبله، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ولكن هذا السلطان اهتم به اهتمامًا عظيمًا وعمل فيه سماعًا للصوفية، وكان يرقص معهم بنفسه، ينظر: البداية والنهاية ١٧/٢٠٥، ٢٠٦. "١" وقد حكى هذا الإجماع جمع من أهل العلم ممن يرى تحريم هذا الاحتفال، ووافقهم على حكاية إجماع السلف على ترك الاحتفال بالمولد جميع من كتب عنه ممن يرى إباحته. قال الإمام الفاكهاني المالكي في المورد في عمل المولد ص٨-١٠:"لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكَّالون لم ياذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة ولا التابعون، ولا العلماء المتدينون –فيما علمت– وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن سئلت عنه".
[ ٥٢٤ ]
_________________
(١) وقال ابن الحاج المالكي المتوفى سنة "٧٣٨هـ" بعد ذكره لكثير من المفاسد التي أحدثها الناس لما عملوا المولد في كتابه: المدخل: فصل في المولد ١/٢٣٤،٢٣٥:"وهذه المفاسد مركبة على فعل المولد إذا عمل بالسماع، فإن خلا منه وعمل طعامًا فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط، إذ إن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى، بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه؛ لأنهم أشد الناس اتباعًا لسنة رسول الله ﷺ وتعظيمًا له ولسنته ﷺ، ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك. ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد، ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٥/٢٩٨:"أما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية، كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال: إنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال – الذي يسميه الجهال: عيد الأبرار – فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف، ولم يفعلوها". وقال الحافظ ابن حجر الهيثمي المصري الشافعي – وهو ممن لا يرى تحريم عمل المولد "نقلًا عن حسن المقصد للسيوطي" ١/١٩٦ قال:"أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة". وقال الشيخ محمد بن عبد السلام الشقيري المصري في السنن والمبتدعات ص١٣٩: "اتخاذ مولده موسمًا والاحتفال به بدعة منكرة ضلالة، لم يرد بها شرع ولا عقل، ولو كان في هذا خير فكيف يغفل عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة وأتباعهم، لا شك أنه ما أحدثه إلا المتصوفون الأكالون أصحاب البدع،
[ ٥٢٥ ]
وهذا إجماع من أصحاب النبي ﷺ وجميع سلف هذه الأمة على عدم مشروعيته، وعلى عدم مشروعية جميع الاحتفالات المحدثة.
ولما قلد كثير من المسلمين هؤلاء الشيعة العبيديين في إقامة الاحتفالات في هذا اليوم، وقلدوا النصارى الذين غلوا في عيسى ﵇ حتى عبدوه وأقاموا احتفالات بذكرى مولده أدى بهم ذلك إلى الوقوع في بدع أخرى، كبدعة القيام أثناء إقامة هذا الاحتفال ظنًا من بعض الجهال أن النبي ﷺ يحضر هذه الاحتفالات، وهذا من الكذب الذي يفتريه بعض
_________________
(١) وتبع الناس بعضهم بعضًا فيه إلا من عصمه الله ووفقه لفهم حقائق دين الإسلام". وقال علامة مصر رشيد رضا كما في فتاواه ٤/١٢٤٢،١٢٤٣: "هذه الموالد بدعة بلا نزاع، وأول من ابتدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي أحد ملوك الشراكسة بمصر". وقال شيخنا محمد بن عثيمين في القول المفيد، باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم الغلو في الصالحين ١/٣٨٦،٣٨٧: "الاحتفال بمولده ﷺ علىالوجه المعروف بدعة ظاهرة؛ لأنه لم يكن معروفًا على عهد النبي ﷺ وأصحابه، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه". وينظر أيضًا في ذكر الإجماع على عدم فعل الصحابة للمولد، وأن ذلك دليل على أنه بدعة محرمة: فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز، جمع الإفتاء ١/١٨٥، ٢٣٠، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع أشرف بن عبد المقصود ١/١٢٧"، الرد القوي للشيخ حمود التويجري ١/٧٠، الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف لإسماعيل الأنصاري ١/٣٥٨، ٣٥٩، القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل لأبي بكر الجزائري ٢/٤٢٩، عيد اليوبيل لبكر أبو زيد ص١٦.
[ ٥٢٦ ]
من يدعي العلم ممن يقومون على هذه الاحتفالات، فيصدقهم الجهال"١"، وكبدعة الذكر الجماعي وضرب الطبول وغيرها من المحرمات"٢".
بل إن إقامة هذه الاحتفالات المحدثة أدت بكثير ممن أقامها إلى الوقوع في الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في النبي ﷺ، وإعطائه بعض صفات الله تعالى التي لا يشاركه فيها غيره، كعلم الغيب، والنفع والضر وغير ذلك، وكثير منهم يتلو في هذا الاحتفال قصيدة البوصيري مع أن فيها شركًا صريحًا"٣"، وهكذا تفعل جميع البدع بأصحابها، وهذا هو مصداق قول الحبيب ﷺ: " كل بدعة ضلالة "، فهي ضلالة وتؤدي إلى ضلالة.
_________________
(١) "١" قال شيخنا عبد العزيز بن باز كما في مجموع فتاواه "جمع الإفتاء١/١٨٦،١٨٧": "بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يحضر المولد، ولهذا يقومون له محيين ومرحبين، وهذا من أعظم الباطل، واقبح الجهل، فإن الرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم". وينظر المرجع نفسه ١/٢٣٢،٢٣٣، الفتاوى الحديثية لابن حجر المكي الشافعي ص٦٠. "٢" ينظر في بيان هذه البدع والمحرمات المدخل لابن الحاج المالكي ١/٢٢٩-٢٣٩، ورسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي، والسنن والمبتدعات للشقيري ص١٣٩، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات التي ينهى عنها، ولا يستحب ذلك إلا جاهل أو زنديق" ينظر: رسالة "حكم الاحتفال بالمولد"١/٣٤. "٣" قال الشيخ محمد بن عثيمين كما في فتاواه "جمع أشرف بن عبد المقصود ١/١٢٧، ١٢٨"
[ ٥٢٧ ]
وبالجملة فإنه ينبغي للمسلم الذي يحب الله تعالى، ويحب نبيه ﷺ أكثر مما يحب نفسه وولده أن يسير على خطى ومنهج الحبيب محمد بن عبد الله ﷺفداه أبي وأمي– وأن يكثر من قراءة وحفظ الكتاب الذي أنزل عليه ومن حفظ وتدارس سنته وسيرته في كل أيام وليالي العام، وأن يكثر من الصلاة والسلام عليه في جميع الأوقات"١"، وبالأخص في كل يوم جمعة وليلتها من كل أسبوع"٢".
_________________
(١) بعد ذكره لبعض الشركيات التي ذكرها البوصيري في بردته، ومنها: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم قال: "وأنا أعجب لمن يتكلم بهذا الكلام إن كان يعقل معناه كيف يُسوّغ لنفسه أن يقول مخاطبًا النبي ﵊: فإن من جودك الدنيا وضرتها. ومِنْ للتبعيض، والدنيا هي الدنيا وضرتها هي الآخرة، فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﵊، وليس كل جوده، فما الذي بقي لله ﷿، ما بقي له شيء من الممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة. وكذلك قوله: ومن علومك علمُ اللوح والقلم. ومِنْ: هذه للتبعيض، ولا أدري ماذا يبقى لله تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول ﵊ بهذا الخطاب". "١" ينظر ما سبق في آخر مسألة التوسل من أن الإكثار من الصلاة عليه – ﵊ – في الدعاء من أسباب استجابة الدعاء ومغفرة الذنوب. "٢" فقد ورد في فضل الإكثار من الصلاة والسلام عليه في هذا اليوم عدة أحاديث تنظر في صحيح ابن حبان "٩١٠"، ٣/١٩٠-١٩٣، وفضل الصلاة على النبي ﷺ "٢٢"،
[ ٥٢٨ ]
وليس من محبته ﷺ أن نقيم احتفالًا في وقت وفاته ﵊، والذي قطع الرافضة العبيديون أنه وقت ولادته"١" ولا أن تقرأ سيرته والقصائد الشركية أو غير الشركية في ليلة من ليالي العام، فإن هذا من مخالفة سنته، ومن الزيادة المبتدعة المحرمة في شريعته ﷺ، وفيها تقليد لطرق الكفار والرافضة وترك لطريقته ﷺ وطريقة جميع أصحابه - ﵃ –"٢"،
_________________
(١) وجلاء الأفهام ص٣٢-٣٨، و٢٢٧. "١" قال الفاكهاني المالكي في المورد ص١٤:"هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه ﷺ – وهو ربيع الأول – هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح أولى من الحزن فيه". وقال ابن الحاج المالكي في المدخل ١/٢٣٨:"ثم العجب العجيب كيف يعملون المولد بالأغاني والفرح والسرور لأجل مولده ﷺ في هذا الشهر الكريم، وهو ﵊ انتقل فيه إلى كرامة ربه وفجعت الأمة فيه، وأصيبت بمصاب عظيم لا يعدل ذلك غيرها من المصائب أبدًا؟ على هذا كان يتعين البكاء والحزن الكثير لما أصيب به. فانظر في هذا الشهر الكريم كيف يلعبون فيه ويرقصون، ولا يبكون ولا يحزنون؟ ولو فعلوا ذلك لكان أقرب إلى الحال، مع أنهم لو فعلوا ذلك والتزموه لكان أيضًا بدعة". وقال محمد بن عبد السلام الشقيري المصري في السنن والمبتدعات ص١٣٩:"في هذا الشهر ولد، وفيه توفي، فلماذا يفرحون بميلاده ولا يحزنون لوفاته". "٢" قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٦١٩: "ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇، وإما محبة للنبي ﷺ، وتعظيمًا من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدًا، مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له
[ ٥٢٩ ]
فليختر المسلم لنفسه أي الطريقين شاء"١".
_________________
(١) وعدم المانع منه لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف - ﵃ – أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان". وقال شيخنا عبد العزيز بن باز - ﵀ - كما في فتاواه "جمع الإفتاء ١/٢٣٢-٢٣٥" عند مناقشته لكلام من يبيح هذا الاحتفال:"نقول لمن يقول بذلك إذا كنت سنيًا ومتبعًا لرسول الله ﷺ فهل فعل ذلك هو أو أحد من صحابته الكرام أو التابعين لهم بإحسان، أم هو التقليد الأعمى لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى ومن على شاكلتهم. وليس حب رسول الله ﷺ يتمثل فيما يقام من الاحتفالات بمولده، بل بطاعته فيما أمر به، وتصديقه فيما أخبر به، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، وكذا بالصلاة عليه عند ذكره، وفي الصلوات، وفي كل وقت ومناسبة وليس منع الاحتفال البدعي بمولد الرسول ﷺ، وما يكون فيه من غلو أو شرك ونحو ذلك عملًا غير إسلامي، أو إهانة لرسول الله ﷺ، بل هو طاعة له وامتثال لأمره، حيث قال: " إياكم والغلو في الدين "، وقال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله ". "١" قال الحافظ ابن حجر في شرح حديث:" فمن رغب عن سنتي فليس مني "، والذي سبق تخريجه عند الكلام عل بدعة الترك، قال في الفتح ٩/١٠٥:"المراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني".
[ ٥٣٠ ]
البدعة الثالثة: الأذكار المبتدعة
الأذكار في أصلها قسمان:
القسم الأول: الأذكار المشروعة
جاءت في القرآن والسنة أذكار قولية كثيرة، يشرع للإنسان أن يقولها وأن يشتغل بها، وقد وردت أذكار كثيرة يستحب قولها عند غالب الأعمال التي يفعلها الإنسان في اليوم والليلة، كما جاء فيهما أذكار أخرى يشرع قولها في كثير من الأوقات والمناسبات والعبادات، ومن هذه الأذكار ما هو توحيد لله، ومنها ما هو تنزيه له، ومنها ما هو ثناء عليه، ومنها ما هو دعاء واستعاذة، إلى غير ذلك من أنواع الأذكار الكثيرة المتنوعة التي يشرع للمسلم أن يقول كل ذكر منها على الصفة التي وردت في النصوص، وأن يقوله في الزمان أو المكان، أو العبادة، أو عند الفعل الذي ورد في النصوص ما يدل على مشروعيته فيه إن كان مقيدًا بشيء من ذلك، وإن كان مطلقًا فيستحب للمسلم أن يكثر منه في كل وقت، وينبغي له أن لا يتحرَّى به وقتًا معينًا، ولا يربطه بعمل معين وجودًا أو عدمًا"١".
_________________
(١) "١" من الأذكار المقيدة بالزمان: أذكار الصباح والمساء، ومن الأذكار المقيدة بالمكان: أذكار دخول المسجد والمنزل والخروج منهما، ومن الأذكار المقيدة بالعبادة: أذكار الطواف والسعي، ومن الأذكار المقيدة بالفعل الذكر عند العطاس.
[ ٥٣١ ]
وقد ورد في النصوص ذكر فضائل وأجور عظيمة وكثيرة في حق من أتى ببعض الأذكار، وورد في شأن بعض أذكار التعوذات أن من قالها عُصم من شر كل ذي شر، وذلك إذا قالها عارفًا بمعناها موقنًا بها.
القسم الثاني: الأذكار غير المشروعة
وهي: أن يأتي الإنسان بذكر لم يرد في النصوص، أو يأتي بذكر مشروع بطريقة محدثة، أو يكرره في زمان أو مكان أو في عبادة لم يرد ما يدل على مشروعيته فيه"١".
وعليه فإن الأذكار غير المشروعة – وتسمى: الأذكار البدعية – ثلاثة أنواع:
_________________
(١) وهناك أذكار مقيدة بأحوال معينة، كدعاء الهم، ودعاء المصيبة، ونحو ذلك. ومن الأذكار المطلقة: سبحان الله عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. وقد يكون الذكر مطلقًا ومقيدًا، كالتكبير والتسبيح، فيشرع ذكر الله بهما في كل وقت، كما أن كلًا منهما مشروع في الصلاة وبعدها. ومن ذلك الصلاة على النبي ﷺ، فهي مشروعة في الصلاة وعند دخول المسجد، وعند الخروج منه وغير ذلك، كما أنها مشروعة في كل وقت، ويستحب للمسلم أن يستكثر منها. وقد الف العلماء مؤلفات مستقلة في الأذكار، من أهمها: عمل اليوم والليلة للنسائي، وعمل اليوم والليلة لابن السني، والأذكار للنووي، والكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية، والوابل الصيب لابن القيم، وحصن المسلم، وغيرها. "١" ومثله أن يكرره في حالة أو عند فعل لم يرد ما يدل على مشروعيته عنده.
[ ٥٣٢ ]
النوع الأول: أن يأتي ببعض ألفاظ الأذكار المشروعة ويترك بعضها بحيث لا يتم المعنى الذي يدل عليه هذا الذكر، كالذكر بضمير الغائب"هو"، أو الذكر بالاسم المفرد"الله"، وقد يكرر هذه الأذكار مرات عديدة.
النوع الثاني: أداء الأذكار المشروعة بطريقة محدثة مبتدعة. ومن أمثلة ذلك:
١- أن يؤدي جماعة الذكر مجتمعين، فيكبرون أو يهللون أو يصلون على النبي ﷺ بصوت واحد، أو يذكر الله أحدهم والبقية يذكرون الله بعده، أو يأمرهم أن يسبحوا عددًا معينًا، فيفعلون ما يطلب منهم، كما فعله بعض العُبَّاد في عهد ابن مسعود ﵁ فأنكر عليهم ابن مسعود ذلك "١".
٢ - أن يؤدي واحد أو أكثر الذكر بطريقة مطربة، تخرج الذكر عن ما شرع له من التعبد لله وتقوية إيمان العبد. وبعضهم قد يجعل مع هذا الذكر شيئًا من آلات الطرب كالدف والطبل ونحو ذلك.
٣- أن يزيد على الأذكار المشروعة ما ليس منها، ويلتزم هذه الزيادة
_________________
(١) "١" سبق تخريجه عند ذكر أدلة تحريم جميع البدع في بداية هذا الفصل.
[ ٥٣٣ ]
كلما كرر هذا الذكر"١".
_________________
(١) "١" قال الشيخ محمد بن عبد السلام الشقيري المصري في السنن والمبتدعات، الباب ٢٤ في وجوب الصلاة على النبي ﷺ وفضلها وصفتها وحسرة وبخل تاركها ص٢٤٦،٢٤٧:"اعلم أن الصلوات البكرية والدرديرية والميرغنية كلها مخترعات ومبتدعات، وكذا كتاب " أفضل الصلوات على سيد السادات"، وكتاب " صلوات الثناء على سيد الأنبياء للنبهاني"، وكتاب "روضة الأسرار في الصلاة على المختار"، وكتاب "التحفة الربانية بالصلاة على إمام الحضرة القدسية"، و"مفتاح المدد في الصلاة على الرسول السند"، وكتاب "التفكر والاعتبار في الصلاة على النبي المختار لأحمد بن ثابت المغربي". وكذا كل كتاب رتبت فيه الصلاة على النبي على حروف المعجم، كأن يقول فيها: اللهم صل على سيدنا محمد القائل: إنما الأعمال بالنيات، ويذكرون بعد كل تصلية حديثًا نبويًا أو سجعًا، فاعلم أنه حدث في الدين، وشرع لم يأذن به الله، فلا تتعبد أخي أصلًا إلا بكل ما يتعبد به محمد ﷺ وأصحابه، ولا تلتفت إلى ما لم يخرج من فم رسول الله ﷺ وإلا فلست محبًا له ولا متبعًا لما جاءك به، ولا مطيعًا لربك في قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، ولا تكونن آمنًا من أن يكون لك نصيب من آية: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قال الإمام أبو بكر بن العربي في شرحه على الترمذي: "حذار حذار من أن يلتفت أحد إلى ما ذكره ابن أبي زيد فيزيد في الصلاة على النبي -﵇-: " وارحم محمدًا " فإنه قريب من البدعة؛ لأن النبي –﵇– علم الصلاة بالوحي، فالزيادة فيها استقصار له – أي اتهام له بالتقصير -، واستدراك عليه، ولا يجوز أن يزيد على النبي –﵇– حرفًا" أ. هـ. وقال الإمام النووي في الأذكار ما حاصله:"وأما زيادة "وارحم محمدًا،
[ ٥٣٤ ]
النوع الثالث: أن يأتي بالذكر المشروع المقيد بزمان أو بمكان، أو بحالة معينة في غير محله، وبالأخص إذا صحب ذلك تكرار هذا الذكر في هذا الموطن الذي لم يشرع فيه، كمن يلازم الاستعاذة عند كل تثاؤب، وكأن ينادي المؤذن للصلاة بعد الأذان، وهو ما يعرف ب "التثويب"، ولذلك أنكره ابن عمر ﵁ على من فعله من المؤذنين"١"، وأنكره الإمام مالك – ﵀ –"٢".
_________________
(١) وآل محمد" فهذا بدعة لا أصل لها، قال: وقد بالغ الإمام أبو بكر بن العربي في إنكار ذلك، وتخطئة ابن أبي زيد في ذلك، وتجهيل فاعله"أ. هـ. فهذه زيادة خفيفة لا تساوي عشر معشار الزيادات التي زادوها، وألفوا فيها ألوف المجلدات العديدة، ومع هذا فقد أنكروا عليها أشد إنكار، فكيف إذا رأوا ما حدث وعم وطم، وصارت السنة بجانبه نسيًا منسيًا، وشيئًا لا يذكر إلا في بطون كتب السنن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فيا عباد الله: إن الزيادة على تعليم الرسول ﷺ بدعة ضلالة لا تقربكم من الله، بل تبعدكم عن دار كرامته ورضوانه؛ لأنه سبحانه لا يعبد إلا بما شرع، لا بالمحدثات والبدع، يا عباد الله: أتظنون أن ما ألفه لكم شيوخكم في الصلاة والتسليم أفضل مما خرج من فم المعصوم ﷺ؟ لا شك أنه كذلك عندكم، وإلا فلماذا لا تصلون على النبي بما ورد في الصحاح والسنن، بل لا تعرفونه بالكلية؟ أفضلتم مشائخكم على نبيكم الذي لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعه؟ ". انتهى كلام الشقيري ﵀. "١" سبق تخريجه عند ذكر أدلة تحريم جميع البدع في بداية هذا الفصل. "٢" ينظر ما سبق نقله عن مالك بعد ذكر أدلة تحريم جميع البدع في بداية هذا الفصل. وينظر: الاعتصام للشاطبي المالكي ١/٣٩، و٢/٣٥١، مجموع الفتاوى ٣٦/٩٧ –٢٠،
[ ٥٣٥ ]
ومن ذلك أن يجعل لكل شوط من أشواط الطواف ذكرًا معينًا، أو يجعل لمقام إبراهيم ذكرًا معينًا وهكذا، كما هو موجود في بعض الكتيبات التي يقرأها بعض الحجاج والمعتمرين جهلًا منهم بحرمة قراءتها في هذه المواضع لعدم الدليل على تخصيصها بها.
فكل هذه الأنواع محرمة؛ لأنها من البدع المحدثة، وقد تكاثرت النصوص في النهي عن البدع والتغليظ على فاعلها"١" ولإجماع الصحابة على تركها، ولو كانت مشروعة لبادروا إلى فعلها لحرصهم على الخير، بل قد ثبت عن بعضهم النهي عنها والإنكار الشديد على من فعلها كما سبق، وبعض هذه الأذكار مكروه عند بعض أهل العلم، ولا يصل إلى حد الحرمة، والله أعلم.
ولذلك فإنه يجب على المسلم أن يحرص على المواظبة على الأذكار المشروعة، وأن يبتعد عن الأذكار المبتدعة؛ لأنها معصية لله تعالى، ولأن
_________________
(١) و٣٧/٦٣،٦٤، تطهير الاعتقاد للصنعاني اليماني ص٥٤، ٥٥، السنن والمبتدعات للشقيري المصري، الباب ٢٤ في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلموفضلها وصفتها وحسرة وبخل تاركها، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف لإسماعيل الأنصاري ص٣٣٩، إصلاح المساجد لعلامة الشام محمد القاسمي، رسالة"الدعاء"للعروسي السوداني ص٦٥٨-٦٦٣، ٩٣١. "١" سبقت هذه النصوص في مقدمة هذا الفصل.
[ ٥٣٦ ]
استمراءها والاستمرار عليها يؤدي في آخر الأمر إلى إحداث واختراع أوراد شركية.
ولذلك لما عصى الله تعالى كثير من المسلمين بابتداع أوراد بدعية محرمة، أدى بهم ذلك إلى ابتداع أوراد أخرى شركية، مثل: ذكر أو "وظيفة ابن مشيش" المشهورة عند بعض الصوفية"١".
ومن ذلك:"صلاة الفاتح"التي اعتُقِد فيها اعتقادات شركية، فمبتدعوها ومن سار على طريقتهم يعتقدون أنها أفضل من القرآن الكريم الذي تكلم به ربنا جل وعلا، وأنها أفضل من جميع الأذكار التي نطق بها خير البرية محمد بن عبد الله ﷺ، وخرجت من بين شفتيه الكريمتين، وندب إليها صلوات ربي وسلامه عليه، ومثله اعتقاد بعضهم أن ورد "دلائل الخيرات"أو غيره أفضل من القرآن، فهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة.
كما أنه يجب على المسلم إذا أراد أن يذكر الله تعالى بأي ذكر أن ينظر
_________________
(١) "١" وهي:"اللهم انشلني من أوحال التوحيد وألقني في بحار الوحدة". فهو يجعل توحيد الرسل - ﵈ - أوحالًا يطلب أن يخرج منه إلى أن يتحد مع الله تعالى، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. ينظر: الدعاء للعروسي السوداني، الباب الثالث، الفصل الثالث ص٦٦١
[ ٥٣٧ ]
هل هو من الأذكار الثابتة في النصوص الشرعية فيعمل به، أو لم يرد في النصوص فيتركه، بغض النظر عن قائله، ويقدم عليه الأذكار التي نطق بها خير البرية ﷺ.
خاتمة فصل البدعة:
بعد أن استعرضنا النصوص الواردة في ذم البدع والتغليظ على فاعلها، وعرفنا ما أدى إليه التساهل بالبدع، واستمراؤها، وما أدى إليه إحداث ما ليس له أصل في هذه الشريعة الكاملة من الوقوع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، نعلم يقينًا أنه يجب على كل مسلم أن يسير على طريقة محمد بن عبد الله ﷺ، وأن لا يغير فيها، وأن لا يزيد فيها ما ليس منها من البدع المحدثات؛ لئلا يجره ذلك إلى الوقوع في الشرك؛ ولئلا يقتدي به غيره من عوام الناس وجهلتهم، فيقعوا في الشرك، فيبوء بإثمه وإثمهم؛ لأنه سن في الإسلام سنة سيئة.
كما أنه يجب على كل مسلم أن يتمسك بسنة المصطفى ﷺ وأن يقدمها على أقوال البشر، ففي سنته الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، والسلامة من الضلال والانحراف لمن تمسك بها، وهو من علامة محبة المسلم لنبينا محمد ﷺ، والإصرار على البدعة علامة على ضعف محبته للنبي ﷺ؛ ولأن فعل البدعة أو تحسينها يستلزم اتهام النبيَّ ﷺ بأن شريعته ناقصة،
[ ٥٣٨ ]
أو أنه ﷺ لم يبين للناس الشريعة كاملة، فهي في مفهوم هذا المبتدع ناقصة تحتاج إلى زيادة أو إكمال"١".
وهذا لا شك كفر إن اعتقده من اخترع هذه البدعة أو أصر على فعلها، فمن المعلوم أن الله تعالى لم يتوفَّ نبيه ﷺ حتى أكمل هذا الدين، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
كما أن النبي ﷺ قد بين للأمة جميع الأحكام الشرعية أتم بيان وأكمله، فلا حاجة إلى أن يزيد المسلم في دين الله ما ليس منه.
كما أنه يجب على المسلم البعد عن المبتدع، وعدم سماع كلامه أو مناظرته"٢"؛ لئلا يقع في قلبه شيء من ضلالاته أو الشبه التي يثيرها؛ لأن المبتدع يحتج بالمتشابه ويؤوله إلى ما تهواه نفسه، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [سورة
_________________
(١) "١" سبق ذكر قول الإمام مالك والإمام الشاطبي في هذا بعد ذكر الأدلة على تحريم جميع البدع في بداية هذا المطلب. "٢" وهذا في حق غير أهل العلم، أما أهل العلم الراسخون فيه فلا حرج في مناظرتهم للمبتدعة، وذلك من باب دعوتهم وإقامة الحجة عليهم. ينظر: رسالة"موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع".
[ ٥٣٩ ]
آل عمران:٧] . وروى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ تلا على عائشة – ﵂ – الآية السابقة، ثم قال: " إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم " "١".
فالمبتدع يترك الآيات الصريحة المحكمة، والأحاديث الصحيحة الواضحة، ويخالفها ويعارضها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، أو بالنصوص المتشابهة، فيستدل بآية أو بحديث أو أثر صحيح فيفسره بغير تفسيره، ويؤوله إلى ما يوافق هواه، ويرد غيره من النصوص التي لم توافق عقله وهواه"٢"، والله أعلم.
_________________
(١) "١" صحيح البخاري: التفسير "٤٥٤٧". "٢" ينظر ما سبق في بداية هذا الفصل بعد ذكر الأدلة على تحريم البدع وبيان تحريم معارضة السنة أو تقديم أقوال المشايخ أو هوى النفس عليها. ولهذه العلة أي اتباع المبتدع لهواه تجد كثيرًا من المبتدعة يحرص على فعل البدعة حرصًا شديدًا أكثر من حرصه على فعل السنن؛ لأنها توافق ما تهواه نفسه، ولذلك اخترعها أو قلد من اخترعها، كما أنك تجد كثيرًا من العصاة يشاركون في كثير من هذه البدع، كبدع الموالد، بينما تجده لا يأتي بكثير من الواجبات، بل ربما تجده لا يعرف من الدين إلا هذه البدع، فربما تجده لا يصلي الصلوات المفروضة، ولا يزكي أمواله، ومما يحبب البدعة إلى صاحبها أيضًا أن الشيطان يحببها إليه ويزينها في نظره، وقد سبق ذكر ما يتعلق بذلك في أواخر الكلام على بدعة الغلو في القبور.
[ ٥٤٠ ]