الشرك الأكبر
تعريفه وحكمه
الباب الثاني: نواقض التوحيد
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الشرك الأكبر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريفه، وحكمه:
قبل أن نبدأ في تعريف الشرك نذكر الفرق بين نواقض التوحيد ومنقصاته:
فنواقض التوحيد: هي الأمور التي إذا وجدت عند العبد خرج من دين الله بالكلية، وأصبح بسببها كافرًا أو مرتدًا عن دين الإسلام، وهي كثيرة، تجتمع في الشرك الأكبر، والكفر الأكبر، والنفاق الأكبر "الاعتقادي".
أما منقصات التوحيد: فهي الأمور التي تنافي كمال التوحيد ولا تنقضه بالكلية، فإذا وجدت عند المسلم قدحت في توحيده ونقص إيمانه، ولم يخرج من دين الإسلام، وهي المعاصي التي لا تصل إلى درجة الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر أو النفاق الأكبر، وعلى رأسها: وسائل الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، والكفر الأصغر، والنفاق الأصغر، والبدعة.
[ ١٤٩ ]
أما تعريف الشرك الأكبر: فهو في اللغة يدل على المقارنة، التي هي ضد الانفراد، وهو أن يكون الشيء بين اثنين، لا ينفرد به أحدهما. يقال "لا تشرك بالله" أي لا تعدل به غيره فتجعله شريكًا له، فمن عدل بالله أحدًا من خلقه فقد جعله له شريكًا"١".
وفي الاصطلاح: أن يتخذ العبد لله ندًا يسوِّيه به"٢" في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
أما حكمه:
فإن الشرك هو أعظم ذنب عصي الله به، فهو أكبر الكبائر، وأعظم الظلم؛ لأن الشرك صرف خالص حق الله تعالى - وهو العبادة - لغيره، أو وصف أحد من خلقه بشيء من صفاته التي اختص بها - ﷿ -، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولذلك رتّب الشرع عليه آثارًا وعقوبات عظيمة، أهمها:
١- أن الله لا يغفره إذا مات صاحبه ولم يتب منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] .
_________________
(١) "١" معجم مقاييس اللغة ٣/٣٦٥، ولسان العرب "مادة: شرك ". "٢" مدارج السالكين "منزلة التوبة" ١/٣٦٨، النونية مع شرحها لابن عيسى ٢/٢٦٣، ٢٦٦، أعلام السنة المنشورة ص٥٢، سلم الوصول "مطبوع مع شرحه معارج القبول" ٢/٤٧٥. وينظر حجة الله البالغة للدهلوي باب أقسام الشرك ١/١٨٣، ١٨٤، الدين الخالص ١/٧٨، ٧٩.
[ ١٥٠ ]
٢- أن صاحبه خارج من ملة الإسلام، حلال الدم والمال، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
٣- أن الله تعالى لا يقبل من المشرك عملًا، وما عمله من أعمال سابقة تكون هباءً منثورًا "١"، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
٤- يحرم أن يتزوج المشرك بمسلمة، كما يحرم أن يتزوج المسلم مشركة"٢"، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] .
٥- إذا مات المشرك فلا يُغسل، ولا يُكفن، ولا يُصلى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، وإنما يحفر له حفرة بعيدة عن الناس
_________________
(١) "١" الجواب الكافي ص ٢١٠، إغاثة اللهفان: فصل فيما في الشرك من الخبث ١/٦٠ - ٦٢، التيسير باب الخوف من الشرك ص ٨٩، فتح المجيد ١/١٧٣، ١٧٤، معارج القبول ٢/٤٧٥ - ٤٨٢، ٤٨٦. "٢" ويستثنى من ذلك نساء أهل الكتاب – اليهود والنصارى - كما قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] . وينظر تفسير الآية ٢٢١ من سورة البقرة في تفسير ابن كثير.
[ ١٥١ ]
ويدفن فيها، لئلا يؤذي الناس برائحته الكريهة "١".
٦- أن دخول الجنة عليه حرام، وهو مخلد في نار الجحيم"٢" - نسأل الله السلامة والعافية - كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] .
_________________
(١) "١" ينظر المبدع، والروض مع حاشيته لابن قاسم كتاب الجنائز وكتاب المرتد، الدين الخالص ١/١٨٧، ١٩٣، ٢٤٢ - ٢٤٨، ٣٤٣ - ٣٩٠، الضياء اللامع " فضل الصلاة وحكم تاركها " ص ٢٩٤. "٢" تنظر المراجع السابقة، وينظر شرح مسلم للنووي ٢/٩٧، وتفسير الآية "٧٢" من المائدة في تفسيري: ابن كثير والسعدي.
[ ١٥٢ ]
المبحث الثاني: أقسام الشرك الأكبر
للشرك الأكبر ثلاثة أقسام رئيسة هي:
القسم الأول: الشرك في الربوبية: وهو أن يجعل لغير الله تعالى معه نصيبًا من الملك أو التدبير أو الخلق أو الرزق الاستقلالي "٣".
ومن صور الشرك في هذا القسم:
١- شرك النصارى الذين يقولون: " الله ثالث ثلاثة "، وشرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور - وهو عندهم الإله
_________________
(١) "٣" ينظر اقتضاء الصراط المستقيم: فصل النوع الثاني من الأمكنة ٢/٧١٠، الإرشاد إلى معرفة الأحكام للسعدي " الردة " ص٢٠٥.
[ ١٥٢ ]
المحمود - وحوادث الشر إلى الظلمة.
٢- شرك القدرية الذين يزعمون أن الإنسان يخلق أفعاله.
٣ - شرك كثير من غلاة الصوفية والرافضة من عباد القبور الذين يعتقدون أن أرواح الأموات تتصرف بعد الموت فتقضي الحاجات وتفرج الكربات، أو يعتقدون أن بعض مشايخهم يتصرف في الكون أو يغيث من استغاث به ولو مع غيبته عنه.
٤ - الاستسقاء بالنجوم: وذلك باعتقاد أنها مصدر السقيا، وأنها التي تنزل الغيث بدون مشيئة الله تعالى، وأعظم من ذلك أن يعتقد أنها تتصرف في الكون بالخلق أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة أو بالشفاء أو المرض أو الربح أو الخسارة، فهذا كله من الشرك الأكبر. قال الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، والمعنى تجعلون شكركم لله على ما رزقكم الله من الغيث والمطر أنكم تكذبون - أي تنسبونه إلى غيره - "١". وقال النبي ﷺ: "أربع في
_________________
(١) "١" ينظر في جميع الأنواع السابقة صحيح البخاري مع الفتح كتاب التوحيد باب " فلا تجعلوا لله أندادًا " ١٣/٤٩٠ - ٤٩٥، الشفا " مطبوع مع شرحه للقاري ٢/٥١٤"، تفسير القرطبي للآية "٨٢" من سورة الواقعة ١٧/٢٢٩، ٢٣٠، مجموع الفتاوى١/٩٢، الاستغاثة ٢/٥٣٦، الجواب الكافي ص١٩٣، ١٩٤، شرح الطحاوية ص ٢٦ - ٢٨، ٣٨، تجريد التوحيد ص ٢٥، ٢٩، ٤٢، ٤٣، الدين الخالص ١/٦٩، ٧١، و٢/٨، ١٢٨- ١٣٤، تيسير العزيز الحميد: المقدمة ص٢٨، ٢٩، وباب=
[ ١٥٣ ]
أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة ". رواه مسلم"١".
القسم الثاني: الشرك في الأسماء والصفات:
وهو: أن يجعل لله تعالى مماثلًا في شيء من الأسماء أو الصفات، أو يصفه تعالى بشيء من صفات خلقه.
فمن سمّى غير الله باسم من أسماء الله تعالى معتقدًا اتصاف هذا المخلوق بما دل عليه هذا الاسم مما اختص الله تعالى به، أو وصفه بصفة من صفات الله تعالى الخاصة به فهو مشرك في الأسماء والصفات.
وكذلك من وصف الله تعالى بشيء من صفات المخلوقين فهو مشرك في الصفات.
ومن صور هذا الشرك:
١ - اشتقاق أسماء للآلهة الباطلة من أسماء الله تعالى، كاشتقاق
_________________
(١) من الشرك أن يستغيث بغير الله، وباب ما جاء في التنجيم، وباب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، رسالة التوحيد للدهلوي ص ٢٠-٣١، ٤١، ٤٤، ٦٨، منهاج التأسيس والتقديس ص ٢٦٥، معارج القبول ص ٤٠١، ٤٧٥، ٤٨٥، ٥٦٠، ٩٨٠ - ٩٨٣، الإرشاد للفوزان ص ٨٨، ٩٣، عالم السحر للأشقر ص ٢٢٤، ٢٢٥، النواقض الاعتقادية للوهيبي " الشرك في الربوبية " ٢/٨٩ - ١١٢. "١" صحيح مسلم كتاب الجنائز " ٩٣٤ ".
[ ١٥٤ ]
اسم "اللات" من "الإله"، و"العزى" من "العزيز""١".
٢- اعتقاد بعض غلاة الرافضة وبعض غلاة الصوفية أن بعض الأحياء أو الأموات يسمعون من دعاهم في أي مكان وفي أي وقت"٢".
٣- شرك الممثلة: وهو اعتقاد أن صفات الخالق تماثل صفات المخلوق، كمن يقول: "يد الله كيدي"، أو " سمعه كسمعي "، أو "استواؤه كاستوائي""٣"، وهذا كله شرك، فالله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] .
٤- الشرك بدعوى علم الغيب، أو باعتقاد أن غير الله تعالى يعلم الغيب، فكل ما لم يطلع عليه الخلق ولم يعلموا به بأحد الحواس الخمس"٤" فهو من علم الغيب، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي
_________________
(١) "١" بدائع الفوائد ١/١٦٩، تيسير العزيز الحميد ص ٢٨. "٢" أعلام السنة المنشورة ص ٨٧، معارج القبول ٢/٤٧٥. "٣" بدائع الفوائد ١/١٧٠، الروح " الفرق بين اثبات حقائق الأسماء والصفات وبين التشبيه " ص ٣٥٤، تيسير العزيز الحميد ص٢٨. "٤" وهي السمع والبصر والشم واللمس والذوق، فمن سمع شيئًا أو أخبره مخبر من الجن أو الإنس بشيء رآه أو سمعه فقد علمه بطريق السمع، إما بنفسه، أو عن طريق سماع كلام هذا الذي رآه أو سمعه، وهكذا بقية الحواس. وليس من ادعاء علم الغيب ما يعرف من نتائج بعض الأمور من النظر في مقدماتها، ولا الإخبار عن المسبَّبات من النظر في أسبابها، كما يحصل في علم الطب، من معرفة شفاء المرض بعلاج معين، ونحو ذلك، وكما يحصل في علم الفلك
[ ١٥٥ ]
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ٢٠]، وقال ﷾: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقال لنبيه ﷺ أيضًا: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
فمن ادَّعى أنَّ أحدًا من الخلق يعلم الغيب، فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، لأن في ذلك ادعاء مشاركة الله تعالى في صفة من صفاته الخاصة به، وهي "علم الغيب". ومن أمثلة الشرك بدعوى علم الغيب:
_________________
(١) من رصد هبوب الرياح أو معرفة وقت الكسوف، ونحو ذلك - على تفصيل في ذلك لا يتسع المقام له -. ينظر مفتاح دار السعادة ص ٢١٧، ٢١٨، وينظر فتح المجيد والقول المفيد باب ما جاء في الكهان ونحوهم، وكتاب عالم السحر للأشقر " أدعياء الغيب " ص ٢٦٣. وقد ذكر شيخنا محمد بن عثيمين في القول المفيد أن الإخبار عن أحوال الطقس في ٢٤ ساعة ونحوها ليس من ادَّعاء علم الغيب لأنه يستند إلى أمور حسية، وهي تكيف الجو، لأن الجو يتكيف على صفة معينة تعرف بالموازين الدقيقة عندهم، فيكون صالحًا لأن يمطر أو لا يمطر. وينظر مفتاح دار السعادة ٢/٢١٧.
[ ١٥٦ ]
أ - اعتقاد أن الأنبياء أو أن بعض الأولياء والصالحين يعلمون الغيب: وهذا الاعتقاد يوجد عند غلاة الرافضة والصوفية، ولذلك تجدهم يستغيثون بالأنبياء والصالحين الميتين وهم بعيدون عن قبورهم، ويدعون بعض الأحياء وهم غائبون عنهم، ويعتقدون أنهم جميعًا يعلمون بحالهم وأنهم يسمعون كلامهم، وهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة "١".
ب- الكهانة: الكاهن هو الذي يدعي أنه يعلم الغيب. ومثله أو قريب منه " العرّاف "، و"الرمّال"، ونحوهم، فكل من ادعى أنه يعرف علم ما غاب عنه دون أن يخبره به مخبر، أو زعم أنه يعرف ما سيقع قبل وقوعه فهو مشرك شركًا أكبر، سواء ادّعى أنه يعرف ذلك عن طريق " الطرق بالحصى "، أم عن طريق حروف " أبا جاد ""٢"، أم عن طريق " الخط في الأرض "، أم
_________________
(١) "١" رسالة التوحيد للدهلوي ص ٢٠، ٣١، ٣٤، وينظر تيسير العزيز الحميد وفتح المجيد باب من الشرك أن يستغيث بغير الله. وينظر ما سبق في ختام الكلام على توحيد الربوبية، وينظر ما يأتي عند ذكر أمثلة الشرك في دعاء المسألة – إن شاء الله -. "٢" ولا يجوز تعلم الحروف من أجل ذلك، أما تعلمها من أجل التهجي فلا بأس. ينظر التيسير ص٣٦٤.
[ ١٥٧ ]
عن طريق "قراءة الكف"، أم عن طريق "النظر في الفنجان"، أم غير ذلك، كل هذا من الشرك"١"، وقد قال النبي ﷺ:" ليس منا من تَطيَّر أو تُطيِّر له، أو تَكهَّن أو تُكُهِّن له، أو سَحَر أو سُحِرَ له، ومن أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ " "٢".
_________________
(١) "١" ينظر شرح السنة ١٢/١٨١ - ١٨٤، شرح مسلم للنووي ١٤/٢٢٣، مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٥/١٧٠ – ١٩٧، تفسير القرطبي ٧/٢، ٣، مفتاح دار السعادة ٢/١٢٥ - ٢٤٢، فتح الباري ١٠/٢١٦، ٢١٧، شرح الطحاوية ص ٧٥٩، ٧٦٠، الفروع ٦/١٧٧، ١٧٨، الروض مع حاشيته لابن قاسم ٧/٤١٣، الزواجر ٢/١٠٩، الدين الخالص ١/٤٢٣ - ٤٥٥، و٢/١٣٧ - ١٤١، تيسير العزيز الحميد باب ما جاء في الكهان، معارج القبول ص ٥٥٩ - ٥٧٤، التوحيد للدهلوي ص٣٤، ٦٩، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/١٦٤، ١٦٥، عالم السحر للأشقر ص ١٣، الإرشاد للفوزان ص ٨٤، النواقض القولية والعملية للدكتور عبد العزيز بن عبد اللطيف ص ٥١٨ - ٥٢٢. "٢" رواه البزار كما في الكشف "٣٠٤٤" من طريق الحسن عن عمران. وذكر الحافظ المنذري في الترغيب "٤٤٦٧" والحافظ ابن حجر في الفتح ١٠/٢١٧: أن إسناده جيد. ولشطره الأول شاهد من حديث ابن عباس عند البزار "٣٠٤٣". قال المنذري في الترغيب: " إسناده حسن ". وشاهد آخر من حديث علي رواه أبو نعيم في الحلية ٤/١٩٥. ولشطره الثاني شاهد عند أحمد ٢/٤٢٩ من حديث أبي هريرة بلفظ " من أتى كاهنًا أو عرافًا " إلخ. وإسناده صحيح.
[ ١٥٨ ]
ج- اعتقاد بعض العامة أن السحرة أو الكهان يعلمون الغيب، أو تصديقه لهم في دعواهم معرفة ما سيقع في المستقبل"١"، فمن اعتقد ذلك أو صدقهم فيه فقد وقع في الكفر والشرك المخرج من الملة"٢"، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:" من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ " "٣".
_________________
(١) "١" ومن ذلك تصديقهم في زعمهم أن الغيث سينزل حتمًا في وقت كذا، أو أن الدولة الفلانية ستنتصر في وقت كذا، أو أن فلانًا سيكون حظه كذا، أو سيربح أو سيخسر أو سيموت في وقت كذا ونحو ذلك. أما ما سبق وقوعه فقد يعلم به الكاهن عن طريق الجن الذين شاهدوا وقوعه وأخبروه فيكون علمه به بإخبار غيره له، وقد يغتر بعض الجهال بذلك فيصدقه في كل ما يخبر به. ينظر شرح مسلم للنووي ١٤/٢٢٣، وفتح الباري ١٠/ ٢١٧، وتيسير العزيز الحميد، وفتح المجيد، وقرة عيون الموحدين باب ما جاء في الكهان. ولا يجوز تصديقهم فيما يزعمون أنه سيقع في المستقبل بدعوى أنهم عرفوا ذلك عن طريق سماع الجن لكلام الملائكة ثم إخبار الكاهن بذلك، لأن النبي ﷺ أخبر كما في صحيح البخاري "٥٧٦٢"، وصحيح مسلم "٢٢٢٨" أنهم يكذبون مع الكلمة التي سمعت مائة كذبة، وعليه فمن صدقهم فقد صدق بما أخبر النبي ﷺ أنه كذب وبما هو من دعوى علم الغيب، وظاهر الحديث أن من صدقهم بهذه الحجة يكفر، كما قال في تيسير العزيز الحميد ص ٣٥٨. "٢" ينظر المراجع التي سبق ذكرها قريبًا عند الكلام على حكم الكهانة. "٣" سبق تخريجه قريبًا. قال الشيخ حافظ الحكمي ﵀: ومن يصدق كاهنًا فقد كفر بما أتى به الرسول المعتبر.=
[ ١٥٩ ]
د- التنجيم: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية المستقبلة.
وذلك أن المُنَجِّم يدعي من خلال النظر في النجوم معرفة ما سيقع في الأرض من نصر لقوم، أو هزيمة لآخرين، أو خسارة لرجل، أو ربح لأخر، ونحو ذلك، وهذا لا شك من دعوى علم الغيب، فهو شرك بالله تعالى"١".
ومما يفعله كثير من المشعوذين والدجاجلة أن يدعي أن لكل نجم تأثيرًا معينًا على من ولد فيه، فيقول: فلان وُلِدَ في برج كذا فسيكون سعيدًا، وفلان وُلِدَ في برج كذا فستكون حياته شقاء، ونحو ذلك، وهذا كله كذب، ولا يصدقه إلا جهلة الناس وسفهاؤهم، قال الشيخ ابن عثيمين: " فهذا اتخذ تعلُّم النجوم وسيلةً لادّعاء علم الغيب،
_________________
(١) = أما مجرد الذهاب إلى الكاهن وسؤاله مع عدم تصديقه فهو محرم وكبيرةً من كبائر الذنوب، لقوله ﷺ: " من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " رواه مسلم "٢٢٣٠" قال الحافظ في الفتح ١٠/٢١٧: " الوعيد جاء تارة بعدم قبول الصلاة وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين من الآتي، أشار إلى ذلك القرطبي " وفيه حديث فيه ضعف يستأنس به لهذا الحمل. ينظر في الترغيب "٤٤٧٢"، وينظر معارج القبول ٢/٥٧٢. "١" تنظر المراجع التي سبق ذكرها قريبًا عند بيان حكم الكهان، وينظر تيسير العزيز الحميد باب ما جاء في التنجيم، وباب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.
[ ١٦٠ ]
ودعوى علم الغيب كفر مخرج من الملة ""١".
القسم الثالث: الشرك في الألوهية:
وهو: اعتقاد أن غير الله تعالى يستحق أن يعبد أو صرف شيء من العبادة لغيره "٢".
وأنواعه ثلاثة، هي:
الأول: اعتقاد شريك لله تعالى في الألوهية"٣".
فمن اعتقد أن غير الله تعالى يستحق العبادة مع الله"٤" أو يستحق أن يصرف له أي نوع من أنواع العبادة فهو مشرك في الألوهية.
ويدخل في هذا النوع من يسمي ولده أو يتسمى باسم يدل على التعبد لغير الله تعالى"٥"، كمن يتسمى ب "عبد الرسول"، أو "عبد الحسين"، أو غير ذلك.
فمن سمى ولده أو تسمى بشيء من هذه الأسماء التي فيها التعبد
_________________
(١) "١" القول المفيد باب ما جاء في التنجيم ٢/٥. "٢" مجموع فتاوى ابن تيمية ١/٧٤، ٩١، الإرشاد للسعدي " الردة " ص٢٠٥، الدرر السنية ١/١٥٧. "٣" تيسير العزيز الحميد ص ٢٨ نقلًا عن القرطبي. "٤" الإرشاد للسعدي: الردة ص ٢٠٥. "٥" الدين الخالص لصديق حسن خان ٢/١٠٤، رسالة التوحيد للدهلوي الهندي ص١٧، ٢٥، وينظر مجموع فتاوى ابن تيمية آخر ج١ ص ٣٧٨، ٣٧٩.
[ ١٦١ ]
للمخلوق معتقدًا أن هذا المخلوق يستحق أن يُعبَد فهو مشرك بالله تعالى.
النوع الثاني: صرف شيء من العبادات المحضة لغير الله تعالى:
فالعبادات المحضة بأنواعها القلبية والقولية والعملية والمالية حق لله تعالى لا يجوز أن تصرف لغيره - كما سبق بيان ذلك عند الكلام على توحيد الألوهية - فمن صرف شيئًا منها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر.
قال علَاّمة الهند: صديق حسن خان القنوجي في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] قال ﵀: "قد تقرر أن العبادة لا تجوز إلا لله، وأنه هو المستحق لها، فكل ما يسمى في الشرع عبادة ويصدق عليه مسماها فإن الله يستحقه، ولا استحقاق لغيره فيها، ومن أشرك فيها أحدًا من دون الله فقد جاء بالشرك، وكتب اسمه في ديوان الكفر""١".
والشرك بصرف شيء من العبادة لغير الله له صور كثيرة، يمكن حصرها في الأمرين التاليين:
الأمر الأول: الشرك في دعاء المسألة:
دعاء المسألة هو أن يطلب العبد من ربه جلب مرغوب أو دفع مرهوب"٢".
_________________
(١) "١" الدين الخالص باب في رد الإشراك في العبادات ٢/٥٢. "٢" الاستغاثة ٢/٤٥٢، تيسير العزيز الحميد باب من الشرك الاستعاذة بغير الله=
[ ١٦٢ ]
ويدخل في دعاء المسألة: الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والاستجارة "١".
قال الخطابي رحمه الله تعالى: "ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه - ﷿ - العناية، واستمداده إياه المعونة. وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة. وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله - ﷿ - وإضافة الجود والكرم إليه""٢".
والدعاء من أهم أنواع العبادة، فيجب صرفه لله تعالى، ولا يجوز لأحد أن يدعو غيره كائنًا من كان، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " الدعاء هو العبادة ""٣"، وقال صلى الله عليه سلم في وصيته لابن عباس: " إذا سألت فاسأل الله،
_________________
(١) = ص ١٨٠، وفتح المجيد ٢/٣٠١، مجموعة الرسائل ٥/٥٩٤. "١" قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ١٥/٢٢٧: "الاستعاذة والاستجارة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء أو الطلب، وهي ألفاظ متقاربة "، وينظر الاستغاثة الموضع السابق. "٢" شأن الدعاء ص ٤. "٣" رواه ابن أبي شيبة في المصنف في الدعاء ١٠/٢٠٠، والطيالسي "٨٠١"، وأحمد ٤/٢٧١، ٢٧٦، وأبو داود في الصلاة "٤٧٩"، والترمذي في التفسير "٣٢٤٧"، وابن =
[ ١٦٣ ]
وإذا استعنت فاستعن بالله " "١"، فمن دعا غير الله فقد وقع في الشرك الأكبر - نسأل الله السلامة والعافية -.
ومن أمثلة الشرك في دعاء المسألة ما يلي:
أ - أن يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق، سواء أكان
_________________
(١) =ماجه في فاتحة الدعاء "٣٨٢٨"، والطبراني في الدعاء "١-٧"، وابن حبان "الإحسان ٨٩٠"، والحاكم ١/٤٩١، والبيهقي في كتابه " الدعوات " "٤"، والخطابي في شأن الدعاء "١" من طريقين صحيحين عن ذر بن عبد الله عن يسيع الحضرمي عن النعمان. وإسناده صحيح، وقال الترمذي "حسن صحيح "، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، وصححه كذلك النووي كما في فيض القدير ٣/٥٤٠، وشيخنا عبد العزيز بن باز في تحفة الأخيار ص١٣، والألباني في صحيح الترمذي. ولهذا الحديث شاهد من حديث ابن عباس رواه الحاكم ١/٤٩١ وصححه، ووافقه الذهبي. ومعنى الحديث: أن الدعاء من أفضل أنواع العبادة. ينظر شأن الدعاء للخطابي ص ٥، والفتح أول كتاب الدعاء ١١/٩٤، وفيض القدير ٣/٥٤٠. "١" رواه الإمام أحمد ١/٢٩٣، والترمذي في القيامة "٢٥١٦"، وأبويعلى "٢٥٥٦"، والطبراني في الدعاء "٤٢"، والمزي في ترجمة قيس بن الحجاج من طريق الليث بن سعد، عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس. وإسناده حسن، رجاله ثقات، عدا " قيس "، وهو " صدوق "، وقال الترمذي: " حسن صحيح "، وذكره النووي في الأربعين، وحسن هذا الإسناد ابن رجب في جامع العلوم ١/٤٦٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي. ولهذا الحديث طرق أخرى وشواهد تنظر عند الطبراني في الدعاء، وينظر جامع العلوم ١/٤٦٠-٤٦٢.
[ ١٦٤ ]
هذا المخلوق حيًا أم ميتًا، نبيًا أم وليًا أم ملكًا أم جنيًا أم غيرهم، كأن يطلب منه شفاء مريضه أو نصره على الأعداء، أو كشف كربة، أو أن يغيثه، أو أن يعيذه، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا كله شرك أكبر، مخرج من الملة بإجماع المسلمين"١"؛ لأنه دعا غير الله، واستغاث به، واستعاذ به، وهذا كله عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله بإجماع المسلمين، وصرفها لغيره شرك، ولأنه اعتقد في هذا المخلوق مالا يقدر عليه إلا الله ﷾"٢".
_________________
(١) "١" ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية ١/١٢٤، ١٩٤، و٢٧/٦٧ - ٨٧، ١٤٥، قاعدة في التوسل ص٥٨، ٥٩، قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام وعبادات أهل الشرك ص ٧٠، الاستغاثة ١/٣٧٦، و٢/٦١٩، مدارج السالكين "منزلة التوبة" ٣/٣٧٥، القول الفصل النفيس ص ٩٥، منهاج التأسيس ص ١٠٤، الدر النضيد ص ٢٨–٩٢، مصباح الظلام ص ١٨٨، الدرر السنية ٢/١٩٢ – ١٩٤، تيسير العزيز الحميد وفتح المجيد باب من الشرك الاستعاذة بغير الله، والأبواب الأربعة بعده، مجموعة الرسائل ٤/٤٦٩، السنن والمبتدعات فصل في الأدعية المحرمة ص ٢١٢ – ٢٦٦، القول الجلي ص٥٦، سيف الله لصنع الله الحنفي ص٤٨. "٢" الدر النضيد للشوكاني ص٦٩، ٧٠، "الكواكب الدرية للرباطي الحنفي ص٣٦-٣٩، الوسيلة لجوهر الباكستاني الحنفي ص٤٢ - ٦٧، التبيان للرستمي الحنفي ص ١٥٥ - ١٦١نقلًا عن كتاب جهود علماء الحنفية لشمس الدين الأفغاني ص ١٤٧٢ – ١٤٧٤"، منهاج التأسيس ص ١٨٧، القول الفصل النفيس ص٨٢، حجة=
[ ١٦٥ ]
ب– دعاء الميت.
ج – دعاء الغائب.
فمن دعا غائبًا أو دعا ميتًا وهو بعيد عن قبره، وهو يعتقد أن هذا المدعو يسمع كلامه أو يعلم بحاله فقد وقع في الشرك الأكبر، سواء أكان هذا المدعو نبيًا أم وليًا، أم عبدًا صالحًا أم غيرهم، وسواء طلب من هذا المدعو ما لا يقدر عليه إلا الله أم طلب منه أن يدعو الله تعالى له، ويشفع له عنده"١"، فهذا كله شرك بالله تعالى مخرج من الملة؛ لما فيه
_________________
(١) = الله البالغة ١/١٨٥، صيانة الإنسان ص٣٧٣، مجموعة الرسائل ٥/٥٩٣ - ٦٠٣، ٦١٠ - ٦١٨، الصواعق المرسلة الشهابية ص ١٣٢ - ١٣٧، تصحيح الدعاء ص ٢٤٧،٢٥١. "١" وقريب من هذا من جاء إلى القبر وطلب من صاحبه أن يدعو الله له فهذا عمل محرم، وهو بدعة باتفاق السلف. ينظر قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام ص١١١ - ١٣٦، مجموع الفتاوى ١/٣٣٠، ٣٥١، ٣٥٤ و٢٧/٧٦، قاعدة في المحبة ص١٩٠ - ١٩٢، رسالة زيارة القبور لابن تيمية ص ٢٥، ٤٩، ٥٠، تلخيص الاستغاثة ص ٥٧، الرد على الأخنائي ص ١٦٤، ١٦٥، ٢١٦، صيانة الإنسان ص ٣٦٠، القول الجلي ص ٥٦، تعليق شيخنا عبد العزيز بن باز على الفتح كتاب الاستسقاء ٢/٤٩٥، تصحيح الدعاء ص ٢٥١. وقد نصّ جمع من أهل العلم على أن هذا العمل شرك أكبر. ينظر مدارج السالكين ١/٣٦٩، إغاثة اللهفان: "الفرق بين زيارة الموحدين "١/٢١٨-٢٢٢،=
[ ١٦٦ ]
من دعاء غير الله، ولما فيه من اعتقاد أن المخلوق يعلم الغيب، ولما فيه من اعتقاد إحاطة سمعه بالأصوات، وهذا كله من صفات الله تعالى التي اختص بها، فاعتقاد وجودها في غيره شرك مخرج من الملة"١".
د - أن يجعل بينه وبين الله تعالى واسطة في الدعاء"٢"، ويعتقد أن
_________________
(١) =تطهير الاعتقاد ص١٥، الدين الخالص١/١٩١، ٢١٣، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٣٨، ٤١٣، و٢/٥٧، الدرر السنية ١/٨٥، ٢٢٤ و٢/٢٣٨، ٢٣٩، "تيسير العزيز الحميد وفتح المجيد باب من الشرك الاستعاذة بغير الله وباب الشفاعة"، "الكواكب الدرية للرباطي الحنفي ص ٧٧ - ١٠٨، والتبيان للرستمي الحنفي ص١٥٥-١٦١، والوسيلة لجوهر الباكستاني الحنفي ص ٤٢ - ٦٧ نقلًا عن كتاب جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية للدكتور شمس الدين الأفغاني ٣/١٤٧٢ - ١٤٧٤"، ويراجع الرسالة الصفدية ٢/١٨٧ - ٢٩١. وللتوسع في هذه المسألة ينظر مجموع الفتاوى ٢٤/٣٠٣، ٣٣١، ٣٣٢، الروح "المسألة الأولى"، تفسير الآية "٦٤" من النساء في تفسيري القرطبي وابن كثير، كتاب الدعاء للعروسي. "١" مجموع الفتاوى ٢٧/٨١، ٨٢، رسالة التوحيد لإسماعيل الدهلوي ص ١٧، ٢٠ - ٢٣، ٣١، ٤٣، "مجموع فتاوى عبد الحي اللكنوي ١/٢٦٤ نقلًا عن كتاب الدعاء للعروسي ص٢٧٤، ٢٧٥، ٤٩٦"، مصباح الظلام للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ابن حسن ص١٩٩ - ٢٠١، ٢٥٤، روح المعاني للألوسي ١٣/٦٧، و١٧/٢١٣، و٢٤/١١، صيانة الإنسان لمحمد بن بشير السهسواني الهندي ص٣٧٣ وتنظر المراجع المذكورة عند ذكر حكم الكهانة. "٢" سواء أكانت هذه الواسطة من بني آدام كالأنبياء والصالحين أم من الملائكة أم من=
[ ١٦٧ ]
الله تعالى لا يجيب دعاء من دعاه مباشرة، بل لا بد من واسطة بين الخلق وبين الله في الدعاء، فهذه شفاعة شركية مخرجة من الملة"١".
واتخاذ الوسائط والشفعاء هو أصل شرك العرب"٢"، فهم كانوا يزعمون أن الأصنام تماثيل لقوم صالحين، فيتقربون إليهم طالبين منهم الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] .
الأمر الثاني: الشرك في دعاء العبادة:
دعاء العبادة هو: عبادة الله تعالى بأنواع العبادات القلبية، والقولية،
_________________
(١) =الجن أم من غيرهم. "١" ومثله من يعتقد أن الله تعالى يجيب دعاء الواسطة لحاجته إلى هذه الواسطة، أو يعتقد أن لهذه الواسطة حقًا على الله كما هو حال من يشفع عند الملوك، فهذا كله شرك مخرج من الملة. ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية ١/١٢٦- ١٣٥، ١٥٠- ١٦٣، و٢٤/٣٤١، إغاثة اللهفان ١/٦٢، رسالة التوحيد للدهلوي الهندي ص٤٦-٤٨. "٢" شرح الطحاوية ص٢٩، تطهير الاعتقاد ص١٥، بل هو أصل شرك الخلق كلهم. ينظر إغاثة اللهفان فصل في ما في الشرك والزنا من الخبث ١/٦٢، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ١/١٣٤، ١٣٥: " من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عُباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى".
[ ١٦٨ ]
والفعلية كالمحبة، والخوف، والرجاء والصلاة، والصيام، والذبح، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى وغيرها.
وسمي هذا النوع "دعاء" باعتبار أن العابد لله بهذه العبادات طالب وسائل لله في المعنى، لأنه إنما فعل هذه العبادات رجاء لثوابه وخوفًا من عقابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب"١"، فهو داع لله تعالى بلسان حاله، لا بلسان مقاله.
ومن أمثلة الشرك في هذا النوع:
أ- شرك النية والإرادة والقصد:
هذا الشرك إنما يصدر من المنافق النفاق الأكبر، فقد يظهر الإسلام وهو غير مقر به في باطنه، فهو قد راءى بأصل الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:١٤]، وقد يرائي ببعض العبادات، كالصلاة، كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] "٢"، فهم قد جمعوا بين الشرك والنفاق.
_________________
(١) "١" بدائع الفوائد ٣/٢-٥، تيسير العزيز الحميد وفتح المجيد باب من الشرك أن يستغيث بغير الله، مقدمة تفسير السعدي ص ١٤. "٢" وقد عدَّ بعض العلماء من هذا الشرك: الرياء المحض إذا صدر من المسلم، وإرادة =
[ ١٦٩ ]
ب- الشرك في الخوف:
الخوف في أصله ينقسم إلى أربعة أقسام:
١- الخوف من الله تعالى: ويسمى "خوف السر"، وهو الخوف المقترن بالمحبة والتعظيم والتذلل لله تعالى، وهو خوف واجب، وأصل من أصول العبادة"١".
٢- الخوف الجِبلِّي: كالخوف من عدو، والخوف من السباع المفترسة ونحو ذلك. وهذا خوف مباح؛ إذا وجدت أسبابه، قال الله تعالى عن نبيه موسى ﵇: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] .
٣- الخوف الشركي: وهو أن يخاف من مخلوق خوفًا مقترنًا بالتعظيم والخضوع والمحبة. ومن ذلك الخوف من صنم أو من ميت خوفًا مقرونًا بتعظيم ومحبة، فيخاف أن يصيبه بمكروه بمشيئته وقدرته، كأن يخاف أن يصيبه بمرض أو بآفة في ماله، أو يخاف أن يغضب عليه؛ فيسلبه نِعَمَهُ فهذا من الشرك الأكبر، لأنه صرف عبادة الخوف والتعظيم لغير الله، ولما في ذلك من اعتقاد النفع والضر في غير
_________________
(١) = الدنيا وحدها بالعبادة، ولعل الأقرب أن هذا من الشرك الأصغر، وسيأتي الكلام على ذلك عند الكلام على الرياء في الباب الآتي - إن شاء الله -. "١ " سبق الكلام على هذا القسم عند الكلام على أصول العبادة في الباب الأول.
[ ١٧٠ ]
الله تعالى"١"، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] قال ابن عطية المالكي الأندلسي المولود سنة ٤٨١هـ في تفسيره في تفسير هذه الآية: " يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة ".
ومن الخوف الشركي: أن يخاف من مخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، كأن يخاف من مخلوق أن يصيبه بمرض بمشيئته وقدرته"٢".
_________________
(١) "١" ومن هذا النوع: ما ذكره الله تعالى عن قوم هود ﵇ أنهم قالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٤، ٥٥] . ومنه: ما رواه ابن إسحاق - كما في السيرة لابن هشام ٤/٥٧٣،٥٧٤، ومن طريقه الإمام أحمد "٢٣٨٢"، والدارمي "٦٥٨"، وأبو داود "٤٨٧"، والحاكم ٣/٥٤،٥٥ عن ابن عباس - ﵄ - أن ضمام بن ثعلبة ﵁ قال لقومه لما جاءهم مسلمًا: بئست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام - أي اسكت - اتق البرص واتق الجنون واتق الجذام. قال: ويلكم، إنهما لاتضران ولاتنفعان.. إلخ. وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا أحمد شاكر في تعليقه على المسند، وحسنه الألباني في تعليقه على فقه السيرة ص٤٢٤. "٢ " فإن صحب هذا الخوف تعظيم فهو شرك في الألوهية كما سبق، وإن لم يصحبه تعظيم فهو شرك في الربوبية.
[ ١٧١ ]
٤- الخوف الذي يحمل على ترك واجب أو فعل محرم، وهو خوف محرم"١"، كمن يخاف من إنسان حي أن يضره في ماله أو في بدنه، وهذا الخوف وهمي لا حقيقة له، وقد يكون هناك خوف فعلًا ولكنه يسير لا يجوز معه ترك الواجب أو فعل المحرم"٢". قال الله تعالى:
_________________
(١) "١ " ينظر في أنواع الخوف تيسير العزيز الحميد ص ٢٤، وينظر باب ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ في تيسير العزيز الحميد، وفتح المجيد، وإبطال التنديد، والقول السديد، والقول المفيد، الإرشاد للفوزان ص٥٣-٦٠. "٢ " وهذا حال كثير من ضعفاء الإيمان تجده يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفًا من سباب العاصي أو من أذى يسير يحصل له منه، أو يفعل بعض المحرمات خوفًا من ظالم، وقد يكون هذا الخوف وهمي لا حقيقة له، وقد يكون هناك خوف حقيقة ولكنه يسير لا يجوز ترك الواجب أو فعل المحرم من أجله، فقد نص أهل العلم في مسائل الإكراه ومسائل الخوف أن الضرر الذي يجوز ترك الواجب أو فعل المحرم من أجله هو الضرر الكبير كالقتل أو قطع عضو أو إتلاف مال كثير أو سجن طويل أو ضرب مؤلم، أما الضرر اليسير كإتلاف لجزء يسير من ماله أو سباب أو شتام لا ضرر كبير يلحقه بسببه، فهذا لا يجوز فعل المحرم أو ترك الواجب بسببه، بل يجب على المسلم تحمله، وكذلك يشترط أن يغلب على الظن وقوع ما خافه إن لم يترك هذا الواجب أو إن لم يفعل هذا المحرم. ينظر الإحياء كتاب الأمر بالمعروف ٢/٣٤٧-٣٥١ فقد فصل في هذه المسألة، الآداب الشرعية: الأمر بالمعروف ١/١٥٥-١٥٧، تنبيه الغافلين لابن النحاس الباب الثاني ص١٠٧، المغني والشرح الكبير وروضة الطالبين باب التيمم وباب الطلاق، الكنز الأكبر الباب الثاني ١/١٩٠-٢١٥، تفسير ابن عطية تفسير الآية٧٩ من المائدة، أدب الدنيا والدين "الأمر بالمعروف"، ص١٠٢،=
[ ١٧٢ ]
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] . وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يمنعنَّ أحدَكم مخافةُ الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه أو علمه ""١".
ج - الشرك في المحبة:
المحبة في أصلها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١- محبة واجبة: وهي محبة الله ومحبة رسوله ﷺ "٢"، ومحبة ما يحبه
_________________
(١) = غذاء الألباب " الأمر بالمعروف "، نصاب الاحتساب الباب ٤٧، إغاثة اللهفان ١/١١٨، رفع الحرج في الشريعة الإسلامية " الإكراه "، معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة " التكليف " ص٣٥٦،٣٥٧، وينظر الأمر بالمعروف لابن أبي الدنيا رقم "٩،١٤،٣٩"، والأمر بالمعروف لعبد الغني المقدسي رقم "٢٨، ٣٠، ٤٩، ٥٠، ٥٣". "١" رواه الطيالسي "٢١٥١"، وأحمد ٣/٥،٤٧،٨٤، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف "٩،١٥" وغيرهم من طرق صحيحه عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا. ً وإسناده صحيح، وفي آخره قال أبو سعيد: "وددت أني لم أسمعه". وقد صححه الألباني في الصحيحة "١٦٨". "٢" قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد باب "ومن الناس من يتخذ " ص٥٦٢ عند شرحه للحديث الذي رواه البخاري "١٥" ومسلم "٤٤" عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " قال ﵀: "وفيه أن محبة الرسول ﷺ واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها، فإنها محبة لله=
[ ١٧٣ ]
الله تعالى من العبادات وغيرها"١".
٢- محبة طبيعية مباحة: كمحبة الوالد لولده، والإنسان لصديقه، ولماله ونحو ذلك"٢".
ويشترط في هذه المحبة أن لا يصحبها ذل ولا خضوع ولا تعظيم، فإن صحبها ذلك فهي من القسم الثالث، ويشترط أيضًا أن لاتصل إلى
_________________
(١) =ولأجله، وهذه المحبة ليس فيها شيء من شوائب الشرك، كالاعتماد عليه ﷺ ورجائه في حصول مرغوب منه أو دفع مرهوب، وما كان فيها ذلك فمحبة مع الله، لما فيها من التعلق على غيره والرغبة إليه من دون الله". "١" سبق الكلام على هذه المحبة عند الكلام على أصول العبادة في الباب الأول، وينظر الجواب الكافي ص٢٧٤. "٢" وقد ذكر الحافظ ابن القيم في طريق الهجرتين ص ٣٨٢،٣٨٣ أن هذه المحبة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
(٢) محبة طبيعية مشتركة: كمحبة الجائع للطعام.
(٣) محبة رحمة وإشفاق: كمحبة الوالد لولده
(٤) محبة أنس وإلف: وهي محبة المشتركين في صناعة أو مرافقة أو غيرها. ثم قال: "فهذه الأنواع الثلاتة هي المحبة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة الله سبحانه ". وينظر الجواب الكافي ص٢٧، وإكمال المعلم ١/٢٨٣، وتيسير العزيز الحميد باب "ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا"، والدرر السنية ٢/ ٣٢١،٣٢٢، والإرشاد للفوزان ص٦٠.
[ ١٧٤ ]
درجة محبته لله ومحبته لرسول الله ﷺ، فإن ساوتها أو زادت عليها فهي محبة محرمه"١"، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] "٢".
_________________
(١) "١" لكنها لاتصل إلى حد الشرك الأكبر، لأن المحبة إذا لم يكن معها خضوع لم تكن عبادة، ويتصور ذلك فيما إذا كانت محبة الله في قلب العبد ليست قوية، وكان يحب ماله أو أهله أو غيرهما محبة قوية، لكنها لم تصل إلى حد الإفراط، فهذه محبة محرمة؛ لأنه أحب المخلوق أكثر من محبة الله، ولكنها ليست شركًا؛ لأنه لم يصحبها خضوع. ينظر العبودية "مجموع الفتاوى ١٠/١٥٣"، التحفة العراقية "مجموع الفتاوى ١٠/١٩،٥٦"، قاعدة في المحبة ص ٩٨، الكلام على حقيقة الإسلام "مجموع الفتاوى ٧/٢٧١"، الدرر السنية ٢/٢٩١، الإرشاد للفوزان: " توحيد الألوهية " ص٢٠،٢١ و"الشرك في المحبة " ص٦٠،٦٢، وينظر الجواب الكافي ص٢٧٥، وينظر أكثر مراجع المحبة الشركية فيما يأتي. "٢" قال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية ٨/٩٥: "في الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله، ولا خلاف في ذلك بين الأمة، وأن ذلك مقدم على كل محبوب"، وينظر الشفا لعياض الباب الثاني ٢/٣٢-٣٥، المفهم ١/١٨٣،١٨٤، رسالة الكلام على حقيقة الإسلام "مجموع الفتاوى ٧/١٥،٧٤"، الرسالة التبوكية لابن القيم ص٣٨، فتح الباري لابن حجر، وفتح الباري لابن رجب كتاب الإيمان باب حب الرسول ﷺ، استنشاق نسيم الأنس لابن رجب الباب الأول=
[ ١٧٥ ]
٣ - محبة شركية، وهي أن يحب مخلوقًا محبة مقترنة بالخضوع والتعظيم، وهذه هي محبة العبودية، التي لا يجوز صرفها لغير الله، فمن صرفها لغيره فقد وقع في الشرك الأكبر"١"، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] .
_________________
(١) =ص ٢٨-٣٥، الإرشاد للفوزان "الشرك في المحبة" ص٦٠،٦١. "١" قاعدة في المحبة ص ٦٧-١٠٧ الجواب الكافي ص ١٩٥و٢٦٣-٢٧٥، طريق الهجرتين ص٣٨٣، جلاء الأفهام فصل تسمية النبي ﷺ بمحمد ص٩٣، والباب الخامس ص ٢٤٩، تفسير ابن كثير - تفسير الآية ١٦٥ من سورة البقرة، تجريد التوحيد ص٨٠،٨١، تيسير العزيز الحميد باب "ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا"، الدرر السنية ٢/٢٩١، الإرشاد للفوزان ص٦٠،٦١. وينظر الدين الخالص ١/٦٩،٢١٩. وقال الحافظ ابن القيم في الجواب الكافي ص٣٠٠،٣٠١ عند كلامه على العشق: "وهو أقسام: تارة يكون كفرًا، كمن اتخذ معشوقه ندًا يحبه كما يحب الله، فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه؟ فهذا عشق لا يغفره الله لصاحبه، فإنه من أعظم الشرك، وعلامة هذا العشق الشركي الكفري أن يقدم العاشق رضاء معشوقه على رضاء ربه، وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه البتة، بل قد ملك معشوقه عليه قلبه كله، فصار عبدًا مخلصًا من كل وجه لمعشوقه، فقد رضي هذا من عبودية الخالق ﷻ بعبوديته لمخلوق مثله، فإن العبودية هي كمال الحب والخضوع، وهذا قد استغرق قوة حبه=
[ ١٧٦ ]
د- الشرك في الرجاء: وهو أن يرجو من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، كمن يرجو من مخلوق أن يرزقه ولدًا، أو يرجو منه أن يشفيه بإرادته وقدرته، فهذا من الشرك الأكبر المخرج من الملة"١".
هـ- الشرك في الصلاة والسجود والركوع:
فمن صلى أو سجد أو ركع أو انحنى لمخلوق محبة وخضوعًا له وتقربًا إليه"٢"، فقد وقع في الشرك الأكبر بإجماع أهل العلم"٣"، قال الله
_________________
(١) =وخضوعه وذلة لمعشوقه، فقد أعطاه حقيقة العبودية". وينظر التحفة العراقية "مجموع الفتاوى ١٠/٦٨-٧١". قلت: وقد يقع في هذا الشرك من يحب مغنيًا أو لاعبًا محبة مفرطة تجعله يعظمه، فيحمله ذلك على الخضوع لذلك المحبوب بسبب تعظيمه له. "١" تيسير العزيز الحميد ص ٢٤. "٢" ومن ذلك السجود أمام المشايخ بوضع الرأس على الأرض أو تقبيل الأرض أمامهم، تعظيمًا لهم وتقربًا إليهم. ينظر زاد المعاد: الطب: حلق الرأس ٤/١٥٨-١٦٠. "٣" حكى هذا الإجماع في السجود القاضي عياض المالكي في آخر كتاب: "الشفاء" ٢/٥٢١، ٥٢٨، والحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي ص ٢١٥، وذكره ابن حجر الهيتمي المكي الشافعي في كتابه الإعلام بقواطع الإسلام ص٢٠ نقلًا عن كتاب المواقف وشرحه، وينظر التمهيد ٥/٤٥، والاستغاثة ١/٣٥٦، و٢/٦٢٩، ومجموع الفتاوى ٢٧/٩٢، والجواب الكافي ص ١٩٦،١٩٩، وسيف الله لصنع الله الحنفي ص٦٩، والدين الخالص ١/٩٤، ورسالة التوحيد للدهلوي ص٥٣،=
[ ١٧٧ ]
تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢،١٦٣] وقال النبي ﷺ لمعاذ لما سجد له: " لا تفعل، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ""١"،
_________________
(١) =٥٤، وينظر أيضًا رسالة "النواقض العملية" ففيها نقول كثيرة عن كثير من العلماء من جميع المذاهب في أن الصلاة والسجود والركوع والانحناء تقربًا إلى المخلوق شرك أكبر مخرج من الملة. وذكر البركوي الحنفي في إيقاظ النائمين ص ٧٩ أن الصلاة لغير الله حرام بالاتفاق. هذا وإذا كان السجود ليس من باب العبادة، وإنما من باب التحية فهو حرام في ملة نبينا محمد ﷺ، وكبيرة من كبائر الذنوب، لعموم النصوص الواردة في النهي عن السجود للمخلوق، ومثله الركوع والانحناء إذا كان من باب التحية فهو محرم أيضًا، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ فقال ﷺ: " لا " رواه الإمام أحمد ٣/١٩٨، والترمذي "٢٧٢٨" وحسنه، وابن ماجه "٣٧٠٢". وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة "١٦٠". وينظر الشفا لعياض ٢/٥٢١، مجموع الفتاوى ١/٣٧٧، تفسير ابن كثير - تفسير آية ١٠٠ من سورة يوسف - غاية المنتهى ٣/٣٣٧، كشاف القناع ٦/١٣٧، الزواجر "١٦٧"، أبجد العلوم ١/١٢٧. "١" رواه الإمام أحمد ٤/٣٨١، وابن ماجه "١٨٥٣"، وابن حبان في صحيحه "٤١٧١" من حديث ابن أبي أوفى. وإسناده حسن، رجاله رجال مسلم، وقال الألباني في=
[ ١٧٨ ]
وقال ﷺ: " ما ينبغي لأحدٍ أن يسجد لأحد ""١"، ولأنه قد صرف شيئًا من العبادة لغير الله ﷿.
وصرف العبادة لغيره شرك بإجماع أهل العلم"٢".
والشرك في الذبح:
الذبح في أصله ينقسم إلى أربعة أقسام:
١- ذبح الحيوان المأكول اللحم تقربًا إلى الله تعالى وتعظيمًا له، كالأضحية، وهدي التمتع والقران في الحج، والذبح للتصدق باللحم على الفقراء ونحو ذلك، فهذا مشروع، وهو عبادة من العبادات.
٢- ذبح الحيوان المأكول لضيف، أو من أجل وليمة عرس ونحو ذلك، فهذا مأمور به إما وجوبًا وإما استحبابًا.
٣- ذبح الحيوان الذي يؤكل لحمه من أجل الاتجار ببيع لحمه، أو لأكله، أو فرحًا عند سكنى بيت ونحو ذلك، فهذا الأصل أنه مباح،
_________________
(١) الصحيحة "١٢٠٣": "إسناده صحيح على شرط مسلم"، وله شواهد كثيرة، منها الحديث الآتي بعده. "١" رواه ابن حبان في صحيحه "٤١٦٢" وغيره من حديث أبي هريرة. وإسناده حسن، وحسنه الألباني في الإرواء "١٩٩٨" وذكر له خمسة شواهد. "٢" ينظر تيسير العزيز الحميد باب من الشرك أن يستغيث بغير الله ص ١٩٢.
[ ١٧٩ ]
وقد يكون مطلوبًا فعله، أو منهيًا عنه حسبما يكون وسيلة إليه"١".
٤- الذبح تقربًا إلى مخلوق وتعظيمًا له وخضوعًا له، فهذا عبادة -كما سبق- ولا يجوز التقرب به إلى غير الله"٢"، فمن ذبح تقربًا إلى مخلوق وتعظيمًا له فقد وقع في الشرك الأكبر وذبيحته محرمة لا يجوز أكلها، سواء أكان هذا المخلوق من الإنس أم من الجن أم من الملائكة أم كان قبرًا، أم غيره، وقد حكى نظام الدين الشافعي النيسابوري
_________________
(١) "١ " ويدخل في المنهي عنه ما كان فيه إسراف، وما ذبح على غير الطريقة الشرعية. "٢" ينظر الأشباه والنظائر للسيوطي المبحث الثالث فيما شرعت النية لأجله ص ١٢، شرح مسلم للنووي ١٣/١٤١، الأشباه والنظائر لابن نجيم: قاعدة الأمور بمقاصدها ص ٢٩، حاشية ابن عابدين: كتاب الذبائح ٥/١٩٦،١٩٧، شرح الأصول الستة للشيخ ابن عثيمين ص ٢٧،٢٨، وينظر في أنواع الذبائح المباحة الفتح: الأطعمة باب حق إجابة الوليمة، والروض مع حاشية لابن قاسم: النكاح باب الوليمة. وقال ابن نجيم الحنفي في الموضع السابق: " اعلم أن المدار على القصد عند ابتداء الذبح.. ويظهر ذلك أيضًا فيما لو ضافه أمير فذبح عند قدومه، فإن قصد التعظيم لا تحل وإن أضافه بها، وإن قصد الإكرام تحل وإن أطعمه غيرها ". وقال الشيخ ابن عثيمين في القول المفيد باب ما جاء في الذبح لغير الله: " لو قدم السلطان إلى بلد فذبحنا له، فإن كان تقربًا وتعظيمًا فإنه شرك أكبر، وتحرم هذه الذبائح، وعلامة ذلك أننا نذبحها في وجهه ثم ندعها. أما لو ذبحناها إكرامًا له وضيافة، وطبخت وأكلت، فهذا من باب الإكرام، وليس بشرك ".
[ ١٨٠ ]
المتوفى سنة ٤٠٦هـ إجماع العلماء على ذلك"١".
_________________
(١) "١" فقد حكى في تفسيره في تفسير الآية ١٧٣ من البقرة ٢/١٢٠ إجماع أهل العلم على أن ذبيحة المسلم التي قصد بها التقرب إلى غير الله ذبيحة مرتد وعلى أن المسلم قد صار بهذا الذبح مرتدًا، وينظر الدين الخالص ٢/٦١، وذكر في فتح المجيد باب ماجاء في الذبح لغير الله ١/٢٧٠ أنه لا اختلاف بين العلماء في ذلك. وذكر الإمام النووي الشافعي في شرح مسلم ١٣/١٤١ أن من ذبح لغير الله فعله محرم. ثم قال: "نص عليه الشافعي، واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا". وقال علامة اليمن الإمام محمد بن علي الشوكاني في الدر النضيد ص٧٥: "النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتعظيم عبادة لهم، كما أن النحر للنسك وإخراج صدقة المال والخضوع والاستكانة عبادة لله ﷿ بلا خلاف". وقال الإمام الشوكاني أيضًا في رسالة "شرح الصدور بتحريم رفع القبور"ص٣٤،٣٥:"ومن المفاسد البالغة إلى حد يرمى بصاحبه إلى وراء حائط الإسلام ويلقيه على رأسه من أعلى مكان الدين: أن كثيرًا منهم يأتي بأحسن ما يملكه من الأنعام وأجود ما يحوزه من المواشي فينحره عند ذلك القبر، متقربًا به إليه، راجيًا ما يضمر حصوله منه، فيهلّ به لغير الله، ويتعبد به لوثن من الأوثان، إذ أنه لا فرق بين النحائر لأحجار منصوبة يسمونها وثنًا، وبين قبر لميت يسمونه قبرًا، ومجرد الاختلاف في التسمية لا يغني من الحق شيئًا ولا يؤثر تحليلًا ولا تحريمًا، ولاشك أن النحر نوع من أنواع العبادة التي تعبد الله العباد بها، كالهدايا
[ ١٨١ ]
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ١٦٢،١٦٣] "١"، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر٢]، وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: " لعن الله من ذبح لغير الله ". رواه مسلم"٢".
ز - الشرك في النذر والزكاة والصدقة:
النذر هو: إلزام مكلف مختار نفسه عبادة لله تعالى غير واجبة عليه
_________________
(١) =والفدية والضحايا، فالمتقرب بها إلى القبر والناحر لها عنده لم يكن له غرض بذلك إلا تعظيمه وكرامته واستجلاب الخير منه واستدفاع الشر به، وهذه عبادة لاشك فيها، وكفاك من شر سماعه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون، والنبي ﷺ يقول: " لا عقر في الإسلام " قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر- يعني بقرًا أو شياهًا. رواه أبو داود بإسناد صحيح". انتهى كلامه ﵀، وينظر التوحيد لعلامة الهند إسماعيل الدهلوي ص ٥٧-٦١، والشرك ومظاهره لعلامة الجزائر الشيخ مبارك الميلي ص٢٤٧-٢٧٢. "١" النسك هو الذبح. وقوله "ومحياي ومماتي" أي إن جميع أعمالي لله تعالى، وهو المتصرف فيَّ في حياتي وبعد مماتي. ينظر تفسير البغوي وتفسير ابن كثير وتفسير الشوكاني وتفسير السعدي لهذه الآية، وسيف الله لصنع الله الحنفي ص٦٩، وتيسير العزيز الحميد وفتح المجيد والقول المفيد باب ما جاء في الذبح لغير الله. "٢" صحيح مسلم كتاب الأضاحي باب تحريم الذبح لغير الله "١٩٧٨".
[ ١٨٢ ]
بأصل الشرع"١".
كأن يقول: لله علي نذر أن أفعل كذا، أو لله علي أن أصلي أو أصوم كذا، أو أتصدق بكذا، أو ما أشبه ذلك.
والنذر عبادة من العبادات، لا يجوز أن يصرف لغير الله تعالى، فمن نذر لمخلوق كأن يقول: لفلان علي نذر أن أصوم يومًا، أو لقبر فلان علي أن أتصدق بكذا، أو إن شفي مريضي أو جاء غائبي للشيخ فلان علي أن أتصدق بكذا، أو لقبره علي أن أتصدق بكذا، فقد أجمع أهل العلم على أن نذره محرم وباطل"٢"، وعلى أن من فعل ذلك قد أشرك
_________________
(١) "١" التوضيح عن توحيد الخلاق ص٢٨٠، وينظر المقنع والشرح الكبير والإنصاف باب النذر ٢٨/١٢٨. قال في الشرح الكبير: " فيقول: لله عليَّ أن أفعل كذا، وإن قال: علي نذر كذا. لزمه أيضًا، لأنه صرح بلفظ النذر ". وقال في التعريفات ص٣٠٨ في تعريفه: " إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيمًا لله تعالى ". وقال في كشاف القناع ٦/٢٧٣: " لا تعتبر له صيغة بحيث لا ينعقد إلا بها، بل ينعقد بكل ما أدى معناه، كالبيع ". "٢" مجموع الفتاوى ١/٢٨٦، و٣١/١١، ٢٧، و٣٥/٣٥٤، منهاج السنة ٢/٤٤٠، كشاف القناع ٦/٢٧٦. وينظر الدر المختار للحصكفي الحنفي مع حاشيته لابن عابدين آخر كتاب الصيام ٢/١٢٨، والبحر الرائق لابن نجيم الحنفي ٢/٣٢٠ نقلًا عن الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، ونقل حكاية هذا الإجماع أيضا جمع من=
[ ١٨٣ ]
بالله تعالى الشرك الأكبر المخرج من الملة"١"، لأنه صرف عبادة النذر لغير الله، ولأنه يعتقد أن الميت ينفع ويضر من دون الله، وهذا كله شرك"٢".
_________________
(١) =علماء الحنفية، وكذلك نقل جماعة من الحنفية الإجماع على أنه لا يجوز الوفاء به. ينظر رسالة "جهود علماء الحنفية" ص١٥٥٠-١٥٥٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عند ذكره لنذر الدهن للقبور لتنوَّر به: " وهذا النذر معصية باتفاق المسلمين، لا يجوز الوفاء به، وكذلك إذا نذر مالا للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن فيهم شبهًا من السدنة التي كانت عند اللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال فيهم الخليل ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ . والذين اجتاز بهم موسى وقومه، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها أو لسدنة الأبداد -وهي الأصنام- التي في الهند والمجاورين عندها". ينظر فتح المجيد ص٢٨٨،٢٨٩. وينظر مجموع الفتاوى ١١/٥٠٤، الدين الخالص ١/١٨٣، الدرر السنية ١/٢٩٨-٣٠٢. "١" ينظر مجموع الفتاوى ١/٢٨٦، التوضيح عن توحيد الخلاق ص ٢٨٢، الدين الخالص ١/١٨٣، و٢/٦٠، سيف الله لصنع الله الحنفي ص٦٩، السنن والمبتدعات للشقيري المصري ص٧٤-٧٦. "٢" حاشية ابن عابدين آخر كتاب الصيام ٢/١٢٨.
[ ١٨٤ ]
ومثله إخراج زكاة المال وتقديم الهدايا والصدقات إلى قبر ميت تقربًا إليه، أو تقديمها إلى سدنة القبر"١" تقربًا إلى الميت، أو تقديمها إلى الفقراء الذين يذهبون إلى القبر، وكان يفعل ذلك تقربًا إلى الميت، فهذا كله من الشرك الأكبر أيضًا، لما فيه من عبادة غير الله ومن اعتقاد أن هذا الميت ينفع أو يضر من دون الله، قال الشيخ قاسم الحنفي: "ما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأموات تقربًا إليهم حرام بإجماع المسلمين""٢"، فمن زكى أو تصدق تدينًا تقربًا إلى غير الله فقد وقع في الشرك الأكبر"٣".
ح - الشرك في الصيام والحج:
الصيام والحج من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله بالإجماع، فمن تعبَّد بها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، وذلك كمن يصوم
_________________
(١) "١" من المعلوم أن وضع سدنة للقبر يأخذون الهدايا والصدقات من البدع المحرمة، ومن الأسباب التي تؤدي إلى وقوع الجهلة في الشرك الأكبر، وينظر كلام شيخ الإسلام الذي سبق نقله قريبًا، وسيأتي الكلام على هذه المسألة بشيء من التوسع عند الكلام على وسائل الشرك - إن شاء الله تعالى-. "٢" البحر الرائق ٢/٣٢٠، نقلًا عن الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي. وقد سبق قريبا نقل كلام الإمام الشوكاني في أن إخراج صدقة المال عبادة بلا خلاف. "٣" مجموع الفتاوى ١/٧٥.
[ ١٨٥ ]
أو يحج إلى الكعبة تقربًا إلى ولي أو ميت أو غيرهما من المخلوقين، وكمن يحج إلى قبر تقربًا إلى صاحبه فهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة، سواء أفعله العبد أم اعتقد جوازه"١".
ط- الشرك في الطواف:
الطواف عبادة بدنية لا يجوز أن تصرف إلا لله تعالى، ولا يجوز أن يطاف إلا بالكعبة المشرفة، وهذا كله مجمع عليه، فمن طاف بقبر نبي أو عبد صالح أو بمنزل معين أو حتى بالكعبة المشرفة تقربًا إلى غير الله تعالى، فقد وقع في الشرك الأكبر بإجماع المسلمين"٢".
وهذا بقية العبادات كالتوكُّل"٣"، والتبرك، والتعظيم
_________________
(١) "١" منهاج السنة ٢/٤٤٠، درء تعارض العقل والنقل ١/٢٢٧،٢٢٨، مجموع الفتاوى ١/٧٥،٣٥١، الصارم المنكي ص ٢١٥، الدين الخالص، ٢/٥٨، رسالة التوحيد للدهلوي الفصل الرابع ص ٥٧،٥٨. "٢" مجموع الفتاوى ٢/٣٠٨، الصارم المنكي ص ٢١٥، وينظر الجواب الكافي ص ١٩٦،١٩٩،٢٠٠ الدين الخالص ٢/٥٨،٩٤، رسالة التوحيد للعلامة إسماعيل الدهلوي الهندي الفصل الرابع ص ٥٥، ٥٦. "٣" ينظر في الشرك في هذه العبادة: التحفة العراقية، مجموع الفتاوى ٧/٧٩، الفوائد ص ١٦٣،٢٠٨،٢١١، مدارج السالكين "منزلة التوكل" ٣/٥٢١،٥٢٢، الجواب الكافي ص ١٩٩،٢٠٠، تيسير العزيز الحميد، فتح المجيد، قرة عيون=
[ ١٨٦ ]
البالغ"١"، والخضوع"٢"، وقراءة القرآن، والذكر، والأذان"٣" والتوبة والإنابة فهذه كلها عبادات لا يجوز أن تصرف لغير الله، فمن صرف شيئًا منها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر"٤"، وسيأتي التفصيل في الشرك في بعض هذه العبادات وذكر بعض العبادات التي لم تذكر هنا عند الكلام على الشرك الأصغر وعند الكلام على الوسائل التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر - إن شاء الله تعالى -.
النوع الثالث من أنواع الشرك في الألوهية: الشرك في الحكم والطاعة:
ومن صور الشرك في هذا النوع:
١- أن يعتقد أحد أن حكم غير الله أفضل من حكم الله أو مثله،
_________________
(١) =الموحدين، القول المفيد باب "وعلى الله فتوكلوا"، مجموعة التوحيد ١/٢٨٥، ٤١٥، ٤٧٤، الإرشاد للفوزان ص ٦٤. "١" مرقاة المفاتيح، باب دفن الميت ٢/٣٧٢. "٢" الخضوع عبادة لله تعالى بلا خلاف كما قال الإمام الشوكاني، وقد سبق نقل كلامه في الشرك في النذر. "٣" حكى العيني في عمدة القاري شرح الحديث الأول ١/٣١: أن هذه الأقوال كلها عبادات بلا خلاف. وينظر الجواب الكافي ص ١٩٩. "٤" ينظر في الشرك في هذه العبادات: مجموع الفتاوى ١/٧١،٢٩١،٣٥١، مدارج السالكين ١/٣٧٤، زاد المعاد: الطب " حلق الرأس " ٤/١٥٨-١٦٢، الجواب الكافي ص ١٩٦،١٩٧،٢٠٠، تجريد التوحيد ص٣١، ٣٨، ٤٥، تيسير العزيز الحميد ص ٢٤-٢٦، الدرر السنية ٢/٣١٨، جهود علماء الحنفية ص ١٥٧٥ وغيرها.
[ ١٨٧ ]
فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، لأنه مكذب للقرآن، فهو مكذب لقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠]، ولقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] وهذا استفهام تقريري، أي أن الله تعالى أحكم الحاكمين، فليس حكم أحد غيره أحسن من حكمه ولا مثله.
٢- أن يعتقد أحد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقد خلاف ما دلت عليه النصوص القطعية من الكتاب والسنة، وخلاف ما دل عليه الإجماع القطعي من المسلمين من تحريم الحكم بغير ما أنزل الله"١".
_________________
(١) "١" ينظر تفسير الآيات "٦٠-٦٥" من سورة النساء، وتفسير الآيات "٤٤-٥٠" من سورة المائدة، وتفسير الآيتين "٣١، ٣٧" من سورة التوبة في تفاسير ابن جرير والقرطبي وابن كثير والشوكاني وابن سعدي والشنقيطي، التمهيد ٤/٢٢٦، مجموع الفتاوى ١/٩٧، ٩٨، و٣/٢٦٧، و٧/٦٧-٧٢، و٣٥/٣٧٣، وشرح الطحاوية ص ٤٤٦، والدين الخالص ٢/٦٦، ٦٧، وتيسير العزيز الحميد، وفتح المجيد، والقول المفيد باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم، والباب بعده، ورسالة تحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة السابق المطبوعة ضمن فتاويه ١٢/٢٨٤-٢٩١، ورسالة فتنة التكفير للألباني، وتقديم شيخنا عبد العزيز بن باز - ﵀ - لها، وتعليق شيخنا محمد بن عثيمين عليها، ورسالة تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن "مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٣٦-١٧٣"،=
[ ١٨٨ ]
٣- أن يضع تشريعًا أو قانونًا مخالفًا لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويحكم به"١"، معتقدًا جواز الحكم بهذا القانون، أو معتقدًا أن هذا القانون خير من حكم الله أو مثله"٢"، فهذا شرك مخرج من الملة.
_________________
(١) =ورسالة النواقض القولية والعملية ص٣١٢-٣٤٣، ورسالة النواقض الاعتقادية الفصل الأخير ٢/٢٢٢-٢٣٢، ورسالة الحكم بغير ما أنزل الله للدكتور عبد الرحمن المحمود، ورسالة الغلو ص ٢٨٩-٣٠٠. "١" أما لو حكم بغير الشرع في قضية واحدة وشبهها لشهوة أو رشوة أو نحوهما، فهذا من الشرك الأصغر. تنظر أكثر المراجع السابقة. "٢" وهذا هو ظاهر حال أغلب الذين يضعون هذه القوانين ويحكمون بها، ومثلهم الذين يحكمون بعادات "سلوم" قبائلهم. ينظر تعليق الشيخ ابن عثيمين على رسالة فتنة التكفير ص ٣٥. أما من وضع هذا القانون مكرها أو تحت ضغط من غيره، مع اعتقاده حرمة الحكم به وأن حكم الله تعالى أفضل منه، فقد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يكفر، قال الشيخ ابن عثيمين في الموضع السابق عند كلامه على هذه المسألة: " قد يكون الذي يحمله على ذلك أي على وضع قانون والحكم به خوفًا من أناس آخرين أقوى منه إذا لم يطبقه، فيكون مداهنًا لهم، فحينئذ نقول: إن هذا كالمداهن في بقية المعاصي "، ولبعض العلماء خلاف في هذه المسألة، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن مجرد تحكيم قانون أو نظام عام مخالف لشرع الله تعالى كفرٌ مخرجٌ من الملة ولو لم يصحبه اعتقاد أن هذا القانون أفضل من شرع الله أو مثله أو يجوز الحكم به، وقد استدل أصحاب هذا القول بعموم آية المائدة الآتية، رقم "٤٤" ينظر في هذا القول أكثر المراجع السابقة، وقد استدل أصحاب القول الأول بما روى ابن جرير في تفسير هذه الآية، ومحمد بن نصر "٥٧١"، وابن بطة "١٠٠٥" =
[ ١٨٩ ]
_________________
(١) =بإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيحين عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: «هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله»، وروى سعيد بن منصور في سننه "٧٤٩"، وابن جرير، وابن أبي حاتم في تفسير الآية "٤٤" من المائدة، والحاكم ٢/٣١٣ وغيرهم عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة. وسنده حسن، رجاله رجال الصحيحين. ويؤيد هذه الرواية المفصلة الرواية الثالثة عن ابن عباس عند ابن أبي حاتم "٦٤٢٦"، أما رواية عبد الرزاق في تفسيره عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس بلفظ: هي كفر. قال ابن طاووس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. فإنها تؤيد الروايات السابقة، بدليل فهم راويها ابن طاووس كما سبق، وقد أخرجها ابن جرير وابن نصر "٥٧٠" وغيرهما من طريق عبد الرزاق بلفظ: «هي به كفر»، فهي مختصرة من الرواية الأولى، وعلى فرض أنها تعارضها فإن الرواية الأولى أقوى إسنادًا فتقدم عليها. فقد ذكر ابن عباس ﵄ وهو ترجمان القرآن ومن أئمة العربية بأن الكفر المذكور في الآية المراد به الكفر الأصغر، مع أن كلا من " من " و" ما " في الآية من صيغ العموم، فتشمل " من " كل حاكم بغير الشرع، وتشمل " ما " كل نظام أو قانون يحكم به، وقد رجَّح شيخاي الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ ابن عثيمين رحمها الله القولَ الأول، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفرًا مخرجًا من الملة مطلقًا حتى يصحبه اعتقاد جواز الحكم به، أو أنه أفضل من حكم الله أو مثله، أو أي مكفِّر آخر. وقد أطال الحافظ ابن القيم في كتاب الصلاة: فصل كفر الاعتقاد وكفر العمل،=
[ ١٩٠ ]
٤- من يحكم بعادات آبائه وأجداده أو عادات قبيلته - وهي ما تسمى عند بعضهم ب: السُّلُوم - وهو يعلم أنها مخالفة لحكم الله، معتقدًا أنها أفضل من حكم الله أو مثله أو أنه يجوز الحكم بها، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة.
٥- أن يطيع من يحكم بغير شرع الله عن رضى، مقدمًا لقولهم على شرع الله، ساخطًا لحكم الله، أو معتقدًا جواز الحكم بغيره، أو معتقدًا أن هذا الحكم أو القانون أفضل من حكم الله أو مثله"١".
_________________
(١) =ص٥٥-٥٩ في التفريق بين كفر الاعتقاد وبين كفر العمل، وذكر أن الحكم بغير ما أنزل الله من كفر العمل، ونقل عن السلف نصوصًا صريحة في ذلك، وذكر أن هذا الكفر لا يخرج من الملة، ثم قال: «وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم، فانقسموا فريقين » . والله أعلم. "١" أما من تابع من يحكم بغير الشرع مع أنه كان راضيًا بحكم الله معتقدًا أنه أفضل وأصلح للعباد ولكن تابع هؤلاء لهوى في نفسه، كأن يريد وظيفة ونحو ذلك فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يكفر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٧/٧٠ عند كلامه على هذه المسألة: " أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أصحاب الذنوب "، وقال الشيخ ابن عثيمين في القول المفيد ٢/١٥٨: " إننا لو =
[ ١٩١ ]
ومثل هؤلاء من يتبع أو يتحاكم إلى الأعراف القبلية - التي تسمى: السُّلوم - المخالفة لحكم الله تعالى، مع علمه بمخالفتها للشرع، معتقدًا جواز الحكم بها، أو أنها أفضل من الشرع أو مثله، فهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة"١".
والدليل على أن هذا كله شرك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] "٢"، وقوله تعالى:
_________________
(١) =قلنا بكفرهم لزم من ذلك تكفير كل صاحب معصية يعرف أنه عاص لله ويعلم أنه حكم الله ". "١" وألحق بهم بعض العلماء من يقلد العلماء أو المذاهب الفقهية ويترك الدليل لقول مقلده، فيقدم قول مقلده عليه تعصُّبًا له. ينظر فتح المجيد آخر باب من أطاع العلماء، والدين الخالص ٢/٦٦، وينظر تفسير الآية "٣١" من التوبة في تفسير الشوكاني. "٢" روى الإمام أحمد "١٨٥٢٥"، ومسلم "١٧٠٠" عن البراء بن عازب أن هذه الآية نزلت في شأن اليهود، وقال البراء أيضًا في آخر هذه الرواية بعد ذكر هذه الآية والآيات بعدها قال: «هذه في الكفار كلها»، وذكر الحافظ ابن جرير الخلاف في المراد بالكفر في هذه الآية، فذكر فيها خمسة أقوال: ١- أنه عُني به اليهود. ٢- أنه عني به المسلمون أي من لم يحكم منهم بما أنزل الله. ٣- أنه كفر دون كفر. ٤- أنها نزلت في أهل الكتاب ومراد بها جميع الناس. ٥- أن الكفر لمن لم يحكم بالشرع جاحدًا به، والظلم والفسق للمقر به، وذكر آثارًا كثيرة في هذه الأقوال، ثم رجح القول الأول.
[ ١٩٢ ]
_________________
(١) وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: "قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لَمْ يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي معتقدًا ذلك ومستحلًا له، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وقال ابن عباس في رواية: ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلًا يضاهي أفعال الكفار، وقيل: أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر، فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول» . وقال ابن العربي في تفسير هذه الآية أيضًا بعد ذكره للخلاف في هذه المسألة: «وهذا يختلف: إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوىً ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين"، وما ذكره ابن العربي من كفر من بدل الشرع مجمع عليه كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٣/٢٦٧، وعليه يحمل ما ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ١٥/١٦٣ عند كلامه على حكم جنكز خان بالياسق من الإجماع على كفر من حكم به، بدليل أن الحافظ ابن كثير ﵀ قرنه بالحكم بالشرائع السابقة التي أكثرها مبدل، ويؤيد هذا أن جنكز وابنه كانا يدعيان أنهما نائبان عن رب السماء كما في البداية والنهاية ١/١٦٢، ولا يصح حمل كلامه ﵀ على حكاية الإجماع على كفر من لم يحكم بجميع ما أنزل الله مطلقًا،، فإن كلامَ كثير من أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم يدل على وجود الخلاف في هذه المسألة، والقرطبي إنما ذكر في كلامه السابق هذا القول كأحد الأقوال في تفسير آية المائدة التي هي عمدة من قال بكفره، فهذه المسألة بلا شك مسألة خلافية، ولهذا
[ ١٩٣ ]
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وروي عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فقلت: إنا لسنا نعبدهم؟ فقال ﷺ: "أليس يحرِّمون ما أحلَّ اللهُ، فتُحرِّمونه، ويُحِلُّون ما حرَّم الله، فتحلُّونه؟ " قال: قلت: بلى. فقال ﷺ: " فتلك عبادتهم ""١". فذكر في هذا الحديث أن طاعتهم في مخالفة الشرع عبادة لهم، وذكر الله تعالى في آخر الآية أن ذلك شرك، ولأن من كره شرع الله كفر، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد: ٩] "٢".
_________________
(١) رجح بعض كبار علماء عصرنا كشيخنا عبد العزيز بن باز وشيخنا محمد بن عثيمين القول الآخر في هذه المسألة كما سبق، والله أعلم. "١" رواه البخاري في التاريخ الكبير ٧/١٠٦، والترمذي في التفسير "٣٠٩٥"، وابن جرير في تفسيره "١٦٦٣١-١٦٦٣٣"، وابن أبي حاتم في تفسيره "١٠٠٥٧". وقد حسَّنه شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ٣/٦٧، والشيخ محمد ناصرالدين في صحيح الترمذي "٢٤٧١". وله شاهد من قول حذيفة عند ابن جرير "١٦٦٣٤"، وابن أبي حاتم "١٠٠٥٨" ورجاله ثقات، لكن في سنده انقطاع. "٢" ينظر ما يأتي عند الكلام على كفر البغض في الفصل الآتي – إن شاء الله تعالى -.
[ ١٩٤ ]
٦- من يدعو إلى عدم تحكيم شرع الله، وإلى تحكيم القوانين الوضعية محاربةً للإسلام وبغضًا له، كالذين يدعون إلى سفور المرأة واختلاطها بالرجال الأجانب في المدارس والوظائف وإلى التعامل بالربا، وإلى منع تعدد الزوجات، وغير ذلك مما فيه دعوة إلى محاربة شرع الله، فالذي يدعو إلى ذلك مع علمه بأنه يدعو إلى المنكر وإلى محاربة شرع الله ظاهر حاله أنه لم يدع إلى ذلك إلا لما وقع في قلبه من الإعجاب بالكفار وقوانينهم واعتقاده أنها أفضل من شرع الله، ولما وقع في قلبه من كره لدين الإسلام وأحكامه، وهذا كله شرك وكفر مخرج من الملة، ومن كانت هذه حقيقة حاله فقد وقع في الشرك الأكبر، وإن كان يظهر أنه من المسلمين فهو نفاق أيضًا؛ للأدلة التي سبق ذكرها في الفقرة السابقة، بل هنا أولى؛ لأن الدعوة إلى الشيء شر من مجرد اتباعه"١".؟
_________________
(١) "١" ينظر في جميع الصور السابقة أكثر المراجع المذكورة عند بيان الصورتين الأوليين لهذا النوع، وينظر في الصورة الأخيرة أيضًا ما يأتي عند الكلام على النفاق الأكبر في الفصل الثالث من هذا الباب – إن شاء الله تعالى -.
[ ١٩٥ ]
الكفر الأكبر
تعريفه وحكمه
الفصل الثاني: الكفر الأكبر
المبحث الأول: تعريفه وحكمه
الكفر في اللغة: بمعنى الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بالثوب: قد كفر درعه. ويقال للمزارع: "كافرًا " لأنه يغطي البذر بالتراب، ومنه سمي الكفر الذي هو ضد الإيمان "كفرًا "؛ لأن فيه تغطيه للحق بجحد أو غيره، وقيل: سُمي الكافر "كافرًا " لأنه قد غطى قلبه بالكفر"١".
_________________
(١) "١" انظر لسان العرب، مادة"كفر"، وينظر الفصل لابن حزم ٣/٢١١. وقال ابن الجوزي في"نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر" ص٥١٦، ٥١٧:"ذكر أهل التفسير أن الكفر في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: الكفر بالتوحيد، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، والثاني: كفران النعمة، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾، والثالث: التبري، ومنه قوله تعالى في العنكبوت: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾، أي يتبرأ بعضكم من بعض، والرابع: الجحود، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾، والخامس: التغطية، ومنه قوله تعالى في الحديد: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾، يريد الزراع الذين يغطون الحَب".
[ ١٩٩ ]
والكفر في الاصطلاح: كل اعتقاد أو قول أو فعل أو ترك يناقض الإيمان"١".
فالكفر الأكبر يكون بالاعتقاد، ويكون أيضًا بالقول، ويكون كذلك بالفعل ولو لم يكن مع أي منهما اعتقاد"٢".
_________________
(١) "١" النواقض القولية والعملية ص٣٩، وقال أبو محمد بن حزم بعد ذكره لتعريف الكفر لغة في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل: كتاب الإيمان ٣/٢١١:"ثم نقل الله تعالى اسم الكفر في الشريعة إلى جحد الربوبية وجحد نبوة نبي من الأنبياء صحت نبوته في القرآن، أو جحد شيء مما أتى به رسول الله ﷺ مما صح عند جاحده بنقل الكافة، أو عمل شيئًا قام البرهان بأن العمل به كفر". "٢" وقد حكى جمع من أهل العلم إجماع العلماء على أن الكفر يكون بمجرد القول أو مجرد الفعل. قال الإمام الحافظ إسحاق بن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨هـ كما في تعظيم قدر الصلاة لتلميذه محمد بن نصر "ص٩٣٠"، رقم "٩٩١":"ومما أجمعوا على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد: فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى وما جاء من عنده ثم قتل نبيًا أو أعان على قتله، وإن كان مقرًا، ويقول: قتل الأنبياء محرم، فهو كافر، وكذلك من شتم نبيًا؛ أو ردّ عليه قوله من غير تقية ولا خوف". فقد حكى إسحاق – ﵀ – إجماع السلف على أن من سبَّ نبيًا، أو قتل نبيًّا من أنبياء الله تعالى، أو رد شيئاَ مما أنزل الله تعالى باللسان فقط مع إيمانه بقلبه بجميع ما أنزل الله أنه يكفر بذلك القول أو الفعل المجرد. وقال الإمام أبوثور المتوفى سنة ٢٤٠هـ كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة "ص٨٤٩":"ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: المسيح هو الله، وجحد
[ ٢٠٠ ]
_________________
(١) =أمرالإسلام، وقال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن"، فقد حكى أبوثور – ﵀ – إجماع السلف على كفر من أظهر كلمة الكفر، ولو قال: إنه تلفظ بها من غير أن يعتقد مدلولها. وقد حكى أبومحمد بن حزم في"الفصل في الملل والأهواء والنحل"كتاب الإيمان ٣/٢٠٤، ٢١١، ٢٤٩، ٢٥١، ٢٥٣ الإجماع على التكفير بمجرد النطق ببعض الأمور المكفرة، وبمجرد فعل بعض الأمور المكفرة، وقال ٣/٢٠٩:"بقي من أظهر الكفر لا قارئًا ولا شاهدًا ولا حاكيًا ولا مكرهًا على وجوب الكفر له بإجماع الأمة على الحكم له بحكم الكفر، وبحكم رسول الله ﷺ بذلك، وبنص القرآن"، وقال ٣/٢٠٠:"وأما قولهم: إن إخبار الله تعالى بأن هؤلاء كلهم كفار دليل على أن في قلوبهم كفرًا، وأن شتم الله ليس كفرًا، ولكنه دليل على أن في القلب كفرًا، وإن كان كافرًا لم يعرف الله تعالى قط، فهذه منهم دعاوى كاذبة مفتراة، لا دليل لهم عليها ولا برهان، لا من نص ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من حجة عقل أصلًا، ولا من إجماع، ولا من قياس، ولا منقول أحد من السلف قبل اللعين جهم بن صفوان، وما كان هكذا فهو باطل وإفك وزور، فسقط قولهم هذا من قرب، ولله الحمد رب العالمين، فكيف والبرهان قائم بإبطال هذه الدعوى من القرآن والسنن والإجماع والمعقول..". وقال ابن حزم أيضًا في آخر المحلى ١١/٤١١:"وأما سبّ الله تعالى فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد إلا أن الجهمية والأشعرية وهما طائفتان لا يعتد بهما يصرحون بأن سب الله تعالى وإعلان الكفر ليس كفرًا. قال بعضهم: ولكنه =
[ ٢٠١ ]
_________________
(١) دليل على أنه يعتقد الكفر لا أنه كافر بيقين بسبه الله تعالى وأصلهم في هذا أصل سوء خارج عن إجماع أهل الإسلام ولم يختلفوا في أن فيه – أي في القرآن - التسمية بالكفر والحكم بالكفر قطعًا على من نطق بأقوال معروفة كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ فصح أن الكفر يكون كلامًا"انتهى كلامه بحروفه مختصرًا. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم في شرح كشف الشبهات ص١٠٢:"فهذا المذكور في هذا الباب – أي باب المرتد – إجماع منهم أنه يخرج من الملة ولو معه الشهادتان لأجل اعتقاد واحد أو عمل واحد أو قول واحد، يكفي بإجماع أهل العلم لا يختلفون فيه". وقال الشيخ عبد الله أبا بطين كما في مجموعة الرسائل والمسائل ١/٦٥٩:"المرتد هو الذي يكفر بعد إسلامه بكلام أو اعتقاد أو فعل أو شك وهذا ظاهر بالأدلة من الكتاب والسنة والإجماع". وقال العلامة الصنعاني في"تطهير الاعتقاد"ص٢٦،٢٥:"قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة: أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها". ونقل صاحب المحيط كما في درر الحكام في الفقه الحنفي ١/٣٢٤ الإجماع من كافة العلماء على كفر من نطق بكلمة الكفر ولو كان غير معتقد لما نطق به. وقد نقل الشيخ علوي السقاف في رسالة"التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد"عن أكثر من مائة من علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين ومن جميع المذاهب الفقهية أن الكفر يكون بمجرد النطق بقول مكفر، وبمجرد فعل مكفر.
[ ٢٠٢ ]
_________________
(١) وينظر ما يأتي من حكاية الإجماع على كفر من جحد بلسانه شيئًا من دين الله تعالى عند الكلام على كفر الإنكار والتكذيب، وما يأتي من حكاية الإجماع على كفر من سب شيئًا من دين الله أو استهزأ أو سخر به بالقول أو الفعل جادًا أو هازلًا عند الكلام على كفر السبّ والاستهزاء. وقد أطال أبومحمد بن حزم في الفصل ٣/١٩٩-٢٠٦ في الرد على من قال: إن الكفر لا يكون بالقول أو الفعل، وذكر أدلة صريحة من الكتاب والسنة والإجماع تدل على الكفر بمجرد النطق بأمر مكفر، وبمجرد فعل مكفر، وسيأتي بعض هذه الأدلة عند ذكر الأدلة على أنواع الكفر. وهذا كله يدل على أن من قال: إن الكفر إنما يكون بالاعتقاد، وأن القول أو الفعل الذي دلت النصوص على أنه كفر ليس كفرًا، وإنما هو دليل على أن في القلب كفرًا، قد أخطأ خطأً كبيرًا، ورد دلالة النصوص الشرعية، وخالف ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من سلف من هذه الأمة ومن سار على طريقهم. وقال الإمام النووي في الروضة ١٠/٦٤:"قال الإمام – أي إمام الحرمين -: في بعض التعاليق عن شيخي: أن الفعل بمجرده لا يكون كفرًا. قال: وهذا زلل عظيم من المعلق، ذكرته للتنبيه على غلطه"، وقد نقل هذا التعليق أيضًا عن إمام الحرمين ابن حجر المكي في قواطع الإسلام ص٢٣ وأيد تخطئته له. وينظر في الرد على هذا القول أيضًا وفي بيان دلالة النصوص على عدم صحته مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٧/٥٤٧، ٥٦١، الإيمان لشيخ الإسلام ص٤٨٤، النونية لابن القيم مع شرحها لابن عيسى ٢/١١٨،١١٧، شرح كشف الشبهات للشيخ محمد بن إبراهيم ص١٢٦-١٣٤، فتاوى اللجنة الدائمة ٢/٣.=
[ ٢٠٣ ]
وحكم الكفر الأكبر هو حكم الشرك الأكبر، كما سبق بيانه"١".
وإذا وقع المسلم في الكفر أو الشرك وحكم بكفره فهو"مرتد" له أحكام المرتدين، ومنها أنه يجب قتله إن لم يتب ويرجع إلى الإسلام"٢" لقوله ﷺ: " من بدّل دينه فاقتلوه " رواه البخاري"٣"، ولقوله ﷺ: " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " رواه البخاري ومسلم"٤".
_________________
(١) ولذلك كله فإنه يجب على المسلم الذي يطلب الحق أن ينقاد لما دلت عليه النصوص ولما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وكون بعض أهل العلم أخطأ في ذلك فهو يرجى له أجر واحد، لإرادته الحق، ولكن لا يجوز لنا أن نقلده في خطئه. والله أعلم. "١" ينظر ما سبق في المبحث الأول من الفصل السابق. "٢" هذا إذا كان القتل يسقط بالتوبة، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن بعض أنواع الكفر يجب قتل من وقع فيها ولو أظهر توبته، بل يرى بعضهم أن المرتد لا يستتاب ولا تسقط توبتُه من الردة القتلَ في جميع المسائل، وذهب آخرون إلى أن التوبة تقبل في جميع المسائل. ينظر الأوسط لابن المنذر: كتاب المرتد "رسالة ماجستير مطبوعة على الآلة ص٦٤٨-٦٥٧"، المحلى ١١/١٨٨-١٩٤، الصارم المسلول ص٥٣١،٤٦٠، ٣٦١، ٣٣٧، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف ٢٧/١١٤-١٢١، روضة الطالبين ١٠/٧٦،٧٥، فتح الباري: استتابة المرتدين ١٢/٢٦٩، كشاف القناع ٦/١٧٥-١٧٨، فتاوى شيخنا ابن باز "جمع د. الطيار ص٥٢٦". "٣" رواه البخاري في استتابة المرتدين "٦٩٢٢". "٤" صحيح البخاري: الديات "٦٨٧٨"، وصحيح مسلم: القسامة "١٦٧٦".
[ ٢٠٤ ]
المبحث الثاني: أنواع الكفر
للكفر أنواع كثيرة، أهمها:
١- كفر الإنكار والتكذيب:
وهو أن ينكر المكلف شيئًا من أصول الدين، أو أحكامه، أو أخباره الثابتة ثبوتًا قطعيًا.
وذلك بأن ينكر بقلبه"١"، أو لسانه"٢" أصلًا من أصول الدين، أو حكمًا من أحكامه، أو خبرًا من أخباره المعلومة من دين الإسلام بالضرورة"٣" والتي ورد في شأنها نص صريح من كتاب الله تعالى، أو
_________________
(١) "١" من الإنكار بالقلب أن يعزم على الكفر في الحال أو في المستقبل، فهذا كله ردة؛ لأنه يدل على إنكاره لأصول الإسلام وأنه الدين الحق الذي لا يقبل من أحد سواه، ويدل على إيمانه بأصول الكفر وعلى بغضه للإسلام ومحبته للكفر ورضاه به. "٢" أي ينكر ذلك بلسانه، وقلبه مصدقٌ به، إما هزلًا أو استهزاءً كما سيأتي عند الكلام على كفر الاستهزاء، وإما إرضاءً لكافر، أو لمصلحة دنيوية، أو عنادًا في حال مشاجرة أوغيرها، أو خوفًا من كافر على ما سيأتي تفصيله في خاتمة هذا الفصل عند الكلام على عموم موانع الحكم على المعين بالكفر، وأعظم من هذا الإنكار: أن ينكر بقلبه ولسانه. "٣" المعلوم من الدين بالضرورة هو الأمر المقطوع به الذي يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى التصديق به، لكثرة النصوص الواردة فيه وتواترها ونقل العامة والخاصة لهذه النصوص أو لنقلهم الحكم الذي دلّت عليه، ولا يجد الإنسان في قلبه أدنى شبهة
[ ٢٠٥ ]
وردت في شأنها أحاديث نبوية متواترة تواترًا معلومًا"١"، وأجمع
_________________
(١) تدعوه إلى إنكاره، فيكون من كذب به مكذبًا لهذه النصوص ولإجماع الأمة القطعي، كوجوب أركان الإسلام الخمسة، وكتحريم الزنا والسرقة، ونحو ذلك. قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم باب العبارة عن حدود علم الديانات "ص٧٨٨":"حد الضروري ما لا يمكن العالم أن يشكك فيه نفسه، ولا يدخل فيه على نفسه شبهة، ويقع له العلم بذلك قبل الفكرة والنظر، ويدرك ذلك من جهة الحس والعقل، كالعلم باستحالة كون الشيء متحركًا ساكنًا في حالٍ واحدة، ومن الضروري أيضًا علم الناس أن في الدنيا مكة والهند ومصر والصين وبلدانًا قد عرفوها وأممًا قد خلت". انتهى كلامه مختصرًا. وينظر التعريفات مادة"ضرر". "١" النص المتواتر هو ما رواه جمع عن جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس. وجميع نصوص القرآن متواترة؛ لأن كل حرف من القرآن رواه الجم الغفير عن الجم الغفير، ولذلك من أنكر حرفًا من القرآن كفر، ومن أنكر شيئًا دلّ عليه نص واحد صريح من القرآن كفر، كما أن هناك أحاديث نبوية كثيرة متواترة. والمتواتر الذي يكفر جاحده هو ما اشتهر عند العامة والخاصة، أو كان مما يعرفه المنكر ضرورة لكونه نشأ بين العلماء ونحو ذلك، ومثله ما إذا أخبر بتواتره بعد إنكاره فاستمر على جحوده له مع أنه لا شبهة لديه تدعوه إلى إنكاره. قال العلامة ابن الوزير في العواصم من القواصم ٤/١٧٤:"المتواتر نوعان: أحدهما: ما علمه العامة مع الخاصة، كمثل كلمة التوحيد، وأركان الإسلام، فيكفر جاحده مطلقًا؛ لانه قد بلغه التنزيل. وثانيهما: ما لا يعرف تواتره إلا الخاصة فلا يكفر مستحله من العامة؛ لأنه لم يبلغه، وإنما يكفر من استحله وهو يعلم حرمته بالضرورة، مثل تحريم الصلاة على الحائض".
[ ٢٠٦ ]
أهل العلم عليها إجماعًا قطعيًا"١"، أو ينكر ما يجزم هو في
_________________
(١) "١" هذا القيد معلوم؛ لأن المعلوم من الدين بالضرورة مجمع عليه إجماعًا قطعيًا، ولكن ذكرته للتأكيد عليه، ولذكر أهل العلم له. وينظر إيثار الحق "ص١٥٦". قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٧/٣٩،٣٨ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء:١١٥] قال:"وهذه الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة، من جهة أن مخالفتهم مستلزمة لمخالفة الرسول، وأن كل ما أجمعوا عليه فلابد أن يكون فيه نص عن الرسول، فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين فإنها مما بين الله فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر، كما يكفر مخالف النص البيِّن، أما إذا كان يظن الإجماع ولا يقطع به فهنا قد لا يقطع أيضًا بأنها مما تبيّن فيها الهدى من جهة الرسول، ومخالف هذا الإجماع قد لا يكفر". وقال الحافظ السيوطي في الأشباه والنظائر كتاب الردة "ص٤٨٨":"منكر المجمع عليه أقسام: أحدها: ما نكفره قطعًا، وهو ما فيه نص وعلم من الدين بالضرورة. الثاني: ما لا نكفره قطعًا، وهو ما لا يعرفه إلا الخواص، ولا نص فيه، كفساد الحج بالجماع قبل الوقوف. الثالث: ما يكفر به على الأصح وهو المشهور المنصوص عليه، الذي لم يبلغ رتبة الضرورة، كحل البيع، وكذا غير المنصوص على ما صححه النووي. الرابع: ما لا على الأصح، وهو ما فيه نص، لكنه خفي غير مشهور، كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب"، وينظر روضة الطالبين باب تارك الصلاة ٢/١٤٦، والإعلام بقواطع الإسلام ص٢٨-٣١، ونهاية المحتاج ٧/٤١٥،٤١٦، وشرح المنهج "مطبوع مع حاشيته
[ ٢٠٧ ]
قرارة نفسه بأنه من دين الله تعالى"١".
ومثل الإنكار بالقلب واللسان: أن يفعل ما يدل على إنكاره شيئًا من دين الله تعالى"٢".
_________________
(١) =للجمل ٥/١٢٣". "١" وذلك بأن ينكره في الظاهر مجاملة أو عنادًا لغيره، أو في حال غضب أو مشاجرة أو خصومة ونحو ذلك، مع أنه في قرارة نفسه يعلم أنه من دين الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ١٢/٥٢٥:"من خالف ما علم أن الرسول ﷺ جاء به فهو كافر بلا نزاع"، والمراد بالمخالفة هنا: الجحد والإنكار. فمن أنكر شيئًا مما ثبت بحديث صحيح بيّن بعد علمه بهذا الحديث، وأن هذا الأمر من الدين، وليس عنده شبهة في إنكار مادل عليه هذا الحديث، وإنما جحده ظاهرًا لإرضاء مخلوق أو لمصلحة دنيوية، أو ما أشبه ذلك لا شك أنه قد وقع في الكفر المخرج من الملة. وقد ذكر جمع من أهل العلم أن من أنكر حديثًا صح عنده فهو كافر. ينظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص١٥٥، الإحكام لابن حزم الباب الحادي عشر ١/٩٩ فقد نقل هذا عن إسحاق بن راهويه وأقره، وينظر الفصل لابن حزم أيضًا ٣/٢٥٦، وشرح السنة للبربهاري ص٣١، الإبانة لابن بطة ص٢١١، الروض الباسم لابن الوزير ٢/٤٢٥،٤٢٦، حاشية الجمل على شرح المنهج ٥/١٢٣، الدرر السنية ١٠/١٨١،١٨٠،١١٤، مجالس شهر رمضان "المجلس ٢٦ ص١٤٩"، وينظر كلام شيخ الإسلام في التعليق السابق. "٢" ومن ذلك أن يصلي إلى غير القبلة؛ لأنه يدل على إنكاره الإجماع القطعي
[ ٢٠٨ ]
وقد أجمع العلماء على كفر من وقع في هذا النوع – أي كفر الجحود –"١"؛ لأنه مكذبٌ لكلام الله تعالى وكلام رسول الله ﷺ، رادٌّ لهما ولإجماع الأمة القطعي.
_________________
(١) =والنصوص الدالة على وجوب التوجه إلى الكعبة وعدم صحة صلاة من توجه إلى غيرها. ينظر أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٥/٨٨٧. ومثله أن يصلي على غير طهارة عالمًا متعمدًا، أو يصلي الظهر خمس ركعات عالمًا متعمدًا. ومن ذلك – أيضًا – أن يُكره مسلمًا على الكفر، فهذا يدل على إنكاره النصوص المحرِّمة لترك المسلم دينه، وللنصوص الدالة على أن من يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه، أو يدل على بغضه للإسلام ومحبته للكفر، فيكون من كفر البغض والكره. وقد ألحق بعض أهل العلم بذلك الطواف بغير الكعبة، كالطواف بالقبور تقربًا إلى الله تعالى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢/٣٠٨:"وأما الطواف بالأنبياء والصالحين فحرام بإجماع المسلمين، ومن اعتقد ذلك دينًا فهو كافر، سواء طاف ببدنه أو بقبره". ولا شك أن من فعل ذلك قد خالف إجماع الأمة وما هو معلوم من الدين بالضرورة من أن الطواف بغير الكعبة محرم وليس من دين الإسلام، ففعله هذا يدل على إنكاره لهذا المعلوم من الدين بالضرورة. "١" ينظر في حكاية الإجماع على ذلك قول إسحاق بن راهويه الذي سبق نقله في حاشية تعريف الكفر في الاصطلاح.=
[ ٢٠٩ ]
ومن أمثلة هذا النوع من أنواع الكفر الأكبر:
أ- أن ينكر شيئًا من أركان الإيمان أو غيرها من أصول الدين، أو ينكر شيئًا مما أخبر الله عنه في كتابه، أو ورد في شأنه أحاديث متواترة وأجمع أهل العلم عليه إجماعًا قطعيًا، كأن ينكر ربوبية الله تعالى أو ألوهيته، أو ينكر اسمًا أو صفة لله تعالى مما أجمع عليه إجماعًا قطعيًا،
_________________
(١) وقال أبومحمد بن حزم في معرض رده على القائلين بأن قول الكفر وفعل الكفر ليس كفرًا وإنما هو دليل على أن في القلب كفرًا، قال في الفصل ٣/٢٠٤،٢٠٥:"وأما خلاف الإجماع فإن جميع أهل الإسلام لا يختلفون فيمن جحد الله تعالى، أو جحد رسوله ﷺ فإنه محكوم له بحكم الكفر قطعًا، إما القتل، وإما أخذ الجزية، وسائر أحكام الكفر، وما شك قط أحد في هل هم في باطن أمرهم مؤمنون أم لا، ولا فكروا في هذا، لا رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، ولا أحد ممن بعدهم". وقال أيضًا في المرجع نفسه ٣/٢٥٥:"وصح الإجماع على أن كل من جحد شيئًا صح عندنا بالإجماع أن رسول الله ﷺ أتى به فقد كفر"، وينظر آخر مراتب الإجماع له أيضًا ص١٧٧. وقد حكى أيضًا الإجماع على كفر من جحد معلومًا مجمعًا عليه: القاضي عياض في الشفا ٢/٥١٠-٥٤٩،٥٢٨، وأبويعلى في المعتمد في أصول الدين ص٢٧١،٢٧٢، وابن الوزير في إيثار الحق على الخلق ص٣٧٧،٣٧٦،١٥٦،١١٦،١١٢،٤٠٢ وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٣/٢٦٧، ٢٦٨، و١٢/٥٢٥،٤٩٦، والمرداوي في الإنصاف ٢٧/١٠٨، وعلي القاري في شرح الشفا ٢/٥٤٩، وينظر كتاب توحيد الخلاق ص٩٩، والدرر السنية ١/١٣١.
[ ٢١٠ ]
كأن ينكر صفة العلم"١"، أو ينكر وجود أحد من الملائكة المجمع عليهم كجبريل أو ميكائيل – ﵉ – "٢"، أو ينكر كتابًا من كتب الله المجمع عليها، كأن ينكر الزبور أو التوراة أو القرآن"٣"، أو ينكر
_________________
(١) "١" ومن الصفات التي وردت فيها أدلة كثيرة متواترة من الكتاب والسنة صفة العلو لله تعالى، وقد ذكر ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية ص٣٨٧،٣٨٦، أن أدلة علو الله بذاته نحو ألف دليل، ثم نقل ما رواه شيخ الإسلام الهروي عن أبي حنيفة أنه قال:"من أنكر أن الله في السماء فقد كفر"ثم قال: "وقصة أبي يوسف في استتابته لبشر المريسي لما أنكر أن يكون الله فوق العرش مشهورة، رواها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره". ومن ذلك أيضًا أن ينفي صفة القدرة، أو ينفي صفة العدل، فيتهم الله تعالى بالظلم، ومنه أيضًا أن ينفي عن الله تعالى صفة الرحمة، ونحو ذلك. "٢" ومن ذلك أن ينكر نزول جبريل - ﵇ – بالقرآن على نبينا محمد ﷺ، أو ينكر أن للنار خزنة، أو أن للجنة خزنة، أو ينكر الكرام الكاتبين، أو ينكر ملائكة القبر، أو ملك الموت. "٣" ومنه أن ينكر أمرًا يتعلق بالقرآن مما أجمع العلماء عليه، كأن ينكر آية أو حرفًا من القرآن، أو يقول: إن القرآن ناقص، أو زيد فيه ما ليس منه، أو يزيد فيه، أو ينقص منه حرفًا أو آية. قال أبومحمد بن حزم في الفصل ٣/٢٥٣:"الأمة مجمعة كلها بلا خلاف من أحد منهم أن كل من بدل آية من القرآن عامدًا وهو يدري أنها في المصاحف بخلاف=
[ ٢١١ ]
نبوة أحد من الأنبياء المجمع عليهم، كأن ينكر رسالة نوح أو إبراهيم أو هود – ﵈ –"١"، أو ينكر البعث للأجساد والأرواح، أو ينكر الحساب أو الجنة أو النار، أو ينكر نعيم القبر أو عذابه، أو ينكر أن الله تعالى قدَّر جميع الأشياء قبل حدوثها.
ومنه أن يصحح أديان الكفار كاليهود أو النصارى أو غيرهم، أو لا يكفرهم"٢"، أو يقول: إنهم لن يخلدوا في النار، ومنه أن ينسب
_________________
(١) ذلك، أو أسقط كلمة عمدًا كذلك، أو زاد فيها كلمة عامدًا، فإنه كافر بإجماع الأمة كلها". "١" ومن ذلك أن ينكر شيئًا مجمعًا عليه يتعلق بأحد من الأنبياء – ﵈ -، كأن يعتقد أن جبريل – ﵇ – غلط في الرسالة، فنزل بالوحي على محمد ﷺ وكان مرسلًا به إلى علي بن أبي طالب ﵁ كما يقول ذلك بعض غلاة الشيعة الرافضة، أو ينكر معجزة من معجزات الأنبياء المجمع عليها، أو يفضل الأولياء على أحد منهم، أو يعتقد أن أحدًا من بني آدم أفضل من النبي ﷺ، أو يعتقد أنه لا يجب العمل بالسّنة، أو ينكر صحة حديث متواتر مجمع عليه إجماعًا قطعيًا، ومنه أن يقول: إن بعض الناس لا يجب عليه اتِّباع النبي ﷺ. "٢" قال أبومحمد بن حزم في الفصل ٣/١٩٨:"اليهود والنصارى كفار بلا خلاف من أحد من الأمة، ومن أنكر كفرهم فلا خلاف من أحد من الأمة في كفره وخروجه من الإسلام"، وحكى أيضًا في المرجع نفسه ٣/٢١١ الإجماع على كفر من قال:"إن إبليس وفرعون وأبا جهل مؤمنون". وحكى الإجماع على كفر من لم يكفر أحدًا من اليهود أو النصارى، أو شك في=
[ ٢١٢ ]
نفسه إلى غير دين الإسلام"١"، ومنه أن ينكر صحبة أبي بكر، أو يقول بردة الصحابة أو أكثرهم، أو يقول بفسقهم كلهم، أو ينكر وجود الجن، أو ينكر إغراق قوم نوح"٢".
ب- أن ينكر تحريم المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها، كالسرقة، وشرب الخمر، والزنى، والتبرج، والاختلاط بين الرجال والنساء، ونحو ذلك، أو يعتقد أن أحدًا يجوز له الخروج على شريعة النبي ﷺ، فلا يجب عليه الالتزام بأحكامها، فيجوز له ترك الواجبات
_________________
(١) =كفره، أو توقف في ذلك: القاضي عياض في الشفا ٢/٥١٠، وابن سحمان كما في الدرر ٢/٣٦١،٣٦٠. "١" وذلك بأن يقول عن نفسه:"هو كافر"، أو"هو يهودي"، أو"هو نصراني"، ومثله ما إذا قيل له: هل أنت مسلم. فقال: لا. فهذا كله كفر؛ لأنه إما أنه يخبر عن ارتداده فعلًا عن الإسلام، وإما أنه ينسب دين الإسلام إلى الكفر، أو إلى هذه الأديان المحرفة إما اعتقادًا لذلك، وهذا إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإما استهزاء واستخفافًا بدين الإسلام، وهذا كله كفر. "٢" ونحو ذلك مما أخبر الله عنه في كتابه من أخبار الأمم الماضية، أو غير ذلك، كأن ينكر وجود السماوات السبع، أو ينكر وجود الشيطان، أو ينكر إخراجه من الجنة، أو يقول بتناسخ الأرواح ونقلها إلى أرواح أخرى، أو ينكر إنزال المنّ والسلوى على بني إسرائيل، أو ينكر قصة أصحاب الكهف، أو ينكر قصة الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، ونحو ذلك.
[ ٢١٣ ]
وفعل المحرمات"١"، أو يعتقد أن أحدًا يجوز له أن يحكم أو يتحاكم إلى غير شرع الله تعالى"٢".
ج- أن ينكر حِلّ المباحات الظاهرة المجمع على حلها، كأن يجحد حِلَّ أكل لحوم بهيمة الأنعام، أو ينكر حل تعدد الزوجات، أو حل أكل الخبز، ونحو ذلك.
د - أن ينكر وجوب واجب من الواجبات المجمع عليها إجماعًا قطعيًا، كأن ينكر وجوب ركن من أركان الإسلام، أو ينكر أصل وجوب الجهاد، أو أصل وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أو ينكر سنية سنة من السنن أو النوافل المجمع عليها إجماعًا قطعيًا، كأن ينكر السنن الرواتب، أو ينكر استحباب صيام التطوع، أو حج التطوع، أو صدقة التطوع، ونحو ذلك"٣".
_________________
(١) "١" ومن هذا اعتقاد بعض غلاة الصوفية أن بعض مشايخهم يحل له فعل المحرمات، فهذا الاعتقاد كفر بأجماع أهل العلم، قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول: المسألة الرابعة ص٥٢١:"من فعل المحارم مستحلًا لها فهو كافر بالاتفاق". ومنه أن يعتقد أن أحدًا حرٌّ في نفسه يفعل ما يشاء، كما يتفوه به بعض المنافقين، ومنه أن يعتقد حل موالاة الكفار. "٢" ينظر ما سبق عند الكلام على الكفر بالحكم بغير ما أنزل الله عند بيان النوع الثالث من أنواع الشرك في الألوهية في الفصل السابق. "٣" ينظر مدارج السالكين ١/٣٦٧،٣٦٦، نهاية المحتاج٧/٤١٦،٤١٥، مغني المحتاج ٤/١٣٦.
[ ٢١٤ ]
النوع الثاني: كفر الشك والظن:
وهو أن يتردد المسلم في إيمانه بشيء من أصول الدين المجمع عليها، أو لا يجزم في تصديقه بخبر أو حكم ثابت معلوم من الدين بالضرورة.
فمن تردد أو لم يجزم في إيمانه وتصديقه بأركان الإيمان أو غيرها من أصول الدين المعلومة من الدين بالضرورة، والثابتة بالنصوص المتواترة، أو تردد في التصديق بحكم أو خبر ثابت بنصوص متواترة مما هو معلوم من الدين بالضرورة فقد وقع في الكفر المخرج من الملة بإجماع أهل العلم"١"؛ لأن الإيمان لابد فيه من التصديق القلبي الجازم، الذي لا يعتريه شك ولا تردد"٢"، فمن تردد في إيمانه فليس بمسلم،
_________________
(١) "١" حكى الإجماع على كفر من وقع في هذا النوع ابن حزم في مراتب الإجماع ص١٧٧، والقاضي عياض في الشفا ٢/٥٢٤،٥٢٠، والملا علي القاري في شرح الشفا ٢/٥٤٩، والشيخ عبد الله أبابطين كما في الدرر السنية ١٠/٤١٩، وشيخنا عبد العزيز بن باز كما في فتاويه "جمع د. الطيار ٥٢٨،٥٢٧". وينظر في ذكر الإجماع على بعض مسائل هذا النوع، وفي ذكر بعض أمثلته: الفقه الأكبر مع شرحه للقاري ص٢٢٧، مجموع الفتاوى ٢/٣٦٨، مدارج السالكين ١/٣٦٧، قواطع الإسلام ص٦٨،٢٧، الدرر السنية ٢/٣٦١،٣٦٠، و١٠/١١٤، النواقض الاعتقادية ٢/٦٩-٧٣، وينظر أكثر المراجع المذكورة عند ذكر الإجماع على كفر الإنكار والتكذيب. "٢" ينظر ما سبق في فاتحة المقدمة من أن العقيدة إيمان جازم بأركان الإيمان وما يلحق
[ ٢١٥ ]
وقد أخبرنا الله تعالى في قصة صاحب الجنة أنه كفر بمجرد شكه في أن جنته – أي بستانه - لن يبيد – أي لن يخرب- أبدًا، وشكه في قيام الساعة، حين قال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ يريد جنته، وحين قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، فقال له صاحبه المؤمن: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف:٣٥-٣٨] "١".
ومن أمثلة هذا النوع: أن يشك في صحة القرآن، أو يشك في ثبوت عذاب القبر، أو يتردد في أن جبريل – ﵇ – من ملائكة الله تعالى، أو يشك في تحريم الخمر، أو يشك في وجوب الزكاة، أو يشك في كفر اليهود أو النصارى، أو يشك في سنية السنن الراتبة، أو
_________________
(١) بها ويتفرع عنها من أصول الدين، وينظر الشرط الثاني من شروط"لا إله إلا الله"في الفصل الثاني من الباب الأول. "١" قال ابن حزم في الفصل ٣/١٩٥:"فأثبت الله الشرك والكفر مع إقراره بربه تعالى، إذ شك في البعث". ومن هذا النوع من أنواع الكفر: أن يتردد مسلم في أن يكفر أو لا. ينظر روضة الطالبين ١٠/٦٥، ونهاية المحتاج ٧/٤١٦. ومما ينبغي التنبُّه له هنا أن هناك فرقًا بين الشك والريب والتردد - وهي معان متقاربة – وبين الوساوس، فالوساوس والخطرات التي يلقيها الشيطان على قلب المسلم لا تضره، ولا يحكم عليه بسببها بكفر أو غيره إذا دفعها وكرهها. ينظر النواقض الاعتقادية ٢/٧٣.
[ ٢١٦ ]
يشك في أن الله تعالى أهلك فرعون بالغرق، أو يشك في أن قارون كان من قوم موسى، وغير ذلك من الأصول والأحكام والأخبار الثابتة المعلومة من الدين بالضرورة، والتي سبق ذكر أمثلة كثيرة لها في النوع الأول.
النوع الثالث: كفر الامتناع والاستكبار:
وهو: أن يصدق بأصول الإسلام وأحكامه بقلبه ولسانه"١"،
_________________
(١) "١" وألحق بعض أهل العلم بهذا النوع من أنواع الكفر من صدق بنبوة النبي ﷺ من اليهود بقلبه ولكنه لم ينطق بالشهادتين ولم ينقد بجوارحه لأحكام الإسلام تكبرًا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، كما ألحق به بعضهم كفر فرعون وملئه، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] . ينظر النواقض الاعتقادية ٢/١٨١،١٨٠،١٣٥،١٣٤. ولا شك أن كفر هؤلاء اليهود وكفر فرعون وملئه كفر استكبار وكفر جحود أيضًا، فهم جاحدون للحق بألسنتهم، حتى من اعترف من اليهود بصدق النبي ﷺ فقط، فهم لم ينقادوا لما جاء به، ولم ينطقوا بالشهادتين وهم جاحدون لوحدانية الله تعالى، وجاحدون لما أخبر الله به في كتابه من أنه تعالى لم يتخذ ولدًا، فهم يزعمون أن عزيرًا ابن الله، بل لم يظهر منهم ما يدل على أنهم مؤمنون بأن القرآن كلام الله تعالى ولا أنهم مؤمنون بما اشتمل عليه كتاب الله تعالى من الأحكام والأخبار وأصول الإيمان، سوى ما بقي في كتبهم المحرفة من الحق الذي لم يغير. وينظر مجموع الفتاوى ٧/٥٦١، والصارم المسلول ص٥٢٠، وينظر ما
[ ٢١٧ ]
ولكن يرفض الانقياد بجوارحه لحكم من أحكامه"١" استكبارًا وترفعًا.
وقد أجمع أهل العلم على كفر من امتنع من امتثال حكم من أحكام الشرع استكبارًا"٢"؛ لأنه معترض على حكمة الله تعالى، وهذا قدح في ربوبيته جلّ وعلا، وإنكار لصفة من صفات الله تعالى الثابتة في الكتاب والسنة، وهي صفة "الحكمة""٣".
وأوضح مثال على هذا النوع من أنواع الكفر: رفض إبليس امتثال أمر الله تعالى بالسجود لأبينا آدم – ﵇ – استكبارًا وترفعًا عن
_________________
(١) يأتي في كفر الإعراض من النقل عن ابن عيينة في حاشية الصورة الثالثة من صور الإعراض المكفّر، وينظر أيضًا رسالة اليهود فصل"فيمن عرف من اليهود صدق النبي ﷺ ولم يسلم بغيًا وحسدًا"ص٢٤٣-٢٥١ فقد ذكرتُ فيها بعض أخبار اليهود الذين ظهر منهم ما يدل على تصديقهم بنبوة النبي ﷺ، ومع ذلك لم يسلموا ولم ينطقوا بالشهادتين ولم ينقادوا للحق. "١" وأعظم منه أن يرفض الانقياد لجميع أحكام الإسلام استكبارًا، فمن نطق بالشهادتين وآمن بقلبه بجميع أصول الإسلام وأحكامه، وأقر بذلك بلسانه، ولكنه لم ينقد، فترك جنس العمل بأحكام الإسلام استكبارًا وترفعًا فهو كافر كفر استكبار وكفر إعراض كما سيأتي إن شاء الله. "٢" حكى إجماع العلماء على ذلك الحافظ إسحاق بن راهويه كما في التمهيد ٤/٢٢٦، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في الصارم المسلول ص٥٢١، ومجموع الفتاوى ٢٠/٩٧. "٣" ينظر الصارم المسلول ص٥٢٢،٥٢١.
[ ٢١٨ ]
هذا الفعل الذي أمره الله تعالى به، معترضًا على ذلك بأنه هو أفضل من آدم، فلن يسجد له، حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١] فاعترض على حكمة الله تعالى في هذا الأمر، ورفض الانقياد له من أجل ذلك.
ومن أمثلة هذا الكفر أيضًا أن يرفض شخص أن يصلي صلاة الجماعة، ويترفع عنها، لأنها تسوي بينه وبين الآخرين، ومن أمثلته أيضًا: أن يمتنع شخص عن لبس لباس الإحرام؛ لأنه في زعمه لباس الفقراء ولا يليق به، ونحو ذلك"١".
_________________
(١) "١" قال ابن القيم في مدارج السالكين ١/٣٦٧:"وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقدْ له إباءًا واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل، كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾، وقول الأمم لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾، وهو كفر اليهود كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾، وقال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ وهو كفر أبي طالب أيضًا، فإنه صدّقه ولم يشك في صدقه، ولكن أخذته الحمية، وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم، ويشهد عليهم بالكفر".
[ ٢١٩ ]
النوع الرابع: كفر السبّ والاستهزاء:
وهو أن يستهزئ المسلم أو يسبّ شيئًا من دين الله تعالى مما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو مما يعلم هو أنه من دين الله تعالى.
وذلك بأن يستهزئ بالقول أو الفعل"١" بالله تعالى، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته المجمع عليها، أو يصف الله تعالى بصفة
_________________
(١) هذا وإذا امتنع فرد عن امتثال حكم من أحكام الإسلام غير الصلاة كسلًا ونحوه وليس تكبرًا أو جحودًا فلا يكفر، أما إن تركت جماعة واجبًا من الواجبات من غير استكبار ولا جحود، كأن تترك دفع الزكاة بخلًا، أو فعلت محرمًا من المحرمات من غير استحلال له، كأن تصر على التعامل بالربا، وتمتنع من تركه جشعًا، وكان لهذه الجماعة شوكة ومنعة فقد اختلف أهل العلم في كفر هذه الجماعة، ورجح بعض المحققين ردتهم، لقتال الصحابة لمانعي الزكاة، وتسميتهم لهم بأهل الردة. ينظر الروايتين والوجهين: أول الزكاة ١/٢٢١، المغني: أول الزكاة ٤/٩،٨، مجموع الفتاوى ٢٨/٥١٩،٥٤٨-٥٥١، و٣٥/٥٧، والشرح الكبير والإنصاف: إخراج الزكاة ٧/١٤٧-١٥٠، الدرر السنية ١٠/١٧٥-١٧٨. "١" من الاستهزاء بالفعل: الإشارة باليد، أو اللسان، أو الشفة، أو العين، أو غيرها مما يدل على الاستهزاء والاستهانة، ومنه إهانة الشيء بوضعه في القاذورات، أو بوضع القدم عليه، أو الجلوس عليه ونحو ذلك، ومنه أن يضرب أو يقتل أو يحارب مسلمًا، أو جماعة من المسلمين من إجل إسلامهم،، أو من أجل التزامهم بأحكام الإسلام وتطبيقهم لشرع الله، فإن هذا من أعظم الاستهزاء بدين الله تعالى، وهو أعظم من السبّ، ويدلّ على كرهه لدين الإسلام.
[ ٢٢٠ ]
نقص، أو يسب الله تعالى "١"، أو يسب دين الله تعالى كأن يلعن هذا الدين، أو يلعن دين شخص مسلم، أو يقول: إن هذا الدين متخلف، أو رجعي، أو لا يناسب هذا العصر، أو يستهزئ بملائكة الله تعالى، أو بواحد منهم: كأن يسب ملك الموت، أو خزنة جهنم"٢"، أو يستهزئ أو يسب شيئًا من كتب الله، كأن يسب القرآن، أو يستهزئ به أو بآية منه بالقول، أو بالفعل بأن يهينه بوضعه في القاذورات"٣" ونحو ذلك، أو يسب أحدًا من أنبياء الله المجمع على نبوتهم أو يستهزئ بهم، كأن يسب النبي ﷺ أو يستهزئ به، أو يستهزئ بشيء مما ثبت في القرآن أو السنة من الواجبات أو السنن، كأن يستهزئ بالصلاة، أو يستهزئ بالسواك، أو بتوفير اللحية"٤"، أو بتقصير الثوب إلى نصف
_________________
(١) "١" وذلك كأن يتهم الله تعالى بالظلم، أو يلعن خالقه ورازقه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. "٢" وكأن يستهزئ بأجنحة الملائكة أو بنزولهم. "٣" قال أبوالبقاء الحنفي في الكليات "ص٧٦٤":"والفعل الموجب للكفر هو الذي يصدر عن تعمد، ويكون الاستهزاء صريحًا بالدين، كالسجود للصنم وإلقاء المصحف في القاذورات". وينظر منهاج الطالبين مع شرحه مغني المحتاج ٤/١٣٦، ونهاية المحتاج ٧/٤١٦، وقواطع الإسلام ص٢٢. "٤" جاء في فتاوى اللجنة الدائمة ٢/٢٥ ما نصه:"إنْ قصد القائل بقوله "يا دقن" السخرية فذلك كفر، وإن قصد التعريف فليس بكفر".
[ ٢٢١ ]
الساقين مع علمه بأن ذلك كله من دين الله تعالى، أو يستهزئ بشخص لتطبيقه واجبًا أو سنة ثابتة يعلم بثبوتها، وأنها من دين الله، وكان استهزاؤه بكل هذه الأمور من أجل مجرد فعل هذا الحكم الشرعي، لا من أجل شكل الشخص وهيئته. وقد أجمع أهل العلم على كفر من سبّ أو استهزأ بشيء مما ثبت أنه من دين الله تعالى، سواء أكان هازلًا أم لاعبًا أم مجاملًا لكافر أو غيره، أم في حال مشاجرة، أم في حال غضب"١"، أم غير ذلك"٢".
_________________
(١) "١" ومن الكفر في حال الغضب – والمراد الغضب الذي لا يُفقد المكلف عقله – أن يعلق كفره على أمر مستقبل، وإن كان هذا التعليق في غير حال الغضب، فهو كفر من باب أولى؛ لأنه يدل على استهزائه واستخفافه بدين الإسلام. وينظر روضة الطالبين ١٠/٦٥، والإعلام بقواطع الإسلام ص١٨. "٢" حكى ابن حزم في المحلى الإجماع على كفر من سب الله تعالى، وقد سبق نقل كلامه عند تعريف الكفر في الاصطلاح، وذكر في المحلى أيضًا في الصلاة ٢/٢٤٣ أن من فسق النبي ﷺ ارتد عن الإسلام بلا خلاف بين أحد من المسلمين. وحكى القاضي عياض في الشفا ٢/٥٤٩،٥٤٦،٤٩١ الإجماع على كفر من سب الله تعالى، أو سبّ أحدًا من الملائكة، أو نبيًا من الأنبياء المتفق عليهم، أو استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء من المصحف، أو استهزأ بشيء منهما. وذكر في المرجع نفسه ٢/٣٩٤ أنه قد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على قتل وتكفير من سب النبي ﷺ أو تنقصه، ثم نقل حكاية الإمام محمد بن سحنون
[ ٢٢٢ ]
_________________
(١) المالكي المتوفى سنة "٢٦٥هـ" الإجماع على كفر من سب النبي ﷺ، والإجماع على قتله، ونقل ٢/٣٩٥،٣٩٣ حكاية ابن المنذر والخطابي الإجماع على قتله. وقال ابن العربي المالكي في أحكام القرآن ٢/٩٧٦:"الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة". وقال شيخ الإسلام في الصارم المسلول على شاتم الرسول ص٤ بعد نقله حكاية الإجماع عن من سبق ذكرهم، قال:"وتحرير القول فيه: أن السابّ إن كان مسلمًا فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف..". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا في المرجع السابق: المسألة الرابعة ص٥١٢:"إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل"، ثم نقل عن بعض العلماء حكاية الإجماع على ذلك، وبيّن غلط من نقل خلافًا في ذلك، وما وجه به القاضي عياض ما نقل عن بعضهم في ذلك، ثم بيّن في ص٥١٦ أنه لا ينبغي أن يظن ظان أن في المسألة خلافًا، وبيّن أنه لا يستطع أحد أن يحكي ذلك عن واحد من الفقهاء أئمة الفتوى، ثم قال "ص٥٢٧":"فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف علىأن التنقص له كفر مبيح للدم". وقال شيخ الإسلام أيضًا في مجموع الفتاوى ٨/٤٢٥:"اتفق المسلمون على أن من استخف بالمصحف مثل أن يلقيه في الحش أو يركضه برجله إهانة له أنه كافر مباح الدم". وينظر الصفدية ٢/٣١١.
[ ٢٢٣ ]
_________________
(١) وقال ابن أمير الحاج الحنفي في التقرير والتحبير ٢/٢٦٧:"وهو – أي التكلم بالكفر هزلًا – كفر بالنص والإجماع".اه. ملخصًا. وقال المرداوي في الإنصاف ٢٧/١٠٨: "من أشرك بالله أو سب الله أو رسوله كفر بلا نزاع في الجملة". وقال ابن نجيم في البحر الرائق ٥/١٣٤:"من تكلم بكلمة الكفر هازلًا أو لاعبًا كفر عند الكل". ونقل ابن حجر المكي في قواطع الإسلام ص٦٢ عن بعض علماء الحنفية حكاية الاتفاق على كفر من سخر بالشريعة أو بحكم منها، وأقره على ذلك. وذكر ابن العطار تلميذ النووي في آخر كتابه"الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد"ص٤٧: أن أباحنيفة قال بكفر من قال قولًا فيه استهانة بالدين، وأنه لم يخالفه أحد من المسلمين. وذكر الألوسي في روح المعاني ١٠/١٣١ أنه لا خلاف بين الأئمة أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في التيسير، باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول ص٥٥٣:"من استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله أو بدينه كفر ولو هازلًا لم يقصد حقيقة الاستهزاء إجماعًا"، وينظر إبطال التنديد ص٢٤٦. وقال شيخنا عبد العزيز بن باز كما فتاويه "جمع د. الطيار ص٥٢٥":"سب الدين والرب جل وعلا كل ذلك من أعظم أنواع الكفر بإجماع أهل العلم"، وحكى أيضًا ص٥٢٧ إجماع العلماء على كفر من سب أو تنقص أو استهزأ بالله أو برسوله ﷺ أوسب أحدًا من رسل الله أو سب الإسلام. وينظر فتح الباري: استتابة المرتدين ١٢/٢٨١، الدرر السنية ٢/٣٦١،٣٦٠،=
[ ٢٢٤ ]
وذلك لأن الله تعالى قد حكم بكفر من استهزأ بالله تعالى وبآياته وبرسوله محمد ﷺ، مع أنهم كما قالوا كانوا يلعبون ويقطعون الطريق بذلك"١"، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ*لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ "٢" [التوبة:٦٦،٦٥]؛ ولأن من فعل ذلك
_________________
(١) و١٠/١١٤، والإرشاد للشيخ الدكتور صالح الفوزان ص٧٩، والاستهزاء بالدين له أيضًا، والتبيان شرح نواقض الإسلام ص٥٠-٥٣، والقول المبين في حكم الاستهزاء بالمؤمنين. "١" رواه ابن وهب كما في تفسير ابن كثير، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره "١٠٠٤٧"، وابن جرير في تفسيره "١٦٩١٢" بإسناد حسن، رجاله رجال مسلم. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره "١٠٠٤٦-١٠٠٤٩، ١٠٤٠٢،١٠٤٠١"، وابن جرير في تفسيره "١٦٩١٣-١٦٩١٦" من طرق أخرى متصلة ومرسلة. "٢" قال أبومحمد بن حزم في الفصل ٣/٢٠٤ بعد ذكره لهذه الآية:"نص تعالى على أن الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسول من رسله كفر مخرج عن الإيمان، ولم يقل تعالى في ذلك: إني علمت أن في قلوبكم كفرًا، بل جعلهم كفارًا بالاستهزاء نفسه، ومن ادعى غير هذا فقد قوّل الله تعالى ما لم يقل وكذب على الله تعالى". وقال أيضًا ٣/٢٥٦،٢٥٥:"صح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى أو بملك من الملائكة أو نبي من الأنبياء ﵈ أو بآية من القرآن أو بفريضة من فرائض الدين – فهي كلها آيات الله تعالى – بعد بلوغ الحجة إليه فهو كافر". وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ٧/٢٧٣ في تفسير هذه الآية:"فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف".
[ ٢٢٥ ]
فهو مستخف بالربوبية والرسالة ومستخف بعموم دين الله تعالى غير معظِّم لذلك كله، وهذا مناف للإيمان والإسلام"١".
النوع الخامس: كفر البغض:
وهو أن يكره دين الإسلام.
فقد أجمع أهل العلم على أن من أبغض دين الله تعالى كفر"٢"،
_________________
(١) وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد ص٥٥٩:"إن الله تعالى أثبت لهؤلاء إيمانًا قبل أن يقولوا ما قالوه". وينظر فتح المجيد ص٥١٦، وأعلام السنة المنشورة ص١٨٤،١٨٣، وفتاوى اللجنة الدائمة ٢/٢-١٤، ٢٤-٢٦. "١" قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٧/٥٥٨:"القلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول ﷺ، وأنه رسول الله، وكان محبًا لرسول الله معظمًا له، امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه، فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد اعتقاد أنه صادق لا يكون إيمانًا إلا مع محبته وتعظيمه بالقلب". وقال أيضًا كما في شرح الأصفهانية ص١٨١:"الظاهر دليل على إيمان القلب ثبوتًا وانتفاء"، وينظر مجموع الفتاوى ٧/٦١٦، والصارم المسلول ص٥٢٤،٥١٩. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في التيسير ص٥٥٤:"وهل يجتمع الإيمان بالله وكتابه ورسوله والاستهزاء بذلك في قلب؟ بل ذلك عين الكفر، لذلك كان الجواب مع ما قبله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ". "٢" حكى شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٠/٩٧، وكما في الإقناع "مطبوع مع شرحه كشاف القناع ٦/١٦٨" الإجماع على أن من أبغض ما جاء به الرسول ﷺ كفر.
[ ٢٢٦ ]
لقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد:٩]، ولأنه حينئذٍ يكون غير معظم لهذا الدين"١"، بل إن في
_________________
(١) وينظر الفصل ٣/٢٥٧، مجموع الفتاوى ٧/٥٢،٥١، البحر الرائق ٥/١٣٠، الزواجر "الكبيرة ٥٥،٥٤". "١" فإن من تعظيم هذه الدين محبته، وقد سبق في أركان العبادة أن أهم أركانها"المحبة"فمن لم يحب هذا الدين فقد أخل بهذا الركن العظيم، فكيف إذا أبغضه، وكذلك سبق في شروط"لا إله إلا الله"أن من شروطها محبة هذه الكلمة ومحبة ما دلت عليه، فمن لم يحب ما اقتضته فقد أخل بهذا الشرط، فكيف إذا كرهه. وينظر مجموع الفتاوى ١٤/١٠٧-١٠٩، والصارم المسلول ص٥٢٤. وقال شيخ الإسلام في رسالة المحبة ص١٠٤:"إذا كان أصل الإيمان صحيحًا، وهو التصديق، فإن هذه المحرمات يفعلها المؤمن مع كراهته وبغضه لها، فهو إذا فعلها لغلبة الشهوة عليه، فلابد أن يكون مع فعلها فيه بغض لها، وفيه خوف من عقاب الله عليها، وفيه رجاء لأن يخلص من عقابها، إما بتوبة، وإما حسنات، وإما عفو، وإما دون ذلك، وإلا فإذا لم يبغضها، ولم يخف الله فيها، ولم يرج رحمته، فهذا لا يكون مؤمنًا بحال، بل هو كافر أو منافق". وقال أيضًا في المرجع نفسه ص١٩٤،١٩٣:"لم يتنازع العلماء في أن الرضا بما أمر الله به ورسوله واجب محبب، لا يجوز كراهة ذلك وسخطه، وأن محبة ذلك واجبة، بحيث يبغض ما أبغضه الله، ويسخط ما أسخطه الله من المحظور، ويحب ما أحبه، ويرضى ما رضيه الله من المأمور. وإنما تنازعوا في الرضا بما يقدره الحق من الألم بالمرض والفقر. فقيل: هو واجب. وقيل: هو مستحب. وهو أرجح، والقولان في أصحاب الإمام أحمد وغيرهم، وأما الصبر على ذلك فلا نزاع أنه واجب".
[ ٢٢٧ ]
قلبه عداوة له، وهذا كله كفر"١".
_________________
(١) "١" وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن من كره شيئًا مما جاء به النبي ﷺ كفر. ينظر مجموعة التوحيد ١/٣٨، الدرر السنية ٢/٣٦٠، ٣٦١. وعلى هذا القول فمن كره شيئًا مما أجمع أهل العلم عليه أو مما يعلم هو أنه من دين الله تعالى كفر، وقد سبق ذكر أمثلة لذلك عند الكلام على كفر الجحود وكفر السب والاستهزاء. وقال بعض أهل العلم: إن من كره حكمًا شرعيًا واحد لا يكفر، وأنه لا يكفر حتى يكره الدين كاملًا، وقد مال إلى هذا القول شيخنا عبد الرحمن بن ناصر البراك، وقال: إن الآية السابقة واردة في شأن الكافرين الذين لم يدخلوا في الإسلام، والكافر يكره دين الله كله، وقد ذكر الله تعالى فيها حبوط أعمال من كره جميع ما أنزل الله، لأن «ما» عامة، وليس في المسألة دليل آخر يمكن أن يستدل به على كفر من كره حكمًا شرعيًا واحدًا. ومما يمكن أن يستدل به لهذا القول: ما ثبت من أن عمر ﵁ كره حكم النبي ﷺ في صلح الحديبية، وقد قال عمر عن موقفه في ذلك اليوم: «رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر النبي ﷺ لرددته»، فقد كره عمر ﵁ حكم النبي ﷺ في صلح الحديبية مع أن النبي ﷺ قال له:" إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا "، بل إن ظاهر حال الصحابة في ذلك اليوم أنهم كرهوا هذا الصلح، ولهذا لم يمتثلوا أمره ﷺ بالحلق في أول الأمر، والأحاديث في مواقفهم في هذا اليوم ثابتة في صحيح البخاري "٢٧٣١، ٣١٨١، ٣١٨٢"، وصحيح مسلم "١٧٨٥، ١٧٨٦"، ومما يمكن أن يستدل به لهذا القول أيضًا ما ثبت من أن النبي ﷺ قبل إسلام ثقيف مع أنها اشترطت عليه أن لا صدقة عليها ولا جهاد. والحديث رواه أبوداود "٣٠٢٥" بإسناد حسن، فظاهر حالهم أنهم دخلوا في الإسلام مع كراهتهم لهذين الحكمين. ومما يمكن أن يستدل به لهذا القول كذلك: أن مجرد فعل بعض المعاصي يحمل العاصي شاء أم لم يشأ على بغض بعض الطاعات، فمثلًا الواقع في شرب الخمر أو في الزنى المسرف على نفسه في فعلهما يكره أن يطبق شرع الله في بلده حتى لا
[ ٢٢٨ ]
_________________
(١) يُمنع من هذه المعاصي، ويكره أن يلتزم من حوله بشرع الله فيمنعونه من فعلهما، كما يكره المحتسبين في منعهما، ومع ذلك فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن مجرد فعلهما لا يخرج العبد من ملة الإسلام، فدلَّ ذلك على أن كره بعض الطاعات التي هي من دين الله تعالى ليس مكفرًا. وعلى وجه العموم فالمسألة تحتاج إلى مزيد عناية وتتبع للأدلة الواردة في هذه المسألة. وعلى كلا القولين فلا يدخل في هذا النوع أن يكره المسلم فعل واجب لمشقته عليه، أو أن يكره ترك محرم لمحبته لفعله، فإن هذا كره للفعل أو للترك، ولم يكره أن الله أوجب الواجب أو حرم الحرام، فهو كره أن يفعل هذا الواجب أو أن يترك هذا المحرم لا غير، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] أي تكرهونه من حيث الطبع لما فيه من المشقة عليكم، فيكره المسلم أن يفعله بنفسه لما فيه من المشقة، من تعريض النفس للهلاك وغير ذلك من المشاق، ولكن لا يكره أن الله شرعه، بل يحب ذلك ويرضى به ويعلم أن الخير للأمة في وجوب الجهاد، وأنه ذروة سنام الإسلام. فحال المسلم مع هذا الحكم وأمثاله كحال المريض الذي وصف له الطبيب علاجًا ودواءً فيه مشقة عليه، كأن يصف له شرابًا كريه المذاق، أو ينصحه بإجراء عملية جراحية فيها ألم ومشقة، فهو يكره هذا الدواء، لكنه راض عن وصف الطبيب له هذا العلاج، فيكره نفسه عليه، وقد يضعف عن تحمله فيتركه، مع معرفته أن فيه شفاءه، واعترافه بأن فيه نفع له لما يعلم من مهارة هذا الطبيب ونصحه له، وبهذا يجمع بين محبته للمعصية أو كرهه للطاعة طبعًا، وبين رضاه بتقدير الله تعالى وشرعه ومحبته له. ينظر تفسيري البغوي والقرطبي للآية "٢١٦" من سورة البقرة، والمفردات ص٤٢٩، ومدارج السالكين ٢/١٨٣،١٨٢، والنواقض الاعتقادية ٢/١٧٧-١٧٩.
[ ٢٢٩ ]
النوع السادس: كفر الإعراض:
ورد ذكر الإعراض في كتاب الله تعالى في آيات كثيرة، وأصل الإعراض هو: التولي عن الشيء، والصدود عنه، وعدم المبالاة به.
والإعراض عن دين الله تعالى قسمان:
القسم الأول: الإعراض المكفر: وهو أن يترك المرء دين الله ويتولى عنه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو يتركه بجوارحه مع تصديقه بقلبه ونطقه بالشهادتين.
وهذا القسم له ثلاث صور، هي:
١- الإعراض عن الاستماع لأوامر الله ﷿، كحال الكفار الذين هم باقون على أديانهم المحرفة أو الذين لا دين لهم، ولم يبحثوا عن الدين الحق مع قيام الحجة عليهم، فهم أعرضوا عن تعلم ومعرفة أصل الدين الذي يكون به المرء مسلمًا، فهم يمكنهم معرفة الدين الحق والسير عليه، ولكنهم لم يلتفتوا إلى ذلك، ولم يرفعوا به رأسًا.
٢- الإعراض عن الانقياد لدين الله الحق وعن أوامر الله تعالى بعد استماعها ومعرفتها، وذلك بعدم قبولها فيترك ما هو شرط في صحة الإيمان، وهذا كحال الكفار الذين دعاهم الأنبياء وغيرهم من الدعاة إلى الدين الحق، أو عرفوا الحق بأنفسهم، فلم يسلموا، وبقوا على كفرهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣] .
٣ - الإعراض عن العمل بجميع أحكام الإسلام وفرائضه بعد إقراره
[ ٢٣٠ ]
بقلبه بأركان الإيمان ونطقه بالشهادتين.
فمن ترك جنس العمل بأحكام الإسلام، فلم يفعل شيئًا من الواجبات، لا صلاة ولا صيامًا ولا زكاةً ولا حجًا ولا غيرها، فهو كافر كفرًا أكبر"١" بإجماع السلف"٢"، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ
_________________
(١) "١" قال الإمام سفيان بن عيينة ﵀ كما في"السنة"لعبد الله بن أحمد: الإيمان والرد على المرجئة، رقم "٧٤٥":"ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم - صلوات الله عليه – وإبليس وعلماء اليهود، أما آدم فسُمِّي عاصيًا من غير كفر، وأما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدًا، فسُمِّي كافرًا، وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي ﷺ، وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم،وأقروا به باللسان ولم يتبعوا شريعته فسمّاهم الله ﷿ كفارًا، فركوب المحارم مثل ذنب آدم – ﵇ – وغيره من الأنبياء – ﵈ -، وأما ترك الفرائض جحودًا فهو كفر مثل كفر إبليس لعنه الله، وتركهم على معرفة من غير جحود فهو كفر، مثل كفر علماء اليهود". انتهى كلامه مختصرًا. وقال الإمام الشوكاني في رسالة: إرشاد السائل إلى دلائل المسائل "مطبوعة ضمن الرسائل السلفية ص٤٣":"السؤال الثاني: ما حكم الأعراب سكان البادية الذين لا يفعلون شيئًا من الشرعيات إلا مجرد التكلم بالشهادة، هل هم كفار أم لا؟ وهل على المسلمين غزوهم أم لا؟ أقول: من كان تاركًا لأركان الإسلام وجميع فرائضه ورافضًا لما يجب عليه من ذلك من الأقوال والأفعال، ولم يكن لديه إلا مجرد التكلم بالشهادتين فلا شك ولا ريب أن هذا كافر شديد الكفر حلال الدم..". "٢" قال الإمام الشافعي كما في كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص١٩٧:"وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم، يقولون: =
[ ٢٣١ ]
وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢] "١"، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، ولآيات أخرى كثيرة تدل على كفر عموم المعرضين، ولأن تركه لجميع الأعمال الظاهرة دليل على خلو باطنه من الإيمان والتصديق الجازم"٢".
_________________
(١) الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزي واحد من الثلاثة إلا بالآخر". وقد حكى الشيخ سليمان بن سحمان الإجماع على هذا الكفر كما في الدرر السنية ٢/٣٦٢،٣٦٠. وقال الدكتور محمد الوهيبي في رسالة نواقض الإيمان الاعتقادية ٢/١٤٠ عند كلامه على حكم تارك أركان الإسلام الأربعة بعد الشهاديتين، بعد ذكره لإجماع السلف على كفر تارك جنس العمل:"إن قول السلف في مسألة ترك جنس العمل يختلف عن قولهم في مسألة ترك الأركان، فالأول أمر لم يخالف فيه منهم أحد – أي في كفر تارك جنس العمل – لأنه مقتضى إجماعهم على حقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل، أما الثاني فهو من مسائل الاجتهاد ". "١" قال البيضاوي في تفسيره ١/١٥٦:"وإنما لم يقل: "لا يحبهم" لقصد العموم والدلالة على أن التولي عن الطاعة كفر، وأنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله، وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين". وقال أبوالسعود في تفسيره ١/٤٦٦:"وإيثار الإظهار على الإضمار لتعميم الحكم لكل الكفرة والإشعار بعلته، فإن سخطه عليهم بسبب كفرهم، والإيذان بأن التولي عن الطاعة كفر". "٢" فتركه لجنس العمل بأحكام الإسلام بجوارحه دليل على أن ما ادعاه من إقراره بقلبه بأركان الإيمان غير صحيح، إذ لو كان مؤمنًا حقًا بوجوب عبادة الله دون سواه لما
[ ٢٣٢ ]
القسم الثاني: الإعراض غير المكفر: وهو أن يترك المسلم بعض الواجبات الشرعية غير الصلاة"١"، ويؤدي بعضها.
_________________
(١) أعرض بجوارحه عن عبادة الله وطاعته كلية، ولو كان مؤمنًا حقًا بأن محمدًا ﷺ رسول من عند الله تجب طاعته لما عصاه في كل ما جاء به وأمر به من الأعمال الظاهرة. قال أبوطالب المكي كما في الإيمان لشيخ الإسلام ص٣١٨:"من كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفرًا لا يثبت معه توحيد". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٧/٦١١ بعد ذكره أن الإيمان القلبي يمتنع أن يكون موجودًا مع بقاء الإنسان دهرًا لا يؤدي أي واجب من الواجبات، قال:"ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع عن السجود الكفار، كقوله: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ ". ومعنى "سالمون": ممتنعون عن الصلاة مع قدرتهم على أدائها. وينظر في هذا النوع من أنواع الكفر أيضًا مجموع الفتاوى ٧/٦٤٥،٦٢١، و١٨/٢٧٢، مدارج السالكين ١/٣٦٧،٣٦٦، النواقض العملية ص٤٤،٤٣،٢٦، ٨٦-٨٨، ٣٤٤-٣٥٧، النواقض الاعتقادية ٢/١٢١-١٣٩، وينظر الشرط الرابع من شروط"لا إله إلا الله". وينظر ما يأتي في النفاق –إن شاء الله-. "١" أما ترك الصلوات الخمس فإن تركها المسلم جحدًا لفرضيتها كفر إجماعًا، وكذلك لو تركها وأصر على تركها بعد تهديده بالقتل إن استمر على تركها، فتركها حتى قتل، فهذا مرتد أيضًا، لأن إصراره على تركها حتى يقتل دليل على كفره في الباطن وأنه جاحد لوجوب الصلاة، أو دليل على أنه تركها إباءً واستكبارًا،
[ ٢٣٣ ]
_________________
(١) وكلاهما كفر. أما إن تركها المسلم كسلًا وتهاونًا فقد وردت نصوص شرعية كثيرة فيها الحكم بكفره، منها ما رواه مسلم "٨٢" عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ:" بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ". وقد ثبت عن جماعة من الصحابة الجزم بكفره وأنه لا حظ له في الإسلام، وحكى بعض أهل العلم الإجماع على ذلك: قال المروزي في تعظيم قدر الصلاة ص٩٢٥:"ذكرنا الأخبار المروية عن النبي ﷺ في إكفار تاركها وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتال من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عن الصحابة – ﵃ – مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك". ثم روى المروزي "٩٧٨" بإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيحين عن التابعي الجليل أيوب السختياني أنه قال:"ترك الصلاة كفر لا يختلفون فيه". وصححه الألباني في صحيح الترغيب "٥٤٧"، وقال المروزي أيضًا "٩٩٠":"سمعت إسحاق يقول: قد صح عن رسول الله ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا". وذكر ابن حزم في المحلى ٢/٢٤٢ أن هذا قول عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم، وذكر أنه لا يعلم لهم مخالفًا من الصحابة. وقال الحافظ ابن القيم في كتاب"الصلاة وحكم تاركها"ص٥٠:"فصل دلالة الإجماع على كفر تارك الصلاة. وأما إجماع الصحابة "ثم ذكر قول عمر بعدما طعن:"لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة"، ثم قال:"قال هذا
[ ٢٣٤ ]
النوع السابع: كفر النفاق:
وهو أن يظهر الإيمان ويبطن الكفر. فالنفاق كفر، ولكنه يزيد عليه بإظهار الإسلام.
وسيأتي الكلام على هذا النوع مفصلًا في الفصل الثالث - إن شاء الله -.
النوع الثامن: الكفر بموالاة الكافرين:
موالاة الكفار تنقسم إلى قسمين:
١- ولاء كفري.
٢- ولاء غير كفري.
وسيأتي الكلام على صور هذين القسمين في باب مستقل عند الكلام على الولاء والبراء – إن شاء الله تعالى-.
_________________
(١) بمحضر من الصحابة، ولم ينكروه عليه، وقد تقدم مثل ذلك عن معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، ولا يعلم عن صحابي خلافهم". وهذا قول أكثر علماء الحديث، وذهب بعض أهل الحديث وبعض متأخري الفقهاء إلى أنه كافر كفرًا أصغر. ينظر: تعظيم قدر الصلاة، باب ذكر إكفار تارك الصلاة ص٨٧٣-١٠١٧، الجامع للخلال ص٣٠٠ وما بعدها، التمهيد ٤/٢٢٤-٢٤٢، شرح اعتقاد أهل السنة ٤/٨٢٩،٨٢٥، شرح السنة ٢/١٩٧، مجموع الفتاوى ٢٠/٩٧، كتاب الصلاة لابن القيم.
[ ٢٣٥ ]
خاتمة فصل الكفر الأكبر:
بعد أن بيَّنتُ تعريف الكفر الأكبر وحكمه وأنواعه أحببت التنبيه إلى مسألة مهمة، وهي: أن المسلم قد يقع في بعض أنواع الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر والتي قال أهل العلم: "من فعلها فقد كفر "، ولكن قد لا يحكم على هذا المسلم المعيَّن بالكفر، وذلك لفقد شرط من شروط الحكم عليه بالكفر"١"،
_________________
(١) "١" فيشترط للحكم بالكفر أن يكون الواقع في الكفر عالمًا عامدًا، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم: ينظر البحر الرائق ٥/١٣٤، إعلام الموقعين: فصل اعتبار النيات ٣/٦٢. وقال شيخنا محمد بن عثيمين كما في مجموع فتاويه "جمع فهد السليمان ٢/١٢٦،١٢٥": للحكم بتكفير المسلم شرطان: أحدهما: أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء كفر، الثاني: انطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالمًا بذلك قاصدًا له، فإن كان جاهلًا لم يكفر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥]، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . لكن إن فرط بترك التعلم والتبين لم يعذر، مثل أن يبلغه أن عمله هذا كفر فلا يتثبت، ولا يبحث فإنه لا يكون معذورًا حينئذ وإن كان غير قاصد لعمل ما يكفر لم يكفر بذلك لكن من عمل شيئًا مكفرًا مازحًا فإنه يكفر لأنه قصد ذلك، كما نص عليه أهل العلم".
[ ٢٣٦ ]
أو لوجود مانع من ذلك"١"، كأن يكون جاهلًا"٢"، كما في قصة الذي أمر أولاده إذا مات أن يحرِّقوه ثم يذروا رماده في يوم شديد الريح في
_________________
(١) "١" وذلك كأن يكون مكرهًا، أو جاهلًا جهلًا يعذر مثله به، كحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة عن العلم وأهله ونحو ذلك، أو يكون مخطئًا بسبق لسان أو اجتهاد أو غيرهما، أو يكون ناسيًا، أو حاكيًا لقول غيره لتعليم أو شهادة أو غيرهما. وقد أجمع أهل العلم على أن من وقع في الكفر ناسيًا أو مكرهًا أو مخطئًا أنه لا يكفر. ينظر تفسير القرطبي "تفسير الآية الأخيرة من البقرة ٣/٤٣٢"، إيثار الحق لابن الوزير ص٣٩٧،٣٩٥، البحر الرائق لابن نجيم ٥/١٣٤. أما الخوف الذي لم يصحبه إكراه: فقيل: إنه ليس عذرًا، وقيل: إنه عذر، والأقرب أنه إن كان هناك خوف شديد يقرب من الإكراه، كان عذرًا، وإلا فلا، ينظر تعظيم قدر الصلاة ص٩٣٠، شرح المنهج لزكريا الأنصاري مع حاشيته للجمل ٥/١٢٢،١٢١ رسالة"حكم موالاة أهل الإشراك": الدليل الرابع عشر. "٢" ينظر في مانع الجهل: الفصل ٣/٢٤٩، المغني: الردة ١٢/٢٧٧، الشفا ٢/٥٣٠،٥٢٩،٥٢٤،٥٢٣، الإعلام بقواطع الإسلام ص٥٢، رسالة الجهل بمسائل الاعتقاد لعبد الرحمن معاش، ورسالة"ضوابط التكفير عند أهل السنة"للدكتور عبد الله القرني، ورسالة"منهج ابن تيمية في التكفير"١/٢٥١-٢٦٠، وينظر فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع د. الطيار ص٥٢٩،٥٢٨" فقد فصّل في المسألة، وذكر أن الجهل قسمان: الأول: جهل من نشأ بين المسلمين فهذا لا يعذر في عبادة غير الله من الأصنام والأموات لإعراضه عن السؤال. والثاني: من يعذر بالجهل، كالذي نشأ في بلاد بعيدة عن الإسلام، وكأهل الفترة، ثم قال:"فهؤلاء
[ ٢٣٧ ]
البحر وقال: «والله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذابًا ما عذب به أحدًا»، فغفر الله له"١"، فهو قد شك في قدرة الله على إعادة خلقه، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، ومع ذلك غفر الله له لجهله وخوفه من ربه"٢".
_________________
(١) معذورون بجهلهم، وأمرهم إلى الله ﷿، والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيؤمرون، فإن أجابوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ولأحاديث صحيحة وردت في ذلك". وينظر فتاوى الشيخ ابن عثيمين "جمع فهد السليمان ٢/١٢٤-١٣٨" ففيها تفصيل جيد. "١" رواه البخاري في الأنبياء "٣٤٨١،٣٤٧٨"، ومسلم في التوبة "٢٧٥٧،٢٧٥٦" من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي سعيد، ورواه البخاري "٣٤٧٩" من حديث حذيفة. وقد ذكر ابن الوزير في إيثار الحق ص٣٩٤ أن هذا الحديث متواتر. "٢" قال أبومحمد ابن حزم في الفصل ٣/٢٥٢:"فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله ﷿ يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره، وخوفه، وجهله". وقد ذكر ابن حزم في الفصل ٣/٢٥١-٢٥٣ أيضًا ثلاثة أدلة أخرى لهذا المانع: أولها: قبول النبي ﷺ إسلام كل من أسلم مع أنه جاهل بأكثر مسائل أصول الدين. والثاني: قول الحواريين ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ قال:"ولم يبطل بذلك إيمانهم". والثالث: أن من قرأ القرآن فأخطأ جهلًا لا يكفر. وينظر تأويل مختلف الحديث ص٨١، وإيثار الحق ص٣٩٤، وينظر أيضًا رسالة منهج ابن تيمية في التكفير ١/٢٤٣-٢٤٩، فقد نقل مؤلفها عن شيخ الإسلام في هذا تسعة أدلة قوية.
[ ٢٣٨ ]
ومن موانع التكفير للمعيَّن أيضًا: التأويل، وهو: أن يرتكب المسلم أمرًا كفريًا معتقدًا مشروعيته أو إباحته له لدليل يرى صحته أو لأمر يراه عذرًا له في ذل وهو مخطئ في ذلك كله.
فإذا أنكر المسلم أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة مثلًا، أو فعل ما يدل على إنكاره لذلك، وكان عنده شبهة تأويل، فإنه يعذر بذلك ولو كانت هذه الشبهة ضعيفة إذا كان هذا التأويل سائغًا في لغة العرب وله وجه في العلم، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل السنة"١".
_________________
(١) "١" قال الإمام الشافعي في"الأم": الأقضية ٦/٢٠٥:"لم نعلم أحدًا من سلف هذه الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم ردّ شهادة أحد بتأويل، وإن خطأه وضلله، ورآه استحل فيه ما حرم عليه، ولا رد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول". وقال أبومحمد بن حزم في الفصل ٣/٢٤٧:"وهو قول كل من عرفنا له قولًا في هذه المسألة من الصحابة – ﵃ –لا نعلم منهم في ذلك خلافًا أصلًا، إلا ما ذكرنا من اختلافهم في تكفير من ترك صلاة متعمدًا حتى خرج وقتها ". وينظر مجموع فتاوى ابن تيمية ٥/٥٦٣، منهاج السنة ٥/٢٣٩، الإرشاد للسعدي ص٢٠٧. وقال الحافظ في الفتح: استتابة المرتدين. باب ما جاء في المتأولين ١٢/٣٠٤:"قال العلماء: كل متأول معذور بتأويله ليس يأثم إذا كان تأويله سائغًا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم". وقال الشيخ محمد بن عثيمين كما في المجموع الثمين ٢/٦٣:"النوع الثاني – أي من أنواع الجحود -: إنكار تأويل، وهو أن لا يجحدها، ولكن يؤولها، وهذا
[ ٢٣٩ ]
_________________
(١) نوعان: الأول: أن يكون لهذا التأويل مسوغ في اللغة العربية، فهذا لا يوجب الكفر. الثاني: أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية، فهذا موجب للكفر؛ لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار تكذيبًا، مثل أن يقول: ليس لله يد حقيقة، ولا بمعنى النعمة أو القوة فهذا كافر؛ لأنه نفاها نفيًا مطلقًا، فهو مكذب حقيقة، ولو قال في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ المراد بيديه السماوات والأرض فهو كافر؛ لأنه لا يصح في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية، فهو منكر مكذب". ويشترط في هذه الشبهة ألا تكون في أصل الدين الذي هو عبادة الله وحده ووجوب طاعة نبيه محمد ﷺ الذي هو مدلول الشهادتين، كما يشترط عدم احتمال أن يكون مدعيها مكذبًا ومستحلًا على الحقيقة، كحال المنافقين والزنادقة الذين يؤولون ما لا يمكن تأويله، كالذين يؤولون القيامة والجنة والنار بأمور أخرى، كما يشترط أن يكون ما تأوله غير معلوم له بالضرورة، بحيث يكون له فيه شبهة. وينظر في عذر التأويل أيضًا: المغني ١٢/٢٧٦، الشفا ٢/٥٢٩،٥٠٠، مجموع الفتاوى ٢٠/٢٦٣-٢٦٨، إيثار الحق على الخلق ص٣٩٣،٣٧٧،٣٧٦، وينظر رسالة"منهج ابن تيمية في التكفير"١/١٩٣-٢٥٠، ورسالة ضوابط التكفير عند أهل السنة: ضابط الإعذار بالشبهة ص٣٥٧-٣٦٣ وتنظر مراجع عذر الجهل السابقة. وقال الدكتور محمد الوهيبي في النواقض الاعتقادية ٢/٢٧ بعد ذكره للتأويلات التي لا خلاف في عذر صاحبها:"وكذلك هناك تأويلات لا خلاف في عدم العذر بها، كتأويلات الباطنية والفلاسفة وغيرهم من الغلاة، وبين ذلك أصول تختلف الأنظار والاجتهاد في العذر بها من عدمه". وقال الدكتور عبد الله القرني في"ضوابط التكفير"ص٣٥٧:"ولهذا أجمع علماء
[ ٢٤٠ ]
وعلى وجه العموم فعذر التأويل من أوسع موانع تكفير المعين.
ولهذا ذكر بعض أهل العلم أنه إذا بلغ الدليلُ المتأوِّلَ فيما خالف فيه ولم يرجع وكان في مسألة يُحتَملُ وقوع الخطأ فيها، واحتمل بقاء الشبهة في قلب من أخطأ فيها لشبه أثيرت حولها أو لملابسات أحاطت بها في واقعة معينة أنه لا يحكم بكفره، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] "١".
_________________
(١) المسلمين على تكفير الباطنية من نصيرية ودروز وإسماعيلية ونحوهم، وأنهم لا يعذرون بالشبهة؛ لأن حقيقة مذاهبهم أنهم لا يعبدون الله، ولا يلتزمون بشرائع الإسلام، بل يؤولونها بما لا يمكن بحال أن يكون له وجه". وينظر مجموع الفتاوى ٣٥/١٦٢،١٦١، إيثار الحق ص٣٧٧. وقد ألحق بعض أهل العلم بطوائف الباطنية السابقة الفرق التي تقدح في القرآن وتدّعي أنه محرف، أو أن أكثره مفقود ولا تعمل بأكثر أحاديث النبي ﷺ، ولا تقبلها؛ لأن الصحابة الذين رووها مرتدون في زعمهم. وينظر قول ابن القيم الآتي قريبًا. "١" فمن حصلت له شبهة من جهة عدم الفهم فهو مخطئ معذور، وهذا هو الأصل الذي يعتمد عليه في حكم الظاهر، والحكم على المكلف إنما هو على ظاهره بإجماع أهل العلم، والله يتولى السرائر، ومن القواعد المقررة أن المؤاخذة والتأثيم لا تكون على مجرد المخالفة، ما لم يتحقق القصد إليها، والمتأول في حقيقته مخطئ غير متعمد للمخالفة في الظاهر، بل هو يدّعي أنه على الحق، ويصرح بأنه يعتقد ذلك، فيعذر من أجله، فلا يحكم بكفره. ينظر الفصل ٣/٢٨٥، مجموع الفتاوى ٧/٤٧٢، و٢٣/٣٤٦، إيثار الحق ص٣٧٦-٤٠٦، فتح الباري: استتابة المرتدين
[ ٢٤١ ]
ولذلك لم يكِفّر بعض العلماء بعض المعينين من الجهمية"١" الذين
_________________
(١) ١٢/٢٧٣، الإرشاد للسعدي ص٢٠٩، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/٧٤، ضوابط التكفير ص٣٣٤،٣٣٣، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه من أجل هذا لم يكفر عمر ﵁ الذي شرب الخمر معتقدًا حلها له؛ لأن لديه شبهة تأويل، مع أنها شبهة ضعيفة واجتهاد أخطأ فيه. والأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه "١٧٠٧٦"، ومن طريقه البيهقي في سننه ٨/٣١٦،٣١٥ بإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيحين، وله شواهد عند عبد الرزاق وغيره. ينظر: المصنف "١٧٠٧٥"، والإصابة ٣/٢٢٠. وينظر الاستغاثة في الرد على البكري ١/٢٨٢، ٢٨٣. قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٣/٢٩٩:"هذا مع أني دائمًا ومن جالسني يعلم ذلك مني: أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية والقولية والمسائل العملية". "١" قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٧/٥٠٨،٥٠٧:"المحفوظ عن أحمد وغيره من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة وأمثال هؤلاء، مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولا كل من قال: إنه جهمي كفّره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم، وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم، والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم
[ ٢٤٢ ]
يعتقدون بعض الاعتقادات الكفرية في صفات الله تعالى"١".
ومن أجل مانع التأويل أيضًا لم يكفر بعض العلماء بعض من يغلون في الموتى ويسألونهم الشفاعة عند الله تعالى"٢".
_________________
(١) من الأئمة". انتهى كلامه ملخصًا، وينظر أيضًا المرجع نفسه ١٢/٤٨٤-٥٠١. وهذا الحكم لا يشمل غلاة الجهمية. قال الحافظ ابن القيم كما في الدرر السنية ١٠/٣٧٤:"وأما غلاة الجهمية فكغلاة الرافضة، ليس للطائفتين في الإسلام نصيب، ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين والسبعين فرقة، وقالوا: هم مباينون للملة". وينظر منهج ابن تيمية في التكفير ١/١٩٩،١٩٨. "١"قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"الاستغاثة في الرد على البكري"١/٣٨٣، ٣٨٤بعد ذكره لقصة قدامة السابقة وبعد ذكره لحديث الرجل الذي أمر بإحراق جسده بعد موته، قال:"ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائمهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم، وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له، وكان هذا خطابنا، فلهذا لم نقابل جهله وافتراءه بالتكفير بمثله". "٢" قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب كما في الدرر السنية ١/٢٣٥، ٢٣٦:"فما القول فيمن حرر الأدلة؟ واطلع على كلام الأئمة القدوة؟ واستمر مصرًا على ذلك – أي على قول: يا رسول الله أسألك الشفاعة – حتى مات؟ قلت: ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر، ولا نقول: إنه كافر، ولا لما تقدم أنه مخطئ، وإن استمر على خطئه، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته، بلسانه وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة، بل الغالب على زمن المؤلفين
[ ٢٤٣ ]
ومن أجل مانع التأويل كذلك لم يكفر الصحابة – ﵃ – الخوارج الذين خرجوا عليهم وحاربوهم، وخالفوا أمورًا كثيرة مجمعًا عليها بين الصحابة إجماعًا قطعيًا"١".
وعلى وجه العموم فمسألة تكفير المعيَّن مسألة كبيرة من مسائل الاجتهاد التي تختلف فيها أنظار المجتهدين، وللعلماء فيها أقوال وتفصيلات ليس هذا موضع بسطها"٢".
_________________
(١) المذكورين: التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسًا، ومن اطلع عليه أعرض عنه، قبل أن يتمكن في قلبه، ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من شاء الله منهم ونحن كذلك: لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سريرته، وبلغ من نصحه الأمة، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة، والتأليف فيها، وإن كان مخطئًا في هذه المسألة أوغيرها، كابن حجر الهيتمي، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم، ولا ننكر سمة علمه، ولهذا نعتني بكتبه، كشرح الأربعين، والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين". قلت: والهيتمي ممن يرى مشروعية الاستشفاع بالنبي ﷺ حيًا وميتًا. ينظر الجامع لألفاظ الكفر ص١٦٢. "١" قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ٥/٩٥:"لم تكفِّر الصحابةُ الخوارجَ مع تكفيرهم لعثمان وعلي ومن والاهما واستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم". "٢" ينظر أيضًا: الدرر السنية ١/٥٢٠-٥٢٥، مجموعة التوحيد ١/٥٤، ضوابط التكفير، الباب الثالث: تكفير المعين، وينظر: رسالة «ضوابط تكفير المعين» فقد ذكرتُ فيها مراجع كثيرة لهذه المسألة.
[ ٢٤٤ ]
ولهذا ينبغي للمسلم أن لا يتعجل في الحكم على الشخص المعين أو الجماعة المعينة بالكفر حتى يتأكد من وجود جميع شروط الحكم عليه بالكفر، وانتفاء جميع موانع التكفير في حقه"١"، وهذا يجعل مسألة تكفير المعين من مسائل الاجتهاد التي لا يحكم فيها بالكفر على شخص
_________________
(١) "١" قال الإمام الشوكاني في السيل الجرار فصل: والردة باعتقاد أو فعل أو زي أو لفظ كفري ٤/٥٧٨:"اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما. هكذا في الصحيح، وفي لفظ آخر في الصحيحين وغيرهما: " من دعا رجلًا بالكفر، أوقال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه ". أي رجع، وفي لفظ في الصحيح: "فقد كفر أحدهما"، ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر، وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير". وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين كما في الدرر السنية ١٠/٣٧٥،٣٧٤:"وبالجملة: فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه أعظم أمور الدين.. وأيضًا: فما تنازع العلماء في كونه كفرًا، فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام، ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم ﷺ، وقد استزل الشيطان أكثرالناس في هذه المسألة، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع
[ ٢٤٥ ]
أو جماعة أو غيرهم من المعيَّنين إلا أهل العلم الراسخون فيه، لأنه يحتاج إلى اجتهاد من وجهين:
الأول: معرفة هل هذا القول أو الفعل الذي صدر من هذا المكلف مما يدخل في أنواع الكفر الأكبر أم لا؟ .
والثاني: معرفة الحكم الصحيح الذي يحكم به على هذا المكلف، وهل وجدت جميع أسباب الحكم عليه بالكفر وانتفت جميع الموانع من تكفيره أم لا؟ "١".
والحكم على المسلم بالكفر وهو لا يستحقه ذنب عظيم؛ لأنه حكم عليه بالخروج من ملة الإسلام، وأنه حلال الدم والمال، وحكم عليه بالخلود في النار إن مات على ذلك، ولذلك ورد الوعيد الشديد في شأن من يحكم على مسلم بالكفر، وهو ليس كذلك، فقد ثبت
_________________
(١) على كفره، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم، ومن العجب: أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة، أو البيع ونحوهما، لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله، بل يبحث عن كلام العلماء، ويفتي بما قالوه، فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم، الذي هو أعظم أمور الدين وأشدها خطرًا، على مجرد فهمه واستحسانه؟ فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين! ومحنته من تينك البليتين!! ". "١" ينظر كلام الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين الذي سبق نقله قريبًا، وكلام شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين الذي سبق نقله عند الكلام على شروط الحكم على المعين بالكفر.
[ ٢٤٦ ]
عن أبي ذر قال: قال النبي ﷺ: " لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك ""١".
ولذلك كله فإنه يجب على المسلم الذي يريد لنفسه النجاة أن لا يتعجل في إصدار الحكم على أحد من المسلمين بالكفر أو الشرك.
كما أنه يحرم على العامة وصغار طلاب العلم أن يحكموا بالكفر على مسلم معيَّن أو على جماعة معيَّنة من المسلمين أو على أُناس معينين من المسلمين ينتسبون إلى مذهب معيَّن دون الرجوع في ذلك إلى العلماء"٢".
_________________
(١) "١" رواه البخاري "٦٠٤٥"، ومسلم "٦١"، وله شواهد كثيرة. وقال ابن الوزير بعد ذكره لتواتر هذه الأحاديث وذكره ما يشهد لها قال في إيثار الحق ص٣٨٥:"وفي مجموع ذلك ما يشهد لصحة التغليظ في تكفير المؤمن وإخراجه من الإسلام مع شهادته بالتوحيد والنبوات وخاصة مع قيامه بأركان الإسلام وتجنبه للكبائر وظهور أمارات صدقه في تصديقه لأجل غلطة في بدعة لعل المكفر له لا يسلم من مثلها أو قريب منها، فإن العصمة مرتفعة، وحسن ظن الإنسان بنفسه لا يستلزم السلامة من ذلك عقلًا ولا شرعًا، بل الغالب على أهل البدع شدة العجب بنفوسهم والاستحسان لبدعتهم". وقال ابن دقيق العيد في إحكام الإحكام في آخر باب اللعان ٤/٧٦ عند شرحه لحديث أبي ذر السابق:"وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحدًا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث، لما اختلفوا في العقائد فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم". "٢" قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٣٥/١٠٠:"إن تسلط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات، وإنما أصل هذا من الخوارج =
[ ٢٤٧ ]
_________________
(١) والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين؛ لما يعتقدون أنهم أخطأوا فيه من الدين. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ؛ وليس كل من يترك بعض كلامه لخطأ أخطأه يكفر ولا يفسق؛ بل ولا يأثم؛ فإن الله تعالى قال في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أن الله تعالى قال: قد فعلت ". وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في رسالته التي وجهها لبعض المتسرعين في التكفير، بعد ذكره أنه قد أنكر على رجلين صنعا مثلما صنع هذا المتسرع، قال كما في الدرر السنية ١/٤٦٧-٤٦٩:"وأخبرتهم – أي هذين الرجلين – ببراءة الشيخ محمد – أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب – من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يُكفِّر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر والكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها بعد قيام الحجة، وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله وجعلهم أندادًا له فيما يستحقه على خلقه، من العبادات والإلهية، وهذا: مُجمع عليه أهل العلم والإيمان، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلَّدة، يفردون هذه المسألة بباب عظيم، يذكرون فيها حكمها،وما يوجب الردة، ويقتضيها، وينصون على الشرك، وقد أفرد ابن حجر، هذه المسألة، بكتاب سماه: الإعلام بقواطع الإسلام. وقد بلغنا: عنكم، نحو من هذا وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعاداة، والمصالحة والمكاتبات، وبذل الأموال، والهدايا، ونحو ذلك، من مقالة أهل الشرك بالله، والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة والتي لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزق الفهم عن الله، وأوتي الحكمة، وفصل الخطاب. والكلام في هذا: يتوقف على
[ ٢٤٨ ]
كما أنه يجب على كل مسلم أن يجتنب مجالسة الذين يتكلمون في مسائل التكفير وهم ممن يحرم عليهم ذلك لقلة علمهم؛ لأن كلامهم في هذه المسائل من الخوض في آيات الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٦٨] "١".
_________________
(١) معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة كلية، لا يجوز الكلام في هذا الباب وفي غيره لمن جهلها وأعرض عنها، وعن تفاصيلها، فإن الإجمال، والإطلاق، وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب، وتفاصيله، يحصل به من اللبس والخطأ، وعدم الفقه عن الله، ما يفسد الأديان، ويشتت الأذهان، ويحول بينها، وبين فهم السنة والقرآن،قال ابن القيم: في كافيته - رحمه الله تعالى -: وعليك بالتفصيل والتبيين فالـ إطلاق والإجمال دون بيان قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الـ أذهان والآراء كل زمان". وينظر التعليق السابق. "١" ينظر: تفسير هذه الآية في تفاسير القرطبي والشوكاني والسعدي. وينظر: رسالة "ضوابط تكفير المعيَّن"فقد توسعتُ فيها في نقل أقوال أهل العلم في هذه المسألة.
[ ٢٤٩ ]
النفاق الأكبر (الاعتقادي)
تعريفه وحكمه
الفصل الثالث: النفاق الأكبر "الاعتقادي""١"
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريفه وحكمه:
النفاق في اللغة: إخفاء الشيء وإغماضه"٢".
_________________
(١) "١" سُمي "اعتقاديًا"لأنه في أصل الاعتقاد، ولذلك فهو مخرج من الملة، ولا يعترض على هذه التسمية بذكر أعمال المنافقين، كتوليهم للمشركين، وإعانتهم على المسلمين، لأن هذا ليس داخلًا في أصل النفاق، وإنما هو من أعمال المنافق التي يستدل بها على ما في قلبه من اعتقاد كفري كما سيأتي، ولهذا فهو لا يدخل في حد الكفر. أما النفاق الأصغر فهو "عملي"؛ لأنه في الأعمال الظاهرة، لا في أصل الاعتقاد، فهو عمل أعمالًا ظاهرها الصلاح، ولكنه قد أبطن ضد ذلك. وينظر: الإبانة ٢/٦٩٩، رقم "٩٣٩"، كتاب الصلاة لابن القيم "ص٥٩"، الدرر السنية ٢/٧٢. "٢" قال في معجم مقاييس اللغة "مادة نفق": "النون والفاء والقاف أصلان صحيحان، يدل أحدهما على انقطاع شيء وذهابه، والآخر على إخفاء الشي وإغماضه، ومتى حصّل الكلام فيهما تقاربًا، فالأول: نفقت الدابة نفوقًا: ماتت. والأصل الآخر: النّفق: سَرَب في الأرض له مخلص إلى مكان، والنافقاء: موضع يرققه اليربوع من جحره، فإذا أتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه، فانفتق – أي خرج -. ومنه اشتقاق النفاق؛ لأن صاحبه يكتم خلاف ما يظهر، فكأن الإيمان يخرج منه، أو يخرج هو من الإيمان في خفاء، ويمكن أن الأصل في الباب واحد، وهو الخروج والمسلك النافذ الذي يمكن الخروج منه". انتهى مختصرًا.
[ ٢٥٣ ]
وفي الاصطلاح: أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه"١".
وذلك بأن يكون في الظاهر أمام الناس يدّعي الإسلام، ويظهر لهم أنه مسلم، وربما يعمل أمامهم بعض العبادات كالصلاة والصيام والحج وغيرها، ولكن قلبه – والعياذ بالله – لا يؤمن بتفرد الله تعالى بالألوهية أو بالربوبية، أو لا يؤمن برسالة النبي ﷺ، أو يبغضه، أو لا يؤمن بكتب الله المنزلة، أو لا يؤمن بعذاب القبر، أو لا يؤمن بالبعث، أو يعتقد أن دين النصارى أو دين اليهود أو دين غيرهم من الكفار حق أو خير من الإسلام، أو يعتقد أن الإسلام دين ناقص، أو لا يصلح للتطبيق في هذا العصر، أو يعتقد أن فيه ظلمًا لبعض فئات المجتمع، أو فيه ظلم للنساء، أو أن بعض تشريعاته فيها ظلم، أو ليس فيها تحقيق لمصالح العباد، وغير ذلك من الاعتقادات المخرجة من الملة التي سبق ذكرها في الشرك الأكبر والكفر الأكبر.
أما حكم المنافق فهو حكم المشرك شركًا أكبر وحكم الكافر كفرًا
_________________
(١) "١" جامع العلوم والحكم "شرح الحديث ٤٨، ج٢ ص٤٨١". وينظر الفصل ٣/٢٤٤، ٢٤٥، شرح السنة ١/٧٦، إحياء علوم الدين ٣/٣١٩، مجموع الفتاوى ٧/٣٠٠، الفروع: المرتد ٦/١٦٦، مدارج السالكين ١/٣٧٦، ٣٧٧.
[ ٢٥٤ ]
أكبر، كما سبق بيانه"١"؛ لأن المنافقين في الحقيقة كفار، وإن كانوا أسوأ حالًا من سائر الكفار، لأنهم زادوا على الكفر: الكذب والمرواغة والخداع، وضررهم على المسلمين أشدّ؛ لأنهم يندسون بين المسلمين ويظهرون أنهم منهم، ويحاربون الإسلام باسم الإصلاح، ولذلك فهم أشد عذابًا في الآخرة من سائر الكفّار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] .
_________________
(١) "١" ينظر ما سبق عند الكلام على حكم الشرك الأكبر في الفصل الأول من هذا الباب.
[ ٢٥٥ ]
المبحث الثاني: أعمال المنافقين الكفرية"٢"
للمنافقين أعمال كفرية يستدل بها على ما يبطنون من النفاق، وقد بينها الله تعالى في كتابه كما في سورة التوبة التي تسمى "الفاضحة"؛ لأن الله تعالى فضح فيها المنافقين ببيان أعمالهم الكفرية، كما بينها أيضًا في سور أخرى كثيرة، ومن هذه الأعمال:
١- الاستهزاء بالله وبرسوله وبالقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ
_________________
(١) "٢" ويطلق عليها بعض أهل العلم "صفات المنافقين"، وبعضهم يجعلها أنواعًا للنفاق الأكبر، وبعضهم يجعلها علامات للنفاق، وهي مسميات متقاربة، إلا أن جعلها أنواعًا للنفاق الأكبر فيه نظر، لأن الأكبر نوع واحد، وهو إخفاء الكفر وإظهار الإسلام.
[ ٢٥٥ ]
تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥، ٦٦]، وقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] .
٢- سبُّ الله تعالى، أو سب رسوله ﷺ أو تكذيبهما، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] أي ومن المنافقين من يعيبك في تفريق الصدقات، فيتهمونك بعدم العدل. وأصل اللمز: الإشارة بالعين ونحوها.
٣- الإعراض عن دين الإسلام، وعيبه، والعمل على إبعاد الناس عنه، وعلى عدم التحاكم إليه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] .
٤- التحاكم إلى الكفار، والحرص على تطبيق قوانينهم مفضلًا لها على حكم الله، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠] .
٥- اعتقاد صحة المذاهب الهدَّامة والدعوة إليها مع معرفة حقيقتها، ومن هذه المذاهب ما جدَّ في هذا العصر من مذاهب هي في حقيقتها حرب للإسلام، ودعوة للاجتماع على غير هديه، كالقومية والوطنية، فكثير من المنافقين في هذا العصر ممن يسمون "علمانيين" أو
[ ٢٥٦ ]
"حداثيين" أو "قوميين" يعرفون حقيقة هذه المذاهب، ويدعون إلى الاجتماع على هذه الروابط الجاهلية، ويدعون إلى نبذ رابطة الإيمان والإسلام التي ذكرها ربنا جل وعلا بقوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] "١".
٦- مناصرة الكفار ومعاونتهم على المسلمين"٢"؛ لأن المنافقين في حقيقتهم كفار فهم يناصرون إخوتهم من الكفار على المسلمين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١، ٥٢] "٣".
_________________
(١) "١" وذكرها أيضًا النبي ﷺ بقوله: " المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضًا ". رواه البخاري "٤٨١" ومسلم "٢٥٨٥"، وبقوله ﷺ: " مثل المسلمين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر "رواه البخاري "٦٠١١"، ومسلم "٢٥٨٦". وينظر: فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع الطيار ص٥٣٦"، ورسالة "النفاق"للشيخ عبد الرحمن الدوسري ص١١٩، ١٢٠. "٢" ينظر تفصيل الإعانة الكفرية التي تدل على نفاق مَنْ قام بها ممن ينتسب إلى الإسلام عند الكلام على الموالاة الكفرية في الباب الرابع إن شاء الله تعالى. "٣" قال إمام المفسرين أبوجعفر الطبري في تفسير هذه الآية: "والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله - تعالى ذكره - نهى المؤمنين جميعًا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله".
[ ٢٥٧ ]
٧- إظهار الفرح والاستبشار عند انتصار الكفار، وعندما يصيب المسلمين هزيمة أو أي ضرر، قال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١١٩، ١٢٠]، ولهذا تجد منهم في هذا العصر من لا يكترث لمصاب المسلمين في أي مكان، بل قد تسمع منهم أو تقرأ كلامًا لبعضهم في المجلات أو الجرائد ينهى عن مساعدة المسلمين في أي مكان وعن الوقوف معهم في مصائبهم، بحجة أنهم ليسوا عربًا أو ليسوا مواطنين مثلًا، فيدعون إلى التحزب على أساس القومية والوطنية فقط، ولا يرفعون رأسًا لرابطة الإسلام، بل يحاربونها.
٨- سب وعيب العلماء والمصلحين وجميع المؤمنين الصادقين، بغضًا لهم ولدعوتهم ولدينهم، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩]، ولهذا تجد منهم في هذا العصر من يعيب
[ ٢٥٨ ]
العلماء والمصلحين، ومن يعيب الدعاة والمجاهدين في وسائل الإعلام وغيرها.
٩- مدح أهل الكفر، ومدح مفكريهم، ونشر آرائهم المخالفة للإسلام، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]، ولهذا تجد منهم في هذا العصر من يمدح بعض الملاحدة في القديم والحديث أمثال: "أبي العلاء المعري"، و"الحلَاّج" و"فرويد" وغيرهم.
[ ٢٥٩ ]
المبحث الثالث: صفات المنافقين
للمنافقين صفات كثيرة جدًا، ذكرها ربنا جل وعلا في كتابه وذكر بعضها النبي ﷺ في سنته، ومن أبرزها:
١- قلة الطاعات، والتثاقل والكسل عند أداء العبادات الواجبة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢] "١".
_________________
(١) "١" وفي صحيح البخاري "٦٥٧"، وصحيح مسلم "٦٥١" عن النبي ﷺ أنه قال: " إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام " الحديث.
[ ٢٥٩ ]
٢- الجبن وشدة الخوف والهلع، وهذه الصفة من أهم الأسباب التي جعلتهم يخفون كفرهم ويظهرون الإسلام؛ لأنهم يخافون من القتل ومن أن تسلب أموالهم لكفرهم، وليس عندهم شجاعة فيقاتلون مع الكفار، فيلجأون إلى النفاق، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]، فهُم لشدة خوفهم كلما سمعوا صياحًا ظنوه صياح نذير من عدو هجم عليهم، وقال جل وعلا: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [براءة:٥٦، ٥٧]، فهم يتصفون بالفرق - وهو الخوف - فلو وجد أحدهم في حال القتال حصنًا أو كهفًا في جبل أو نفقًا في الأرض يدخله ليختفي فيه لذهب إليه مسرعًا"١""٢".
٣ - السَّفَه، وضعف التفكير، وقلة العقل، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ
_________________
(١) "١" ينظر: تفسير ابن أبي حاتم وتفسير ابن كثير لهذه الآية. "٢" وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢١] .
[ ٢٦٠ ]
السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣]، ويتضح سفههم فيما يلي:
أ- إيثارهم الدنيا الفانية على الآخرة، وحرصهم على حطام الدنيا أكثر من حرصهم على طاعة الله التي هي سبب لسعادتهم في الدنيا والآخرة، ففي صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال في شأن المنافقين الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة: " لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو مرماتين حسنتين"١" لشهد العشاء والفجر ""٢"، فهم معرضون عمَّا فيه نجاتهم، حريصون على ما لا يستفيدون منه إلا اليسير، وسيتركونه خلف ظهورهم، ولا يغني عنهم من عذاب الله شيئًا، كما قال تعالى في شأن المنافقين: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المجادلة:١٧] .
ب- أن كثيرًا منهم عنده القناعة بأن دين الإسلام هو الدين الحق وأن أحكامه كلها خير وعدل، ولكن بسبب مجالسته للكفار وانبهاره
_________________
(١) "١" أي لو يعلم أحد من المنافقين المتكاسلين عن صلاة الجماعة أنه سيجد عند ذهابه إلى المسجد لأداء صلاة العشاء عَرْقًا سمينًا – أي قطعة لحم، وقيل: عظم عليه قليل من اللحم – أو يعلم أنه يجد مرماتين حسنتين – وهما سهمان يلعب بهما – لحضر لصلاة العشاء لحرصه على الحقير من مطعوم أو ملعوب به، مع التفريط فيما يحصل به رضى الله وجنته. ينظر جامع الأصول ٥/٥٦٨، ٥٦٩، الفتح ٢/١٢٩، ١٣٠. "٢" صحيح البخاري "٦٤٤، ٧٢٢" وأول الحديث كما في الرواية الأخرى: " أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر..".
[ ٢٦١ ]
بحضارة الغرب المادية، أو بسبب مجالسته لمن انبهر بحضارتهم من المنافقين من علمانيين"١" وحداثيين وقوميين، ومن سماعه لكلامهم ولشبههم التي يثيرونها ضد تعاليم شرع خالقهم وقع في قلبه بغض هذا الدين، وأصبح يدعو إلى تقليد الكفار وتحكيم قوانينهم ويحارب شرع ربه ويعيبه، وهذا منتهى السفه؛ إذ كيف يعيب ويحارب ما يعلم أنه الحق؟ ! .
ج- تلاعب الشيطان بهم حتى أوقعهم فيما هو سبب لهلاكهم وعذابهم في أزمان أبدية سرمدية، قال الله تعالى في شأن المنافقين: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] .
د- أن المنافق يخادع خالقه الذي يعلم سره وعلانيته، ويحارب شرع ربه، غير مفكر في عاقبة أمره، وأنه غدًا في قبره وحشره في قبضة ملائكة القوي العزيز، وأن أمامه عذاب في القبر، وعذاب في
_________________
(١) "١" العلمانية بفتح العين، كلمة أعجمية، ظهرت في أوروبا منذ القرن التاسع عشر، وترجمتها الصحيحة: "اللادينية". وهي اصطلاح لا صلة له بالعلم، وهي تطلق على الدعوة إلى إقامة الحياة على القوانين الوضعية وزبالة الأذهان والعقول البشرية، ومحاربة شرع الله تعالى ودينه، وفصل الدين عن الدولة والحياة. ينظر: "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة" نشر الندوة العالمية للشباب الإسلامي "ص٦٨٩-٦٩٦".
[ ٢٦٢ ]
النار إن مات على نفاقه، وغير مفكر في مصير من سبقه من المنافقين قبل عشرات أو مئات السنين، كابن أبي سلول، وأبي العلاء المعري"١"، وجمال عبد الناصر"٢"
_________________
(١) "١" هو أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري، نسبة إلى معرة النعمان التي كان يسكنها، وكان شاعرًا، له دواوين ومصنفات في الشعر واللغة، وكان ذكيًا، ولم يكن زكيًا، وله شعر في الاعتراض على الله تعالى، وفي سبّ أنبياء الله تعالى، ونسب إليه كتاب في معارضة القرآن، وهذا كله كفر وزندقة، فإن كان مات وهو لم يتب من زندقته توبة نصوحًا، فمصيره مصير المنافقين – والعياذ بالله -. وكانت وفاته سنة ٤٤٩هـ. وينظر في ترجمته وأقواله: تاريخ بغداد ٤/٢٤٠، ٢٤١، سير أعلام النبلاء ١٨/٢٣-٣٩، البداية والنهاية ١٥/٧٤٥-٧٥٣، شذرات الذهب ٥/٢٠٩-٢١٢. "٢" هو حاكم مصر من عام ١٣٧٢هـ-١٣٩٠هـ الموافق لعام ١٩٥٢-١٩٧٠م، وكان في أول أمره يظهر أنه من الدعاة إلى الله تعالى، فلما تولى الحكم لم يحكم بشرع الله تعالى، وكان يدعي أنه من المسلمين مع أنه كان يحارب شرع الله ويستهزئ به ويحارب الدعاة إلى الله، فإن كان مات على حاله فمصيره مصير المنافقين، ولكن الله أعلم بم ختم له به، وإن كان يغلب على الظن أنه مات على الكفر والنفاق؛ لأن حالته ووضعه كانا يتابعان من قبل وسائل الإعلام في بلده وغيرها إلى أن هلك، ولم يذكر عنه توبة، ولا شك أن في حاله وحال أمثاله من الطغاة والظلمة والمنافقين أعظم العظة والعبرة، فقد عاش سنوات معدودة وسيجازى على عمله في هذا الزمن القصير في قعر جهنم إن كان مات على النفاق في أزمان أبدية سرمدية، وهو الآن في قبره تحت التراب في قبضة ملائكة الجبار، مرهون بعمله ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، والله تعالى قد يستدرج المنافق والظالم بالمال والسلطان والصحة حتى إذا أخذه لم يفلته ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ
[ ٢٦٣ ]
وطه حسين"١"، وعموم الباطنية، كالإسماعيلية، والدروز، والنصيرية"٢"،
_________________
(١) اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢] . ينظر: الموسوعة الميسرة "الناصرية ص٤٨٩-٤٩٤، والعلمانية ص٦٩٢". "١" هو أديب مصري معاصر، وكان من العلمانيين الذين يحاربون كتاب الله، ويقدحون فيه، ومع ذلك كان ينتسب إلى الإسلام، فإن كان مات على هذه الزندقة فمصيره مصير المنافقين. ينظر: كتاب "طه حسين في ميزان العلماء والأدباء" لمحمود الاستانبولي، وكتاب "طه حسين حياته وفكره في ميزان الإسلام" لأنور الجندي، والموسوعة الميسرة "العلمانية ص٦٩٢". "٢" هذه الفرق تظهر الإسلام، ولكنهم في الباطن يؤلهون غير الله ويستحلون المحرمات المقطوع بتحريمها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٨/٤٧٤، ٤٧٥ عند كلامه على طوائف الشيعة: "والغالية يُقتلون باتفاق المسلمين، وهم الذين يعتقدون الإلهية والنبوة في علي وغيره، مثل النصيرية، والإسماعيلية الذين يقال لهم: بيت صاد، وبيت سين، ومن دخل في دينهم من المعطلة الذين ينكرون وجود الصانع، أو ينكرون القيامة، أو ينكرون ظواهر الشريعة، مثل الصلوات الخمس فإن جميع هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، فإن لم يظهر من أحدهم ذلك كان من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، ومَن أظهَرَ ذلك كان أشد من الكافرين كفرًا، وليس هذا مختصًا بغالية الرافضة بل من غلا في أحد المشايخ، وقال: إنه يرزق أو تسقط عنه الصلاة أو أن شيخه أفضل من النبي ﷺ، وكل هؤلاء يجب قتالهم بإجماع المسلمين، وقتل المقدور عليه منهم". وقال علاّمة اليمن محمد بن إسماعيل الصنعاني في "سبل السلام" ٤/٣٥٧: "الرياء بالإيمان هو إظهار كلمة الشهادة وباطنه مكذب، فهو مخلد في النار في الدرك الأسفل منها، وفي هؤلاء أنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ
[ ٢٦٤ ]
وغالب أئمة الرافضة"١"، وغيرهم من الزنادقة ممن مات منهم على الزندقة"٢"، وما هم فيه الآن من العذاب الأليم الذي لا يتحمله البشر
_________________
(١) قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وقريب منهم الباطنية الذين يظهرون الموافقة في الاعتقاد ويبطنون خلافه، ومنهم الرافضة أهل التقية، الذين يظهرون لكل فريق أنهم منهم تقية". وينظر النفاق للشيخ عبد الرحمن الدوسري ص١١٩، ١٢٠. "١" من عقائد الروافض المنتسبين إلى التشيع عقيدة "التقية"، حيث يظهرون لأهل السنة أنهم منهم وعلى عقيدتهم، ولكن كثيرًا منهم يبطنون عقائد كفرية، كاعتقاد أن القرآن محرف وناقص، وأن ثلاثة أرباعه في السرداب سيخرج به مهديهم المنتظر، كما يزعمون، وكاعتقاد أن أكثر الصحابة كفار، وعلى رأسهم أبوبكر وعمر، كما هو مذكور في كتبهم المشهورة ككتاب "الكافي" للكليني الذي هو عندهم كصحيح البخاري عند أهل السنة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٨/٤٨٣: "وقد ذكر أهل العلم أن مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق عبد الله بن سبأ، فإنه أظهر الإسلام وأبطن اليهودية، وطلب أن يفسد الإسلام كما فعل بولص النصراني الذي كان يهوديًا في إفساد دين النصارى. وأيضًا فغالب أئمتهم زنادقة؛ إنما يظهرون الرفض لأنه طريق إلى هدم الإسلام"، وينظر أيضًا: المرجع السابق ٢٧/١٦١، ١٧٥، ١٧٦، الفصل في الملل والنحل لابن حزم ٤/١٨١-١٨٣، الملل والنحل للشهرستاني ٢/٥-١٢، النفاق للشيخ عبد الرحمن الدوسري ص١١٩، ١٢٠، بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود للجميلي ١/٣٨٦-٤١٥. وينظر التعليق السابق. "٢" من صدر منه فعل من أفعال المنافقين الكفرية أو أقوالهم الكفرية، كأن يسب الله تعالى أو يقدح في دينه حكم عليه بالنفاق والردة إذا توفرت شروط هذا الحكم وانتفت موانعه،
[ ٢٦٥ ]
في قبورهم، وما سيلاقونه من العذاب في قعر جهنم خالدين فيها. نسأل الله السلامة والعافية.
_________________
(١) وإذا حكم عليه بالنفاق فأظهر التوبة بعد القدرة عليه لم يصدق، لأن إظهاره للتوبة ليس فيه أكثر مما كان يظهره قبل ذلك، وهذا القدر قد بطلت دلالته بما أظهره من الزندقة، إلا إن ظهر منه من الأقوال والأفعال ما يدل على حسن الإسلام، وكان ذلك قبل رفع أمره إلى السلطان وتكرر منه ما يدل على التوبة النصوح فتقبل توبته، ولا يقتل. ينظر في هذه المسألة: الموطأ مع شرحه المنتقى: الأقضية ٥/٢٨١، ٢٨٢، الأم: المرتد ١/٢٥٩، ٢٦٠، الخراج لأبي يوسف ص١٧٩، التمهيد ١٠/١٤٩-١٧٣، إعلام الموقعين ٣/١٢٨-١٣٣. وتنظر المراجع المذكور في حكم الكفر الأكبر. وقد وقع في حوادث إطلاق بعض الصحابة النفاق على بعض من وقع منهم بعض المخالفة كما في قصة عمر مع حاطب، وكما في قصة معاذ مع الأنصاري، وكما في قصة أُسيد مع سعد بن عبادة، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ. قال الشيخ سليمان بن عبد الله كما في مجموعة التوحيد ١/٦٨: "إذا فعل علامات النفاق جاز تسميته منافقًا لمن أراد أن يسميه بذلك، وإن لم يكن منافقًا في نفس الأمر، لأن بعض هذه الأمور قد يفعلها الإنسان مخطئًا لا علم عنده، أو لمقصد يخرج به عن كونه منافقًا، فمن أطلق عليه النفاق لم ينكر عليه، كما لم ينكر النبي ﷺ على أُسيد بن حضير تسميته سعدًا منافقًا، مع أنه ليس بمنافق، ومن سكت لم ينكر عليه، بخلاف المذبذب الذي ليس مع المسلمين ولا مع المشركين، فإنه لا يكون إلا منافقًا". وينظر كذلك صحيح البخاري مع شرحه لابن بطّال ٩/٢٩١، وشرحه للعيني ٢٢/١٦٠، ومجموع الفتاوى ٧/٦٠٧، و١٨/٤٧٢، ٤٧٣، والفتح باب وجوب صلاة الجماعة ٢/١٢٧، وباب إذا طول الإمام ٢/١٩٧، وإيثار الحق ص٣٨٩، ومجموعة التوحيد ١/٦٧-٦٩.
[ ٢٦٦ ]
٤- التذبذب والمراوغة والتلوُّن، فهم كالحِرْباء التي يتغير لونها بحسب حرارة الشمس، فأول النهار لها لون، ووسط النهار لها لون، وآخره لها لون"١"، وكالشاة العائرة بين الغنمين، فهي متحيرة أيهما تتبع، فتتبع هذه مرة، وتتبع هذه مرة"٢"، فالمنافق حائر يخشى أن يعلن الكفر فيقتله المسلمون أو تتضرر مصالحه، ويخشى أن ينتصر الكفار فيقتل أو تتضرر مصالحه من قبلهم، فيلجأ إلى إظهار الإسلام، ويسر إلى الكفار وإلى أمثاله من المنافقين بأنه منهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، وقال جل وعلا في شأنهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣] "٣".
_________________
(١) "١" قال في لسان العرب "مادة: حرب": "الحرباء: ذكر أم حبين، يستقبل الشمس برأسه، ويكون معها كيف دارات، ويتلون ألوانًا بحر الشمس، والجمع: الحرابي، والأنثى الحرباءة، قال الأزهري: الحرباء: دويبة على شكل سام أبرص، ذات قوائم أربع، دقيقة الرأس، مخططة الظهر، تستقبل الشمس، وهي قذرة لا تأكلها العرب بتة.أهـ. ملخصًا. "٢" كما ثبت ذلك في الحديث في صحيح مسلم "٢٧٨٤"، قال النووي في شرح مسلم ١٧/١٢٨: "العائرة: المترددة الحائرة، لا تدري لأيهما تتبع". "٣" وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨، ١٣٩]، وتنظر
[ ٢٦٧ ]
٥- الانهزامية واحتقار الذات والشعور بالنقص أمام الأعداء، فهو يشعر أن عموم الكفار أفضل منه ومن بني جنسه – وبالأخص في هذا الزمن الذي تفوق فيه الكفار في النواحي المادية – ولذلك فهو يقلدهم في جميع الأمور، حتى في الأمور التي لا فائدة منها، بل إنه يقلدهم في أمور يعلم هو ضررها، فهو كالبعير المقطور – أي المربوط – رأسه في ذنب بعير آخر، فيسير خلفه ويطأ على ما يطأ عليه، ويبول على رأسه، وهذا منتهى الضلال والضياع والخسران.
٦- قلة الحياء وسلاطة اللسان، قال الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الأحزاب: ١٨، ١٩] "١.
_________________
(١) الآيات بعدهما، وتنظر الآية "٥٢" من المائدة. "١" ينظر في أعمال المنافقين وصفاتهم أو في بعضها: تفسير آيات النفاق في تفاسير ابن جرير، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، وابن سعدي، وعبد الرحمن الدوسري، وصحيح البخاري مع شرحه لابن حجر: كتاب التفسير، و"صفة النفاق" للفريابي، والسيرة لابن هشام، ودلائل النبوة للبيهقي، والمحلى: المسألة ٢١١٩، ج١١ص٢٠١-٢٢٦، وزاد المعاد "غزوة المريسيع" ٣/٢٥٦-٢٦٩، وغزوة تبوك ٣/٥٤٥-٥٥٠، وطريق
[ ٢٦٨ ]
_________________
(١) الهجرتين ص٥٢٤-٥٢٨، وقد ذكر فيه مؤلفه ما يقرب من ١٢٠ صفة من صفات المنافقين، ومدارج السالكين ١/٣٨١-٣٨٦، والدرر السنية ١/١٩٠-١٩٣، و٢/٧٢، ومجالس شهر رمضان "المجلس٢٦"، ومرويات غزوة بني المصطلق ص٦٠-٧٠، والذهب المسبوك في تحقيق روايات غزوة تبوك ص٢٤٢-٣٠٠، والنواقض الاعتقادية ١/١٥٨-١٧٩.
[ ٢٦٩ ]