من الأصول التي يجب على العبد معرفتها، وأنه سيسأل عنها في قبره معرفة العبد ربه ﷾ وعبادته له، ومعرفة الله تكون بآياته الشرعية ومخلوقاته الكونية كالشمس والقمر والنجوم والجبال وغيرها؛ فإن الخالق لهذه الأشياء هو الرب المستحق للعبادة والطاعة.
[ ٢ / ١ ]
الأصل الأول: معرفة العبد ربه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه الأصول الثلاثة: [فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ وَدِينَهُ وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ.
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعَمِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وَكُلُّ مَنْ سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ.
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، وَمِنْ آيَاتِهِ الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون السبع وما فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» [الأعراف: ٥٤] .
وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١-٢٢] قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الخَالِقُ لِهَذِهِ الأشياء هو المستحق للعبادة.
بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من المقدمات التي في الدرس السابق أتى إلى مقصود هذه الرسالة وما أراده منها، وهو بيان الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان تعلمها، ولا نجاة له في الدنيا ولا في الآخرة إلا بمعرفتها وإتقانها، فبقدر أخذه لهذه الأصول علمًا وعملًا يحصل له النجاة في الدنيا والآخرة.
قال ﵀: [فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ]، فهذه ثلاث معارف هي الأصول التي سيدور عليها الكلام في بقية هذه الرسالة.
الأصل الأول: معرفة العبد ربه.
الأصل الثاني: معرفة العبد دينه.
الثالث: معرفة العبد نبيه محمدًا ﷺ.
وإذا أردتَ أن تعرف الدليل على أهمية هذه الأصول، وأنها من الأصول التي تحصل بها النجاة للعبد إذا آمن بها وصدق، وعمل بمقتضاها، فاعلم أن فتنة القبر مدارها ومحورها على هذه الأسئلة الثلاثة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فالفتنة التي هي في أول منازل الآخرة فتنة القبر، وسؤال القبر عن هذه الأصول الثلاثة؛ ولذلك اهتمّ الشيخ ﵀ بهذه الأصول، وأفردها بالتأليف، ليحصل للعبد النجاة في الدنيا والآخرة والأمن مما يخافه في مستقبل حياته الدنيوية.
[ ٢ / ٢ ]
معنى الرب ﷾
قال ﵀ بعد أن بين الأصول الثلاثة وبدأ بها واحدًا واحدًا: [فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعَمِهِ]، ودليل هذا الآيات الكثيرة في كتاب الله ﷿ التي تثبت ربوبية الله ﷾ لجميع الخلق، فهو الرب ﷾.
ومعنى قوله: (رباني وربى جميع العالمين بنعمه) أي: أصلحني وأمدني وهيأ لي، فالرب يطلق في لسان العرب على المالك، وعلى السيد، وعلى من يقوم بالأمر، وعلى المصلح، كل هذه المعاني من معاني الرب، فربوبية الله ﷾ لجميع الخلق هي قيامه ﷾ بشئونهم، وتدبيره ﷾ لأمر خلقه، فهو القائم على كل نفسٍ بما كسبت، لا غنى لأحد عن فضله، بل كل مخلوق تام الفقر إلى الله ﷾، فقرًا ذاتيًّا لازمًا، لا يستطيع الانفكاك عنه، ولا الخلاص منه.
وقوله: (جميع العالمين) لبيان أن ربوبيته ﷾ لا تختص بصنفٍ من الخلق، بل جميع الخلق مربوبٌ لله ﷾، علويه وسفليه، كل ذلك مربوبٌ له ﷾، لا يخرج عن رزقه ولا عن ملكه ولا عن تدبيره وتصريفه، ولا عن خلقه ﷾.
قال: (وهو معبودي)، فبعد أن أثبت الربوبية العامة لكل مخلوق ولكل ما سوى الله ﷾ ولجميع العالم، أثبت حق هذه الربوبية، وهو عبادته ﷾، فقال: (وهو معبودي) يعني: وهو الذي أتقرّب إليه بالعبادة، وسيأتي بيان العبادة التي هي حقه ﷾.
قال: (ليس لي معبود سواه)، وهذا تأكيد على ما دلت عليه الجملة السابقة من إفراده ﷾ بالعبادة، فقوله: (وهو معبودي)، يفيد الحصر لأن الجملة المعرّفَةَ الطرفين من أساليب الحصر في لغة العرب، فهو تعالى المعبود المستحق للعبادة، وأكد ذلك بقوله: (ليس لي معبود سواه)، والدليل على ما تقدم من أنه ﷾ هو الرب الذي ربى جميع العالمين وهو المعبود الذي لا يستحق العبادة سواه؛ قول الله ﷾: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .
فقوله: «لِلَّهِ» فيه الإثبات بأنه المعبود وحده لا شريك له، ففيه إثبات الإلهية له دون غيره، وقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) فيه إثبات ربوبيته ﷾، وإضافة الربوبية للعالمين هنا هي الربوبية العامة التي يندرج تحتها كل أحد.
[ ٢ / ٣ ]
معنى العالَم في قوله: (الحمد لله رب العالمين)
ثم قال ﵀: (وكل من سوى الله عَالَم)، وهذا يفيد دخوله في قوله تعالى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فهو مربوب له ﷾، فإذا قيل: ما المراد بالجمع هنا؟ فالجواب: المراد به الأفراد، والأجناس، والأنواع على اختلافها وتنوعها، فكل هذه الأصناف على اختلافها مما سوى الله ﷾ فهي داخلة في العبودية له، وهي عبودية القهر التي لا يخرج عنها أحد، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السموات وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، فهذه العبودية هي عبودية القهر لا خروج لأحد عنها.
ثم قال: (وأنا واحد من ذلك العالم)، واعلم أن العالم في قوله تعالى: (الْعَالَمِينَ) يشمل العوالم المكلفة، والعوالم غير المكلفة، والمكلفة هي التي وجه إليها الخطاب بالطلب، وغير المكلفة هي التي لم نعلم أنه وجه إليها طلب، وإنما عبادتها عبادة ذاتية، أي: تسبيح فطري لا تكليفي بأمر ونهي، والعوالم المكلفة فيما نعلم هم بنو آدم، والجن، والملائكة، فهؤلاء وجه إليهم الخطاب من رب العالمين، وطولبوا بأفعال ونهوا عن أشياء.
[ ٢ / ٤ ]
معرفة الله بآياته ومخلوقاته
ثم قال: (فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بآياته ومخلوقاته) .
هذا فيه الاستدلال على ربوبية الله ﷾، واعلم أن الله ﷾ قد أقام الأدلة الدالة على ربوبيته ﷾، وأنه رب العالمين، أقامها بأنواعٍ مختلفة وصور متعددة في السموات والأرض والأنفس، فالآيات الدالة على ربوبية الله جل وعلا لا حصر لها.
وفي كل شيءٍ له آية تدل على أنه واحد فآيات الله ﷾ الدالة على ربوبيته واستحقاقه للعبادة دون غيره كثيرة لا حصر لها، وإنما ذكر المؤلف ﵀ بعض الآيات فقال: (بآياته ومخلوقاته)، والآيات هنا الظاهر أن المراد بها الآيات الخلقية الكونية.
واعلم أن الآيات نوعان: آيات كونية خلقية، وآيات شرعية أمرية، فالآيات الشرعية هي ما تضمنته الشريعة من آيات الكتاب المبين، وما جاء في التوراة والإنجيل في الأمم السابقة، أما هذه الأمة فالآيات الشرعية لها هي ما في كتاب الله ﷿، والآيات الكونية هي العلامات الدالة على الخالق ﷾، وهي متنوعة كثيرة.
وقوله: (ومخلوقاته) هل هذا من عطف الشيء على نفسه أم من عطف المتغايرات؟ الظاهر أنه من عطف الشيء على نفسه لا من عطف المتغايرات؛ لأن المخلوقات آيات، فكل مخلوق من مخلوقات الله ﷿ يدل على عظمة من خلقه ﷾، فهذا عطف تنويع.
[ ٢ / ٥ ]
الآيات الدالة على وجود الله ومعرفته
قال: (ومن آياته)، (من) هنا للتبعيض، وذكر المؤلف ﵀ الآيات الظاهرة البينة التي يدركها كل أحد، والتي تكرر لفت الأنظار إليها في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ.
فقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مخلوقاته السموات السَّبْعُ، وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ، وَمَنْ فِيهِنَّ، وَمَا بَيْنَهُمَا، كل هذه آيات دالةٌ على أن الرب هو الله جل وعلا، وأنه الرب لكل شيءٍ ﷾) .
ثمّ ذكر الدليل على الآيات فقال: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧]) فهذه الشمس الدوارة، وهذا القمر السيّار، والليل والنهار المتعاقبان، كلها دالة على ربوبية الله ﷿ لخلقه.
قال تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت:٣٧] فنهى عن صرف العبادة لغيره؛ لأن السجود عبادة، والعبادة لا يجوز صرفها لغيره من المخلوقات، ولو كانت من المخلوقات العظيمة الباهرة، ولذلك قال: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت:٣٧]، فأمر بالسجود لله الذي خلق هذه الآيات العظيمة وحده، فهو المستحق للسجود والعبادة، وذِكْرُ السجود هنا لا لحصره فيه، بل يشمل جميع ما يتقرب به إلى الله ﷾، فليس المنهي عنه السجود فقط، ولا المأمور به في حق الله السجود فقط، بل المنهي عنه صرف كل نوع من أنواع العبادة من السجود وغيره، قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧]، أي: توحدون، فإن كنتم قد قمتم بحقه في توحيده وعبادته فإن من لازم ذلك أن تفردوه بالسجود له ﷾ دون غيره، والمقصود من سياق هذه الآية بيان أن الشمس والقمر والليل والنهار من آيات الله ﷾ الدالة على عِظَمِ الرب، وأنه ﷾ رب كل شيء.
قال: [وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السموات وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]] .
فذكر الله ﷾ في هذه الآية خلقه للسماوات والأرض، وهما من المخلوقات العظيمة التي تردد ذكرهما في كتاب الله ﷿، وذكر استواءه على العرش، والاستواء على العرش صفة من صفاته التي يثبتها أهل السنة والجماعة، وينكرها المكذبون للرسل المخالفون لهم الممثلون المشبهون المقصرون في حق الله ﷾؛ فإن تعطيلهم صفة الاستواء فرع عن تمثيلهم الاستواء الثابت لله ﷿ بالاستواء المعلوم من المخلوق.
والعجيب أن الاستواء مع تكرر ذكره في كتاب الله ﷿ إلا أن الفرق الضالة مطبقةٌ على إنكاره، إما إنكارًا كليًا كالجهمية، وإما إنكارًا بالتأويل الباطل، حتى إنه جاء عن جهم بن صفوان أنه قال: (وددت أن أحك من المصحف: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]) لضيق صدره بما تضمنته هذه الآيات من إثبات صفة الاستواء لله جل وعلا، وإنما ذكر الله ﷿ استواءه لبيان عظيم فعله ﷾، وعظيم ما يتصف به، قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف:٥٤] أي: يزيل الليل بالنهار، والنهار بالليل.
وهذه الإزالة لا تحتاج إلى وقت، ولذلك قال: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف:٥٤] أي: هذا الغشيان -زوال الليل بالنهار، وزوال النهار بالليل- أمر يحصل بسرعة، ولذلك لا نجد توقفًا في الليل أو النهار، بل هما متعاقبان، يكور الله الليل على النهار والنهار على الليل، وهذا دال على عظيم صنع الله ﷿ وقدرته ﷾، قال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ (مسخرات) أي: مذلّلاتٍ بأمره وتدبيره ﷾، فسير القمر والنجوم والشمس دليل على عظمة المدبر لهذه الأجرام العظيمة؛ حيث إنه لا يختل سيرها ولا يتأخر: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، وهذا يدل دلالة واضحة على عظم إتقان الله ﷿ لخلقه، ولذلك الآن -وقبل الآن- يستطيع أصحاب الحساب أن يخبروا بخسوف القمر وكسوف الشمس بالدقيقة والثانية، ومراحل الخسوف ودرجاته ومتى ينجلي، وتجد أن الأمر مطابق مطابقة تامة، وهذا يدلك على العظيم المدبر المسير المسخر لهذه الكواكب، حيث لا يتأخر سيرها ثانية واحدة، فهذه آيات عظيمة تدل على عظمة من خلقها ودبرها وملكها ﷾.
ثم بعد أن ذكر هذه الآيات العظيمة قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ (ألا له) أي: لله جل وعلا، (الخلق) المراد به كل أمر قدري كوني، فجميع الحوادث الكونية القدرية ترجع إلى قوله: (له الْخَلْقُ) وجميع أوامره الشرعية ترجع إلى قوله: (وَالأَمْرُ) وبينهما فرق، فأوامره الخلقية غير أوامره الشرعية، فأمره ﷾ لنا بالصلاة أمر شرعي، وأمره ﷾ الشمس في سيرها بأن تغرب عن هذا البلد وتشرق على البلد الآخر أمر كوني.
والفرق بينهما: أن أمره الخلقي لا يمكن أن يتخلف، وأما أمره الشرعي الديني فقد لا يتحقق، ولذلك قال الله ﷾ فيما يتعلق بأوامره الشرعية: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فهذا هو الفرق بين الأمر والخلق.
ثمّ قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] و(تبارك) يفسرها كثير من أهل التفسير بقولهم: تعالى، وهو من معانيها، لكن تبارك أشمل من ذلك، فالمراد بـ (تبارك) أي: كثر خيره وبركته، ومن خيره وبركته ﷾ اتصافه بصفات الكمال، وتنزهه جل وعلا عن صفات النقص.
﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: المسخر المدبر لهذه الآيات العظيمة الخالق لها.
[ ٢ / ٦ ]
الرب هو المعبود ﷾
ثم قال ﵀: [والرب: هو المعبود] .
بعد أن ذكر الآيات الدالة على ربوبية الله ﷿ انتقل ليبين وجوب إفراده ﷾ بالعبادة، وأن الرب هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فقال: [والدليل على ذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٠-٢١]، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الخَالِقُ لِهَذِهِ الأَشْيَاءَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ للعبادة] .
وهذا وجه ذكر هذه الأشياء بعد الأمر بالعبادة، فكأنه يقول: إن المستحق للعبادة هو الموصوف بهذه الصفات، وهو المدبر الخالق المالك، وهذا استدلال بتوحيد الربوبية على وجوب إفراد الله بالعبادة، وهو توحيد الإلهية.
واعلم: أن هذا أول أمر في كتاب الله ﷿، فأول الأوامر في كتاب الله تعالى أمر الله تعالى عباده بإفراده بالعبادة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] أي: لتحصل لكم التقوى، والتقوى هنا من عذاب الله وسخطه، ولأن العبادة هي سبب زيادة التقوى وقرارها في قلب العبد، ولذلك لم يذكر ما يتقى ليشمل الجميع، فقوله: (تَتَّقُونَ) لم يذكر فيه المعمول -معمول التقوى- هنا، وفائدة هذا هي التعميم.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢ / ٧ ]