جميع الرسل ﵈ دعوا إلى توحيد الله ﷿ وإلى ترك الشرك، فالواجب على العباد توحيد الله ﷿ والكفر بكل ما يعبد من دونه من الأحجار والأوثان والطواغيت وغيرها.
[ ٩ / ١ ]
دعوة الرسل ﵈
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين، أما بعد: فيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: [وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، َوَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ.
وَالدَّلِيلُ على أن أولهم نوح ﵇ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣]، وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِا رَسُولا مِنْ نُوحٍ إلى محمد يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]] .
هذا هو الأصل الثالث مما جاءت به الرسل، ألا وهو وجوب الإيمان بأن الله ﷾، أرسل إلى خلقه رسلًا بعثهم يدعون الناس إلى التوحيد، ويحذرونهم من الشرك.
قال المؤلف ﵀: [وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين] .
أي: يبشرون أهل الإيمان والطاعة والمستجيبين لهم من الموحدين، وينذرون من أنكر من أهل الكفر والمعصية والشرك.
قال: [وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]] أي: الدليل على أن الله بعث رسلًا وأرسلهم.
والغاية من بعثة الرسل هي قطع حجة المحتجين بأن الله لم يبلغهم ما يجب عليهم.
[ ٩ / ٢ ]
نوح ﵇ هو أول الرسل
قال: [وأولهم -أي: أول الرسل- نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ، وهو خاتم النبيين] .
أما كون آخر الرسل محمدًا ﷺ فهذا أمر مجمع عليه، فقد أجمعت الأمة على أنه لا نبي بعد النبي ﷺ لينتظر، ولا كتاب ليرتقب، فآخر الرسل هو محمد ﷺ، وكل دعوى النبوة بعده ضلال وكفر، وهذا أمر لا خلاف فيه بين أهل الإسلام.
وأما كون أولهم نوحًا فهذا هو الذي دل عليه كتاب الله ﷿، ودلت عليه السنة، وبه نعلم خطأ كثير من المؤرخين الذين يجعلون أول الرسل إدريس، ويقولون: إن إدريس كان قبل نوح، وهذا مخالف لظاهر كتاب الله ﷿ ولصريح السنة.
قال: [وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [النساء:١٦٣]] ووجه الدلالة على أن أول الرسل نوح قوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، ففهم من ذلك أنه لم يكن هناك رسول قبل نوح، وأما آدم فالصحيح أنه نبي وليس برسول، ولم يرسل إلى أحدٍ، وإنما علّم أبناءه التوحيد، والناس كانوا على الفطرة وليس هناك رسول، وإنما جاءت الرسل حين حصل الشرك، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه أخبر أن الناس بقوا على التوحيد عشرة قرون، ثم بعد ذلك حصل الشرك، فبعث الله نوحًا ﵇ يأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك، ومن السنة حديث الشفاعة، فإن الناس إذا حزبهم الكرب ذهبوا إلى الأنبياء، وممن يذهبون إليه بعد آدم: نوح ﵇، ويقولون له: (أنت أول رسولٍ أرسله الله إلى أهل الأرض)، فدل ذلك على أن نوحًا أول من أرسله الله ﷿ إلى الناس.
[ ٩ / ٣ ]
دعوة الرسل كلهم كانت إلى التوحيد
قال: [وكل أمة بعث الله إليهم رَسُولا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ يدعوهم إلى عبادة اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]] وهذا من الأدلة المتكررة في كلام العلماء الدالة على أن الله ﷾ أمر الناس بعبادته وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك به، وذلك في قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، كل هذه وغيرها من الأدلة تدل على أن الرسل اتفقوا في الدعوة إلى التوحيد، وأن دعوتهم واحدة، وهي الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك.
[ ٩ / ٤ ]
الطاغوت والواجب نحوه
[ ٩ / ٥ ]
الكفر بالطاغوت واجب على جميع العباد
قال رحمه الله تعالى: [وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (الطَّاغُوتِ: مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ، أَوْ مُطَاعٍ) .
وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ، ورءوسهم خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِد وَهُوَ راضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦]، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى (لا اله إِلا اللهُ)، وَفِي الْحَدِيثِ: (رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) .
وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى الله على محمد وآله وصحبه وسلم] .
هذا هو المقطع الأخير من هذه الرسالة المباركة -ثلاثة الأصول- للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ رحمة واسعة.
قال ﵀: [وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ والإيمان بالله] قولهم: [افترض] أي: أوجب ﷾، [على جميع العباد] العباد هنا يندرج تحتها كل عباد الله ﷿ ممن وجه إليه الخطاب وكلف من الجن والإنس، افترض الله ﷿ على جميع عباده الكفر بالطاغوت والإيمان بالله.
وبدأ المؤلف ﵀ بالكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله؛ لأن الله ﷾ بدأ بهما في قوله جل وعلا: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فابتدأ بالكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله؛ لأن الكفر بالطاغوت هو تخلية القلب وتصفيته وتخليصه من كل شر، ويعقب ذلك التحلية بالإيمان بالله ﷿، فلا يستقيم الإيمان بالله ﷿ إلا إذا صفا القلب وخلص من كل شائبة شرك وكفر، فإذا خُلّص ونُقّي فعند ذلك تفرغت طاقته وتوافرت همته على الإيمان بالله، وذلك أن القلب إذا شغل بغير الله ﷿ انشغل عنه، وهذا معنى ينبغي التنبه له، فإن من ملأ قلبه بهمِّ الدنيا شغله ذلك عن هم الآخرة، ومن ملأ قلبه بهمِّ الآخرة اشتغل بها عن غيرها، وأصبحت هي التي بين عينيه، وهي التي تقيمه وتقعده، فيجب على المؤمن أن يحرص على هذين المعنيين: الكفر بالطاغوت، وهو تخلية القلب من كل شائبة شرك دقيق أو جليل، ثم الإيمان بالله، وهو أن يعمر قلبه بكل ما يزينه ويجمله ويحقق عبوديته لله ﷿، ويحقق فيه وصفي السلامة والإنابة، فالسلامة والإنابة عليهما علق الله ﷿ النجاة يوم القيامة، فمن جاء بقلب سليم ومن جاء بقلب منيب فقد حصل له فوز الدنيا والآخرة.
[ ٩ / ٦ ]
تعريف الطاغوت
ثم بين المؤلف ﵀ معنى الطاغوت الذي افترض الله جل وعلا على العباد الكفر به، ولم يبين معنى الإيمان بالله؛ لأنه قد تقدم بيانه في هذه الرسالة التي بين أيدينا بيانًا واضحًا شافيًا بالأدلة، لكن لما كان الكفر بالطاغوت يحتاج إلى بيانٍ فإنه خصه ببيانٍ وافٍ واضح.
قال ﵀: [قال ابن القيم ﵀: مَعْنَى الطَّاغُوتِ: مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ من معبود، أو متبوع، أو مطاع] .
هذا تعريف الطاغوت اصطلاحًا، وهو أحد ما قيل في تعريف الطاغوت، والطاغوت في الأصل مشتق من الطغيان.
والطغيان: هو مجاوزة الحد في كل شيء، وأصله (طغيوت) على وزن (فَعَلوت)، فقدمت الياء فصار (طيغوت)، وقلبت الياء ألفًا فصار طاغوت على وزن (فلعوت)، وهذا من حيث الاشتقاق، أما من حيث المعنى الاصطلاحي فإن الطاغوت فسر في كلام السلف بمعانٍ عديدة، ولم يرد في كتاب الله ﷿ إلا ذمّه والأمر بالكفر به، وقد جمعت هذه التفاسير بما قاله ابن القيم ﵀ في معنى الطاغوت، حيث قال: (الطاغوت هو كل مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ، أو متبوع، أو مطاع) .
فقوله: (من) هذه بيانية لما يقع فيه التجاوز، سواءٌ أكان التجاوز في عبادةٍ بصرفها إلى غير الله، أم في غير ذلك.
(أو متبوعٍ) باتباعه على ضلالة.
(أو مطاعٍ) بطاعته فيما لا يجوز طاعته فيه.
وقد عرّفه جماعة من العلماء بتعاريف أخر، فقال شيخ الإسلام ﵀ في تعريفه: (الطاغوت اسم جنس لما عبد من دون الله)، وقال في موضع آخر: (الطاغوت اسم يطلق على كل ذي طغيان)، وعرّفه أيضًا في موضع آخر فقال: (الطاغوت اسم جنس يدخل فيه الشيطان، والكاهن، والوثن، والدرهم والدينار) .
وأجمع ما قيل في تعريف الطاغوت أنه اسم جنس لما يعبد من دون الله، ولمن دعا الناس إلى ضلالة، سواءٌ أكان هذا الداعي من الشياطين أم من الإنس.
قال ﵀: [والطواغيت كثيرون] الطواغيت: جمع طاغوت، والطاغوت يطلق على الجمع والمفرد، لكن جمعه هنا باعتبار أجناسه، فأجناس ما يحصل به الطغيان كثيرة، وليست نوعًا واحدًا كما سيبين المؤلف ﵀ أصول ما يحصل به الطغيان في قوله ﵀: [ورءوسهم خمسة]، والأصل أن يطلق ذلك على كل مجاوزة للشرع ولو لم تكن كفرًا، وبه نفهم أن ما يحصل به الطغيان والطاغوت ليس على درجةٍ واحدة، فمنه ما هو كفر، ومنه ما هو شرك، ومنه ما هو معصية، ومنه ما هو بدعة.
[ ٩ / ٧ ]
رءوس الطواغيت
[ ٩ / ٨ ]
أكبر الطواغيت وأولهم
قال ﵀: [ورءوسهم خمسة] أي: رءوس الطواغيت.
وقوله: [رءوسهم] الرءوس: جمع رأس، والرأس في كل شيء أعلاه.
فقوله: [ورءوسهم خمسة] أي: أعلى ما يحصل به الطغيان ويصدق عليه وصف الطاغوت خمسة أمور، واعلم أن قوله ﵀: [خمسة] ليس تحكمًا من قبل نفسه، إنما هو بالاستقراء، وإلاّ فلو طلبت دليل ذلك في الكتاب والسنة لم تقف على دليل معين، إنما جاء ذلك بالاستقراء، وبتتبع ما قاله أهل العلم في بيان معنى الطاغوت تبين أنه يرجع إلى خمسة أمور، وهذا كثير في كلام أهل العلم، يذكرون أعدادًا في أمور شرعية، وهذه الأعداد لم يرد بها نص، إنما عُرف هذا العدد وتُوصل إليه بالتتبع والاستقراء والنظر في الأدلة، وهذا شيء يستعمله كثير من أهل العلم والمحققين، ولا إشكال فيه.
قال ﵀ في بيان هذه الرءوس الخمسة: [إبليس لعنه الله] .
هذا أول الطواغيت، واعلم أن إبليس هو أكبر الطواغيت وأعظمها شرًا، وأخطرها أمرًا، وأشدها طغيانًا.
أما من أين للمؤلف ﵀ أن إبليس من رءوس الطواغيت فنقول: إن جماعةً من السلف فسروا الطاغوت بالشيطان، ففي مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] ورد تفسير معنى الطاغوت عن جماعة من الصحابة بأن الطاغوت هو الشيطان، وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠]، وورد تفسير الطاغوت في هذه الآيات بأنه الشيطان عن ابن عباس، وعن غيره من السلف، ولا شك أن إبليس هو أصل الطغيان، كما قال الله جل وعلا حاكيًا عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، فقد تكفل وتعهد وأقسم بعزة الله ﷿ أن يضل بني آدم، وإضلالهم من الطغيان، ولا يكون إضلال إلاّ بطغيان، فهذا الرأس الأول، وهو أصل ما بعده من الطواغيت والشرور.
[ ٩ / ٩ ]
من رءوس الطواغيت الذي يعبد من دون الله وهو راض
الثاني: قال ﵀: [ومن عُبد وهو راضٍ]، فكل من صرفت له العبادة بطلب منه أو بغير طلب منه وهو راضٍ عن هذه العبادة فإنه طاغوت؛ لأنه مما يحصل به التجاوز، وذلك أن العبد لا يصلح أن يكون ربًا، ولا يصلح أن تصرف إليه أنواع العبادة، فمن صرف إلى غير الله ﷿ شيئًا من العبادة فقد تجاوز به الحد وطغى فيه، فلذلك كان طاغوتًا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠]، وقوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ معطوف على ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾، وليس معطوفًا على ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ فتنبه.
فهؤلاء وصفهم الله ﷿ بأنهم عبدوا الطاغوت، وكذلك في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١]، فهؤلاء زكوا عبادة المشركين، فكل من عُبد من دون الله وهو راضٍ بهذه العبادة فإنه طاغوت، وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة في نبأ المحشر عن النبي ﷺ قال: (ينادي منادٍ يوم القيامة: ألا ليتبع كل أحد ما كان يعبد في الدنيا) ثم قال: (فيتبع من كان يعبد الطّواغيت الطّواغيت)، وهذا يشمل كل معبود من دون الله، فكل من عبد من دون الله وهو راضٍ فإنه طاغوت بنص الكتاب والسنة، ومن حيث المعنى موافق ومطابق؛ لأنه تجاوز بالعبد عن حده، وعن قدره الذي يناسبه.
[ ٩ / ١٠ ]
من دعا الناس إلى عبادة نفسه فهو من رءوس الطواغيت
الثالث: قال ﵀: [ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه] .
هذا ثالث الطواغيت، سواءٌ أطاعوه أم لم يطيعوه، فإنه طاغوت؛ لأنه تجاوز بنفسه عن حده -وهو العبودية- إلى أن يكون معبودًا، ولا يلزم أن يُوافق وأن يُطاع، ولكن كل من ادعى الربوبية وكل من ادعى الألوهية فإنه طاغوت، ولذلك ورد تسمية فرعون بالطاغوت؛ لأنه قال كما حكي الله عنه-: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، فجاء وصفه بهذا الاسم.
[ ٩ / ١١ ]
مدعي معرفة الغيب رأس في الطغيان
الرابع من الطواغيت: قال ﵀: [من ادعى شيئًا من علم الغيب] .
علم الغيب هو: ما استأثر الله ﷾ به دون خلقه من العلم وهو نوعان: غيب مطلق، وغيب نسبي فالغيب المطلق لا يعلمه أحد إلا الله، ومفاتحه خمسة، وهي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير ٌ﴾ [لقمان:٣٤]، فهذه هي مفاتح الغيب كما فسرها النبي ﷺ، فمن ادعى علم شيء من هذه الأمور فإنه كافر بالقرآن العظيم؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] ومعنى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يعلمون متى يبعثون، وكذلك قال ﷾: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦-٢٧]، فعلمه ﷾ بالغيب المطلق مما اختص به هو جل وعلا دون غيره، أما الغيب النسبي فهذا كثير، وقد يعلمه بعض الناس؛ إذ كل ما غاب عنا مما علمه غيرنا فهو غيب بالنسبة لنا، وعلم بالنسبة لمن علمه، فالغيب النسبي هو بالنسبة إلى أشخاص دون أشخاص، وإلى أناسٍ دون أناس، فمن ادعى علم شيءٍ من ذلك فإن كان تحصيله بأسبابٍ معلومةٍ كأن يسأل ويتوصل فهذا لا إشكال فيه، لكن الإشكال في ادعاء علم الغيب المطلق الذي فيه الإخبار عن المستقبل.
يقول المؤلف ﵀: [ومن ادعى شيئًا من علم الغيب] .
هذا هو رابع رءوس الطواغيت؛ لأن هذا طغى وتجاوز حده، والله ﷾ قد أعلمنا وأخبرنا في كتابه أنه لا يعلم الغيب إلاّ هو جل وعلا، فكل من ادعى علم الغيب فقد تجاوز حده وطغى، فهو طاغوت، هذا من حيث المعنى، أما من حيث النقل فقد فسر جماعة من السلف -منهم سعيد بن جبير وأبو العالية - الطاغوت في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠] بالكاهن، والكاهن هو الذي يخبر عن المغيّبات في المستقبل، فعلى هذا يكون كل من أخبر عن المغيبات في المستقبل طاغوتًا بتفسير السلف.
[ ٩ / ١٢ ]
الحاكم بغير ما أنزل الله من رءوس الطواغيت
الخامس من رءوس الطواغيت: قال: [ومن حكم بغير ما أنزل الله] أي: من الشرع، فكل من حكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت، لكن هل هذا الطاغوت كفر أو ليس بكفر؟ هذه مسألة أخرى، فالإنسان الذي تعرض عليه قضية ويعلم أن حكم الله فيها كذا ويعرض عنه ويحكم بغيره لأجل هواه فهذا حَكَمَ بغير ما أنزل الله، ومثل هذا إذا كان حكم لأجل الهوى فإنه لا يكون كافرًا، وبهذا نعلم أنه ليس كل حكم بغير ما أنزل الله كفرًا، بل يجب التفصيل كما فصل الله ﷿ في الحكم بما أنزل الله، ففي موضع قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وفي موضع قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، وفي موضع قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، وهذه مراتب في أحوال من يحكم بغير ما أنزل الله، واعلم أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفرًا إلاّ إذا استحله من حكم به، ولو في قضية واحدة، بل ولو لم يحكم في أي قضية من القضايا بغير ما أنزل الله، فإنه يكون كافرًا إذا كان يعتقد أنه يحل له أن يحكم بغير الشريعة، فلا يلزم أن يباشر ذلك بالعمل، كما هي الحال فيمن أنكر وجوب الصلاة وهو في الصف الأول في الروضة وراء الإمام، فإنه يكون كافرًا إذا أنكر الوجوب؛ لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله فإنه كافر، وكذلك من اعتقد أن حكم غير الله خير من حكم الله فهو كافر، أما من حكم لأجل الهوى فإنه لا يكون كافرًا، ولذلك ينبغي التفصيل في هذه المسألة الكبيرة.
بعد أن فرغ المؤلف ﵀ من ذكر رءوس الطواغيت الخمسة -أعاذنا الله وإياكم منها ومن الطغيان دقيقه وجليله- ذكر الدليل على ذلك، واعلم أن كل هذه الأنواع الخمسة لها دليل، وقد أشرنا إلى أدلتها في أثناء الكلام إلا النوع الأخير في قوله: [من حكم بغير ما أنزل الله]، فدليله قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠]، فجعل الله ﷿ الإعراض عن حكمه إلى حكم غيره من التحاكم إلى الطاغوت، وهذه الآية قد ورد في سبب نزولها أثر صحيح هو أن منافقًا اختصم مع يهودي، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ لأنه علم أن النبي ﷺ لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لأنه كان يعلم أنهم يأخذون الرشوة، فأنزل الله ﷿ هذه الآيات في فضح المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، فجعل طلب الحكم من غير الشريعة من التحاكم إلى الطاغوت.
ثم ذكر المؤلف الدليل على ما تقدم فقال: [وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦]] .
فهذه الآية دليل على أن الله افترض على عباده الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وهل في الآية دليل على الرءوس الخمسة من الطواغيت؟ الجواب: نعم، يؤخذ منها الدلالة على الرءوس الخمسة من الطواغيت، ولذلك فسر جماعة من السلف الطاغوت بهذه المعاني السابقة، وقد جمع ابن الجوزي ﵀ في كتابه (زاد المسير) الأقوال في تفسير الطاغوت، وأكثرها مما تقدم ذكره في قول المؤلف ﵀: [ورءوسهم خمسة] .
[ ٩ / ١٣ ]
الكفر بالطاغوت من معاني (لا إله إلا الله)
ثم قال ﵀: [وهذا معنى (لا إله إلاّ الله)] المشار إليه هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله.
وقوله: [هذا معنى (لا إله إلاّ الله)] كيف يكون هذا معنى (لا إله إلاّ الله)؟ والجواب: قوله: (لا إله) هذا هو الكفر بالطاغوت؛ لأنه ينفي العبادة عن كل معبود، وقوله: (إلاّ الله) إثبات لجميع أنواع العبادة لله وحده، وهذا هو الإيمان بالله ﷿، إذًا: قوله: [معنى: (لا إله إلاّ الله)] أي: ما تضمنته هذه الآية من حصول الإيمان، وذلك من ترتيب الاستمساك بالعروة الوثقى على هذين الأمرين: الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله.
ثم قال ﵀ في ختام هذه الرسالة المباركة: [وَفِي الْحَدِيثِ: (رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله] .
وهل هذا الحديث دليل للمسألة السابقة أم لا؟ الحقيقة أن بعض الشرّاح قال: إنه دليل على الإيمان بالله والكفر بالطاغوت وبعضهم قال: إنما أراد المؤلف ﵀ ختم الرسالة بهذا الحديث؛ لما تضمنه من المعاني العظيمة التي هي بيان رأس الأمر، وبيان ما يقوم به، وبيان ما يبلغ به الغاية.
وعندي أن هذا دليل وبراعة اختتام.
أما الدليل ففي قوله: (رأس الأمر الإسلام)، والأمر هنا المراد به الدين يعني: رأس الدين الإسلام، والمراد بالإسلام هنا الشهادتان؛ ولذلك جاء في روايةٍ لهذا الحديث: (رأس الأمر شهادة ألا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)، فالإسلام المراد به هنا الشهادتان، وهو الاستسلام لله ﷿ بالعبودية، أي: إفراد الله جل وعلا بالعبادة وحده دون غيره، وعلى هذا يكون فيه دليل على ما تقدم؛ لأن شهادة ألا إله إلاّ الله هي الإيمان بالله تعالى والكفر بالطاغوت، فيكون فيها دليل لما ذكره ﵀ في قوله: [افترض اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بالله] .
وأما قوله ﷺ في الحديث: (وعموده الصلاة) فهذا فيه بيان مرتبة الصلاة في هذا الدين، وأنها من هذا الدين كالعمود للخيمة، وليس للخيمة قيام بلا عمود، بل لا قيام للفسطاط إلاّ بعمود، فمن لا صلاة له لا إسلام له، هكذا قال عمر بن الخطاب ﵁، وورد مثل ذلك عن علي بن أبي طالب: (لا حظّ في الإسلام لمن لا صلاة له)، وكل هذا مما ورد عن الصحابة.
وقال عبد الله بن شقيق ﵀وهو من التابعين-: (لم يكن أصحاب النبي ﷺ يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلاّ الصلاة)، فالصلاة شأنها كبير، وأمرها خطير، ويكفي في هذا الوصف قول النبي ﷺ: (وعموده الصلاة) .
وقال الإمام أحمد ﵀: (من أراد أن يعرف قدر الإسلام في قلبه فلينظر إلى قدر الصلاة في قلبه)، فبقدر ما يكون مع الإنسان من تعظيم الصلاة والاهتمام بها والعناية بها والإقبال عليها والتبكير إليها وتعلق القلب بها يكون معه بقدر ذلك من الإسلام، ولذلك كان أول ما يسأل عنه الناس من الأعمال بعد التوحيد مما يتعلق بحقوق الله ﷾ الصلاة، فهي أول مسئول عنه، ولذلك ينبغي للإنسان أن يعتني بهذه العبادة الجليلة، وأن يهتم بها، وأن تكون منه على البال دائمًا، فهذا هو المعيار والميزان الدقيق، فإذا أردت أن تعرف قدر الإسلام في قلبك فانظر إلى قدر الصلاة في قلبك، وهذا القول عن الإمام أحمد ذُكر في كتاب (تعظيم قدر الصلاة) .
وأما قوله: (وذروة سنامه الجهاد) فذروة الشيء أعلاه، والمراد أعلى شيءٍ في الإسلام هو الجهاد في سبيل الله يعني: الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى واعلم أن الجهاد والصلاة هما العبادتان اللتان تكرر الأمر بهما والثناء على أهلهما في الكتاب والسنة، بل قال شيخ الإسلام ﵀: (لم يرد من الأحاديث قدر ما ورد في الصلاة والجهاد حثًا وأمرًا وفضلًا)، وهذا يجعل الإنسان يحرص على أن يكون نصيبه وافرًا في الأمرين.
[ ٩ / ١٤ ]
مراتب الجهاد في سبيل الله
والجهاد في سبيل الله يكون على مراتب، فمنه ما يكون جهادًا للكفار، ومنه ما يكون جهادًا للمنافقين، ومنه ما يكون جهادًا للعصاة، وقد ذكر جميع هذه المراتب ابن القيم ﵀ في (زاد المعاد)، ومنه ما يكون جهادًا بالسيف والسنان، ومنه ما يكون بالعلم والبيان، فطلاّب العلم الذين يبذلون أوقاتهم في تحصيل العلم وتحرير المسائل ومعرفتها على أصولها هم من المجاهدين في سبيل الله تعالى إذا احتسبوا وأخلصوا النية؛ لأن هذا الجهاد تحفظ الشريعة، كما أن الشريعة تحفظ به بالسيف فهي تحفظ بالعلم، لكن ينبغي للإنسان أن يكون صاحب نيةٍ في هذا الأمر ليحصل له ما يريد من الخير، وقول النبي ﷺ: (وذروة سنامه الجهاد) أي: أفضل الأعمال بعد الواجبات فأعلى الأعمال بعد الواجبات المفروضة على العموم الجهاد في سبيل الله، ثم إنّ الجهاد منه ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو فرض عين، لكنه في حالات محدودة قد ذكرها الفقهاء وأهل العلم في كتبهم، والأصل في حكمه أنه فرض كفاية.
وأما براعة الختام فقد ذكر المؤلف ﵀ أنه لا يكفي في تحقيق التوحيد والفوز بهذه الأصول مجرد القول، بل لابد من العمل أولًا، ولابد من بلوغ العمل غايته، فالشهادتان اللتان هما الإقرار لله بالإلهية وللنبي ﷺ بالرسالة لابد أن ينضاف إليهما المحافظة على الأعمال الصالحة، وذكر أشرفها وأعلاها وهي الصلاة، ثم لا يقتصر على المفروضات، بل يسارع في النوافل التي تقربه إلى الله ﷿، وأشار إلى ذلك بقوله ﷺ: (وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) فختم هذه الرسالة ببيان ما يثبت به الدين، وعلى ماذا يقوم، وبماذا يحفظ؟ فيثبت الدين بالشهادتين، ويقوم بالصلاة، ويحفظ بالجهاد.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وبهذا تكون قد تمت الأصول الثلاثة التي تضمّنتها هذه الرسالة المباركة للإمام العالم المجدد: محمد بن عبد الوهاب ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله عنا خير الجزاء.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٩ / ١٥ ]