الإيمان بالبعث
والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] .
_________________
(١) انتقل إلى أصل آخر وهو الإيمان بالبعث، أي: أنه ليس المراد موت فقط، نحن علمنا وكل يعلم حتى الكفار والملاحدة والزنادقة، كلهم يعلمون أنه لا بد من الموت، لا أحد ينكر الموت لأنه شيء محسوس، لكن الشأن في البعث بعد الموت، هذا هو محل النزاع بين المؤمنين والكفار، البعث بعد الموت، وهو إعادة الأجسام التي تفتت وصارت رميما وترابا وتفرقت في الأرض، تعاد وتبنى كما كانت؛ لأن القادر على إنشائها أول مرة قادر على إعادتها، ثم تنفخ فيها الأرواح ثم تتحرك وتسير من القبور إلى المحشر لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] . وقال تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي﴾ [القمر: ٧، ٨] لا أحد يتخلف، فهذا البعث
[ ٢٧٧ ]
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [سورة نوح: ١٧ - ١٨] .
_________________
(١) حق لا ريب فيه، ومن أنكره فهو كافر بالله ﷿، والإيمان بالبعث هو أحد الأركان الستة للإيمان التي قال فيها النبي ﷺ: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» فمن لم يؤمن بالبعث واليوم الآخر فإنه يكون كافرًا بالله ﷿ ولو شهد بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولو صلى وصام وحج وزكى وفعل الطاعات، فإذا أنكر البعث أو شك فيه فإنه يكون كافرًا بالله ﷿. وأدلة البعث كثيرة منها قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] . يعني الأرض حينما خلق آدم ﵇ أبا البشرية ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ يعني بعد الموت في القبور ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ هذا هو البعث. فهذه الآية تضمنت البدء والإعادة: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ .
(٢) ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ حينما خلق منها آدم ﵇، ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ أي: بالموت والقبور
[ ٢٧٨ ]
﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ هذا هو البعث، يخرجون من القبور ويسيرون إلى المحشر، قال تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] أي تحيون على ظهرها، وفيها تموتون ومنها تخرجون للبعث يوم القيامة.
هذه أدلة من القرآن على البعث، أيضا دليل عقلي من القرآن نفسه وهو أن الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة من باب أولى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] الذي قدر على إيجاد الناس من عدم قادر على إعادتهم بعد الموت من باب أولى، هذا دليل سمعي عقلي.
ومن الأدلة على البعث ما يحصل للأرض من الحياة بالنبات، أنت ترى الأرض ميتة ليس فيها نبات جرداء، ثم إن الله ﷾ ينزل عليه المطر، ثم ينبت النبات الذي كان هشيما ميتا، كذلك الأجسام في الأرض كانت مخزنة في الأرض فينزل الله عليها مطرًا، ثم تنبت الأجسام وتتكامل، ثم تنفخ فيها الأرواح، فأنتم ترون الأرض كيف تكون قاحلة، ثم تحيا بما نبت فيها، الله جل وعلا هو الذي يحيي الأرض بعد
[ ٢٧٩ ]
موتها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] فالذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأجسام بعد موتها لأن الكل أحياء بعد الموت.
ومن الأدلة على البعث أنه لو لم يكن هناك بعث للزم أن يكون خلق الناس عبثا حيث إنهم يعيشون منهم المطيع المتقي المؤمن بالله ورسله، ومنهم الكافر الملحد والزنديق والجبار والمتكبر والعاصي، كلهم يعيشون ثم يموتون دون أن ينال هذا المؤمن شيئًا من جزائه أو ينال هذا الكافر وهذا الزنديق وهذا الملحد وهذا الطاغية المتجبر على الناس دون أن ينال جزاءه.
فهل يليق بالله أن يترك الناس هكذا دون أن يجازي أهل الإيمان بإيمانهم، وأهل الإحسان بإحسانهم، وأهل الإجرام والكفر بإجرامهم وكفرهم؟ هذا لا يليق بحكمة الله ﷾، ولهذا قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] هذا لا يكون إلا في يوم القيامة وكذلك في قوله سبحانه:
[ ٢٨٠ ]
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] .
وقال ﷾: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] وقال ﷾: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦- ٤٠] ورد على الكافر الذي قال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٧٨- ٨٠] الذي قدر على إخراج النار المحرقة من الشجر الأخضر الرطب الذي قدر على هذا ألا يقدر على إحياء الأموات.
ومن أدلة البعث الاستدلال بخلق السماوات والأرض فالذي خلق هذه المخلوقات الهائلة العظيمة الكبيرة قادر على أن يعيد الإنسان؛ لأن القادر على الشيء العظيم يقدر على ما دونه من باب أولى.
[ ٢٨١ ]
الحساب والميزان
وبعد البعث محاسبون ومجزون بِأَعْمَالِهِمْ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [سورة النجم: ٣١] .
_________________
(١) قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١] . وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] . فهذه أدلة البعث التي تثبت أن الله ﷾ يبعث من في القبور، وأنه يجازي كل عامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرا فشر، فليكفر الكافر وليفسق الفاسق والزنديق والملحد فإن أمامه البعث والنشور والجزاء والحساب، أما المؤمن المتقي الذي يعبد الله ويتقرب إلى الله فإن عمله لن يضيع، فإن هناك موعدًا يوفيه الله فيه عمله ويضاعف له أجره ويعطيه ما لم يقع في ظنه وحسبانه.
(٢) من أعمال يوم القيامة، الحساب والميزان، الحساب بمعنى مناقشة أهل المعاصي.
[ ٢٨٢ ]
الحساب والميزان
فالمسلمون على أقسام يوم القيامة:
القسم الأول منهم: من لا يحاسب ويدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب كما في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.
القسم الثاني من الناس: من يحاسب حسابًا يسيرًا وهو العرض فقط، لا يحاسب حساب مناقشة وإنما يحاسب حساب عرض فقط، وهذا أيضا من السعداء، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩] .
القسم الثالث: من يحاسب حساب مناقشة وهذا تحت الخطر لقوله ﷺ: «من نوقش الحساب عذب» .
أما الكفار فقد اختلف العلماء فيهم هل يحاسبون أو لا يحاسبون، فمن العلماء من يقول: إن الكفار لا يحاسبون لأنهم ليس لهم حسنات وإنما يذهب بهم إلى النار لأنهم ليس
[ ٢٨٣ ]
وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] .
_________________
(١) لهم حسنات، ومن العلماء من يقول: إنهم يحاسبون حساب تقرير، أي بأعمالهم وكفرهم وإلحادهم، ثم يذهب بهم إلى النار. والميزان: معناه الآلة التي توزن بها أعمال العباد توضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون١٠٢- ١٠٣] فإذا ثقلت السيئات خسر الإنسان وإذا ثقلت الحسنات ربح الإنسان. هذا الميزان ميزان الأعمال، كذلك من أوتي كتابه بيمينه فحسابه يسير، ومن أوتي كتابه بشماله فحسابه عسير، وسيرى الأهوال والأخطار جسيمة، ومن خطر إلى خطر في مواقف القيامة والحساب والحشر، هذه أمور هائلة لو فكرنا فيها.
(٢) قوله: من كذب بالبعث كفر: لأنه جحد ركنًا من أركان الإيمان، ولأنه مكذب لله ولرسله ولكتبه؛ لأن الله جل وعلا أخبر عن البعث، والرسل أخبرت عن البعث، والكتب أخبرت عن البعث، فمن أنكره فهو كافر والدليل قوله تعالى:
[ ٢٨٤ ]
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الزعم هو الكذب، ﴿أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ فدلت الآية على أن إنكار البعث كفر، يقولون ليس بعد الموت بعث، المشركون وعبدة الأصنام في عهد النبي ﷺ كانوا يجادلون بالبعث: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١١- ١٢] وقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] . ومن مجادلتهم: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥، ٣٦] إلى غير ذلك من مقالات الكفار من الأمم السابقة ومن المشركين في عهد النبي ﷺ فمن كذب بالبعث فهو مع هؤلاء الكفرة.
لا ينكر البعث إلا كافر، ولقد أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ أن يقسم به على البعث، قال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ هذا قسم، ﴿لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ هذه الآية إحدى الآيات الثلاث التي أمر الله نبيه فيها أن يقسم على البعث.
الآية الأولى: في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] .
الثانية في سورة سبأ:
[ ٢٨٥ ]
الإيمان بالرسل
وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥] .
_________________
(١) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٣ - ٤] فالله أمر نبيه أن يقسم به على البعث وعلى قيام الساعة. الآية الثالثة: هي التي معنا من سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] . فالحكمة من البعث هي جزاء العباد على أعمالهم، وقوله تعالى: لتنبئن، أي: لتخبرن بأعمالكم وتجازون بها.
(٢) الإيمان بالرسل هو أحد أركان الإيمان الستة، قال ﷺ: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله» .
[ ٢٨٦ ]
الإيمان بالرسل
َوَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ، والدليل على أن أولهم نوح ﵇ قوله تعالى:
_________________
(١) فالإيمان بالرسل هو أحد أركان الإيمان، فلا بد من الإيمان بالرسل جميعهم من أولهم إلى آخرهم، فمن جحد رسولا واحدًا منهم فهو كافر بالجميع كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] فلا بد من الإيمان بجميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، من سمى الله منهم في كتابه ومن لم يسم، فإن الرسل كثيرون؛ ولهذا جاء في الحديث: «أن عددهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا» . فهم رسل كثيرون منهم من سمى الله في كتابه ومنهم من لم يسم، فيجب علينا الإيمان بجميعهم من أولهم إلى آخرهم.
[ ٢٨٧ ]
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] .
_________________
(١) الدليل عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ ذكر الله جملة من أسمائهم في هذه الآية كما ذكر جملة من أسمائهم في آية الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ إلى آخر الآيات [الأنعام: ٨٤ - ٨٦] . فأولهم نوح ﵊ بدليل قوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعثه الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين بعد أن كان الناس على دين التوحيد منذ آدم ﵇ إلى عشرة قرون وهم على التوحيد، فلما جاء قوم نوح كان فيهم رجال صالحون، فلما مات هؤلاء الصالحون حزنوا حزنًا شديدًا، فانتهز الشيطان هذه الفرصة وقال لهم: صوروا صور هؤلاء الصالحين وانصبوها على مجالسكم؛ من أجل إذا رأيتم هذه الصور تتذكرون أحوالهم وتنشطون على العبادة، فقاموا وصوروا صور هؤلاء الموتى، ونصبوها على المجالس، فلم
[ ٢٨٨ ]
تعبد في أول الأمر لوجود العلماء الذين يبينون للناس التوحيد وينكرون الشرك.
فلما مات العلماء وذهب الجيل الأول، جاء جيل متأخر وقد مات العلماء، جاء الشيطان إليهم فقال لهم: إن آباءكم ما نصبوا هذه الصور إلا ليعبدوها، وبها كانوا يسقون المطر، فزين لهم عبادتها فعبدوها من دون الله، ومن ثم حدث الشرك في الأرض، فبعث الله نبيه نوحًا ﵊ يدعوهم إلى الله ﷿ ويردهم إلى التوحيد الذي هو دين أبيهم آدم ﵇ لكنهم عاندوا واستكبروا: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] قال ابن عباس: هذه أسماء رجال صالحين، صوروا صورهم ونصبوها على مجالسهم فآل بهم الأمر إلى أن عبدوها من دون الله.
فلما جاءهم نوح ﵊ ونهاهم عن عبادتها، وأمرهم بعبادة الله، قالوا: لا تذرون آلهتكم، لا تطيعوا نوحا، واستمروا على كفرهم وطغيانهم وعنادهم.هذا أول شرك حدث في الأرض، وسببه الصور ولذلك قال النبي ﷺ: «إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة»
[ ٢٨٩ ]
«المصورون» وقال ﷺ: «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» يؤمرون بنفخ الروح في هذه الصور من باب التعجيز والتعذيب لهم والعياذ بالله؛ لأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك كما حصل لقوم نوح.
فأول الرسل نوح، وأما خاتم الرسل وآخرهم فهو محمد ﷺ، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقال ﷺ: «وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» .
فبه ﷺ ختمت الرسالات السماوية فلا يبعث بعده نبي إلى أن تقوم الساعة، ولكن شريعته باقية إلى أن تقوم الساعة، ودينه باق إلى أن تقوم الساعة كما سبق، فمن ادعى النبوة
[ ٢٩٠ ]
وكل أمة بعث الله إليهم رسولا من نوح إلى محمد يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾
_________________
(١) بعد محمد ﷺ فهو كافر، ومن صدقه فهو كافر بالله لأنه لا نبي بعده ﷺ. وقد ادعى النبوة بعده خلق كثير وفضحهم الله وأظهر كذبهم، ومن آخرهم فيما نعلم، القادياني، غلام أحمد القادياني الهندي، الذي كان في الأول يدعي العلم والعبادة، ثم ادعى أنه عيسى بن مريم، ثم ادعى النبوة، والآن له أتباع يسمون بالقاديانية وقد كفرهم المسلمون ونابذوهم واعتبروهم فرقة كافرة خارجة عن الإسلام، وهم منابذون ومطاردون - ولله الحمد - من بلاد المسلمين، ولهم نشاط، ولكن نشاطهم يبوء بالفشل، الحاصل أنه لا نبي بعد رسول الله ﷺ، من ادعى النبوة فهو كذاب كما قال ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون، قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله» .
[ ٢٩١ ]
[النحل: ٣٦] .
_________________
(١) المتنبئون كثيرون؛ ولكن الله يفضح أمرهم ويكشف سترهم ويبين خزيهم للناس، وَمَنْ صَدَّقَهُمْ فهو كافر، لأنه مكذب لله ولرسوله ﷺ ولإجماع المسلمين على ختم النبوة بمحمد ﷺ. قوله: وكل أمة بعث الله إليهم رسولا، أي: كل أمة من الناس يبعث الله إليها رسولا ليقيم الحجة عليهم، لئلا يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فكل أمة من الأمم السابقة يبعث الله إليها رسولًا كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] لكن يجب أن نعرف ما هي دعوة الرسل؟ دعوة الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم هي إلى التوحيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فكل ما عبد من دون الله طاغوت، كما يأتي في أنواع الطواغيت أن من أنواعهم ما عبد من دون الله وهو راض بذلك كما سيأتي. فمعنى قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي: اجتنبوا عبادة الأوثان والأصنام والقبور والأضرحة هذه هي
[ ٢٩٢ ]
الطواغيت فدلت الآية الكريمة على أن دعوة الرسل كلها تتركز على التوحيد من أولهم إلى آخرهم.
كما قال ﷾: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] .
فدعوة الرسل كلهم إلى التوحيد، وإفراد الله جل وعلا بالعبادة، والنهي عن الشرك، هذه هي دعوة الرسل، ثم بعد التوحيد تأتي الشرائع من الحلال والحرام، وتفاصيل الشرائع تختلف باختلاف الأمم وحاجة الأمم، وينسخ الله منها ما يشاء، ثم نسخت كلها بشريعة الإسلام الحلال والحرام والأحكام والعبادات والأوامر والنواهي، أما الأصل وهو التوحيد فهذا لا اختلاف فيه ولا نسخ، هذا دين واحد دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم دينهم واحد.
كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ودين التوحيد هو عبادة الله بما شرع في كل وقت بحسبه، فإذا نسخ هذا الشرع انتقل إلى الناسخ، فمن أصر وبقي على المنسوخ وترك الناسخ فإنه يكون كافرًا بالله
[ ٢٩٣ ]
الكفر بالطاغوت والإيمان بالله
وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ والإيمان بالله
_________________
(١) ﷿؛ لأن الدين المنسوخ لا يكون دينًا بعد نسخه، وإنما هو دين قبل أن ينسخ، فإذا نسخ فلا يكون دينًا ويكون الدين هو الناسخ، فلهذا نسخت شريعة الإسلام ما قبلها من الشرائع، فمن بقي على اليهودية أو النصرانية بعد بعثة محمد ﷺ فهو كافر؛ لأنه يعمل بدين منسوخ انتهى وقته.
(٢) قال الشيخ ﵀: وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، ثم ذكر تعريف الطاغوت، فالطاغوت ذكره الله جل وعلا في آيات كثيرة منها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٦، ٢٥٧] وفي سورة النساء، قوله تعالى:
[ ٢٩٤ ]
الكفر بالطاغوت والإيمان بالله
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ من معبود أو متبوع أو مطاع
_________________
(١) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] وهذه الآية في اليهود. ويقول سبحانه في المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] وفي سورة النحل يقول جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] الطاغوت: مأخوذ من الطغيان وهو مجاوزة الحد، يقال: طغى الماء إذا ارتفع منسوبه. قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] .
(٢) أما معنى الطاغوت في الشرع فهو كما ذكر ابن القيم ﵀ ونقله عنه الشيخ هاهنا، الطاغوت: ما تجاوز به العبد حده، العبد له حد لأنه عبد حدد الله له حدودًا يجب عليه أن يقف عندها، فإذا تجاوزها فإنه يكون طاغوتًا، فمن تجاوز حدود الله التي حددها لعباده وأمرهم أن لا يتجاوزوها
[ ٢٩٥ ]
وألا يقربوها فهو طاغوت، فإذا عصى الله وتجاوز حدوده وطغى فإنه يسمى طاغوتًا لأنه طغى وتعدى حدود الله.
فقوله: مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أو متبوع أو مطاع.
هذا التعريف الشامل للطاغوت لأن الله جل وعلا أمر بعبادته وحده لا شريك له، وأمر باتباع رسوله ﷺ، وأمر بطاعته وطاعة رسوله فيما حلل وحرم، فمن تجاوز هذا الأمر فهو طاغوت، من تجاوز حد العبادة التي أوجبها الله واختص بها ونفاها عن غيره، فعبد مع الله غيره فهو طاغوت، المشرك طاغوت؛ لأنه تجاوز الحد في العبادة وعبد مع الله غيره، صرف العبادة لغير مستحقها، وكذلك من عبد وهو راض.
الذي يعبده الناس بهذا ويفرح ويترأس بهذا الشيء ويتزعم هذا طاغوت، مثل فرعون والنمرود ومشايخ الطرق الصوفية الغلاة الذين يعبدهم أتباعهم ويرضون بذلك، أو يدعون الناس إلى هذا، أي إلى أن يعبدوهم كما سيأتي، فهذا طاغوت في العبادة.
قوله: أو متبوع: الله جل وعلا أمر جميع الخلق أن يتبعوا محمدًا ﷺ، فلا يجوز لأحد أن يتبع غيره عليه الصلاة
[ ٢٩٦ ]
والسلام، فمن اتبع غير الرسول ﷺ وزعم أن هذا جائز فإنه يكون طاغوتًا لأنه اتبع غير الرسول ﷺ الذي أمر بإتباعه، فالاتباع خاص بالرسول ﷺ، أما غيره من العلماء والدعاة فهؤلاء يتبعون إذا اتبعوا طريقة الرسول ﷺ. فالمتبع هو الرسول ﷺ، أما هؤلاء فإنهم مبلغون فقط يتبعون للحق وما وافقوا فيه اتباع الرسول ﷺ، وما خالفوا فيه الرسول فلا يجوز اتباعه.
مثال ذلك مشايخ الطرق الصوفية، يتبعهم مريدوهم وعبيدهم في غير طاعة الرسول ﷺ بل يقولون: إننا لسنا بحاجة إلى الرسول ﷺ نحن نأخذ مما أخذ منه الرسول ﷺ ونتلقى عن الله مباشرة، الرسول ﷺ يتلقى عن الله بالواسطة، بواسطة جبريل، ونحن نتلقى عن الله مباشرة ويقولون: أنتم تروون دينكم عن ميت، ونحن نروي ديننا عن الله ﷾، لأنهم يزعمون أن شيوخهم يتصلون بالله ويتلقون من الله مباشرة.
بلغ بهم الحد إلى هذا الطغيان والعياذ بالله، هذه طريقتهم، لا شك أن هؤلاء هم رؤوس الطواغيت والعياذ بالله؛ لأنه لا طريق إلى الله جل وعلا إلا باتباع رسوله ﷺ، قال
[ ٢٩٧ ]
تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١، ٣٢] .
فالذي يتبع غير الرسول هذا يعتبر طاغوتا، وكذلك من يدعو إلى اتباعه ويقول للناس: أنا آتيكم بالأمر من الله مباشرة، هذا أكبر الطواغيت في العالم والعياذ بالله.
قوله: أو مطاع: الطاعة إنما هي لله ولرسوله بما حلل وحرم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وليس لأحد أن يشارك الله في التحليل والتحريم؛ ولذلك حكم الله على من حلل وحرم أو طاع من فعل ذلك بأنه مشرك.
قال ﷾: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾
[ ٢٩٨ ]
[الأنعام: ١١٨ - ١٢١] لأن أهل الجاهلية يقولون: الميتة حلال لأن الله هو الذي ذبحها، فهي أولى بالحل مما ذبحتم وذكيتم، فالله جل وعلا يقول: لا تأكلوا إلا ما ذكي ذكاة شرعية، وحرم عليكم الميتة.
وهؤلاء يقولون: لا الميتة حلال هي أولى بالحل من المذكاة لأن المذكاة ذكيتموها أنتم، وأما الميتة فالله هو الذي ذبحها.
ولهذا رد على المشركين وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أي: خروج عن طاعة الله سبحانه ﷿. وقال بعدها: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يقولون: الميتة ذبحها الله والمذكاة أنتم ذبحتموها فكيف تستحلون ما ذبحتم ولا تستحلون ما ذبحه الله؟ هذا مجادلة بالباطل، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ هذا من شرك الطاعة، التحليل والتحريم حق لله جل وعلا.
[ ٢٩٩ ]
أنواع الطواغيت
وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ، إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، ومن عبد وهو راض
_________________
(١) فلا يجوز لأحد أن يحلل أو يحرم من عند نفسه أو يطيع من حلل أو حرم من عنده نفسه، ومن فعل ذلك فإنه طاغوت ومطيع للطواغيت الذين يحللون ويحرمون من دون الله هذا معنى قوله: أو مطاع: أي: مطاع في التحليل والتحريم؛ لأن التحليل والتحريم حق لله جل وعلا، والرسول ﷺ مبلغ عن الله ما حلل وحرم.
(٢) قوله: والطواغيت كثيرون، ورؤوسهم خمسة: الطواغيت الذين ينطبق عليهم هذا التعريف: كل معبود أو متبوع أو مطاع كثيرون؛ ولكن رؤوسهم خمسة يعني أكابرهم خمسة. الأول: إبليس لعنه الله، أي: طرده الله وأبعده عن رحمته بسبب أنه امتنع من السجود لآدم وعصى الله ﷾ وتكبر وقال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] فعصى أمر الله وتكبر فلعنه الله وطرده وأبعده، وسمي إبليس قيل: لأنه أبلس من الرحمة يعني يأس من
[ ٣٠٠ ]
أنواع الطواغيت
الرحمة، فالْمُبْلِس هو اليائس من الشيء، فإبليس لعنه الله رأس الطواغيت لأنه هو الذي يأمر بعبادة غير الله، وهو الذي يأمر باتباع غير رسول الله ﷺ، وهو الذي يأمر بطاعة غير الله بالتحليل والتحريم، فإبليس هو مصدر الشر وهو رأس الطواغيت.
الثاني: من عُبِدَ وهو راض، أي: عبد وهو راض بعبادة الناس له فهو طاغوت، أما من عبد وهو غير راض بذلك فلا يدخل في هذا؛ لأن عيسى ﵊ عبد من دون الله ولكنه غير راض بذلك، وأمه وعزير والأولياء والصالحون من عباد الله لا يرضون بهذا، بل كانوا ينكرون هذا ويحاربون من فعله، فمن عبد وهو غير راض بذلك فإنه لا يسمى طاغوتا.
ولذلك لما أنزل الله قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فرح المشركون، وقالوا: نحن نعبد المسيح ونعبد ونعبد، إذًا هم معنا في النار، فأنزل الله تعالى: إِنَّ ﴿الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢] .
[ ٣٠١ ]
ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه
_________________
(١) وفي الآية الأخرى قالوا: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] يعنون عيسى ﵇ ثم قال: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٨، ٥٩] فهو عبد لله ولا يرضى أن يعبد من دون الله بل بعثه الله بإنكار ذلك: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] فالذي عبد وهو غير راض بذلك، لا يدخل في هذا الوعيد ولا يكون طاغوتًا؛ لأنه منكر لذلك؛ لأن الطاغوت هو الذي يرضى بأن يعبد من دون الله ﷿.
(٢) والثالث: من دعا الناس إلى عبادة نفسه: مثل رؤوس المشركين الذين يدعون الناس إلى عبادة أنفسهم مثل فرعون قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] . ومثل النمرود ومثل غلاة الصوفية الذين يدعون الناس إلى عبادتهم حتى إنهم يوصون الناس أن يعبدوهم بعدما يموتون فيقول أحدهم: إذا أعيتكم الأمور فأتوا إلى قبري، أي: إذا أعجزتكم الأمور فأتوا إلى قبري ولا يحول بينكم وبيني حفنة من التراب، يوصون الناس أن يأتوا إلى قبورهم
[ ٣٠٢ ]
ومن ادعى شيئا من الغيب
_________________
(١) ويعدونهم أنهم سيقومون بحوائجهم، فمن دعا الناس إلى عبادة نفسه حيا وميتًا فهو من رؤوس الطواغيت، وكذلك من دعا الناس إلى عبادة غيره من الطواغيت وهم دعاة الشرك، هؤلاء طواغيت، الذين يزينون الشرك للناس ويسمونه بغير اسمه ويقولون هذا من باب التوسل، أو هذا من باب الشفاعة وهم كثير. إن هؤلاء طواغيت لأنهم يدعون إلى الشرك، فهم يدعون إلى عبادة غير الله ويسمون ذلك بغير اسمه، ويزينونه للناس بالشبهات وزخرف القول هؤلاء هم الطواغيت، دعاة الشرك طواغيت، وكل من عبد من دون الله ورضي بذلك أو دعا الناس إلى عبادة نفسه أو دعا الناس إلى عبادة غير الله فإنه من الطواغيت، بل هو من رؤوس الطواغيت نسأل الله العافية.
(٢) الرابع: من ادعى شيئا من علم الغيب: وهذا يدخل فيه السحرة والمنجمون والكهان والرمالون وكل من يدعي أنه يعلم الغيب ويقول للناس: سيحصل لكم كذا وكذا، أنت سيحصل لك سعادة أو يحصل لك شيء من التعب، أو توفق في زواج أو لا توفق، هؤلاء يدعون علم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله ﷾، قال تعالى:
[ ٣٠٣ ]
ومن حكم بغير ما أنزل الله
_________________
(١) ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] . لا يعلمها إلا هو: هذا حصر فلا يعلم الغيب إلا الله أو من أطلعه الله على شيء من الغيب من رسله لأجل مصلحة البشر ومعجزة للرسول، لكن لم يعلم الغيب من ذات نفسه وإنما علمه للغيب من تعليم الله له، فلا يعلم الغيب إلا الله فمن ادعى علم الغيب فإنه يكون مشاركًا لله فيما اختص به سبحانه، فيكون مشركًا وطاغوتًا وكافرًا، وهذا من أعظم أنواع الردة عن الإسلام.
(٢) الخامس: من حكم بغير ما أنزل الله: ودليله قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] فالذي يحكم بغير ما أنزل الله مستحلا لذلك يكون طاغوتًا، والذي يقول: أنه يجوز أن يتحاكموا إلى القانون أو إلى
[ ٣٠٤ ]
العوائد في الجاهلية أو عوائد القبائل والبادية ويتركوا الشرع، يقول: هذا حلال، أو: هذا يساوي ما أنزل الله، فإذا قال إنه أحسن مما أنزل الله، أو يساوي ما أنزل الله، أو قال إنه حلال فقط، ولم يقل: إنه يساوي، ولا أفضل، قال: حلال جائز، هذا يعتبر طاغوتًا، وهذا بنص القرآن، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ سمي طاغوتًا لأنه تجاوز حده، أما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يقر أن ما أنزل الله هو الواجب الاتباع والحق، وأن غيره باطل، وأنه يحكم بباطل، فهذا يعتبر كافرا الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة، لكنه على خطر عظيم، على طريق قد يصل به إلى الكفر المخرج من الملة إذا تساهل في هذا الأمر.
وأما من حكم بغير ما أنزل الله عن غير تعمد بل عن اجتهاد، وهو من أهل الاجتهاد من الفقهاء واجتهد ولكن لم يصب حكم الله، وأخطأ في اجتهاده فهذا مغفور له، قال ﷺ: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ، فله أجر» لأنه لم يتعمد الخطأ هو
[ ٣٠٥ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
_________________
(١) يريد الحق ويريد موافقة حكم الله ﷿؛ لكنه لم يوفق له فهذا يعتبر معذورًا ومأجورًا؛ ولكن لا يجوز اتباعه على الخطأ، لا يجوز لنا أن نتبعه على الخطأ، ومن هذا اجتهادات الفقهاء التي أخطؤوا فيها أو اجتهادات القضاة في المحاكم إذا اجتهدوا وبذلوا وسعهم في طلب الوصول إلى الحق ولكن لم يوفقوا فخطؤهم مغفور.
(٢) قال ﷾: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لا إكراه في الدين، معناه أن أحدًا لا يكره على الدخول في الإسلام؛ لأن الدخول في الإسلام لا بد يكون عن اقتناع واعتقاد بالقلب ولا يكره عليه أحد، لا يمكن هذا؛ لأن القلوب لا يتصرف فيها إلا الله ﷾، لا يكره أحد إلى الإسلام لأننا لا نملك القلوب، وإنما الله جل وعلا هو الذي يملكها ويتصرف فيها
[ ٣٠٦ ]
ولكن نحن ندعو للإسلام ونرغب فيه، نجاهد في سبيل الله من كفر لأجل نشر الإسلام وإتاحة الفرصة لمن يريد أن يسلم، ولأجل قمع أعداء الله، أما الهداية فهي بيد الله ﷾ لا أحد يكره على الإيمان والإسلام.
وإنما هذا شيء راجع إليه هو، ثم قال تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ فالإسلام - ولله الحمد - ليس فيه ما يكره بل كله محبوب ومرغوب، والكفر والشرك كله شر وكله مكروه، قد تبين هذا من هذا، تميز الرشد وهو الحق، من الغي وهو الباطل، والإنسان عنده عقل وعنده تفكير يوازن بين الحق والباطل، سيهديه تفكيره إن كان سليما وسالمًا من الهوى والدوافع، سيهديه تفكيره السليم إلى قبول الحق بدون أن يكره، هذا قول في الآية.
والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في أهل الكتاب، أن أهل الكتاب لا يجبرون على الدخول في الإسلام، بل إذا أرادوا البقاء على دينهم مكنوا من ذلك بشرط أن يدفعوا الجزية للمسلمين وهم صاغرون، أما غيرهم من الكفرة فلا يقبل منهم غير الإسلام أو القتل، لأنهم ليس لهم دين والوثنية دين باطل.
[ ٣٠٧ ]
والقول الثالث: أن هذه الآية منسوخة بآية الجهاد، هذه في أول الأمر قبل أن يشرع الجهاد ثم شرع الجهاد فنسخت هذه الآية.
ولكن القول الأول هو الصحيح أن الآية غير منسوخة وأن الدين لا يدخل في القلوب بالإكراه وإنما يدخل بالاختيار، لكن من لم يقبل الدين يعامل المعاملة اللائقة به من قتل أو أخذ جزية مما شرع الله ﷾ في حقه.
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ الطاغوت: المراد جميع الطواغيت في العبادة أو الاتباع أو في الطاعة لأن كلمة الطاغوت هنا عامة، قدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله لأن الإيمان بالله لا ينفع إلا بعد الكفر بالطاغوت، فمن آمن بالله ولم يكفر بالطاغوت فإنه لا ينفعه إيمانه، فالذي يقول: إنه مؤمن ويصلي ويصوم ويزكي ويحج ويفعل الطاعات لكنه لا يتبرأ من الشرك ولا المشركين ويقول: لا دخل لي فيهم، هذا لا يعتبر مسلمًا لأنه لم يكفر بالطاغوت.
فلا بد من الكفر بالطاغوت وهو رفض الطاغوت واعتقاد بطلانه، والابتعاد عنه وعن أهله، لا بد من هذا، فلا يصح إيمان إلا بعد الكفر بالطاغوت.
[ ٣٠٨ ]
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى لا اله إِلا اللهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» .
_________________
(١) وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] فلا تصح عبادة الله إلا باجتناب الطاغوت لا يجتمع ضدان، لا يجتمع الإيمان والكفر في القلب، الإيمان والكفر الأكبر لا يجتمعان في قلب، أما الكفر الأصغر فقد يجتمع.
(٢) قال الشيخ: وهذا معنى لا إله إلا الله يعني الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله، هذا هو رأس أمر الدين، الشهادتان هما رأس الإسلام وهما أصل الإسلام، فلا يدخل الإنسان في الإسلام إلا إذا أتى بالشهادتين نطقًا وعلمًا وعملًا واعتقادًا، لا يكون الإنسان مسلما إلا بذلك، شبه الدين بالجسم الذي له رأس عمود وسنام فإذا قطع الرأس أو لم
[ ٣٠٩ ]
يكن هناك رأس فإنه لا بقاء للحياة، كذلك بدون التوحيد لا بقاء للدين؛ لأنه هو الرأس الذي إذا قطع أو زال زالت الحياة وفسد البدن.
وعموده الذي يقوم عليه هو الصلاة، فبدون عمود لا يقوم الإسلام، مثل بيت الشعر أو الخيمة إذا لم يكن هناك عمود تقوم عليها فإنها لا تقوم، فلا يقوم بيت إلا بعمود فإذا فقد العمود لا يقوم البيت، كذلك الصلاة إذا فقدت فإن الإسلام لا يقوم، ولذلك قال العلماء: إن من ترك الصلاة تكاسلًا فإنه يكفر على الصحيح ولو كان يعترف بوجوبها؛ لأنه لا فائدة من الاعتراف بالوجوب مع عدم التطبيق وعدم العمل، لا فائدة من ذلك، ولذلك حكم المحققون من أهل العلم بكفر من ترك الصلاة متعمدًا ولو كان يقر بوجوبها، أما من كان يجحد وجوبها فهذا كافر بإجماع المسلمين.
وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله: ذروة سنام الأمر وهو الدين، الجهاد في سبيل الله فالجهاد دليل على قوة الإسلام، إذا وجد الجهاد في سبيل الله فهذا دليل على قوة الإسلام لأن الجهاد لا يكون إلا من قوة إيمان وقوة مادة.
[ ٣١٠ ]
فالنبي ﷺ جعل ثلاثة أشياء للدين: الرأس، والعمود، والسنام، فبعدم الرأس لا وجود للدين أصلًا فالذي لا يحقق الرأس وهو التوحيد لا دين له. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
والذي لا يصلي لا يقوم له دين وإن شهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ لأنه يحتاج إلى عمود يقيم عليه الدين وهو لا يوجد إلا بالصلاة. وإذا فقد الجهاد فقدت القوة في الإسلام وصار إسلامًا ضعيفًا وصار المسلمون مستضعفين، فلا قوة للإسلام والمسلمين إلا بالجهاد في سبيل الله ﷿، فهو علامة القوة، وفقده علامة الضعف. هذا وجه تشبيه الرسول ﷺ لهذه الأمور الثلاثة بالنسبة للدين، رأس وعمود وسنام، كما أن البعير إذا صار له سنام هذا يدل على أنه قوي وإذا لم يكن له سنام فهذا يدل على أنه هزيل ضعيف.
كذلك المسلمون اليوم مستضعفين في الأرض ولهذا في الحديث «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم» فترك الجهاد ذل وضعف للمسلمين، ووجوده دليل القوة والسمن، كالسنام للحيوان.
وبهذا انتهى شرح هذا الكتاب المبارك ثلاثة الأصول.
[ ٣١١ ]