المسألة الأولى: العلم وهو: معرفة العبد ربه ونبيه ودينه
أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل (٢)؛ الأولى: العلم وهو: معرفة الله (٣) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) هذه المسائل التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى تشمل الدين كله فهي جديرة بالعناية لعظم نفعها.
(٢) أي معرفة الله ﷿ بالقلب معرفة تستلزم قبول ما شرعه والإذعان والأنقياد له، وتحكيم شريعته التي جاء بها رسوله محمد ﷺ، ويتعرف العبد على ربه بالنظر في الآيات الشرعية في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ والنظر في الآيات الكونية التي هي المخلوقات، فإن الإنسان كلما نظر في تلك الآيات ازداد علمًا بخالقه ومعبودة قال الله ﷿: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات، الآيتين: ٢٠-٢١] .
[ ١٩ ]
ومعرفة نبيه (١) ومعرفة دين الإسلام (٢) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أي معرفة رسوله محمد ﷺ المعرفة التي تستلزم قبول ما جاء به من الهدى ودين الحق، وتصديقه فيما أخبر، وامتثال أمره فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وتحكيم شريعته والرضا بحكمه قال الله ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء الآية: ٦٥] . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة النساء: ٥٩] . وقال ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور، الآية: ٦٣] . قال الإمام أحمد ﵀: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
(٢) قوله معرفة دين الإسلام: الإسلام بالمعنى العام هو التعبد لله بما شرع منذ أن ارسل الله الرسل إلى أن تقوم الساعة كما ذكر ﷿ ذلك في آيات كثيرة تدل على أن الشرائع السابقة كلها إسلام لله ﷿: قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٢٨] . والإسلام بالمعنى الخاص بعد بعثة النبي ﷺ يختص بما بعث به محمد ﷺ لأن ما بعث به النبي ﷺ نسخ جميع الأديان السابقة فصار من أتبعه مسلمًا ومن خالفه ليس بمسلم، فأتباع الرسل مسلمون في زمن رسلهم،
[ ٢٠ ]
بالأدلة (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فاليهود مسلمون في زمن موسى ﷺ والنصارى مسلمون في زمن عيسى ﷺ، وأما حين بعث النبي محمد ﷺ فكفروا به فليسوا بمسلمين. وهذا الدين الإسلامي هو الدين المقبول عند الله النافع لصاحبه قال الله ﷿ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران، الآية: ٨٥] وهذا الإسلام هو الإسلام الذي امتن به على محمد ﷺ وأمته، قال الله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣] .
(٢) قوله: بالأدلة جميع دليل وهو ما يرشد إلى المطلوب، والأدلة على معرفة ذلك سمعية، وعقلية، فالسمعية ما ثبت بالوحي وهو الكتاب والسنة، والعقلية ما ثبت بالنظر والتأمل، وقد أكثر الله ﷿ من ذكر هذا النوع في كتابه فكم من آية قال الله فيها ومن آياته كذا وكذا وهكذا يكون سياق الأدلة العقلية الدالة على الله تعالى. وأما معرفة النبي ﷺ بالأدلة السمعية فمثل قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [سورة الفتح، الآية: ٢٩] الآية. وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٤٤] . بالأدلة العقلية بالنظر والتأمل فيما أتى به من الآيات البينات التي أعظمها كتاب الله ﷿ المشتمل على الآخبار الصادقة النافعة والأحكام المصلحة العادلة، وما جرى على يديه من خوارق العادات، وما أخبر به من أمور الغيب التي لا تصدر إلا عن وحي والتي صدقها ما وقع منها.
[ ٢١ ]
المسألة الثانية العمل به
الثانية العمل به (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قوله العمل به أي العمل بما تقتضيه هذه المعرفة من الإيمان بالله والقيام بطاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من العبادات الخاصة، والعبادات المتعدية، فالعبادات الخاصة مثل الصلاة، والصوم، والحج، والعبادات المتعدية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله وما أشبه ذلك. والعمل في الحقيقة هو ثمرة العلم، فمن عمل بلا علم فقد شابه النصارى، ومن علم ولم يعمل فقد شابه اليهود.
[ ٢٢ ]
المسألة الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إليه
الثالثة: الدعوة إليه (٢) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أي الدعوة إلى ما جاء به الرسول ﷺ من شريعة الله تعالى على مراتبها الثلاث أو الأربع التي ذكرها الله ﷿ في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٢٥] والرابعة قوله: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٤٦] . ولا بد لهذه الدعوة من علم بشريعة الله ﷿ حتى تكون الدعوة عن علم وبصيرة. لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف، الآية: ١٠٨] والبصيرة تكون فيما يدعو إليه بأن يكون الداعية عالمًا بالحكم الشرعي، وفي كيفية الدعوة، وفي حال المدعو. ومجالات الدعوة كثيرة منها: الدعوة إلى الله تعالى بالخطابة، وإلقاء المحاضرات، ومنها الدعوى إلى الله بالمقالات، ومنها الدعوة إلى الله بحلقات العلم، ومنها الدعوى إلى الله بالتأليف ونشر الدين عن طريق التأليف.
[ ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ومنها الدعوة إلى الله في المجالس الخاصة فإذا جلس الإنسان في مجلس في دعوة مثلًا فهذا مجال للدعوة إلى الله ﷿ ولكن ينبغي أن تكون على وجه لا ملل فيه ولا إثقال، ويحصل هذا بأن يعرض الداعية مسألة علمية على الجالسين ثم تبتدئ المناقشة ومعلوم أن المناقشة والسؤال والجواب له دور كبير في فهم ما أنزل الله على رسوله وتفهيمه، وقد يكون أكثر فعالية من إلقاء خطبة أو محاضرة إلقاء مرسلًا كما هو معلوم. والدعوة إلى الله ﷿ هي وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام وطريقة من تبعهم بإحسان، فإذا عرف الإنسان معبوده، ونبيه، ودينه ومن الله عليه بالتوفيق لذلك فإن عليه السعي في إنقاذ أخوانه بدعوتهم إلى الله ﷿ وليبشر بالخير، قال النبي ﷺ لعلي بن أبى طالب ﵁ يوم خيبر: "أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من حمر النعم" (١) متفق على صحته. ويقول ﷺ فيما رواه مسلم: "من دعا إلى الهدى كان له من الأجل مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الأثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" (٢) . وقال ﷺ فيما رواه مسلم أيضًا: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (٣) .
(٢) رواه البخاري، كتاب الجهاد، باب: دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة. ومسلم. كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل علي بن أبي طالب ﵁-.
(٣) مسلم، كتاب العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة.
(٤) مسلم، كتاب الإمارة باب: فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره.
[ ٢٣ ]
المسألة الرابعة: الصبر على الأذى فيه
الرابعة: الصبر على الأذى فيه (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الصبر حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصية الله، وحبسها عن التسخط من أقدار الله فيحبس النفس عن التسخط والتضجر والملل، ويكون دائمًا نشيطًا في الدعوة إلى دين الله وإن أوذى، لأن أذية الداعين إلى الخير من طبيعة البشر إلا من طبيعة البشر إلا من هدى الله قال الله تعالى: لنبيه ﷺ: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٣٤] وكلما قويت الأذية قرب النصر، وليس النصر مختصًا بأن ينصر الإنسان في حياته ويرى أثر دعوته قد تحقق بل النصر يكون ولو بعد موته بأن يجعل الله في قلوب الخلق قبولًا لما دعا إليه وأخذًا به وتمسكًا به فإن هذا يعتبر نصرًا لهذا الداعية وإن كان ميتًا، فعلى الداعية أن يكون صابرًا على دعوته مستمرًا فيها. صابرًا على ما يعترضه هو من الأذى، وهاهم، وها هم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أوذوا بالقول وبالفعل قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٢] وقال ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٣١] ولكن على الداعية أن يقابل ذلك بالصبر وأنظر إلى قول الله ﷿ لرسوله ﷺ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٢٣] كان من المنتظر أن يقال فاشكر نعمة ربك ولكنه ﷿ قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٢٤] وفي هذا إشارة إن كل من قام بهذا القرآن فلابد أن يناله ما يناله مما يحتاج إلى صبر، وأنظر إلى حال النبي ﷺ حين ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:
[ ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) "اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (١) فعلى الداعية أن يكون صابرًا محتسبًا.
[ ٢٥ ]