الأصل الأول: معرفة العبد ربه
فإذا قبل لَكَ: مَا الأُصُولُ (١) الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإنسان
ــ
(١) الأصول جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره، ومن ذلك أصل الجدار وهو أساسه، وأصل الشجرة الذي يتفرغ منه الأغصان، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٢٤] .
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التفسير، سورة البقرة باب قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ الآية: ١٦٥.
[ ٤٢ ]
معرفتها (١)؟ فقل: معرفة العبد ربه (٢) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وهذه الأصول الثلاثة يشير بها المصنف رحمه إلى الأصول التي يسأل عنها الإنسان في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟
(٢) أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه المسألة بصيغة السؤال وذلك من أجل أن ينتبه الإنسان لها؛ لأنها مسألة عظيمة وأصول كبيرة؛ وإنما قال: إن هذه هي الأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا لأنها هي الأصول التي يسال عنها المرء في قبره إذا دفن وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان فأقعداه فسألاه من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، وأما المرتاب أو المنافق فيقول هاها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.
(٣) معرفة الله تكون بأسباب: منها النظر والتفكر في مخلوقاته ﷿ فإن ذلك يؤدي إلى معرفته ومعرفة عظيم سلطانه وتمام قدرته، وحكمته، ورحمته قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٨٥] . وقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سورة سبأ، الآية: ٤٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٩٠] وقال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس، الآية: ٦] وقال ﷾: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ
[ ٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٦٤] . ومن أسباب معرفة العبد ربه النظر في آياته الشرعية وهي الوحي الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام فينظر في هذه الآيات وما فيها من المصالح العظيمه التي لا تقوم حياة الخلق في الدنيا ولا في الآخرة إلا بها، فإذا نظر فيها وتاملها وما اشتملت عليه من العلم والحكمة ووجد انتظامها موافقتها لمصالح العباد عرف بذلك ربه ﷿ كما قال الله ﷿: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٨٢] . ومنها ما يلقى الله ﷿ في قلب المؤمن من معرفة الله ﷾ حتى كأنه يرى ربه رأي العين قال النبي ﵊ حين ساله جبريل مال الإِحْسَانِ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". (١)
(٢) أي معرفة الأصل الثاني وهو دينه الذي كلف العمل به ما تضمنه من الحكمة والرحمة ومصالح الخلق، ودرء المفاسد عنها، ودين الإسلام من تأمله حق التأمل تأملًا مبينًا على الكتاب والسنة عرف أنه دين الحق، وأنه الدين الذي لا تقوم مصالح الخلق إلا به، ولا ينبغي أن نقيس الإسلام بما عليه المسلمون اليوم، فإن المسلمين قد فرطوا في أشياء كثيرة وارتكبوا
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإيمان والإسلام.
[ ٤٤ ]
ونبيه محمدًا ﷺ (١)
_________________
(١) محاذير عظيمة حتى كأن العائش بينهم في البلاد الإسلامية يعيش في بعض البلاد الإسلامية يعيش في جو غير إسلامي. والدين الإسلامي -بحمد الله تعالى- متضمن لجميع المصالح التي تضمنتها الأديان السابقة متميز عليها بكونه صالحًا لكل زمان ومكان وأمة، ومعنى كونه صالحًا لكل زمان ومكان وأمة: أن التمسك به لا ينافي مصالح الأمة في أي زمان ومكان أمة، فدين الإسلام يأمر بكل عمل صالح وينهي عن كل عمل سيء فهو يأمر بكل خلق فاضل، وينهى عن كل خلق يافل.
(٢) هذا هو الأصل الثالث وهو معرفة الإنسان نبيه محمدًا ﷺ، وتحصل بدراسة حياة النبي ﷺ وما كان عليه من العبادة، والأخلاق، والدعوة إلى الله ﷿، والجهاد في سبيله وغير ذلك من جوانب حياته ﵊، ولهذا ينبغي لكل إنسان يريد أن يزداد معرفة بنبية وإيمانًا به أن يطالع من سيرته ما تيسر في حربه وسلمه، وشدته ورخائه وجميع أحواله نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من المتبعين لرسوله ﷺ، باطنًا وظاهرًا، وأن يتوفانا على ذلك انه وليه والقادر عليه.
[ ٤٥ ]
الأصل الثاني: معرفة العبد دينه
الأصل الثاني: (١): معرفة دين الإسلام بالأدلة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أي من الأصول الثلاثة: معرفة دين الإسلام بالأدلة يعني أن يعرف دين الإسلام بأدلته من الكتاب والسنة.
(٢) دين الإسلام وإن شئت فقل الإسلام هو "الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ من الشرك وأهله" فهو متضمن لأمور ثلاثة.
[ ٦٨ ]
تعريف الإسلام
وهو: الإستسلام (٢) لله بالتوحيد (٣)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أي بأن يستسلم العبد لربه استسلاما شرعيًا وذلك بتوحيد الله ﷿ وافراده بالعبادة، وهذا الإسلام هو الذي يحمد عليه العبد ويثاب
[ ٦٨ ]
وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ (١)، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ (٢)
_________________
(١) عليه، أما الاستسلام القدري فلا ثواب فيه لأنه لا حيلة للإنسان فيه قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٨٣] .
(٢) وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لأن الطاعة طاعة في الأمر بفعله وطاعة في النهي بتركه.
(٣) البراءة من الشرك أي أن يتبرأ منه، ويتخلى منه وهذا يستلزم البراءة من أهله قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة، الآية: ٤]
[ ٦٩ ]
مراتب الدين
وَهُوَ ثَلاثُ مَرَاتِبَ (٣): الإسْلامُ، وَالإِيمَانُ وَالإِحْسَانُ، وَكُلُّ مرتبة لها أركان (٤) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(٣) بين المؤلف رحمه الله تعالى أن الدين الإسلامي ثلاث مراتب بعضها فوق بعض وهي الإسلام، والإيمان، والإحسان.
(٤) دليل ذلك قوله ﷺ في الحديث الذي رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حين جاء جبريل يسأل النبي ﷺ عن الإسلام والإحسان وبين له ﷺ ذلك وقال: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١)
(٥) دليل ذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ: "بني الإسلام على خمس شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمدًا رسول الله، وإقام
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٦٩ ]
الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ الله الحرام". (١)
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الإيمان باب: قول النبي ﵊: "بني الإسلام على خمس " ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
[ ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) اللهِ (١)، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ. فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) [سورة آل عمران، الآية: ١٨] الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ الله الحرام". (١)
(٢) شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمدًا رسول الله ركن واحد وإنما كانتا ركنا واحدًا مع أنهما من شقين لأن العبادات تبني على تحقيقهما معًا، فلا تقبل العبادة إلا بالإخلاص لله ﷿ وهو ما تتضمنه شهادة أن محمدًا رسول الله.
(٣) في الآية الكريمة شهادة الله لنفسه بأنه لا إله إلا هو، وشهادة الملائكة وشهادة أهل العلم بذلك وأنه تعالى قائم بالقسط أي العدل ثم قرر ذلك بقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وفي هذه الآية منقبة عظيمة لأهل العلم حيث أخبر أنهم شهداء معه ومع الملائكة والمراد بهم أولو العلم بشريعته ويدخل فيهم دخولًا أوليًا رسله الكرام. وهذه الشهادة أعظم شهادة لعظم الشاهد والمشهود به، فالشاهد هو الله وملائكته، وأولو العلم، والمشهود به توحيد الله في ألوهيته وتقرير ذلك ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
(٤) رواه البخاري، كتاب الإيمان باب: قول النبي ﵊: "بني الإسلام على خمس " ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
[ ٧٠ ]
ومعناها: لا معبود بحق إلا الله؛ "لا اله" نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ " إِلا اللهُ" مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أنه لا شريك له في ملكه (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قوله ومعناها أي معنى لا إله إلا الله ألا معبود بحق إلا الله فشهادة أن لا إله إلا الله أن يعترف الإنسان بلسانه وقلبه بأنه لا معبود حق إلا الله ﷿ لأنه "إله" بمعنى مألوه، والتأله التعبد، وجملة " لا إله إلا الله" مشتملة على نفي وإثبات، أما النفي فهو " لا إله" وأما الإثبات "إلا الله" و"الله" لفظ الجلالة بدل من خبر " لا " المحذوف والتقدير "لا إله حق إلا الله" وبتقديرنا الخبر بهذه الكلمة "حق" يتبين الجواب عن الإشكال التالي: وهو كيف يقال " لا إله إلا الله" مع أن هناك آلهة تعبد من دون الله وقد سماها الله تعالى آلهة وسماها عابدوها آلهة قال الله ﵎: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [سورة هود، الآية: ١١٠] وكيف يمكن أن نثبت الألوهية لغير الله ﷿ والرسل يقولون لأقوامهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾؟ [سورة الأعراف، الآية: ٥٩] والجواب على هذا الأشكال يتبين بتقدير الخبر في " لا إله إلا الله" فنقول: هذه الآلهة التي تعبد من دون الله هي آلهة لكنها آلهة باطلة ليست آلهة حقة وليس لها من حق الألوهية شيء، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة الحج، الآية: ٦٢] ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ
[ ٧١ ]
وَتَفْسِيرُهَا الَّذِي يُوَضِّحُهَا، قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ (١) لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ (٢) مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي (٣) فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٤) وَجَعَلَهَا. (٥) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [سورة النجم، الآيات: ١٩-٢٣] وقوله تعالى عن يوسف ﵊: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سورة يوسف الآية: ٤٠] إذن فمعنى " لا إله إلا الله " لا معبود حق إلا الله ﷿، فأما المعبودات سواه فإن ألوهيتها التي يزعمها عابدوها ليست حقيقة أي ألوهية باطلة.
_________________
(١) إبراهيم هو خليل الله إمام الحنفاء، وأفضل الرسل بعد محمد ﷺ وأبوه آزر.
(٢) (براء) صفة مشبهة بالبراءة وهي أبلغ من بريء. وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ يوافي قول " لا إله ".
(٣) خلقني إبتداء على الفطرة وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ يوافي قوله "إلا الله" فهو ﷾ لا شريك له في ملكه ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٤] ففي هذه الآية حصر الخلق والأمر لله رب العالمين وحده فله الخلق وله الأمر الكوني الشرعي.
(٤) ﴿سَيَهْدِينِ﴾ سيدلني على الحق ويوفقني له. ﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي هذه الكلمة وهي البراءة من كل معبود سوى الله.
[ ٧٢ ]
كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٧ [سورة آل عمران، الآية: ٦٤] .
_________________
(١) ﴿في عقبه﴾ في ذريته.
(٢) ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي إليها من الشرك.
(٣) الخطاب للنبي ﷺ لمناظرة أهل الكتاب اليهود والنصارى.
(٤) ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ هذه الكلمة هي ألا نعبد إلا الله هي معنى "لا إله إلا الله"، ومعنى ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أننا نحن وإياكم سواء فيها.
(٥) أي لا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ﷿ بحيث يعظم كما يعظم الله ﷿، ويعبد كما يعبد الله، ويجعل الحكم لغيره.
(٦) ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عما دعوتموهم إليه.
(٧) أي فأعلنوا لهم واشهدوهم أنكم مسلمون لله، بريئون مما هم عليه من العناد والتولي عن هذه الكلمة العظيمة "لا إله إلا الله".
[ ٧٣ ]
وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيم﴾ (٤) [سورة التوبة، الآية: ١٢٨] .
_________________
(١) قوله ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي من جنسكم بل هو من بينكم أيضًا كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الجمعة، الآية: ٢] .
(٢) أي يشق عليه ما شق عليكم.
(٣) أي على منفعتكم ودفع الضر عنكم.
(٤) أي ذو رأفة ورحمة بالمؤمنين، وخص المؤمنين بذلك لأنه ﷺ مأمور بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، وهذه الأوصاف لرسول الله ﷺ تدل على أنه رسول الله حقًا كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [سورة الفتح، الآية: ٢٩] وقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٥٨] والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا تدل على أن محمدًا رسول الله حقًا.
[ ٧٤ ]
معنى شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمد رسول الله ﷺ
شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمد رسول
[ ٦٩ ]
معنى شهادة أن محمد رسول الله
وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع (١) .
_________________
(١) معنى شهادة "أن محمدًا رسول الله" هو الإقرار باللسان والإيمان بالقلب بأن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي رسول الله - ﷿ - إلى جميع الخلق من الجن والإنس كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦] ولا عبادة لله تعالى إلا عن طريق الوحي الذي جاء به محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: ١] ومقتضى هذه الشهادة أن تصدق رسول الله ﷺ فيما أخبر، وأن تمتثل أمره فيما أمر، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا تعبد الله إلا بما شرع، ومقتضى هذه الشهادة أن تصدق رسول الله ﷺ فيما أخبر، وأن تمتثل أمره فيما أمر، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا تعبد الله إلا بما شرع، ومقتضى هذه الشهادة أيضًا أن لا تعتقد أن لرسول الله ﷺ، حقًا في الربوبية وتصريف الكون، أو حقًا في العبادة، بل هو ﷺ عبد لا يعبد ورسول لا يكذب، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا من النفع أو الضر إلا ما شاء الله كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٥٠] . فهو عبد مأمور يتبع ما أمر به، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [سورة الجن، الآيتين: ٢١-٢٢﴾ وقال سبحانه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٨٨] . وبهذا تعلم أنه لا يستحق العبادة لا رسول الله ﷺ ولا من دونه من
[ ٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) المخلوقين، وأن العبادة ليست إلا لله تعالى وحده. ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآيتين: ١٦٢-١٦٣] . وأن حقه ﷺ، أن تنزله المنزلة التي أنزله الله تعالى أياها وهو أنه عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٧٦ ]